صلةقبل


من ذخائر التراث



تخميس
قصيدة البردة للبوصيري

للشاعر
محمد رضا بن احمد النحوي
المتوفى سنة 1226 هـ
تحقيق
اسعد الطيب



المقدمة
بسـم الله الرحمن الرحيم

سبق لي أن فهرست ما دار حول البردة البوصيريّة من أعمال شعريّة وشـروح في مقال نشـر في مجلّة تراثـنا في العـددين المزدوجين 38 ـ 39 و 41 ـ 42، وتخميس محمّـد رضا النـحويّ للبردة جزء من عمل أرجو تمامه من الله تعالى في نشر الاَعمال الشعريّة التي دارت حول هذه القصيدة الرائعـة.
وسـيدور الكلام هنا في عدّة سـبل:

ترجمة المخمّـس:
هو محمّـد رضا بن أحمد بن حسن بن عليّ بن الخواجة(1)، النجفيّ الحلّيّ، المعروف بالنحويّ.
لم تذكر كتب التراجم تأريخ مولده، نشأ في الحلّة على أبيه فأقرأه الاَوّليّات ومرّنه على نظم الشعر.
____________
(1) طبقات اعلام الشيعة ـ ق 13 ـ : 545 .

( 306 )

ثمّ درس في النجف الفقه والاَُصول على السـيّد محمّـد مهدي بحرالعلوم (ت 1212) واختصّ به، وله فيه مدائح كثيرة، وحضر أيضاً على جعفر كاشف الغطاء، وتوفّي والده خلال ذلك فلازم السـيّد صادق الفحّام الشاعر ودرس عليه علوم الاَدب.
وكان من أعضاء معركة الخميس المعروفة في تاريخ أدب مدينة النجف، وذلك في عهد أُستاذه الاَوّل بحر العلوم(1).
وكان أحد الخمسة الّذين كان بحر العلوم يعرض عليهم منظومته الفقهيّة المسمّاة بـ: الـدرّة(2) فيصلحونها من جهة الاَدب والعروض.
ومن مدائحه لاَُستاذه المذكور أن خمّس «المقصورة الدريديّة» وجعلها في مدحه. ويقال: إنّ أُستاذه سأل: كم أجاز ابنُ ميكال ابنَ دريد؟ فقيل له: بألف دينار ذهباً، فأعطى شاعره ألفَ تومان ذهباً، وذلك في سنة 1204 هـ.
وكان مجيـداً للتخميس فخمّس جملة من القصائد، منها «الدريديّة» و «بانت سعاد» و «البردة البوصيريّة» و «ميميّة ابن الفارض».
وله تخاميس وتشطيرات كثيرة في مجموع في مكتبة علي كاشف الغطاء، برقم 58 مجاميع(3).
وجمع محمّـد السماويّ ديوانه وديوان أخيه هادي وديوان أبيه أحمـد(4).

____________
(1) طبقات اعلام الشيعة : 547 ، البابليات ـ لليعقوبي ـ 2 \ 3.
(2) البابليات 2 \ 3 .
(3) طبقات أعلام الشيعة : 547 .
(4) طبقات أعلام الشيعة : 547 .


( 307 )

وتوفّي في 1226 هـ، ودفن مع والده.

تخميسـه للبردة:
أشار عليه أُستاذه بحر العلوم بتخميسـها كما سيجيء في التقاريظ، ونصّ على ذلك السـيّد محسن الاَمين في أعيان الشيعة 9|303.
وفرغ من هذا التخميس في يوم الثلاثاء 24 رجب 1200 هـ.
وقـد طبع هذا التخميـس في إسلامبول ـ عاصمة الدولة العثمانيّة سابقاً ـ في سنة 1306 هـ منضمّاً إلى تخميس «ميميّة ابن الفارض»:

