وإلى هاتين الآيتين ـ أو إحداهما ـ أشار السـيّد رحمه الله بقوله:
«ووسـيلتهم إليه».
قال الشيخ الطبرسي بتفسير الآية الاَُولى: «روى سعد بن طريف، عن
الاَصبغ بن نباتة، عن عليّ عليه السلام، قال: في الجنّة لؤلؤتان إلى بطنان
العرش، إحداهما بيضاء والاَُخرى صفراء، وفي كلّ واحدة منهما سبعون
ألف غرفة، أبوابها وأكوابها من عرقٍ واحد، فالبيضاء الوسيلة لمحمّـد صلّى
الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته، والصفراء لاِبراهيم عليه السلام وأهل
بـيته»(3).
ورواه الشيخ أبو إسحاق الثعلبي في تفسير الآية(4).
وروى الحاكم الحسكاني في الآية الثانية، قال:
«أخبرنا محمّـد بن عبـدالله بن أحمد، قال: أخبرنا محمّـد بن أحمد
قال السـيّد:
«فهم الناس المحسودون الّذين قال الله فيهم: (أم يحسدون الناس
على ما آتاهم الله من فضله).
كما اعترف به ابن حجر، حيث عدّ هذه الآية من الآيات النازلة
فيهم، فكانت الآية السادسة من آياتهم التي أوردها في الباب 11 من
صواعقه.
وأخـرج ابن المغازلي الشافعي ـ كما في تفسير هذه الآية من
الصواعق ـ عن الاِمام الباقر، أنّه قال: نحن الناس المحسودون والله. وفي
الباب 60 والباب 61 من غاية المرام ثلاثون حديثاً صحيحاً صريحاً
بذلك».
فقيـل:
«كلام المؤلّف في الحاشية يوهم أنّ كلام ابن حجر وكلام ابن
المغازلي الشافعي، دليلان يعضد أحدهما الآخر على أنّ هذه الآية في أهل
البيت، بينما هما دليلٌ واحد، فابن حجر ناقلٌ عن ابن المغازلي الشافعي،
كما هو مصرّح به في صواعقه 125، فضلاً عن أنّه دليل أوهى من بيت
أقـول:
لقد روى نزول الآية المباركة في أهل البيت عليهم السلام غير واحدٍ
من أعلام أهل السُـنّة، قبل الفقيه ابن المغازلي الشافعي.
منهم: أبو عبـدالله المرزباني: قال الحافظ ابن شهرآشوب
السروي(1): «حدّثني أبو الفتوح الرازي في (روض الجنان) بما ذكره أبو
عبـدالله المرزباني، بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّـاس،
في قوله: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) نزلت في
رسول الله وفي عليّ عليهما السلام»(2).
ومنهم: الحافظ الحسكاني، رواه بأسانيد له عن الاِمام جعفر بن
محمّـد الصادق عليه السلام(3).
فهم يروونه بأسانيدهم عن ابن عبّـاس، وعن أئمّة أهل البيت عليهم
السلام، كما يرويه أصحابنا الاِماميّة سواء.
ورواه الفقيه ابن المغازلي عن طريق الحافظ ابن عقدة، عن أبي
جعفر محمّـد بن عليّ الباقر عليه السلام، قال ـ في هذه الآية ـ: «نحن
النـاس»(4).
ورواه عنه ابن حجر المكّي في الصواعق، وأبو بكر الحضرمي في
رشفة الصادي، والقندوزي في ينابيعه، كما في الهامش.
وأرسله ابن أبي الحديد إرسال المسلّم حيث قال ـ في سياق جملةٍ
من مناقب الاِمام عليه السلام ـ: «وجاء في تفسير قوله تعالى: (أمْ
يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) أنّها أُنزلت في عليّ وما
خُصّ به من العلم»(1).
هـذا، والمقصود ـ كما أشرنا مراراً ـ إثبات أنّ هذه الفضائل
والمناقب متّفق عليها بين الفريقين، رواها كلّ فريق بأسانيده الخاصّة،
ونقلها في كتبه المعروفة، لئـلاّ يقال إنّها قضايا تفرّد بها الاِماميّة فلا يجوز
إلزام الغير بها ولا تكون حجةً عليه.
هـذا، وابن حجر المكّي صاحب الصواعق المحرقة من أكابر علماء
القوم المشهورين، توجد ترجمته في كثير من المصادر، كـ النور السافر في
أعيان القرن العاشر وغيره، ومنهم من أفرد ترجمته بالتأليف، وكتابه من
الكتب المؤلّفة ضدّ الاِماميّة ـ كما صرّح به في ديباجته ـ ولذا أمكن
لاَصحابنا أن يستدلّوا بما جاء فيه من المناقب والفضائل، غير إنّ أتباع ابن
تيميّة يكرهون الحافظ ابن حجر المكّي، لكونه من أشدّ الناس على
شيخهم، وفتياه بضلاله معروفة موجودة!
قال السـيّد:
«وهم الراسخون في العلم، الّذين قال: (والراسخون في العلم
يقولون آمنّا به)(1)».
