صلةقبل


شبهة وردّ:
ويعجبني أن أُشير إلى دعوىً قد تثار، وهي: إنّ نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كنّ أصحاب الحقّ الشرعي؛ لقوله تعالى: (وقرْن في بيوتـكنّ) (1) فنسبت البيوت إليهنّ، وقد ثبتت حيازتهنّ لهذه البيوت في زمن رسول الله، وهذه المسألة غير مسألة فدك!
فنجيبهم عن ذلك: بأنّ الحيازة في الآية ليست حيازة استقلالية، بل هي من شؤون حيازة كلّ زوجة بالنسبة إلى زوجها، فلو لاحظت ما بعدها لعرفت أنّ البـيت هو للنبـيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لقوله تعـالى: (يا أيّها الّـذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبيّ إلاّ أن يؤذن لكم)(2) فنسب الله سبحانه البيت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .. ويؤيّد هذا ما ثبت عنه من مثل قوله: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة»(3) وغيرها من النصوص.
فالبيوت لم تكن للنساء حتّى يدّعى ملكيّتهنّ لها، بل كانت للنبيّ حتّى آخر حياته، لقوله: «ما بين بيتي ومنبري» حتّى إنّ عائشة كانت تنهى أُمّهات المؤمنين عن المطالبة بإرثهنّ معتمدة على حديث أبيها الذي مكّنها من بعد من بيت سكناها لتتصرّف فيه تصرّف المالك المطلق!!
فـقد روى البخاري أنّ عائشة قالت: أرسل أزواجُ النبـيّ صلى الله عليه وآله وسلم عثمانَ إلى أبي بكر يسألنه ثُمنهنّ ممّا أفاء الله على رسوله، فكنت أنا أردُّهُـنَّ، فـقلت لهـنّ: ألا تتّـقين الله؟! ألـم تعلمـن أنّ النبيّ كان يقـول:
____________
(1) سورة الاَحزاب 33: 33.
(2) سورة الاَحزاب 33: 53.
(3) انظر: مجمع الزوائد 4|9.

( 137 )

لا نورث ما تركناه صدقة(1).
وعـن عـروة، عـن عائشـة: إنّ أزواج الـنبـيّ صلى الله عليه وآله وسلم أردْن لـمّـا توفّـي صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنْه ميراثهنّ ـ أو قال: ثُمنهنّ ـ قالت: فقلت لهن: أليس قد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : لا نورّث ما تركناه صدقـة(2).
وقال ابن أبي الحديد: الذي تنطق به التواريخ أنّه صلى الله عليه وآله وسلم لمّا خرج من قباء ودخل المدينة، وسكن منزل أبي أيّوب، اختطّ المسجد، واختطّ حُجر نسائه وبناته، وهذا يدلّ على أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان المالك للمواضع، وأمّا خروجها عن ملكه إلى الاَزواج والبنات فممّا لم أقف عليه(3).
فأبو بكر بادّعائه هذا على رسول الله فقد نسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم إلغاءه قانون الاِرث للاَنبياء، وهذا يخالف الثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أنّه مكلّف كغيره من الناس بالفرائض والتكاليف، وأنّ تعاليم السماء تجري عليه كما تجري على غيره من بني الاِنسان، ولم يثبت أنّ ذلك من مختصّاته صلى الله عليه وآله وسلم ، ولاَجل ذلك اتّهمت الزهراء عليها السلام أبا بكر بالكذب!

وأمّا الاَمر الثاني:
وهو ظاهرة كذب الصحابة، فقد بيّـنّا سابقاً تخطئة الصحابة الواحد منهم للآخر، بل تكذيبهم بعضهم للبعض الآخر، وأنّ رسول الله كان قد أنبأ بجزاء من كذب عليه متعمّداً، وأنّه ستكثر عليه القالة من بعده!
____________
(1) صحيح البخاري 5|115 كتاب المغازي ـ باب حديث بني النضير.
(2) شرح نهج البلاغة 16|220.
(3) شرح نهج البلاغة 17|216 ـ 217.