شربنا على ذِكر الحبيب مدامةً * سكرنا بها من قبل أن تخلق الكرمُ

وتخميس «بانت سعاد» لكعب بن زهير:
بانت سعاد فقلبي اليومَ متبولُ * متـيّمٌ إثرها لـم يُفْـدَ مكبولُ

مقرّظو هذا التخمـيس:
ظفرنا بعدّة من أسمائهم وعدّة من تقاريظهم، وهاك أسماءهم مرتّبة حسب الحروف الاَُوَل من أسمائهم:
1 ـ إبراهيم العطّار.
2 ـ محمّـد رضا الاَزريّ.
3 ـ صادق الفحّام (ت 1204)، وله تقريظان.
4 ـ علي بن محمّـد حسين بن زين العابدين العامليّ الكاظميّ (ت 1215).


( 308 )

5 ـ محمّـد علي الاَعسم.
6 ـ محمّـد بن زين الدين الحسنيّ (ت 1216).
7 ـ هادي النحويّ، أخو المخمّس.
ولم نظفر من التقريظ الاَوّل إلاّ بمطلعه وهو:

فرائدُ درٍّ ليس تحصى عجائـبُه * وقد بهرت منّا العقولَ غرائـبُه

وكذلك التقريظ الثاني لم نظفر به.
والتقاريظ التالية وجدناها كلّها والحمـد لله.

* * *


( 309 )

* التقريظ الاَوّل لصادق الفحّام(1):

رُوَيـدَكَ هـَل أبْـقـَيْتَ قَولاً لِقائلِ؟ * وحَسْبُكَ هـل غادَرْتَ سِحْراً لِبابِلِ؟
لَعَمْري لقد أنْشَرْتَ سَحـْـبـانَ وائِلٍ * وَقُسَّ إيادٍ مِـــن طَوِيِّ الجَنادِلِ
وَطُلْتَ عـلى الضِـلِّيلِ(2) حتّى كَأنّهُ * على طَوْلِهِ لَم يَأْتِ يَوماً بِطائلِ(3)
وجارَيْتَ في تَسـمـِيطِ أفضَلِ مِدْحَةٍ * لاََِفْضَلِ مَمْدُوحٍ لاََِفْـضـَـلِ قائلِ
فَوارِسَ رامُوا أنْ يَـنـالُوا فَقَصَّرُوا * وأينَ الثُـرَيّا مِن يدِ المُـتَـناوِلِ؟!
فـَـكُـنـْتَ المُجَلِّي مُحْرِزاً قَصَباتِهِ * وكانوا وقد جَدُّوا مكانَ الفَساكِلِ(4)
وما كُلُّ مـَـن رامَ المـَـعالي بِبالِغٍ * وما كُلُّ مَن رامَ النِضالَ بِناضـِلِ
قَرَنْتَ إِلى عَذْراءِ بُوصِيرَ كُـفـْأَها * وكانتْ لِفَقْدِ الكُفْءِ إِحْدَى الثـَواكِلِ

____________
(1) هذا التقريظ في مخطوطة الرضوية : ذ ظ.
(2) هو امرؤ القيس الشاعر الجاهلي المعروف .
(3) هذه مبالغة واضحة .
(4) الفساكل ، جمع « فسكل » : وهو الفرس الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل.

( 310 )

ومُذ شَفَّها التَعْطِيلُ صُغْتَ لِجِيدِها * حُـلىً من فَـرِيدٍ أُرْدِفَتْ بِخَلاخِلِ
فـَأَنـتَ وإِن كُنتَ الاََخيرَ زَمانُهُ * لآَتٍ بِـما لـم يُـسْتَـطَعْ لِلاََوائلِ
فَدُونَكَها مـِـنّي شَهـادةَ صادِقٍ * كَثِيرٌ ذَوو تَصْدِيـقِها في المَحافِلِ
وعِشْ سالماً ما افْتَرَّ مَبْسِمُ بارِقٍ * وَأَضْحَكَ دَمعُ المُزْنِ زَهْرَ الخَمائِلِ