فقال في الهامش:
«أخرج ثقة الاِسلام محمّـد بن يعقوب بسنده الصحيح، عن الاِمام
الصادق، قال: نحن قوم فرض الله عزّ وجلّ طاعتنا، ونحن الراسخون في
العلم، ونحن المحسودون. قال الله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما
آتاهم الله من فضله).
وأخرجه الشيخ في التهذيب، بسنده الصحيح، عن الاِمام الصادق
عليه السلام أيضاً».
فقيـل:
«تخصيص الآيات وقَصرها على بعض من تتناوله بمدلولها، من غير
دليلٍ صحيح يدلّ على ذلك، من التفسير المذموم الذي يجب أن ينأى
المسلمون بالقرآن الكريم عنه، بل هو نوع من أنواع التحريف الذي وقع
فيه أهل الكتاب، الّذين نُهينا أن نكون مثلهم أو نشابههم في أعمالهم».
أقـول:
هـذا التخصيـص ونحوه ممّا ورد به الخبر الصحيح، ليس تحريفـاً
ولا يشمله النهي، وعلماؤنا لا يرتكبون التحريف، ولا يشابهون أهل
الكتاب في شيء من أباطيلهم.
بل الذي وجدناه أنّ أئمّة هذا القائل كثيراً مّا يحاولون تخصيص
الآيات الكريمة وقَصرها على أشخاصٍ معيَّنين، من غير دليلٍ صحيح يدلّ
على ذلك، كقول غير واحدٍ منهم في الآية: (وسيجنّبها الاَتقى) أنّها
نزلت في أبي بكر(1)، فشابهوا أهل التحريف في نوعٍ من أنواع التحريف!
بل لقد وجدنا أكابر أئمّتهم من الصحابة يقولون بتحريف القرآن الكريم،
بمعنى نقصانه، الذي هو أقبح أنواع التحريف، ومن شاء فليرجع إلى مظانّ
ذلـك(2)
قوله تعالى: (وعلى الاَعراف رجال يَعرفون...)(1).
قال السـيّد:
«وهم رجال الاَعراف الّذين قال: (وعلى الاَعراف رجال يعرفون
كلاًّ بسيماهم)».
فقال في الهامش:
«أخرج الثعلبي في معنى هذه الآية من تفسيره عن ابن عبّـاس، قال:
الاَعراف موضع عال من الصراط، عليه العبّـاس وحمزة وعليّ وجعفر ذو
الجناحين، يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه.
وأخرج الحاكم بسنده إلى عليّ، قال: نقف يوم القيامة بين الجنّة
والنار، فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة، ومن أبغضنا عرفناه
بسيماه.
وعن سلمان الفارسي: سمعت رسول الله يقول: يا عليّ! إنّك
والاَوصياء من وُلدك على الاَعراف... الحديث.
ويؤيّده حديث أخرجه الدارقطني ـ كما في أواخر الفصل الثاني من
الباب 9 من الصواعق، أنّ عليّـاً قال للستّة الّذين جعل عمر الاَمر شورى
بينهم كلاماً طويلاً، من جملته: أُنشـدكم بالله هل فيـكم أحـد قال له
رسـول الله: يا عليّ! أنت قسيم الجنّة والنار يوم القيامة، غيري؟! قالوا:
قال ابن حجر: معناه ما رواه عنترة، عن عليّ الرضا، أنّ النبيّ صلّى
الله عليه وآله وسلّم قال له: يا عليّ! أنت قسيم الجنّة والنار، فيوم القيامة
تقول للنار: هذا لي وهذا لك.
قال ابن حجر: وروى ابن السماك، أنّ أبا بكر قال لعليّ: سمعت
رسول الله يقول: لا يجوز أحد الصراط إلاّ من كتب له عليٌّ الجواز».
فقيـل:
«نقل ابن الجوزي في تفسيره تسعة أقوال في رجال الاَعراف، وليس
من هذه الاَقوال قول واحد ينطبق على ما أراده المؤلّف ومن على شاكلته،
وهناك سبعة من هذه الاَقوال لو رضينا بوصف أهل البيت بواحدٍ منها لكان
قدحاً بهم لا مدحاً، وهناك قولان هما مدح محض لرجال الاَعراف وهما:
الرابع: إنّهم قوم صالحون فقهاء علماء؛ قاله الحسن ومجاهد.
والسابع: إنّهم أنبياء؛ حكاه ابن الاَنباري.
ولا يخفى ما فيهما من بعدٍ عمّا أراده المؤلّف».
أقـول:
نقل القرطبي بتفسير الآية جميع الاَقوال، ومنها ما رواه الثعلبي فقال:
«وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عبّـاس في قوله عزّ وجلّ: (وعلى
الاَعراف رجالٌ)، قال: الاَعراف موضع عالٍ على الصراط، عليه العبّـاس
وحمزة وعليّ بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم،
فكان على ابن الجوزي أيضاً أن ينقل هذا القول، ولكنّا ما رأينا الخير
منه إلاّ قليلاً جدّاً!!
على أنّه أيّ بُعدٍ للقول الرابع من الاَقوال التي نقلها ابن الجوزي عن
ذلك؟!
