* الحال لغةً :

للحال في اللغة معانٍ عديدة
(1) ، أهمّها :
أوّلاً : ما عليه الاِنسان من خير أو شرّ ، وهذا المعنى أوفق المعاني
اللغوية بالمعنى الاصطلاحي ، كما سـيتّضح.
ثانياً : الوقت الذي أنت فيه.
ثالثاً : صَرْفُ الدهر.
رابعاً : زوجة الرجل.

وألف الحال « منقلبة عن واو ؛ لقولهم في جمعها : أَحوال ، وفي
تصغيرها : حُويلة ، واشتقاقها من التحوّل ، وهو التنقّل »
(2).
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة (حول).
(2) أ ـ شرح التصريح على التوضيح ، خالد الاَزهري 1|365.
=
( 189 )

ومعنى الحال « يذكّر ويؤنّث ، وهو الاَفصح ، يقال : حال حَسَنٌ ،
وحالٌ حَسَنةٌ ، وقد يؤنّثُ لفظُها ، فيقال : حالة ، قال الشاعر :
| على حالةٍ لو أنّ في القومِ حاتِماً | * | على جودِه لَضنَّ بالماءِ حاتِمُ »(1)
|

« ومن شواهد تذكير لفظ الحال قول الشاعر :
| إِذا أعجبتك الدهرَ حالٌ من امرىٍَ | * | فدعه وواكِل أَمرَهُ واللياليا »(2)
|
* الحال اصطلاحاً :

ورد في
كتاب سيبويه (ت 180 هـ) عدّة عناوين للتعبير عن المعنى
الاصطلاحي للحال ، وهي : الحال ، المفعول فيه ، الصفة ، الخبر
(3).

وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بـ : (المنصوب على القطع)
(4).

وقد عرّف سيبويه الحال بأنّه : « ما يعمل فيه الفعل فينتصب ، وهو
حال وقع فيه الفعل... وذلك قولك : ضربتُ عبـدالله قائماً »
(5).

وعرّفه ابن السرّاج (ت 316 هـ) بقوله : « الحال إنّما هي هيئة الفاعل
أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبَر به عنه »
(6).
____________
=
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
ج ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 245.
(2) أوضح المسـالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين
عبـد الحميد 2|77 (حاشية المحقّق).
(3) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1|44 و ج 2|49 ـ 50 و 87.
(4) معاني القرآن ، يحيى بن زياد الفرّاء ، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّـد علي النجّار
1|313.
(5) كتاب سيبويه 1|44.
(6) الاَُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 1|258.
( 190 )

ومثلـه تعـريـف ابـن جـنّي (ت 392 هـ)
(1) ، والزمخـشـري (ت
538 هـ)
(2) ، وابن الاَنباري (ت 577 هـ)
(3) ، والمطرّزي (ت 610 هـ)
(4) ،
وأبي البقاء العكبري (ت 616 هـ)
(5) ، وابن يعيش (ت 643 هـ)
(6).

ويلاحظ أنّ حصر مجيء الحال بكونها مبيّنة لخصوص هيئة الفاعل
أو المفعول به ، لا يمكن الموافقة عليه ، رغم ذهاب كثير من النحاة إليه ،
وقد خالفهم في ذلك سيبويه وغيره من القدماء ، وبعض النحاة
المعاصرين ، كما ستأتي الاِشارة إليه في خاتمة البحث.

وعرّفه الزجّاجي (ت 337 هـ) بقوله : « الحال هو اسم نكرة جاء بعد
معرفة ، وقد تمّ الكلام دونه »
(7).

ويرد على هذا التعريف :
أوّلاً : إنّ الحال قد تأتي معرفة لا نكرة ، نحو قولهم : أَرسَلها
العِراكَ
(8).