* التقريظ الثاني للفحّام نفسـه(1):

كذا فَلْيَكُنْ نَظْمُ العُقودِ ولـم أَخـَلْ * تـُـنـَظَّمُ مِن لفظٍ عُـقـودُ فَرِيدِ
هِيَ الرَوضةُ الغَنـّاءُ فَتَّقَتِ الصَّبا * أَكِمَّـةَ أَزهـارٍ لـهــا(2) وَوُرُودِ
وَغادَةُ حُسْنٍ أُبْرِزَت مـن حِجالِها * تَبَيْهَسُ(3) من نَـسـْجِ البَها بِبُرودِ
رُوَيدَكَ هل أَبقَيْتَ قَولاً لِـقـائلٍو * لِلْمُـتَــحَـدِّي مَـطْـمَعاً بِمَزيـدِ

____________
(1) هذا التقريظ في مخطوطة الرضوية : 1 ظ ـ 2 و ، وهو موجود في رواية الأمين في « معادن الجواهر ».
(2) في معادن الجواهر : بها .
(3) أي : تتبختر ، وقد حذفت إحدى تاءّ ى « تتبيهس ».

( 311 )

أَتيـــتَ بِتَسْـمِيطٍ تُضاهِي شُطُورُه * سُـمـُوطَ فَـرِيدٍ(1) في مَخانِقِ غِيدِ
شَأَوْتَ بهِ مَــن كـان قَبْلكَ مُجْرِيَاً * إِلـى أَمـدٍ إِلاّ عـلـيـكَ بَـعِـيـدِ
بَـرَعْـتَ فيـا للهِِ دَرُّكَ فـارِسـاً * تَرَكْـتَ جَـهِـيــداً قـامَ إِثـْرَ جَهِيدِ
رَأَوْا طافِـحــاً من لامِعٍ فَتَوَهَّمُوا * نِطافَ زُلالٍ بـــالــعَـراءِ بَـرُودِ
فَأَجْرَوْا إِلَيهِ جاهِـدِيــنَ وأَصْدَرُوا * بِخَيْبَةِ آمــالٍ وتَـعـْــسِ جُـدُودِ
فَكُنْتَ كَمُوسى حِينَ أَلْقَوْا عِصـِيَّهُـمْ * وأَلْقَى فِكِيدُوا وانْبَرَوْا لِسـُـجـُـودِ
كَمَلْتَ فَإِنْ عابَ الحَسُودُ فإنَّـمــا * فَضِيلَةُ مَحـْـســُـودٍ بِعَيْبِ حَسُودِ
جَلَوتَ على الاََسماعِ قَولَ سُلافـَةٍ * يَرُدُّ طَرُوباً قَلْبَ كُلِّ كَـمـيـــدِ(2)
قَرَنْتَ إِلى عَذراءِ بُوصِيرَ كُفـْأَهـا * فكان كما شاءتْ قــِرانَ سُـعـُودِ
ولمّا أَتَتْ تَشْكُو العُطُولَ رَدَدْتَـهـا * بَأَحْسَنِ حَلْيٍ زانَ أَحـْــسـَنَ جِيدِ

____________
(1) الفريد : اللؤلؤ .
(2) هذا البيت ساقط من الرضوية ، وزدناه من « معادن الجواهر ».

( 312 )

لذلك قد أَنْشأْتُ فيها مُؤَرِّخاً * على جِيدِها عَلَّقْتَ عِقدَ فَرِيدِ

* تقريظ علي بن محمّـد حسين بن زين العابدين العامليّ(1):