ثمّ إنّ تفسير الآية بما ذكر عن ابن عبّـاسٍ، قد حكاه عنه الضحّاك،
وقد أكثر ابن الجوزي من ذكر أقوال الضحّاك في تفسيره.
هذا، وقد وردت الرواية بذلك من طرق القوم عن أمير المؤمنين عليه
السلام، فقد ذكر الحاكم الحسكاني بإسناده أنّ ابن الكوّاء سأله عن الآية
هذه فقال: «ويحك يا بن الكوّاء! نحن نوقَفُ يوم القيامة بين الجنّة والنار،
فمن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه
فأدخلناه النار»(2).
وأمّا الشواهد والمؤيّدات لهذا التفسير فكثيرة، وقد أشار السيّد إلى
بعضها، كحديث «لا يجوز أحد الصراط...» وقد ذكرناه في بحوثنا
السابقة(3).
قال السـيّد:
«ورجال الصدق الّذين قال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما
عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا
تبديلاً)».
فقال في الهامش:
«ذكر ابن حجر في الفصل الخامس من الباب 9 من صواعقه، حيث
ذكر وفاة عليٍّ، أنّه عليه السلام سئل ـ وهو على المنبر بالكوفة ـ عن قوله
تعالى: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) فقال: اللّهمّ غفراً، هذه
الآيـة نزلت فيَّ وفي عمّي حمـزة وفي ابن عمّي عبيـدة بن الحـارث بن
عبـد المطّلب...
وأخرج الحاكم ـ كما في تفسيرها من مجمع البيان ـ عن عمرو بن
ثابت، عن أبي إسحاق، عن عليّ عليه السلام، قال: فينا نزلت...».
فقيـل:
«قال البخاري 6|361... قال أنس: كنّا نظنّ أنّ هذه الآية نزلت فيه
وهذا الحديث ذكره أيضاً في كتاب التفسير 10|136 مختصراً بسندٍ
آخر ينتهي إلى أنس، وقال الحافظ في الفتح 6|361، وابن كثير في
التفسير 3|475: وقد أخرجه مسلم والترمذي والنسائي من رواية ثابت عن
أنس.
وأخرجه أحمد في مسنده 3|194، والطيالسي 2|22، وابن جرير
21|147، وأبو نعيم في الحلية 1|121، وعبـدالله بن المبارك في الجهاد:
68.
انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول للوادعي: 117».
أقـول:
لا خلاف في أنّ الآية المباركة نزلت بعد واقعة أُحد، فقسّم الله
سبحانه الّذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ورسولَه على قسمين، فقال:
(فمنهم من قضى نحبه) والمراد ـ كما في بعض الروايات ـ هم
الشهداء في أُحد وعلى رأسهم سـيّدنا حمزة رضي الله تعالى عنه، وفيهم
أنس بن النضر الاَنصاري.. أو حمزة الشهيد بأُحد وعبيـدة بن الحارث بن
عبـد المطّلب الشهيد ببدر، كما في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام
وعن محمّـد بن إسحاق كما في تفسير البغوي(1).. أو حمزة وجعفر، كما
في الرواية عن ابن عبّـاس(2).
(ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً).. فقال أمير المؤمنين: «فأنا
ـ والله ـ المنتظِر وما بدّلت تبديلاً» ذكره الحاكم الحسكاني بإسناده عن
عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن الاِمام عليه السلام(1)، وأرسله
الحافظ الذهبي إرسال المسلَّم(2)، وعدّه غير واحدٍ من الاَعلام في مناقبه
عليه السلام كالخوارزمي، وسبط ابن الجوزي، وابن الصبّاغ المالكي،
والشبلنجي المصري، والقندوزي الحنفي(3)...
هذا، والمقصود: أنّ المراد بصادق العهد المنتظِر في الآية المباركة
هو عليٌّ عليه السلام، وكفى به تفضيلاً له على غيره...
قال السـيّد:
«ورجال التسبيح الّذين قال الله تعالى: (يسبّح له فيها بالغدوّ
والآصال * رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذِكر الله وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلّبُ فيه القلوبُ والاَبصار).. وبيوتهم هي
التي ذكرها الله عزّ وجلّ فقال: (في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها
اسـمه)(2)».
فقال في الهامش:
«عن تفسير مجاهد ويعقوب بن سفيان، عن ابن عبّـاس في قوله
تعالى: (وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً)(3) أنّ
دحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة، فنزل عند أحجار الزيت،
ثمّ ضرب بالطبول ليؤذن الناس بقدومه، فنفر الناس إليه وتركوا النبيّ قائماً
يخطب على المنبر، إلاّ عليّـاً والحسن والحسين وفاطمة وسلمان وأبا ذرّ
والمقداد؛ فقال النبيّ: لقد نظر الله إلى مسجدي يوم الجمعة، فلولا هؤلاء
لاَُضرمت المدينة على أهلها ناراً وحُصبوا بالحجارة كقوم لوط.. وأنزل الله
(وقال): أخرج الثعلبي في معنى الآية من تفسيره الكبير، بالاِسناد
إلى أنس بن مالك وبريدة، قالا: قرأ رسول الله هذه الآية (في بيوتٍ أذن
الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله! هذا
البيت منها ـ وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة ـ؟ قال: نعم، من أفاضلها.