وقد دُفع هذا الاِيراد بما ذهب إليه سيبويه من « أنّ هذا مصدر لفعل
____________
(1) اللمع في العربيّة ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 62.
(2) المفصّل في علم العربيّة ، جار الله الزمخشري : 61.
(3) أسرار العربيّة ، أبو البركات ابن الاَنباري ، تحقيق فخر صالح قداره : 176.
(4) المصباح في علم النحو ، ناصر المطرّزي ، تحقيق ياسين محمود الخطيب : 61 ـ
62.
(5) اللباب في علل البناء والاِعراب ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق غازي مختار
طليمات 1|284.
(6) شرح المفصّل ، ابن يعيش 2|55.
(7) الجمل ، أبو إسحاق الزجّاجي ، تحقيق علي توفيق الحمد : 35.
(8) البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، ابن أبي الربيع الاِشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي
1|516.
( 191 )
محذوفٍ تقديره : أَرسلَها تعتركُ العراك ، والفعل [المحذوف] هو الحال ،
كما تقول : جاء زيد يضحك »
(1).
ثانياً : إنّ صاحبَ الحال قد يكون نكرة لا معرفة ، كما في نحو : فيها
رجل قائماً ؛ فقد ذهب سيبويه إلى « أنّه حال من النكرة ، وجعله جاء على
القليل »
(2).

وتجدر الاِشارة إلى أنّ اختلاف النحاة في جواز مجيء صاحب الحال
نكرة مخصوص بما لو كانت الحال متأخّرة عن صاحبها ، وأمّا إذا كانت
متقدّمة عليه كما في نحو : فيها قائماً رجل ، فلا خلاف بينهم في جوازه
(3).
ثالثـاً : إنّه ذكر مجيء الحال بعد معرفةٍ تمّ الكلام دونها ، وهذا ما
ذهب إليه غيره من النحاة أيضاً كما سيأتي ، وقد اعترض على ذلك
باعتراضين :
____________
(1) أ ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|517.
ب ـ الكتاب 2|112.
ج ـ المقتضب ، المبرّد ، تحقيق عبـد الخالق عضيمة 3|237.
د ـ المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 163.
هـ ـ شرح المفصّل 2|62 ـ 63.
و ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1|336.
(2) أ ـ كتاب سيبويه 2|112.
ب ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي 1|519.
(3) أ ـ الجمل ، عبـد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر : 17.
ب ـ شرح الاَُنموذج ، عبـد الغني الاَردبيلي ، تحقيق حسني عبـد الجليل يوسف :
51.
ج ـ شرح المقدّمة الجزولية الكبير ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق تركي العتيبي
2|726.
د ـ المصباح في علم النحو : 62.
( 192 )
أوّلهما : إنّ الحال قد تأتي والكلام قبلها غير تامّ ، كما في نحو :
ضربي زيداً قائماً
(1) ، ومحاولة التخلّص من هذا الاعتراض بأنّ « هذا وشبهه
مقدّر بالتمام ؛ لاَنّ (ضربي زيداً) في معنى (ضربتُ زيداً) أو في معنى
(ضربي زيداً إذا كان قائماً) ، فحذف الخبر وسدَّ الحال مسدَّ الخبر »
(2) ، هي
محاولة واضحة التكلّف ، لا تقوى على دفع الاعتراض.
وثانيهما : « إنّا نجدُ كثيراً من الاَلفاظ موافقة لِما ذكر ، وليس
بحال ؛ كقولك : ضربتُ رجلاً ، وضربتُ يوماً ، وضربتُ تأديباً ، وأشباه
ذلك ، فكلّها نكرة جاءت بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها ، وليست
بحـال »
(3).

وأمّا ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) فقد عرّف الحال بأنّها : « زيادة
في الخبر ؛ وذلك أنّ قولهم : (جاء زيد) جملة خبرية ، قد انعقد بها
الفائدة ، فاستغنت وصحّ السكوت عليها ، فإن قلتَ : راكباً ، فقد زدت في
الفائدة ، والزيادة فضلة ، والفضلة منصوبة »
(4).

ويؤخذ على هذا التعريف أنّه غير مانع من دخول المفعول المطلق ،
والمفعول فيه ، والمفعول معه ، كما في نحو : جلسَ زيدٌ جلسةَ الحزينِ ،
وجاء زيدٌ صباحاً ، وسار زيدٌ وشاطئ النهرِ.