أَلـحـانُ داوُد أم ضَربُ النَواقِـيـسِ * أَم رَوْحُ أَرواحِ جـَـنـّاتِ الفَراديسِ
أم ابنُ أَحـمـدَ مولانا مُحَمَّـدٌ الــرِ * ضـا جَلاَ كالدَرارِي عِـقـدَ تَخْمِيسِ
أَحْيا بهِ الفَضلَ إِذ لم يَبقَ مِنه سِــوى * ذَماءِ(2) مُـنـْقـَـطِعِ الآمالِ مأْيُوسِ
تباركَ اللهُ هذا مـا يُـنـافِسُ فــي * أَمثالِهِ الـقـَـومُ لا بـَعْضُ الوَساويسِ
هذا الطريقُ الذي قد ضَلَّ عنهُ بنو الـ * آدابِ ما بينَ تَخْميسٍ وتـَـسْـديـسِ
هذا هو الفَضْلُ لا ما يَدَّعُـونَ بــه * ِمِن رَدِّ عَجزٍ على صــدرٍ وتَجْنـِيسِ
فَضائلٌ فُقْتَ فيها يَا بْنَ بَجْدَتـِـهـا * وهل يُكابَرُ في إِنـْـكـارِ مـَحْسُوسِ؟!
نَظمٌ غدا مِن سِهامِ الفَضْلِ فيهِ لكَ الـ * ـقِدْحُ المُعَلَّى بـلا شَـكٍّ وتـَدلـيسِ

____________
(1) هذا التقريظ في مخطوطة الرضوية : 3 و ـ 3 ظ .
(2) الذماء : آخر لحظة من عمر المحتضر.

( 313 )

سَـهـمٌ أَصَبْتَ بهِ القــِرطاسَ دُونَهُمُ * وسـَـهـْـمُهُمْ منهُ تَسْوِيـدُ القَراطِيسِ
جَرَى فَقَصَّرَ مَن جاراكَ فـيــهِ إِلى * غُلْواءِ مَـطْـبُوعِ نَظْمٍ مــنـهُ مأْنُوسِ
وابنُ اللَبُونِ إِذا ما لُزَّ في قــــَرَنٍ * لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعـِـيسِ(1)
للهِِ دَرُّكَ يا سـَـحـْـبـانَ وائِـلـِها * رِئاسةً أَنتَ فيها غَـيـْـرُ مـَـرْؤوسِ
نَسَجْتَ لِلْبُرْدَةِ الغَرَّاءِ بُرْدَةَ تـَـسـْـ * ـميطٍ حَكى وَشْيُها وَشْيَ الطـَواويـسِ
وقد تَنَمَّرْتَ إِذ لم تَرْضَ مـا نـَظمُوا * الها تَنَمُّرَ لَيثِ الخِيسِ في الـخـِـيـسِ
وجِـئـتَ فـي ما بهِ سـَيَّرْتَها مَثَلاً * به تَغَنَّتْ حُداةُ العـِـيـسِ لِلـْـعـِيسِ
فَكُنتَ آصِفَ ذاكَ الصَرْحِ حيثُ حَكى * منهُ لنا كلُّ بيتٍ عَرشَ بـلـقـيــسِ
أَبْرَزْتَ فيهِ خَبايا حُسْنِها فـَحـَكـَتْ * زُهْرَ النُجومِ تَـجـّــلَتْ في الحَنادِيسِ
قَلَّدْتَها سِمْطَ تَسْمِيطٍ وَصـُـغـْتَ لها * عِقداً يُلابِسُها من غيرِ تَـلـْـبــِـيسِ

____________
(1) ضمن المقرظ هذا البيت وهو لجرير ؛ الصحاح 6 \ 2192 مادة « قرن »

( 314 )
مَلَّكْتَها من نِصابِ الحُسنِ غَايتَهُ * فيهِ فَأَرَّخْتُ أَزْكَى كلِّ تَخْمِيسِ

تقريظ محمّـد علي الاَعسـم(1):