وفي الباب 12 من غاية المرام تسعة صحاح ينشقّ منها عمود
الصباح».
فقيـل:
«سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله كان يخطب يوم الجمعة، إذْ
أقبلت عير قد قدمت، فخرجوا إليها، حتّى لم يبق معه إلاّ اثنا عشر رجلاً،
فنزلت هذه الآية. أخرج ذلك البخاري 8|493 ومسلم 2|590 من حديث
جابر بن عبـدالله.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا زكريّا بن يحيى، حدّثنا هشيم، عن
حصين، عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان، عن جابر بن عبـدالله، قال:
بينما النبيّ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة، فابتدرها أصحاب
رسول الله حتّى لم يبق مع رسول الله إلاّ اثنا عشر رجلاً. فقال رسول الله:
والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتّى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً؛
ونزلت هذه الآية: (وإذا رأوا تجارةً أو لهواً).
وليس يصحّ ما ادّعاه المؤلّف، من أنّه لم يبق في المسجد إلاّ عليّ
والحسن والحسين وفاطمة وسلمان وأبو ذرّ والمقداد، وعلائم الوضع بادية
على هذا الكلام لا تحتاج إلى علمٍ غزير أو طول بحث، ولم يكن الحسن
وهؤلاء الشيعة من دأبهم أنّهم يعمدون إلى حادثةٍ مشهورةٍ أو حديثٍ
معروف، فيحرّفونه بالحذف والزيادة بشكل سافر مكشوف بعيد عن
الكياسة والذوق، من أجل نصرة حججهم ودعاويهم».
أقـول:
ما كان من فرقٍ بين نقل السيّد ونقل هذا المفتري، في سبب نزول
الآية المباركة، وقد جاء في كِلا النقلين خروج الاَصحاب من المسجد
والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يخطب، وأنّه لم يبق معه إلاّ عدّة قليلة،
وأنّ النبيّ أخبر أنْ لو خرجت تلك العدّة أيضاً لجرى في المدينة كذا وكذا.
لقد ذكرت أحاديث القوم الصحيحة عندهم أنّه لم يبق إلاّ اثنا عشر،
ولم يصرَّح فيها بأسمائهم.
وجاء الخبر الذي ذكره السيّد مصرّحاً بأسماء من بقي معه صلّى الله
عليه وآله وسلّم.
وهذا هو الفرق، وهذا ما لا يطيقه أتباع بني أُمّية!
والعجيب أنّهم يتّهمون الاِمامية بتحريف مثل هذا الخبر بزيادة
الاَسماء فيه، مع أنّهم المتّـهَمون بتحريفه بعدم ذكر أسماء الاثني عشر
الّذين رووا أنّهم بقوا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وبالله عليـك! هل كانوا يكتمون الاَسامي لو كان في الباقين مع
رسـول الله واحد من أوليائهم في خبرٍ صحيحٍ من أخبار القضيّة؟!
وأمّا الخبر في تفسير «البيوت».. فقد أخرج السيوطي، عن ابن
مردويـه، عن أنـس بن مالك وبريـدة، قالا: «قرأ رسول الله هذه الآية
وذكره الآلوسي بتفسير الآية فقال: «وهذا إنْ صحّ لا ينبغي العدول
عنـه»(2).
أقـول:
ولو كان عنده دليل على عدم صحّته لجاء به!!
هذا، وقد علم أنّ روايته لا تنحصر بالثعلبي، مع أنّ في روايته
الكفاية، في مقام الاحتجاج، لكونه من كبار مفسّريهم السابقين.
قوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصبـاح...)(1).
قال السـيّد:
«وقد جعل الله مشكاتهم في آية النور مثلاً لنوره (وله المثل الاَعلى
في السماوات والاَرض وهو العزيز الحكيم)(2)».
فقال في الهامش:
«إشارة إلى قوله تعالى: (مثل نور كمشكاة) الآية.. فقد أخرج ابن
المغازلي الشافعي في مناقبه بالاِسناد... وهذا التأويل مستفيض عن أهل
بيت التنزيل».
فقيـل:
«هذا نموذج للتفسير المذموم الذي تفسّره الباطنية والاِماميّة للقرآن
الكريم به، والقرآن الكريم أجلّ من أنْ يفَّسر بمثل هذه الترّهات».
أقـول:
إنّ هذا من الجري والتطبيق، ونظائره في تفاسير القوم أيضاً كثيرة
جـدّاً! ونـحـن نكـتـفي بهـذه الاِشـارة لقـومٍ يعلمـون، ولكـنّ المنافـقيـن
لا يفقهون.
فابن المغازلي الشافعي روى هذا الخبر مسنداً(1)، وهو عندهم علم
من أعلام الفقه والحديث، لا مجال للطعن فيه.
قوله تعالى: (والسابقون السابقون * أُولئك المقرّبون)(1).
قال السـيّد:
«وهم (السابقون السابقون * أُولئك المقرّبون)».
فقال في الهامش:
«أخرج الديلمي ـ كما في الحديث 29 من الفصل الثاني من الباب 9
من الصواعق المحرقة لابن حجر ـ عن عائشة؛ والطبراني وابن مردويه،
عن ابن عبّـاس: إن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: السبق ثلاثة،
فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين،
والسابق إلى محمّـد عليّ بن أبي طالب.