وعرّفه ابن بابشاذ (ت 469 هـ) بأنّه :« ما يذكر للبيان عن هيئة الفاعل
والمفعول... وشرطه أن يكون نكرة مشتقّة تأتي بعد معرفة ، قد تمّ الكلام
____________
(1) شرح المقدّمة المحسبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 1|313.
(2) شرح المقدّمة المحسبة 1|313.
(3) الاِيضاح في شرح المفصّل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1|328.
(4) شرح اللمع ، ابن برهان ، تحقيق فائز فارس 1|132.
( 193 )
دونها ، مقدّرة بـ : في منتقلة »
(1).

وقريب منه قول ابن معطي (ت 628 هـ) : الحال « بيان هيئة الفاعل
أو المفعول بنكرة مشتقّة بعد معرفة قد تمّ الكلام دونها منتقلة »
(2).

والجديد في هذا التعريف إشارته إلى كون الحال مشتقّة منتقلة ،
وكونها كذلك غالب وليس لازماً ؛ إذ إنّها قد تأتي جامدة ثابتة ، وقد أشار
إلى ذلك غير واحد من النحاة
(3) ، ومنهم ابن مالك إذ قال في
ألفيّـته :
وكونه منـتـقلاً مُشـتقّا * يغلبُ لكن ليس مستحَقّا

وعرّفه عبـد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) بقوله : الحال « كلّ صفة
نكرة منصوبة بمعنى في حال كذا »
(4).

ومرادهم بالصفة أو الوصف : « ما صيغ من المصدر ليدلّ على
متّصف ، وذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة وأمثلة المبالغة
وأفعل التفضيل »
(5) ، فكأنّه قال : إنّ الحال نكرة مشتقّة.

وقوله : (بمعنى في حال كذا) بمعنى قول غيره : مبيّنة للهيئة.
____________
(1) شرح المقدّمة المحسبة 1|310 ـ 312.
(2) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 186.
(3) أ ـ شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2|32.
ب ـ الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 1|389 ـ
390.
ج ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|79.
د ـ شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب
الاِبراهيم : 171.
هـ ـ همـع الهوامع في شـرح جمع الجوامع ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق
عبـد العال سالم مكرم 2|10.
(4) الجمل : 16.
(5) شرح الاَشموني على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|242.
( 194 )

وقوله : (منصوبة) « أي أصالة ، وقد يجرّ لفظه بالباء ومن بعد النفي ،
ولكن ليس ذلك مقيساً على الاَصحّ ، نحو :
فمـا رجعـت بخائبـةٍ ركـابٌ * حكيمُ بنُ المسـيَّبِ منـتهاها »(1)

أمّا ابن الحاجب (ت 646 هـ) فقد عرّف الحال بقوله : « الحال : ما
يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظاً أو معنىً ، نحو : ضربتُ زيداً قائِماً ،
وزيدٌ في الدار قائماً ، وهذا زيد قائماً »
(2).

« قوله : (لفظاً أو معنىً) حال من [لفظ] الفاعل أو المفعول [به] ،
أي : ملفوظاً أو معنويّاً... أمّا المفعول المعنوي فنحو : شيخاً ، في قوله
تعالى : (
وهذا بَعلي شيخاً )
(3) ؛ فإنّ (
بَعلي ) خبر المبتدأ ، وهو في
المعنى مفعول لمدلول (
هذا ) ، أي : أُنبّه على بعلي وأشير إليه شيخاً.
وأمّا الفاعل المعنوي فكما في قوله :
كأنّه خارجاً من جنب صفحتِهِ * ..........................

إذ المعنى : يُشبه خارجاً »
(4).