فَرائـدُ لـلاَديـبِ ابـنِ الاََدِيـبِ * وَرَدَّ شـُـمـُـوسـَـها بعدَ المَغِيبِ
فَتـىً أَعيـا الوَرَى فَضلاً و حِلْما * نُـجُـومٌ ما جَـنَحْنَ إِلى المَغِـيـبِ
وَوَشَّى البــُـردةَ المـمدوح فيها * رسول الله بالوَشْيِ الـعـجـيــبِ
بِـتـَسـميطٍ يزيدُ الاََصلَ حُسْنَـاً * على حُسْنٍ وَطِيباً فـــوقَ طِـيـبِ
وكَم مـَـلأَ المَسامـِعَ مـِن مَعانٍ * لها وَقْعٌ عَظِيمٌ فـي الـقــُـلـوبِ
محمّـدٌ الرِضا المَرْضيُّ قَــولاً * وَفِعلاً ناصِعُ الـحـَـســَبِ الحَسِيبِ
رَمَى فأَصابَ قِرطاساً رَمـــاهُ * كَثِيرٌ ليس فيهم مِن مُـصـِـيـــبِ
وكــم أشيـاءَ قد غُيِّـبْنَ عنهم * بَرَزْنَ إليه مِن حُجُبِ الـغـُـيـُـوبِ

____________
(1) هذا التقريظ في شعراء الغري ـ لعلي الخاقاني ـ 10 \ 13 ـ 14.

( 315 )

لـقـد أَغْـرَبـْتَ في تلك المعاني * ومـا هِـيَ مـنـك بالاََمرِ العَجيبِ
أَخـذتَ بـهـا بأطَـواقِ المعـالي * ولم تَتْرُكْ لِـغـَـيـرِكَ مِن نَصِيبِ
دعـاك لِمثـلـِها المهدِيُّ(1) إذ لم * يـَجـِدْ في الـكَوْنِ مِثلَك مِن مُجِيبِ
فـفـاضَ عـليك حين دعاكَ نورٌ * هُدِيتَ به إلى مَدحِ الـحـَـبـيـبِ
بـِأَشـطــارٍ كـأَمـثـالِ اللآلي * تَفُوقُ الرَوضَ في حُـسـْنٍ وَطِيبِ
وخَـمـّـَسـهـا الفُحولُ بِأَجْنَبِيٍّ * بَعيدٍ عن مـَـقـاصِدِها غَـــريبِ
ولم يَأْلُوا بها الآبــاءُ جـهــداً * ولـكـنْ دُوْنَها أَرَبُ الاََريــــبِ
فَـحـَـطّـَت قَدْرَ كُلَّ أخي كَمالٍ * تَعَرَّضَـهـا بـِـمـَـدحٍ أَو نَسيبِ
وَحيثُ رَفَـعـْـتـَها رَفَعَتْكَ قَدْراً * بِضَربٍ منه نَدَّ عن الـضـَــريبِ
كَأَنَّك فيه تَغْرِفُ مـن بِـحــارٍ * وباقي القَومِ تَمْتَـحُ مِن قـَـلـيـبِ

____________
(1) أي استاذه بحر العلوم .
( 316 )

ولِلتَسـمِيطِ في الحُسْنِ اختلافٌ * وقـد يَخْفَى على الفَطِنِ اللَبِيبِ
ولـكــن حينَ تَقْرُنُها جميعاً * يَـبِينُ لك الصحيحُ من المَعيبِ
ترى مـثلَ الاََجانبِ تلكَ عنها * وذا التـَسـميطُ كالرَحِمِ القَريبِ
كَأَنَّهما رضـيـعـا ثَـدْيِ أُمٍّ * زَكَتْ وَسـَقَتْهُما صافي الحَلِيبِ
وَمُذ كَمَلَتْ بِذا التَسـمِيطِ أَرّخْ * قد كَمَلَتْ بتسـمـيـطٍ عجيبِ

* تقريظ محمّـد بن زين الدين الحسـنيّ(1):