وأخرجه الموفّق بن أحمد والفقيه ابن المغازلي بالاِسناد إلى ابن
عبّـاس».
فقيـل:
«هذا الحديث الذي يفسّر به قوله تعالى: (والسابقون السابقون *
أُولئك المقرّبون) الواقعة 10 ـ 11، رواه الطبراني 3|111|2 عن الحسين
ابن أبي السري العسقلاني، نا حسين الاَشقر، نا سفيان بن عيينة، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّـاس، مرفوعاً.
قال الاَلباني: وهذا سند ضعيف جدّاً إنْ لم يكن موضوعاً، فإنّ
حسين الاَشقر شيعي».
أقـول:
هذه الآية من أدلّة أصحابنا على إمامة أمير المؤمنين عليه الصلاة
والسلام:
قال العلاّمة الحلّي، في البراهين الدالّة على إمامته من الكتاب العزيز:
«البرهان السادس عشر: قوله تعالى: (والسابقون السابقون * أُولئك
المقرّبون). روى أبو نعيم الحافظ، عن ابن عبّـاس، في هذه الآية: سابق
هذه الاَُمّة عليّ بن أبي طالب. وروى الفقيه ابن المغازلي الشافعي، عن
مجاهد، عن ابن عبّـاس، في قوله تعالى: (والسابقون السابقون) قال:
سبق يوشع بن نون إلى موسى عليه السلام، وسبق موسى إلى فرعون،
وصاحب يسَ إلى عيسى عليه السلام، وسبق عليٌّ إلى محمّـد صلّى الله
عليه وآله وسلّم.
وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة.
فيكون أفضل.
فيكون هو الاِمام»(1).
وقال العلاّمة أيضاً: «الثالثة عشرة: قوله تعالى: (والسابقون
السابقون * أُولئك المقربون). روى الجمهور عن ابن عبّـاس، قال:
سابق هذه الاَُمّة عليّ بن أبي طالب»(2).
من أشهر رواة الحديث:
لقد أخرج الرواية بتفسير الآية المباركة جمع غفير من أكابر علماء
أهل السُـنّة، في التفسير والحديث، فمنهم:
1 ـ أبو إسحاق السبيعي، المتوفّى سنة 127.
2 ـ سفيان بن عيينة، المتوفّى سنة 198.
3 ـ أبو جعفر مطيّن، المتوفّى سنة 297.
4 ـ ابن أبي حاتم، المتوفّى سنة 327.
5 ـ أبو القاسم الطبراني، المتوفّى سنة 360.
6 ـ أبو عبـدالله الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة 405.
7 ـ أبو بكر ابن مردويه الاَصفهاني، المتوفّى سنة 410.
8 ـ أبو نعيم الاَصفهاني، المتوفّى سنة 430.
9 ـ الحاكم الحسكاني، من أعلام القرن الخامس.
10 ـ ابن المغازلي الواسطي، المتوفّى سنة 483.
11 ـ شيرويه بن شهردار الديلمي، المتوفّى سنة 509.
12 ـ الخطيب الخوارزمي، المتوفّى سنة 568.
13 ـ الفخر الرازي، المتوفّى سنة 606.
14 ـ سبط ابن الجوزي الحنفي، المتوفّى سنة 654.
15 ـ محبّ الدين الطبري، المتوفّى سنة 694.
16 ـ صدر الدين الحمويني، المتوفّى سنة 722.
17 ـ ابن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة 774.
18 ـ نور الدين الهيثمي، المتوفّى سنة 807.
19 ـ جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة 911.
20 ـ ابن حجر المكّي، المتوفّى سنة 973.
21 ـ علي المتّقي الهندي، المتوفّى سنة 975.
22 ـ قاضي القضاة الشوكاني، المتوفّى سنة 1250.
23 ـ شهاب الدين الآلوسي، المتوفّى سنة 1270.
فهؤلاء من أشهر رواة هذا الحديث، من علماء الجمهور.
رووه عن ابن عبّـاس وغيره من الصحابة.
من أسانيده في الكتب المعتبرة:
وهذه نبذة من أسانيدهم في رواية هذا الحديث:
* قال الحافظ ابن كثير: «وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن
عبّـاس: (والسابقون السابقون)، قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى،
ومؤمن آل يَس سبق إلى عيسى، وعليّ بن أبي طالب سبق إلى محمّـد
رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم.
رواه ابن أبي حاتم، عن محمّـد بن هارون الفلاّس، عن عبـدالله بن
إسماعيل المدائني البزّاز، عن سفيان(1) بن الضحّاك المدائني، عن سفيان
ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح؛ به»(2).
* وقال الحافظ الطبراني: «حدّثنا الحسين بن إسحاق التستري،
حدّثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدّثنا حسين الاَشقر، حدّثنا
سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّـاس، قال:
* وقال الحافظ الحاكم الحسكاني: «أخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا
أبو بكر القباب، أخبرنا أبو بكر الشيباني، حدّثنا محمّـد بن عبـد الرحيم،
حدّثنا ابن عائشة..