وممّا ذكره الرضي في مناقشة هذا التعريف أنّه « ليس في هذا الحدّ
تحقيق معنى الحال وبيان ماهيّته ؛ لاَنّه ربّما يُتوهّم أنّه موضوع لبيان هيئة
الفاعل أو المفعول مطلقاً ، لا في حالة الفعل ، فيظنُّ في (جاءَني زيد
راكباً) ، أنّ (راكباً) هيئة لهذا الفاعلِ مطلقاً ، لا في خصوص حالِ المجيء ،
فيكون غلطاً.
____________
(1) حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 2|169.
(2) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(3) سورة هود 11 : 72.
(4) شرح الرضي على الكافية 2|13.
( 195 )

ويخرج عن هذا الحدّ الحالُ التي هي جملة بعد عامل ليس معه ذو
حالٍ ، كقوله :
| وقد أغتدي والطيرُ في وكناتِها | * | بمنجردِ قيدِ الأوابدِ هيكلِ »(1)
|

وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه : « كلّ اسم أو ما هو في
تقديره ، منصوب لفظاً أو نيّةً ، مفسِّر لِما انبهم من الهيئات ، أو مؤكّد لِما
انطوى عليه الكلام ، فالمفسِّر نحو قولك : جاء زيدٌ ضاحكاً ، والمؤكّد :
تبسّم زيدٌ ضاحكاً »
(2).

وقد تضمّن هذا التعريف بيان أنّ الحال قد يكون مفرداً وقد يكون
جملـةً ، وأنّ نصبه قد يكون لفظيّـاً وقد يكـون تقديريّـاً ، وهي تقسـيمات
لا حاجة إلى إيرادها في متن التعريف الذي يطلب منه بيان ذاتيّات المعرَّف
التي تميّزه عن غيره ، ثمّ يوكل بيان أقسامه وتفصيلاته إلى شرح التعريف.

وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد عرَّف الحال بتعريفين :

أوّلهمـا : « هو ما دلَّ على هيئـة وصاحبها ، متضمّناً ما فيه معنى
(في) ، غيرُ تابع ولا عمدة »
(3).

وممّا ذكر في شرحه : أنّ « قوله : (على هيئة) ، يشمل الحال ونحو
(تربّعت) ؛ فإنّها هيئة في الفعل... قوله : (وصاحبها) خرج [به]
تربّعتُ... قوله : (متضمّناً ما فيه معنى في) أخرج نحو : بنيتُ صومعةً ؛
فإنّه غير متضمّنٍ معنى (في) مع دلالته على هيئة وصاحبها... [وقوله :]
(غير تابع) أخرج : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، [وقوله :] (ولا عمدة) أخرج
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2|8.
(2) المقرَّب ، ابن عصفور ، تحقيق أحمد الجواري وعبـدالله الجبوري 1|145.
(3) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّد كامل بركات : 108.
( 196 )
(راكب) من (زيدٌ راكبٌ) ؛ فإنّ هذين التركيبين فيهما ما في الحال من
الدلالة على هيئةٍ وصاحبها وتضمّن معنى (في) ، إلاّ أنّ التركيب الاَوّل
تابع ، والثاني عمدة ، فليسا حالين »
(1).

وثانيهمـا : ما ذكره في
ألفـيّـته بقوله :
| « الحالُ وصفٌ فضلةٌ منتصب | * | ُمُفهِمُ في حالِ كـ : فَرداً أَذهبُ »
|

وقال ابن هشام الاَنصاري شارحاً هذا الحدّ : « الوصف : جنس يشمل
الخبر والنعت والحال ، وفضلة : مخرج للخبر ، ومنتصب : مخرج لنعتَي
المرفوع والمخفوض كـ : (جاءني رجلٌ راكبٌ) و (مررتُ برجلٍ راكبٍ) ،
ومفهِم في حال كذا : مخرج لنعت المنصوب كـ : (رأيت رجلاً راكباً) ؛ فإنّه
إنّما سيق لتقييد المنعوت ، فهو لا يفهِم في حال كذا بطريق القصد ، وإنّما
أَفهمه بطريق اللزوم.

وفي هذا الحدّ نظر ؛ لاَنّ النصبَ حكم ، والحكم فرع التصوّر ،
والتصوّر متوقّف على الحدّ ، فجاء الدور »
(2).