( 138 )

فالزهراء عليها السلام في هذا المقطع من خطبتها أشارت إلى أمرين بقولها لاَبي بكر: «وأنتم تزعمون أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون؟!»، وفي آخر: «زعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، لقد جئت شيئاً فريّـاً!».. فهنا شقّان خطيران، هما:
الاَوّل: زعمهم بأنّها لا حظوة لها، ولا ترث من أبيها، وذلك حسب أحكام الجاهلية.
الثاني: تكذيبها أبا بكر في ما نقله وذهب إليه.
أمّا الاَوّل: فقد وضّحنا شيئاً منه قبل قليل.. وأمّا الثاني: فإنّ المواقف والنصوص توضّح كذب أبي بكر في ما رواه؛ إذ كيف به يوصي بالدفن عند رسول الله مع اطمئنانه بصدور الخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم ؟! لاَنّ بيت الرسول إمّا خاصّة له أو من جملة تركته صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن كان له خاصّةً فهو صدقة وقد جعلها للمسلمين كما زعمه: «نحن معاشر الاَنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة»، فلا يجوز أن يختصّ بواحدٍ دون آخر!..
وإن كان من جملة تركته وميراثه، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم يورّث كغيره من المسلمين، فهما ـ أبو بكر وعمر ـ لم يكونا ممّن يرث رسول الله!
لا يقال: إنّ ذلك بحصّة عائشة وحفصـة..
فإنّه يقال: إنّ نصيبهما لا يبلغ مفحص قطاة، لاَنّه صلى الله عليه وآله وسلم مات عن تسع نسوة وبنت لصلبه، فلكلّ واحدة من نسائه تسع الثمن، فما بال عائشة وحفصة ترثان ولا ترث فاطمة وهي بنته ومن صلبه؟!
ولو كان واثقاً من صـحّة ما حدّث به وما ذهب إليه، فلماذا يسعى لاسترضاء الزهراء صلى الله عليه وآله وسلم ويتأسّف في أُخريات حياته متمنّياً أنّه لم يكشف بيتها؟!


( 139 )

ولو صحّ كلام أبي بكر، فكيف صحّ له أن يدفع آلة رسول الله ودابّته وحذاءه إلى عليّ بن أبي طالب(1)، ويمكّن زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم من التصرّف في حجراتهنّ؟! وقد قلنا سابقاً بأنّ الانتقال إليهنّ إمّا على جهة الميراث أو النِحلة، والاَوّل مناقض لِما رواه أبو بكر عن رسول الله: «نحن معاشر الاَنبياء...»، والثاني يحتاج إلى إثبات من قبل أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم ، فلِمَ لَمْ يطالبهنّ بالشهود كما طالب الزهراء عليها السلام ؟!
وكيف ساغ لعمر أن يدفع إلى عليٍّ والعبّـاس صدقة رسول الله لو صحّ حديث أبي بكر؟!
وهل أراد عمر بفِعله أن يتّهم أبا بكر بوضع الحديث، أم أنّه تأوّله وفهم منه معنىً لا ينفي التوريث؟!
وهل يجوز لنبيّ أن يموت ولا يُعلِم ابنته وصهره بأنْ ليس لهما حقّ في إرثه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو المبيّن لاَحكام الله والرافع لكلّ لبس وإيهام؟!
وكيف به صلى الله عليه وآله وسلم يعلّم الآخرين ولا يعلّم صهره وابنته ـ أصحاب الحقّ ـ هذا الحكم الخاصّ بهم لو فرض وجوده؟!!
وهل يتوافق هذا مع ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل البيت عليهم السلام في حديث الثقلين: «فلا تقـدّموهما فتـهلكوا، ولا تقصـروا عنهمـا فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم»(2)؟!
وكيف بنساء النبيّ لا يعرفن حديث رسول الله وحكم ميراثه، فيرسلن إلى عثمان مطالبات بإرثهنّ ـ حينما منعهنّ عن بعضه ـ؟!
____________
(1) شرح نهج البلاغة 16|213 ـ 214.
(2) المعجم الكبير ـ للطبراني ـ 5|167 ذ ح 4971.