وحدّثني الحاكم أبو عبـدالله الحافظ ـ من خطّ يده ـ، حدّثنا أحمد
ابن حمدويه البيهقي أبو يحيى، حدّثنا عبيـدالله بن محمّـد بن حفص
القرشي، حدّثنا الحسين بن الحسن الفزاري الاَشقر، عن سفيان بن عيينة،
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّـاس..
أخبرنا محمّـد بن عبـدالله بن أحمد الصوفي، حدّثنا محمّـد بن
أحمد بن محمّـد الحافظ، حدّثنا عبـد العزيز بن يحيى بن أحمد، حدّثنا
إبراهيم بن فهد، حدّثنا عبـدالله بن محمّـد التستري، حدّثنا سفيان بن
عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّـاس...»(2).
* وقال الحافظ ابن حجر ـ بترجمة الفيض بن وثيق ـ:
«عن أبي عوانة وغيره. قال ابن معين: كذّاب خبيث. قلت: قد روى
عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وهو مقارب الحال إن شاء الله تعالى. انتهى(3).
وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه.
وأخرج له الحاكم في المستدرك محتجّـاً به.
وذكره ابن حبّان في الثقات.
وقال العقيلي في ترجمة الحسين الاَشقر: حدّثنا الحسين بن إسحاق
التستري، حدّثنا الحسين بن أبي السري، حدّثنا فيض بن وثيق، حدّثنا
سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّـاس...»(1).
* وقال الفقيه ابن المغازلي الشافعي: «أخبرنا أحمد بن محمّـد بن
عبـد الوهّاب ـ إجازةً ـ، أخبرنا عمر بن عبـدالله بن شوذب، حدّثنا محمّـد
ابن أحمد بن منصور، حدّثنا أحمد بن الحسين، حدّثنا زكريّا، حدّثنا أبو
صالح ابن الضحّاك، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن
مجاهد، عن ابن عبّـاس...»(2).
من أسانيده المعتبرة:
ثمّ إنّ غير واحدٍ من أسانيد هذا الخبر معتبر بلا كلام:
* فطريق الحافظ ابن أبي حاتم الرازي صحيح:
«محمّـد بن هارون» الفلاّس، المتوفّى سنة 265، وثّقه ابن أبي
حاتم، والحافظ الذهبي(3).
و «عبـدالله بن إسماعيل» ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه(4)، وتابعه
الخطيب في تاريـخه(5).
و «شعيب بن الضحّاك» أبو صالح، حدّث عن سفيان بن عيينة، وعنه
عبـد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي، وعبـدالله بن إسماعيل المدائني
و «سفيان بن عيينة» الاِمام الكبير، من رجال الصحاح السـتّة،
وفضائله كثيرة عندهم جدّاً(3).
و «عبـدالله بن أبي نجيح» من رجال الصحاح السـتّة(4).
و «مجاهد» من رجال الصحاح السـتّة أيضاً(5).
هذا، مضافاً إلى أنّ مثل ابن تيميّة يشهد بأنّ تفسير ابن أبي حاتم من
التفاسير المعتبرة، وأنّه خال عن الموضوعات(6).
* وطريق الحافظ ابن حجر صحيح كذلك.
فهو طريق الحافظ الطبراني نفسه، الذي لم يتكلّم فيه إلاّ من جهة
«الاَشقر»، وقد تابعه ـ في الرواية عن «سفيان» ـ في طريق الحافظ ابن
حجر «الفيض بن وثيق» الذي وثّقه كبار الاَئمّة، كالحاكم وابن حبّان،
وروى عنه مثل أبي حاتم وأبي زرعة، وذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه،
وقال الذهبي: هو مقارب الحال.
* وطريق الحافظ الطبراني صحيح على التحقيق..
وكذا كلّ طريقٍ لم يتكلّم فيه إلاّ من جهة «حسين الاَشقر»، قال
الحافظ الهيثمي ـ بعد روايته عن الطبراني ـ: «وفيه حسين بن حسن
الاَشقر، وثّقه ابن حبّان وضعّفه الجمهور، وبقيّة رجاله حديثهم حسن أو
* مع ابن تيمـيّة:
وإذا عرفنا رواة هذا الحديث، وصحّةَ غيرِ واحدٍ من طرقه في كتب
القوم المعروفة المشهورة، فلا نعبأ بقول ابن تيميّة في جواب العلاّمة
الحلّي: «إنّ هذا باطلٌ عن ابن عبّـاس، ولو صحّ عنه لم يكن حجّة إذا
خالفه من هو أقوى منه»(4).
فقد ظهر أنّ هذا الحديث صحيح، فهو حجّـة، وبه يتمّ الاستدلال؛
لاَنّ هذه الفضيلة لم تثبت لغير أمير المؤمنين عليه السلام من الصحابة،
فيكون هو الاِمام، ومن ادّعى خلاف من هو أقوى منه، فعليه البيان!
وعلى فرض وجود المخالف، فهو ممّا تفرّد به الخصم، وهذا
حديث صحيح متّفق عليه بين الطرفين، فكيف يكون المخالف المزعوم
أقـوى؟!