ولاحظَ عليه ابن الناظم : أنّ « فيه ـ مع إدخالِ حكم في الحدّ ـ أنّه حدّ
غير مانع ؛ لاَنّه يشمل النعت ، ألا ترى أنّ قولك : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، في
معنى : مررت برجلٍ في حالِ ركوبه ، كما أنّ قولكَ : جاء زيدٌ ضاحكاً ، في
معنى : جاء زيد في حال ضحكه »
(3).
____________
(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمّـد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـدالله
البركاتي 2|521.
(2) أوضح المسـالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين
عبـد الحميد 2|78 ـ 79.
(3) شرح ابن الناظم على ألفيّة ابن مالك : 124.
( 197 )
أقـول :

إنّ اعتراضه بدخول النعت في نحو : مررتُ برجلٍ راكبٍ ، مدفوع
بأخذ قيد (النصب) في التعريف ، وكان ينبغي الاعتراض بدخول النعت في
نحو : رأيتُ رجلاً راكباً ، إلاّ أنّ الاعتراض يكون حينئذٍ قابلاً للدفع بما ذكره
ابن هشام من أنّه يفهِم في حالِ كذا بطريق اللزوم لا القصد ، أو بطريق
التضمّن كما سيذكره ابن الناظم نفسه.

وقال ابن الناظم (ت 686 هـ) في تعريف الحال : « هو الوصف
المذكور فضلة لبيانِ هيئة ما هو له ، فالوصف : جنس يشمل الحال
المشتقّة ، نحو : جاءَ زيد راكباً ، والحال المؤوّلة بالمشتق كقوله تعالى :
(
فانفروا ثُباتٍ )
(1) ، ومخرجٌ نحو (القهقرى) من قولك : رجعتُ
القهقهرى ، و (المذكور فضلة) يخرج الخبر من نحو : زيدٌ قائمٌ... و (لبيان
هيئة ما هو له) يُخرج التمييزَ من نحو : لله درّه فارساً ، والنعتَ من نحو :
مررتُ برجلٍ راكبٍ ؛ فإنّ التمييز في ذلك والنعتَ في ذا ، ليس واحد منهما
مذكوراً لقصد بيان الهيئة ، بل التمييز مذكور لبيان جنس المتعجّب منه ،
والنعت مذكور لتخصيص الفاعل ، ووقع بيان الهيئة بهما ضمناً »
(2).

وأمّا الرضي الاسترابادي (ت 686 هـ) فقد قال في تعريف الحال :
« الاََوْلى أن نقول : الحال على ضربين : منتقلة ومؤكّدة ، ولكلّ منهما حدّ ؛
لاختلاف ماهيّتهما ، فحدُّ المنتقلة : جزءُ كلام يتقيَّدُ بوقتِ حصولِ مضمونه
تعلُّقُ الحدثِ الذي في ذلك الكلام بالفاعل أو المفعول أو بما يجري
____________
(1) سورة النساء 4 : 71.
(2) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 124.
( 198 )
مُجراهما.

فبقولنا : (جزءُ كلامٍ) تخرج الجملة الثانية في نحو : ركبَ زيدٌ وركبَ
مع ركوبه غلامُه ، إذا لم نجعلها حالاً.

ويخرج بقولنا : [بوقت] حصول مضمونه ، المصدرُ في نحو : رجع
القهقرى ؛ لاَنّ الرجوع يتقيّد بنفسه ، لا بوقت حصول مضمونه.

ويخرج النعتُ بقولنا : (يتقيّد تعلّق الحدث بالفاعل أو المفعول) ؛
فإنّه لا يتقيّد بوقت حصول مضمونه ذلك التعلّق.

وقولنا : (أو بما يجري مجراهما) يُدخل حال الفاعل والمفعول
المعنويّين ، نحو : (وهذا بعلي شيخاً) ، و :
| كأنّه خارجاً من جنبِ صفحته | * | سَفُّودُ شَرْبٍ نَسوْهُ عند مُفْتَأَدِ
|

... وحدُّ المؤكّدة : اسم غير حدث يجيءُ مقرِّراً لمضمون
جملـة »
(1).

ويلاحظ أنّ إثبات الحال المؤكّدة « مذهب الجمهور ، وذهب المبرّد
والفرّاء والسهيلي إلى إنكارها ، وقالوا : لا تكون الحال إلاّ مبنيّة ؛ إذ لا يخلو
[الكلام] من تجديد فائدة ما عند ذكرها »
(2).