( 140 )

وكيف تختلف مواقف الحكّام في ميراث رسول الله، فأحدهم يعطي، والآخر يمنع، لو صـحّ وثبت عندهم حديث: «نحن معاشر الاَنبياء...»؟!
ألا يعني موقفُ عمر بن عبـد العزيز، والمأمون، والمعتصم، والواثق، وغيرهم من الّذين ردُّوا فدكاً، أنّهم كانوا من الّذين لا يرون صـحّة حديث أبي بكر؟!
ولو صحّ ما قاله أبو بكر عن الاَنبياء، لاشتهر بين الاَُمم الاَُخرى والاَديان السماوية، ولعرفه أتباع الاَنبياء؟! مع العلم بأنّ فدكاً ممّا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، بل استسلم أهلها خوفاً ورعباً، فهي للنبيّ خاصّة خالصة باتّفاق علماء الفريقين؛ لقوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكنّ الله يسلّط رسله على من يشاء والله على كلّ شيء قدير)(1).
إنّ إعطاء ريع فدك أو غيره للمسلمين في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يعني أنّها كانت لهم؛ لاَنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أنفق ما يملكه في سبيل الدعوة الاِسلامية، وهذا يجتمع مع قولنا: إنّه صلى الله عليه وآله وسلم ملّكها للزهراء عليها السلام في حياته، إذ يمكن اجتماع كِلا الاَمرين معاً، فمن جهة تكون الاَرض ملكاً للزهراء البتول عليها السلام ، ومن جهة أُخرى يصحّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التصرّف فيها وإنفاق ريعها في سبيل الدعوة للدين؛ لاَنّه الوالد، و «الولد وما يملك لاَبيه» ناهيك عن ولايته كنبيّ على كلّ مسلم ومسلمة.
ثمّ إنّ أبا بكر أراد أن لا يكون وحيداً في نقله لهذا الحديث، فقال
____________
(1) سورة الحشر 59: 6.
( 141 )

في جواب الزهراء عليها السلام : «لم أتفرّد به وحدي»(1)، وقد روت عائشة وحفصة وأوس بن الحدثان أنّهم سمعوا ذلك(2)، وأضاف صاحب المغني اسم عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبـد الرحمن بن عوف(3).
وجاء في الاختصاص أنّ أبا بكر قال: «فإنّ عائشة تشهد وعمر أنّهما سمعا رسول الله وهو يقول: إنّ النبيّ لا يورّث.
فقالت [فاطمة]: هذا أوّل شهادة زور شهدا بها في الاِسلام؛ ثمّ قالت: فإنّ فدك إنّما هي صدقة تصدّق بها علَيَّ رسول الله، ولي بذلك بيّـنة.
فقال لها: هلمّي ببيّـنتك.
قال: فجاءت بأُمّ أيمن وعليّ...»(4).
ونقل ابن أبي الحديد عن النقيب أبي جعفر يحيى بن محمّـد البصري قوله: إنّ عليّـاً وفاطمة والعبّـاس ما زالوا على كلمة واحدة يكذّبون «نحن معاشر الاَنبياء لا نورّث»، ويقولون: إنّها مختلقة، قالوا: كيف كان النبيّ يعرّف هذا الحكم غيرنا ويكتمه عنّـا؟! ونحن الورثة، ونحن أَوْلى الناس بأن يؤدّى هذا الحكم إليه(5).
____________
(1) الاحتجاج 1|97 ـ 108 (وطبعـة النجف 1|131 ـ 145) وعنه في بحار الاَنوار 29|231.
(2) انظر: قرب الاِسناد: 47 ـ 48 الطبعة القديمة، وتفسير علي بن إبراهيم 2|155 ـ 159.
(3) المغني ـ الجزء المتمّ العشرين ـ ق 1|328، وانظر: بحار الاَنوار 29|358، وفي صفحة 366 وما بعدها جواب صاحب المغني.. فمن أراد فليراجع.
(4) الاختصاص: 183 ـ 185.
(5) شرح نهج البلاغة 16|280.