آيـاتُ نـَـظْــمٍ أَرَتْنا جامِعَ الكَلِمِ * وأَعْجَزَتْ أُدَبـاءَ العُرْبِ والعَجَمِ
هُنَّ الدَرارِي سَمَتْ عَن أَن تُنالَ فما * يُنالُ منها سِوى الاِِشراقِ في الظُّلَمِ
وَعِقْدُ دُرٍّ يَسُرُّ الناظـــِرِينَ حَوَى * مَنْثُورَ حُسْنٍ بـِلفـظٍ منهُ مُنْتَظِمِ
ورَوضَةٌ جادَها صَوْبُ الحَيا فَغَدَتْ * أَزْهارُها بينَ مُفْتَرٍّ وَمـُـبـْـتَسِمِ

____________
(1) هذا التقريظ في مخطوطة الرضوية : 2 و ـ 3 .
( 317 )

تـَـقْرِي المَسامِعَ من أَسرارِ حِكْمَتِها * مـا كـان مُنْكَتِـمـَاً أَو غيرَ مُنْكَتِمِ
قد شَـنـّـَـفَتْها بِلَحْنٍ مِن فَصاحَتِها * فَلَم تُصِخْ بَعْدُ لِلاََلحــــانِ والنَغَمِ
وبـَـرْزَةُ الوجهِ أَعْيَتْ مَن يُبارِزُها * مِن مِصْقَعٍ لَسِنٍ أَو حاذِقٍ فــَـهـِمِ
بِكْرٌ فما افْتَرَعَتْها كـَـفُّ مـِحْبَرَةٍ * ولا تَرَقَّتْ إِليها هِـــمّــَةُ الـقـَلَمِ
يـتـيـمـةُ الدَهرِ لم تَبْرَحْ مُؤَمِّلَةً * أَبَاً تــَـلـُـوذُ بـه من ضَيْعَةِ اليُتُمِ
وخامِسٌ لـم تُصادِفْ مَن يُخَمِّسُها * فالقَلْبُ مِنها إِلى ذاك الـــزُّلالِ ظَـمِ
حتّى إِذا بَعَــثَ اللهُ الرَؤوفُ لها * أَباً وبَعْلاً فلم تَيْتَمْ ولـــم تـَـئـِـمِ
أَعني أَبا عُذْرِها المَوْلَى مُحَمَّداً الرِ * ضـا رَضِيَّ الـسـَـجايا طاهِرَ الشِيَمِ
أَضْحَتْ بِتَسْمِيطِهِ غَرّا مُحَـجَّلَـةً * فَأَوْضَحَتْ كلَّ دَهـمـاءٍ مـن الـظـُلَمِ
لو سُمِّـيَتْ بُردةً ذا اليوم حُقَّ لها * إِذْ صارَ مُـلـْـبـِـسَها بُرْدَاً من الحِكَمِ


( 318 )

كيف امْرُؤُ القَيسِ أَو قُسٌّ يُقاسُ بـه * ِوَهـْـوَ المـُبَرِّزُ ما باراهُ مِن أَرِمِ(1)
فكم حديثٍ حَدِيثُ الفَضْلِ منهُ فَـشـا * فسادَ فيهِ عـلـى مَن سادَ في القِدَمِ
للهِِ دَرُّكَ مـن دارٍ لـه بُـنـِيــَتْ * دارٌ بِهامِ الدَرارِي حيـثُ لـم تـُرَمِ
زَيَّنْـتَها بِمَصابِـيحِ الفـَصاحـةِ إِذْ * كانتْ سَماءً سَمَتْ عن كُلِّ مـُـسْتَنِمِ
أَرْشَدْنَ ذا عَمَهٍ، بَصَّرْنَ ذا كَـمـَهٍ * أَنْطَقْنَ ذا بَكَمٍ، أَسْمـَـعـْنَ ذا صَمَمٍ
يا غايةً بَذَلَتْ أَشواطَها أُمَـــــمٌ * فيها فَخابُوا ونـِـلْتَ القَصْدَ مِن أَمَمِ
وكيفَ يُدرِكُ شيئاً من دَقـائـِـقها * منَ ليس يَفرِقُ بينَ الـفـَرْقِ والقـَدَمِ
أَبْدَعْتَ نَحْوَاً من التَسْمِيطِ عــَرَّفَنا * خَفْضَ الغَبِيِّ وَرَفْعَ الحاذِقِ الفــَـهِمِ
لَفظاً ومَعنىً أَرانا الفَضْلَ مُـنْسَجِمَاً * في طَيِّ مُنْسَجِمٍ في طَيِّ مُـنـْـسَجِمِ
إِنْ كان قد خَمَّسُوا أَو سَدَّسُوا وَشَأَوْا * فَإنّما أَنتَ فِيهِمْ صاحِبُ الـعـَـلـَمِ