* مع ابن روزبهان:
وابن روزبهان في ردّه على العلاّمة الحلّي، لم ينكر وجود الحديث
في الباب، ولم يناقش في سنده، قال: «هذا الحديث جاء في رواية أهل
السُـنّة، ولكن بهذه العبارة: سبّاق الاَُمم ثلاثة، مؤمن آل فرعون، وحبيب
النجّار، وعليّ بن أبي طالب».
قال: «ولا شكّ أنّ عليّـاً سابق في الاِسلام وصاحب السابقة والفضائل
التي لا تخفى، ولكن لا تدلّ الآية على نصٍّ في إمامته، وذلك المدّعى»(1).
أقـول:
وهذا الكلام ـ كما ترى ـ اعتراف بما يذهب إليه الاِماميّة، من دلالة
الآية المباركة على الاِمامة، لاَنّ طريق إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام
غير منحصر بالنصّ، بل الاَفضلية أيضاً من أدلّة إثباتها، وقد ظهرت دلالة
الآية على ذلك.
* مع شاه عبـد العزيز الدهلوي:
وهلمّ لننظر ما يقوله العالم الهندي، صاحب كتاب التحفة الاثنا
عشرية في الجواب عن الاستدلال بالآية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين
عليه السلام.
قال: «ومنها: (السابقون السابقون * أُولئك المقرّبون):
قالت الشيعة: روي عن ابن عبّـاس مرفوعاً أنّه قال: السابقون ثلاثة،
فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين،
والسابق إلـى محمّـد صلّى الله عليـه [وآله] وسـلّم عليّ بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه.
ولا يخفى أنّ هذا أيضاً تمسّك بالرواية لا بالآية.
ومدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الاَشقر، وهو ضعيف
بالاِجماع، قال العقيلي: هو شيعي متروك الحديث.
ولا يبعد أن يكون هذا الحديث موضوعاً؛ إذ فيه من أمارات الوضع
أنّ صاحب ياسـين لم يكن أوّل من آمن بعيسى، بل برسله كما يدلّ عليه
نصّ الكتاب، وكلّ حديث يناقض مدلول الكتاب في الاَخبار والقصص فهو
موضوع كما هو المقرّر عند المحدّثين.
وأيضاً: انحصار السباق في ثلاثة رجال غير معقول؛ فإنّ لكلّ نبيّ
سابقاً بالاِيمان به لا محالة.
وبعد اللتيا والتي، أيّة ضرورة أن يكون كلّ سابق صاحب الزعامة
الكبرى وكلّ مقرّب إماماً؟!
وأيضاً: لو كانت هذه الرواية صحيحة لكانت مناقضة للآية صراحة؛
لاَنّ الله تعالى قال في حقّ السابقين: (ثلّة من الاَوّلين * وقليل من
الآخرين)(1) والثلّة هو الجمع الكثير، ولا يمكن أن يطلق على الاثنين
جمع كثير، ولا على الواحد قليل أيضاً، فعُلم أنّ المراد بالسبق من الآية
عرفي، أو إضافي شامل للجماعة الكثيرة، لا حقيقي، بدليل الآية الاَُخرى:
وأيضاً: ثبت بإجماع أهل السُـنّة والشيعة أنّ أوّل من آمن حقيقة
خديجة رضي الله تعالى عنها، فلو كان مجرّد السبق بالاِيمان موجباً لصحّة
الاِمامة لزم أن تكون سيّدتنا المذكورة حَرِيّة بالاِمامة، وهو باطل بالاِجماع.
وإن قيل: إنّ المانع كان متحقّقاً قبل وصول إمامته في خديجة، وهو
الاَُنوثة؛ قلنا: كذلك في الاَمير، فقد كان المانع متحقّقاً قبل وصول وقت
إمامته، ولمّا ارتفع المانع صار إماماً بالفعل.. وذلك المانع هو:
إمّا وجود الخلفاء الثلاثة الّذين كانوا أصلح في حقّ الرئاسة بالنسبة
إلى جنابه عند جمهور أهل السُـنّة..
أو إبقاؤه بعد الخلفاء الثلاثة وموتهم قبله عند التفضيلية، فإنّهم قالوا:
لو كان إماماً عند وفاة النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم لم ينل أحد من
الخلفاء الاِمامة وماتوا في عهده، وقد سبق في علم الله تعالى أنّ الخلفاء
أربعة فلزم الترتيب على الموت»(2).
أقـول:
ولا يخفى ما في هذا الكلام من أكاذيب وأباطيل:
أوّلاً: إنّ هذا تمسّك بالآية بعد تفسـير الرواية لها، وإلاّ فلا ذِكرٌ
صريح في القرآن الكريم لا لاسم أمير المؤمنين عليه السلام ولا لاسم غيره،
وإذا كان الاستدلال في مثل هذه المواضع بالرواية لا بالآية، فكيف يَستدلُّ
فبطل قوله: «إنّ هذا تمسّك بالرواية لا بالآية».
وثانياً: قوله: «مدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الاَشقر...»
يشتمل على كِذبتين:
الاَُولى: إنّ مدار إسنادها على الاَشقر؛ فقد عرفت عدم تفرّد الاَشقر
بهذه الرواية.