( 142 )

وأمّا الاَمر الثالث:
هو تقريرها تركهم كتاب الله؛ فهو ظاهر في كلام الزهراء عليها السلام ؛ لاَنّ كلمة «ورث» التي وردت في عدّة آيات دالّة على المال لغة وعرفاً، إن لم تقيّد بقيد خارجي، لكنّهم صرفوا الاِرث إلى وراثة الحكمة والنبوّة دون الاَموال في مسألة إرث الرسول وقضية الزهراء، تقديماً للمجاز على الحقيقة بلا قرينة صارفة! لاَنّ جملة (وإنّي خفت الموالي)(1) يعني به وراثة المال لا العلم والحكمة، لكون الاَخيرَين لا يأتيان بالوراثة، فهما عطاء من الله، يمنّ به أو يمنع، وإنّ زكريّا كان يخاف من الموالي ـ وهم بنو العمومة ومن يحذو حذوهم ـ فقوله: (وليّـاً) يعني ولداً يكون أَوْلى بميراثي.
وعليـه: فحمل الآية على العلم والنبوّة خلاف الظاهر؛ لاَنّ النبوّة والعلم لا يورّثان، بل النبوّة تابعة للمصلحة العامّة ومقدّرة لاَهلها من الاَزل عند بارئها.. (اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَه)(2)، فلا مدخل للنسب فيها، كما أنّه لا أثر للدعاء والمسألة في اختيار الله أحداً من عباده نبيّاً.
على أنّ زكريّا إنّما سأل الله وليّاً من ولده يحجب مواليه ـ كما هو صريح الآية ـ من بني عمّه وعصـبته من الميراث، وذلك لا يليق إلاّ بالمال، ولا معنىً لحجب الموالي عن النبوّة والعلم.
ثمّ إنّ اشتراطه في ولّيه الوارث كونه رضيّاً بقوله: (واجعله ربّ
____________
(1) سورة مريم 19: 5.
(2) سورة الاَنعام 6: 124.

( 143 )

رضيّا)(1) لا يليق بالنبوّة؛ إذ العصمة والقداسة في النفسيات من الملكات، ولا تفارق الاَنبياء، فلا محصّل عندئذٍ لمسألته ذلك، وحاشا الاَنبياء عن طلب ما لا محصّل فيه.
نعم، يتمّ هذا في المال ومَن يرثه، فإنّ وارثه قد يكون رضيّاً وقد يكون غيره، ولذلك قال الرازي في تفسـيره: إنّ المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال، وهذا قول ابن عبّـاس والحسن والضحّاك(2)..
وقال الزمخشري في ربيع الاَبرار: ورث سليمان عن أبيه ألف فـرس(3)..
وقال البغوي في معالم التنزيل في تفسير الآية في سورة مريم: قال الحسن: معناه يرث مالي(4)..
وقال النيسابوري في تفسير الآية: عن الحسن: أنّه المال(5).
ونحن لو تأمّلنا في استدلال الاِمام عليّ والزهراء عليهما السلام والعبّـاس، لرأيناهم يستدلّون بالقرآن على خطئه وسقم دعواه؛ وذلك لاَنّهم أرادوا إلزامه بما ألزم به نفسه حينما نهى الناس عن التحديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: «بيننا وبينكم كتاب الله»، أي إنّهم استدلّوا بعمومات القرآن في الاِرث والوصية على خطئه، فرجع هو إلى ما نهاهم عنه من الحديث عن رسول الله!! أي إنّه استدلّ بما نهى عنه ضرورةً ومصلحةً!!
____________
(1) سورة مريم 19: 6.
(2) التفسير الكبير 21|184.
(3) ربيع الاَبرار 5|392 الباب 92.
(4) معالم التنزيل 3|158.
(5) تفسير النيشابوري ـ المطبوع مع تفسير الطبري ـ 19|93.