____________
(1) يقال : ما بالدار أريم وما بها أرِم ، اي ما بها أحد.
( 319 )

فـَـــتـِهْ بِبُرْدَةِ فَضْلٍ أَنتَ ناسِجُها * على ذَوي الفَضلِ مِن عُربٍ ومِن عَجَمِ
قــد نـالَ غايـةَ مَطلوبٍ مُؤَرِّخُها * تَسْمِيطـُـهـا مـُعْرِبٌ عن مُعجِزِ الكَلِمِ

* تقريظ هادي النحويّ(1):

ذي زُبـدةُ الشِعرِ بل ذي نُخْبةُ الاََدَبِ * أَسـتـغـفرُ اللهَ من زُورٍ ومن كَذِبِ
تَقاصَرَ الشـِـعـرُ أَن يجري لغايتِها * وهـل يـُجارِي جِيادَ الخَيلِ ذُو خَبَبِ
قد أَصبحتْ خيرَ مدحٍ في الزمانِ كما * قد كان مـمدوحُها في الكَونِ خيرَ نَبِي
بَدَت وتِيجانُها مــَـدحُ الحَبيبِ كما * بدت لنا الـراحُ فـي تاجٍ من الحَبَبِ
غادرتَ قُسّاً غَبِيَّاً في بــلاغـتـِه * وذاك أَمرٌ على الاََفـهـام غَـيرُ غَبِي
فيا لِراحٍ سَكِرْنا من شـَـمـِيمِ شَذَا * عَبِيرِها وهي في الاََستارِ والحُجــُبِ

____________
(1) هذا التقريظ من البابليات ـ لليعقوبي ـ 2 \ 59 ترجمة 64 .
( 320 )

قــَد سَمَّطوا وأَجادوا حسبَ ما بَلَغُوا * لكنَّ في الخمرِ مَعْنىً ليس في العِنَبِ(1)
فالبعـضُ كـاد يـُوَشّي ثَوبَ بُردَتِها * والبَـعـضُ جاؤوا عَلَيهِ بِالدَمِ الكَذِبِ(2)
ما أُنشِدَتْ قَطُّ في سـَــمعٍ وفي مَلاٍََ * إلاّ وقامــــَت مقامَ الذِكرِ والخُطَبِ
وما تَجَلّت لذي شـَـكٍّ وَذِي رِيــَبٍ * إلاّ وَجَلَّتْ ظَلامَ الـشـــَكِّ والرِّيَبِ
ولا بَدَتْ في دُجَى الاََنقاسِ(3) ساطِعَةً * إلاّ وَخِلنا هـُـبـوطَ الـبَدرِ والشُهُبِ
ولا شَـدا قـَـطُّ في نادٍ أَخُو طَرَبٍ * إلاّ وَقُلنا بِها يَشْدُو أَخـــُـو الطَّرَبِ
للهِِ معجزةٌ حـارَ الاَنــامُ بـِـهـا * كَأَنَّها حين تُتْلَى واحـــدُ الكــُتُبِ
إنّــي أكـادُ أَقـولُ الوَحْيُ أَنزلَها * لَو كان يُبْعَثُ مِن بَعدِ النَبِيِّ نــَـبِي(4)
تباركَ اللهُ ما فـضـــلٌ بِمُنْتَحَلٍ * تَبارَكَ اللهُ ما وَحْيٌ بِـمـُـكْتَســـَبِ