وقد سبقه في هذه الكذبة غيره، كابن كثير الدمشقي، فإنّه قال:
«حديث لا يثبت، لاَنّ حسيناً هذا متروك، وشيعي من الغلاة، وتفرّده بهذا
ممّا يدلّ على ضعفه بالكلّيّة»(2).
والثانية: دعواه الاِجمـاع على ضعـف الاَشـقر؛ فإنّها دعوىً كاذبـة،
لا تجدها عند أحد.
بل قد عرفت أنّ كبار الاَئمّة يوثّقونه، وتكلّم من تكلّم فيه ليس إلاّ
لتشـيّعه، وإلاّ فلم يُذكر له جرح أبداً.
وثالثاً: قوله: «ولا يبعد أنْ يكون هذا الحديث موضوعاً، إذ فيه من
أمارات الوضع...».
وهذا ردّ على السُـنّة الثابتة، وتكذيب للحديث الصحيح، تعصّباً
للباطل واتّباعاً للهوى:
أمّا أوّلاً: فلاَنّ الاِيمان برسل عيسى إيمانٌ بعيسى وسبق إليه، وهذا ما
يفهمه أدنى الناس من أهل اللسان! وهل من فرقٍ بين الاِيمان به وبين
الاِيمان برسله؟! وكلّ أهل الاِيمان بالله سبحانه وتعالى قد آمنوا برسله
وصدّقوهم؟!
وأمّا ثانياً: فإنّ كلّ خبر خالف الكتاب بالتباين والتناقض، فإنّه
مردود، سواء كان في القصص أو في الاَحكام، ولكنْ لا اختلاف بين
مدلول خبرنا ومدلول الكتاب، فضلاً عن أن يكون بينهما مناقضة.
وأمّا ثالثاً: فإنّ محلّ الاستدلال بالرواية هو الفقرة الاَخيرة المتعلّقة
بأمير المؤمنين عليه السلام، ولذا فقد جاءت الرواية في بعض ألفاظها خاليةً
عن الفقرتين السابقتين.
ورابعاً: قوله: «وأيضاً، انحصار السباق في ثلاثة...».
ردّ للحديث الصحيح والنصّ الصريح بالاجتهاد، نظير تكذيب إمامة
ابن تيميّة حديث المؤاخاة، حتّى ردّ عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني(1).
وخامساً: قوله: «وبعد اللتيا والتي، أيّة ضرورة أن يكون كلّ سابق
صاحب الزعامة الكبرى وكلّ مقربٍّ إماماً؟!»..
جهل أو تجاهل، فقد تقدّم في كلام العلاّمة الحلّي أنّ هذه فضيلة لم
تثبت لغير أمير المؤمنين عليه السلام، فهو الاَفضل، فيكون هو الاِمام.
وسادساً: قوله: «وأيضاً لو كانت هذه الرواية صحيحة لكانت
مناقضة للآية صراحةً...»..
فقد سبقه فيه ابن تيميّة، إذ قال في الوجوه التي ذكرها بعد دعوى
أقـول:
مقتضى الحديث الصحيح المتّفق عليه أنّ سابق هذه الاَُمّة واحد،
وهو أمير المؤمنيـن عليه السـلام، وهذا لا ينـافي سـياق الآيـة المبـاركة،
ولا الآيات الاَُخرى، كالآيتين المذكورتين..
ونحن أيضاً نقول ـ بمقتضى الجمع بين قوله تعالى: (والسابقون
الاَوّلون من المهاجرين...) وقوله تعالى: (وما محمّـد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن
ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(4) ـ: إنّ
كلّ مَن سبق غيره إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبقي مِن بعده
وسابعاً: قوله: «وأيضاً ثبت بإجماع أهل السُـنّة والشيعة أنّ أوّل من
آمن حقيقةً خديجة...»..
أقـول:
وهذا كذب، فلا إجماع من أهل السُـنّة والشيعة أنّ أوّل من آمن
خديجة، بل عندنا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سابق عليها، وكيف كان،
فقد ثبت في الصحيح أنّ أبا بكر إنّما أسلم بعد خمسين رجلاً، وهل آمن
حقيقةً؟! وتفصيل الكلام في محلّه.
وثامناً: قوله: «كذلك في الاَمير، فقد كان المانع متحقّقاً قبل وصول
وقت إمامته...».
أقـول:
قد عرفت وجه الاستدلال بالآية المباركة على ضوء الحديث الصحيح
المتّفق عليه، وهذا الكلام لا علاقة له بالاستدلال أصلاً.
على أنّ كون وجود الخلفاء الثلاثة مانعاً عن خلافة أمير المؤمنين
عليه السلام دعوىً عريضة لا دليل عليها، لا من الكتاب ولا من السُـنّة
المقبولة ولا من العقل السليم، ودعوى كونهم أصلح في حقّ الرئاسة هي
أوّل الكلام، فإنّ هذه الاَصلحيّة يجب أن تنتهي إلى الاَدلّة المعتبرة من النقل
والعقل، وليس كذلك، بل هي لدى التحقيق دالّة على العكس.
للبحث صلـة...