( 144 )

وأمّا الاَمر الرابع:
فلا يمكن لاَحد أن ينكر مكانة عليّ والزهراء عليهما السلام العلمية، ولو تأمّلت في احتجاجاتهما لرأيت الحقّ معهما لا محالة، فمثلاً نراهما يستدلاّن على أبي بكر ـ مضافاً إلى ما سبق ـ بقاعدة اليد، وإنّ على المدّعي [وهو أبو بكر] البيّـنة، وعلى المنكِر اليمين، وقد مرّ عليك حجّة الاِمام عليّ عليه السلام بقوله: «أخبرني لو كان في يد المسلمين شيء فادّعيتُ أنا فيه، مَن كنتَ تسأل البيّـنة؟!
قال: إيّاك كنت أسأل.
قال: فإذا كان في يدي شيء، فادّعى فيه المسلمون، تسألني فيه البيّـنة؟! فسكت أبو بكر...»(1).
وفي حديث آخر توجد زيادة: فما بال فاطمة سألتها البيّـنة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول الله وبعده، ولم تسأل المسلمين البيّـنة على ما ادّعوه شهوداً كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟! فسكت أبو بكر.
فقال عمر: يا عليّ! دعنا من كلامك، فإنّا لا نقوى على حجّتك، فإن أتيت بشهودٍ عدول، وإلاّ فهو فيءٌ للمسلمين، لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه.
فقال عليّ: يا أبا بكر! تقرأ كتاب الله؟!
قال: نعم.
قال: أخبرني عن قوله تعالي: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فينا نزلت أو في غيرنا؟!
____________
(1) علل الشرائع: 190 ـ 192 ح 1.

( 145 )

قال: بل فيكم.
قال: فلو أنّ شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله بفاحشة، ما كنت صانعاً بها؟!
قال: كنت أُقيم عليها الحدّ كما أُقيم على سائر نساء العالمين!!
قال: كنت إذاً عند الله من الكافرين.
قال: ولِمَ؟!
قال: لاَنّك رددت شهادة الله لها بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله ورسوله أنْ جَعَلَ لها فدك وقبضـته في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمّ قبلتَ شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وزعمت أنّه فيءٌ للمسلمين، وقد قال رسول الله: «البيّـنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه» فرددت قول رسول الله: «البيّـنة على من ادّعى واليمين على من ادُّعي عليه»(1).
ونحو هذا استدلال الزهراء عليها السلام على أبي بكر(2)، وقول الاَنصار لها: يا بنت رسول الله! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به(3).. وفي آخر: لو سمعنا حُجّتكم ما عدلنا عنكم.
وجاء في كلام الاِمام عليّ عليه السلام قوله: «فوالله يا معشر المهاجرين! لنحن أحقّ الناس به، لاَنّا أهل البيت، ونحن أحقُّ بهذا الاَمر منكم، ما كان فينا إلاّ القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسُنن رسول الله،
____________
(1) الاحتجاج 1|90 ـ 95 (طبعة النجف 1|119 ـ 127).
(2) انظر: كتاب سُليم بن قيس: 135 ـ 137.
(3) الاِمامة والسياسة 1|175.

( 146 )

المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الاَُمور السيّـئة، القاسم بينهم بالسويّة، والله إنّه لفينا، فلا تتّبعوا الهوى فتضـلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بُعـداً»(1).
وهل يعقل أن تطلب فاطمة عليها السلام ـ وهي سيّدة نساء أهل الجنّة، مع طهارتها وعصمتها ـ شيئاً ليس لها؟!
وهل تريد ظلم جميع المسلمين بأخذها أموالهم؟!
وهل يجوز لعليٍّ أن يشهد لفاطمة بغير حقّ؟! أو يمكن تصوّر مخالفته للحقّ ورسول الله يقول: «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ» ويقول: «اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار».
وهل يجوز القول عن أُمّ أيمن ـ المشهود لها بالجنّة ـ أنّها قد شهدت زوراً؟!
نعم، إنّا لا يمكننا أن نزكّي أبا بكر والزهراء معاً! إذ لو صدّقنا أبا بكر في دعواه لصحّ ما تساءلناه عن الزهراء، وإن كان أبو بكر كاذباً فالزهراء صادقة لا محالة..
وهكذا الحال بالنسبة إلى أحاديث «من خرج على..» أو «خالف..» أو «لم يعرف» إمام زمانه مات ميتة الجاهلية، أو «من خرج من طاعة السلطان شـبراً مات ميتـة جاهلية» فنحن لو قبلنا هذه النصوص معتـبرين أبا بكر هو إمام زمانه، للزم أن تكون الزهراء ـ سيّدة النساء، المطهّرة بنصّ القرآن ـ قد ماتت ميتة جاهلية!!!
وأمّا لو شككنا في كونه إمام ذلك العصر؛ لتخلُّف بعض الصحابة عنه
____________
(1) شرح نهج البلاغة 6|12، الاِمامة والسياسة 1|29.