وقد وافق ابنُ هشام (ت 761 هـ) الرضيَّ على قسمة الحال إلى
قسمين لاختلافهما في الماهيّة ، وتعريف كلٍّ منهما على حدّه ، وطرح على
هذا الاَساس ثلاثة تعاريف للحال :
أوّلها : إنّ الحال : « وصف فضلة يقع في جواب كيف ، كـ :
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2|10 ـ 11.
(2) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، السيوطي ، تحقيق عبـد العال سالم مكرم
4|39.
( 199 )
(ضربتُ اللصّ مكتوفاً)...

فإن قلتَ : يَردُ على ذِكر الوصف نحو قوله تعالى : (
فانفروا ثباتٍ ) ؛
فإنّ (
ثُباتٍ ) حال وليس بوصف ، وعلى ذِكر الفضلة نحو قوله تعالى :
(
ولا تمشِ في الاَرض مَرَحاً )
(1)... فإنّه لو أسقط (
مَرَحاً ) فسدَ
المعنى ، فيبطل كون الحال فضلةً ، وعلى ذِكر الوقوع في جواب (كيف)
نحو قوله تعالى : (
ولا تعثوا في الاَرضِ مفسدين )
(2) ؛ [فإنّ الحال فيها
لا يقع في جواب كيف]..

قلتُ : (
ثُباتٍ ) في معنى متفرّقين ، فهو وصف تقديراً ، والمراد
بالفضلة ما يقع بعد تمام الجملة ، لا ما يصلح الاستغناء عنه ، والحدّ
المذكور للحال المبيّنة لا المؤكّدة »
(3).
ثانيها : الحال : « وصفٌ فضلةٌ مسوق لبيان هيئة صاحبه ، أو
تأكيده ، أو تأكيد عامله ، أو مضمون الجملة قبله... فقولي : (وصف)
جنس يدخل تحته الحال والخبر والصفة ، وقولي : (فضلة) فصل مخرج
للخبر... وقولي : (مسوق لبيان هيئة ما هو له) مخرج لاَمرين ، أحدهما
نعت الفضلة ، من نحو : رأيتُ رجلاً طويلاً... فإنّه وإن كان وصفاً فضلةً
لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، وإنّما سيق لتقييد الموصوف ، وجاء بيان الهيئة
ضمناً ، والثاني : بعض أمثلة التمييز ، نحو : لله دَرُّه فارساً ؛ فإنّه وإن كان
وصفاً فضلةً ، لكنّه لم يُسَق لبيان الهيئة ، ولكنّه سيق لبيان جنس المتعجّب
____________
(1) سورة الاِسراء 17 : 37 ، سورة لقمان 31 : 18.
(2) سورة البقرة 2 : 60.
(3) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 234 ـ
235.
( 200 )
منه ، وجاء بيان الهيئة ضمناً ، وقولي : (أو تأكيده... إلى آخره) تمّمت به
ذِكر أنواع الحال »
(1).

وقد تابعه على هذا التعريف جمال الدين الفاكهي (ت 972 هـ)
(2).
ثالثها : ما ذكره في شرحه على
الاَلفيّة ، وهو مماثل للتعريف
الثاني ، إلاّ أنّه ذكر في شرحه أنّ كلمة (الوصف) في الحدّ مخرجة لنحو
(القهقرى) في : رجعتُ القهقرى
(3).

وعرّفه ابن عقيل (ت 769 هـ) بتعريف تابع فيه ابن مالك في ما ذكره
في
ألفيّـته ، فقال : إنّه « الوصف الفضلة المنتصب للدلالة على الهيئة »
(4).

وقال الخضري في شرحه : « ولا يرد [عليه] أنّ النصبَ حكم من
أحكام الحال ، فأخذُهُ في تعريفه يؤدّي للدور ؛ لتوقّفه على التصوّر ،
والتصوّر على التعريف ؛ لاَنّه يكفي في الحكم التصوّر بوجهٍ ما ولو بالاسم ،
فلا يتوقّف على التصوّر المستفاد من الحدّ »
(5).