____________
(1) هذا العجز تضمين اخذه من المتنبي ، ديوانه ـ بالشرح المنسوب الى العكبري ـ 1 \ 91 ق 18 ب 20 ، والقصيدة في رثاء اخت سيف الدولة الحمداني .
(2) إشارة الى الآية الكريمة من سورة يوسف 12 : 18 .
(3) الأنقاس ، جمع « نقس » : وهو الحِبر الذي يكتب به .
(4) هذا هو الغلو الذي لا مزيد عليه .

( 321 )

قد شَعْشَعَتْ سائرَ الاََكوانِ مُذ جُلِيَتْ * فـَـقـُلتُ يَنبوعُ نُورٍ فارَ بِاللَهَبِ
السمعُ في طَرَبٍ والذَوقُ في ضَرَبٍ * والجوُّ في لَهَبٍ والقَومُ في عَجَبِ
آيــاتُ نـظـمِكَ قد سَيَّرْتَها مَثلاً * كالشَّمْسِ تطـلعُ في ناءٍ وَمُقْتَرِبِ
أَبعدتَ شَوْطَكَ فـي مِضمارِ سَبْقِهِم * ولم تَدَعْ لِلمُجاري فيه من قَصَبِ
فصرتَ تمشي الهُوَينا إِذ بلغتَ مَدىً * قَد أَمْعَنُوا فيه بـِالتَقرِيبِ والخَبَبِ
فَلْتَسْمُ قَدْرَاً وَتَزْدَدْ رُتـْـبـَةً وعُلاً * مَع ما لها مِن رَفيعِ القَدْرِ والرُّتَبِ

نسـخة التخمـيس:

اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على النسخة المخطوطة المحفوظة في المكتبة الرضوية في مشهد، برقم 12788 مجموعة، آلت إليها من مكتبة «حسينية إرشاد» في طهران.
واستعنّا بكتاب معادن الجواهر ونزهة الخواطر، للسـيّد محسن الاَمين (ت 1370)، حيث نقل التخميس كلّه وبعض التقاريظ، وفيه اختلافات قليلة أشرنا إليها في التعليق.


( 322 )

عملنـا:
أخرجنا من مخطوطة الرضويّة ونسخة الاَمين نصّاً قدّمنا له وضبطناه بالشكل وعلّقنا عليه، ونرجو أن نكون قد نشرنا أرجاً عطراً من مدائح المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسأل الله الاَجر والثواب من جوده ومنّه وكرمه.

أسـعد الطيّب



( 323 )

مصـادر المقدّمـة

1 ـ البابليّات، محمّـد علي اليعقوبيّ، أُوفست دار البيان ـ قم، بدون تاريخ. وتاريخ إجازة طبع الاَصل 1951 م.
والترجمة في ج 2 الصفحات 3 ـ 17، ترجمة رقم 61.
2 ـ شعراء الغريّ ـ أو: النجفيّات ـ، علي الخاقاني، المطبعة الحيدرية في النجف، الطبعة الاَُولى 1373 هـ|1954 م، ج 10|13.
3 ـ طبقات أعلام الشيعة، الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة، محسن الطهرانيّ، 2|545 ـ 548 ترجمة رقم 990.
طبع دار المرتضى للنشر، مطبعة سعيد، مشهد، ط 2 في 1404 هـ، أُوفست.
4 ـ معادن الجواهر ونزهة الخواطر، السـيّد محسن الاَمين العاملي، أُوفست دار الزهراء ـ بيروت 1401، 3|110 ـ 137، الفصل السابع في منتخبات من أنواع الشعر، النوع الاَوّل ـ المديح.

* * *


( 324 )

صورة الصفحة الاَُولى من المخطوطة


( 325 )

صورة الصفحة الاَخيرة من المخطوطة