( 147 )

ـ كعليٍّ والعبّـاس وبني هاشم والزبير والمقداد وسعد بن عبادة وغيرهم ـ لجاز خروج الزهراء عليه واعتقادها بانحرافه وضلالته، ولا يمكن تصحيح الموقفين معاً.
وإذا لم يقبل أبو بكر شهادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام لكونه المنتفع، فكيف قبل رسول الله شهادة خزيمة بن ثابت وعدّ شهادته شهادتين، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو المنتفع؟!
ولـو صـحّ مـا اسـتدلّوا بـه من أنّ الشـهادة لم تـكمل في قضـية فدك ـ مقتصرين على شهادة الاِمام عليّ عليه السلام وأُمّ أيمن ـ فماذا نفعل بما جاء عن سيرة الحكّام وحكمهم بالشاهد الواحد مع اليمين..
ففي كتاب الشهادات من كنز العمّال: إنّ رسول الله وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون بشـهادة الواحد مع اليمين(1).
وروى البيهقـي عن عليّ: أنّ أبا بكر وعمر وعثمان يقضون باليمين مع الشاهد(2).
كانت هذه نظرة عابرة ونماذج متفرّقة عن اختلاف المفاهيم والاَُصول عند الطرفين، وكيفية تشريع المواقف وصيرورتها أُصولاً تضاهي القرآن الحكيم والسُـنّة المطهّرة في العصور اللاحقة، وقد أعطتك ـ وخصوصاً النقطة ما قبل الاَخيرة ـ صورة عن تلاعب الحاكمين بالقوانين المالية الاِسلامية كـ:
أ ـ سهم المؤلّفة قلوبهم.
ب ـ تمليك الحجرات لزوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون بنـيه!
____________
(1) كنز العمّال 3|4 و 6.
(2) كنز العمّال 3|178.

( 148 )

ج ـ استجازة الحاكم الدفن عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع نقله قوله: «نحن معاشر الاَنبياء...».. وغيرها.

11 ـ الذهاب إلى مشروعية الرأي ومقولة: «حسبنا كتاب الله»:
ثبت عن أبي بكر أنّه أفتى بالرأي في الكلالة، مع أنّ الله كان قد وضّح حكمها في القرآن العزيز، لقوله تعالى: (يستفتونك قلِ الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤٌ هلَكَ ليس له ولدٌ وله أُختٌ فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن...)(1).
هذا، إضافة إلى مفردات كثيرة من هذا القبيل.
وشرح أُبيّ بن كعب هذا في كلام له بعد خطبة لاَبي بكر في يوم الجمعة أوّل شهر رمضان، فقال في جملة كلامه: فهذا مثلكم أيّتها الاَُمّة المهمَلَة ـ كما زعمتم ـ وأيمُ الله! ما أُهملتم، لقد نُصبَ لكم علمٌ يُحِلُّ لكم الحـلال ويحـرّم عليكـم الحـرام، لو أطعتمـوه ما اختلفتـم ولا تدابـرتم، ولا تقاتلتم، ولا برئ بعضكم من بعض..
فوالله! إنّكم بعده لمختلفون في أحكامكم، وإنّكم بعده لناقضون عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنّكم على عترته لمختلفون.
إن سُئل هذا عن غير ما يعلم أفتى برأيه، فقد أبعدتم وتخارستم، وزعمتم أنّ الاختلاف رحمة، هيهات! أبى الكتاب ذلك عليكم، يقول الله تبارك وتعالى: (ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأُولئك لهم عذاب عظيم)(2)، ثمّ أخبرنا باختلافكم، فقال:
____________
(1) سورة النساء 4: 176.
(2) سورة آل عمران 3: 105.