وعرّفه السيوطي (ت 911 هـ) بقوله : « هو فضلة دالّ على هيئة
صاحبه ، نحو : جاء زيدٌ ضاحكاً ، فـ (ضاحكاً) فضلة دالّ على الهيئة التي
جاء عليها زيد.

وخرج بـ (الفضلة) العمدة ، نحو : زيدٌ ضاحك ، وبـ (دالّ على
____________
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبد الحميد : 244 ـ
246.
(2) شروح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم :
164 ـ 165.
(3) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 2|78.
(4) شرح ابن عقيل على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 1|625.
(5) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1|212.
( 201 )
الهيئة) سائر المنصوبات إلاّ المصدر النوعي ، وبـ (صاحبه) نحو : القهقرى ؛
فإنّه يدلّ على هيئة الرجوع لا على هيئة الصاحب.

ولا يقدح في جعله فضلة عدم الاستغناء عنه في بعض المواضع ،
نحو : (
وإذا بطشتم بطشتم جبّارين )
(1) ؛ لاَنّه عارض ، كما لا يقدح في
العمدة عروض الاستغناء عنه »
(2).

والملاحظ أنّ بعض متأخّري النحاة لم يشيروا إلى مجيء الحال من
الفاعل والمفعول خاصّة ، لا في حدّ الحال ولا في شرحه
(3) ، بل صرّح
بعضهم بمجيئه لبيان هيئة غيرهما كالخبر
(4) والمضاف إليه
(5).

وأمّا النحاة المعاصرون ، فإنّهم يرفضون قصر مجيء الحال من الفاعل
والمفعول به ، ويذهبون إلى مجيئها من غيرهما ، فالشيخ مصطفى الغلاييني
يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يُذكر لبيان هيئة الاسم الذي يكون
الوصف له » ويقول في بيانه : « تجيء الحال من الفاعل نحو : (رجعَ الغائبُ
سالماً) ومن نائب الفاعل نحو : (تؤكل الفاكهة ناضجةً) ومن الخبر نحو :
(هذا الهلالُ طالعاً) ومن المبتدأ ـ كما هو مذهب سيبويه ومن تابعه ، وهو
الحـقّ ـ نحو : (أنتَ مجـتهداً أخي)... ومن المفـاعيل كلّها على الاَصحّ ،
____________
(1) سورة الشعراء 26 : 130.
(2) همع الهوامع 4|8.
(3) أ ـ شرح قطر الندى : 234 ـ 235.
ب ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2|77 ـ 79.
ج ـ شرح الحدود النحوية : 165 ـ 167.
(4) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 125.
(5) أ ـ شرح شذور الذهب : 248.
ب ـ شرح ابن عقيل على الاَلفيّة 1|644 ـ 645.
( 202 )
لا من المفعول به وحده »
(1).

والاَُستاذ عبّـاس حسن يعرّف الحال بأنّها : « وصفٌ فضلةٌ يبيّن هيئة
ما قبله ـ من فاعل أو مفعول به ، أو منهما معاً ، أو من غيرهما ـ وقت وقوع
الفعل » ، ويشير في الحاشية إلى أنّه « لا قيمة للاعتراض على مجيء الحال
من المبتدأ أو من اسم الناسخ... ذلك لاَنّ من يرفضونه لا يرفضونه
للسبب القويم الصحيح ، وهو : عدم الاستعمال العربي الاَصيل ، وإنّما
يرفضونه لاَنّه لا يتّفق مع مظهر من مظاهر السلطان الذي وهبوه للعامل...
والغريب أنّ المأثور الكثير من كلام العرب الخُلَّص لا يوافقهم ولا يؤيّدهم
مع كثرته ! بدليل صحّة قولهم : أعجبني عطاءُ المحسنِ مبتسماً ، وسرّني
صوتُ القارئ خاشعاً ، ولهذا يخالفهم ـ بحقّ ـ سيبويه وفريق معه »
(2).
*
*
*
____________
(1) جامع الدروس العربيّة ، مصطفى الغلاييني 3|75.
(2) النحو الوافي ، عبّاس حسن 2|363 ـ 364.