( 149 )

( ولا يزالون مختلفين * إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم)(1) أي: للرحمة، وهم آل محمّـد...»(2).
ونحن كنّا قد فصّلنا هاتين المقولتين في كتابنا منع تدوين الحديث ولا نحبّ المعاودة إليهما، فمن أراد المزيد فليراجع ذلك الكتاب.
فهذه النصوص أوقفتك على ملابسات بعض الاَُمور، ومَن هم وراء نسبة الاَحاديث إلى هذا أو ذاك، وأنّ إنكار حجّـيّة السُـنّة النبوية، والتلاعب بالنصوص، وإدخال مفاهيم خارجة عن نطاق النصوص، لم يكن من قبل المستشرقين، أمثال جولدتسهير وجيم شاخت(3) فقط، بل سبقهم إليه الرعيل الاَوّل من الصحابة، أمثال أبي بكر وعمر بقولهما: «بيننا وبينكم كتاب الله» و «حسبنا كتاب الله»، ومنعهم للتحديث والتدوين، وضربهم للصحابة عليه، وردعهم عن السؤال!
إنّ النزعة الداعية إلى الاَخذ بالقرآن وترك تدوين الحديث عند الشيخين ومَن ماشاهما، هي التي مهّدت الطريق للشيخ محمّـد عبـده(4) وأحمد أمين(5) وغلام أحمد پرويز(6) وغيرهم للقول بالاكتفاء بالقرآن عن السُـنّة.
____________
(1) سورة هود 11: 118 و 119.
(2) الاحتجاج 1|112 ـ 115 (طبعة النجف 1|153 ـ 157).
(3) دراسات في الحديث النبويّ ـ للدكتور الاَعظمي ـ: المقدّمة (م) وصفحة 6.
(4) دراسات في الحديث النبويّ ـ للدكتور الاَعظمي ـ 1|27 عن أضواء على السُـنّة المحمّـدية: 405 ـ 406.
(5) فجر الاِسلام، وعنه في دراسات في الحديث النبـويّ 1|27، والسُـنّة ومكانـتها ـ للسباعي ـ: 213.
(6) دراسات في الحديث النبويّ 1|29 عن « سُنّت كى آئينى حيثيّت » ـ للمودودي ـ: 16.

( 150 )

وهو المصرّح به من قبل الشيخ محمّـد رشيد رضا في تعليقته على مقالة الدكتور توفيق صدقي في المنار؛ إذ جاء في تعليقته: «... بقي في الموضوع بحث آخر هو محلّ للنظر، وهو هل الاَحاديث ـ ويسمّونها بسنن الاَقوال ـ دين وشريعة عامّة، وإن لم تكن سُـنناً متّبعة بالعمل بلا نزاع ولا خلاف لا سيّما في الصدر الاَوّل؟
إن قلنا: نعم؛ فأكبر شبهة تَرِدُ علينا نهي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن كتابة شيء عنه غير القرآن، وعدم كتابة الصحابة للحديث، وعدم عناية علمائهم وأئمّتهم كالخلفاء بالتحديث، بل نقل عنهم الرغبة عنه، كما قلنا للدكتور صدقي في مذاكّرته قبل أن يكتب شيئاً في الموضوع»(1).
ثمّ علّق الشيخ محمّـد رشيد رضا على فقرة أُخرى من مقالة الدكتور صدقي بقوله: «وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث، بل في رغبتهم عنه، بل في نهيهم عنه، قوي عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الاَحاديث كلّها ديناً عامّاً دائماً كالقرآن»(2).
أجـل، إنّ تفكيراً كهذا قد وصل في الهند إلى أن يُستغلّ من قبل الاَجنبي ـ حسب تعبير الدكتور مصطفى الاَعظمي في الدراسات 1|28 ـ لترسيخ بعض المفاهيم الجديدة على ضوء الموروث القديم.
فقد أسّـس غلام أحمد پرويز جمعية باسم: «أهل القرآن»، وأصدر مجلّة شهرية عنها، وفسّر بعض الكتب بهذا الصدد.
فـ «أهل القرآن» تركوا المتواتر العملي في الاِسلام كالصلاة والزكاة والحجّ، وما شاكلها، وقالوا: «لم يبيّن لنا القرآن الاَُمور الجزئية إلاّ قليلاً،
____________
(1) دراسات في الحديث النبويّ 1|26 ـ 27، عن مجلّة « المنار » م 9|929 ـ 930.
(2) دراسات في الحديث النبويّ 1|27 عن مجلّة « المنار » م 10|511.

( 151 )

وقد تطرّق في أغلب الاَحيان للكلّيات، فمثلاً: أمر الله سبحانه وتعالى بإقامة الصلاة، ولم يبيّن لنا مقدارها، فإن كان الله سبحانه وتعالى يريد أن تصلّي كما يصلّون لذَكَرَه في آية واحدة، مثلاً: صلّوا الظهر والعصر والعشاء أربعاً والفجر ركعتين والمغرب ثلاثاً.
ولا يمكن القول بأنّ مثل هذا التفصيل يزيد في حجم القرآن؛ لاَنّ القرآن الكريم كرّر الاَمر بإقامة الصلاة مرّة أو مرّتين، ثمّ تذكر التفصيلات لاِقامة الصلاة بدلاً عن التكرار، وكذلك الزكاة، وهلمّ جرّاً»(1).
وقالوا: «والخطأ الاَساسي الذي وقع فيه المسلمون من بعد الخلافة الراشدة حتّى الآن أنّهم لم يفهموا الاِسلام وروحه، إذ الاِسلام نظام اجتماعي مبنيّ على الشورى، فالقرآن يأمرنا بالاَُمور الكلّية ويترك تفصيلها لمجلس الشورى للمسلمين الذي يقرّر طريقة الصلاة ونسبة الزكاة حسب الزمان والمكان.
وهذا ما فهمه أبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون(2)، فكانوا يستشيرون الصحابة، وحيث شعروا بالحاجة إلى الاِضافة أضافوها، وإن لم يجدوا ضرورة للتغيير أبقوها.
ولو كانت سُـنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً دائماً لاَعطانا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً مكتوباً جاهزاً؛ وليس معنى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) أطيعوا سُـنّة الرسول بعد وفاته؛ لاَنّ سُـنّته لا تحمل في طيّاتها عنصر الديمومة والبقاء،
____________
(1) دراسـات فـي الحـديث النبـويّ 1|33 عـن مقـام حـديث: 65 ـ 66 و « المنـار » م 9|517.
(2) ثبت ذلك عن الثلاثة، أمّا الاِمام عليّ عليه السلام فكان أصلب الناس في معارضة هذا الفهم الخاطئ.

( 152 )

بل معنى (أطيعوا الرسـول): أطيعوا النظام الذي أرشـد إليه القـرآن والذي كان يمثّله الرسول في حياته، والذي يعني إقامة الخلافة على منهاج النبـوّة.
وبما أنّ هذا النظام قد استمرّ إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثمّ بعد مجيء الاَُمويّـين على مسرح السياسة اختلف الوضع، وأصبح هناك حدّ فاصل بين الدين والسياسة، ولم يفهم الناس معنى طاعة الرسول، فاتّجهوا إلى الاَحاديث؛ لاَنّ الاَحكام في القرآن قليلة، وضرورات الحياة أكثر فأكثر، وكان من واجبات الخلافة على منهاج النبوّة أن تسدّ ضرورات المجتمع في القضايا المتجدّدة، لكنّ عدم وجود الدولة بهذا المفهوم دفع الناس إلى الاَخذ بالحديث، وعند عدم كفاية المجموعة الحديثية ازداد الوضع أكثر فأكثر»(1).
وبهذا فقد عرفنا السـير الطبـيعي لمقولـة: «بينـنا وبـينـكم كتاب الله» و «حسبنا كتاب الله» و «لا تحدّثوا عن رسـول الله شيئاً»! والاَفكار المطروحة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما جرّته من مضاعفات خطيرة على السُـنّة الشريفة، وعلى الباحث استكشاف حقائق أكثر في هذا السياق، خصوصاً عندما يقف عند النصوص وقفة تدبّر وتفكّر!

للبحث صلة...


____________
(1) دراسات في الحديث النبويّ 1 / 33 ـ 34 عن مقام حديث : 68 ـ 70.