صلةقبل


عـدالة الصـحابة
(2)




الشـيخ محمّـد السـند



الوجه العقلي لعدالة الصحابة :
ثمّ إنّه من الغريب تمسّك التفتازاني بوجه عقلي نقلي لعدالة جميع الصحابة ! وهو أنّهم نقلة الدين ؛ ومراده أنّه لولا ذلك لبطل نقل الشريعة ، وهذا غير لازم لنفيها عن المبطل خاصّة دون المحقّ.
هذا ، مع أنّ التفتـازاني نفسـه ذكـر حـديث الثقـلين آخـذاً به ، قال : « إنّه صلى الله عليه وآله وسلم قرنـهم بكتـاب الله في كون التمسّك بهما منقـذاً من الضلالة ، ولا معنى للتمسّك بالكتاب إلاّ الاَخذ بما فيه من العلم والهداية ، فكذا في العترة »(1).
فإذا كانت العترة عدل الكتاب في التمسّك بهما كشرط للنجاة من الضلالة ، فأيّ بطلان للشريعة وراء ذلك ؟ ! وهل يُخلط الحابل بالنابل وتؤخذ الشريعة عمّن لا حظّ له في الاِيمان والعلم ؟ ! بل الاعتماد في الدين على كلّ من هبّ ودبّ اعتمادٌ على غير ركن وثيق !
____________
(1) شرح المقاصد 5|33.

( 51 )

هذا ، ومن المسائل التي تصبّ في هذا البحث وترتبط به بنحوٍ ما هو إصرار أكثر العامّة على مشروعية إمامة المتغلِّب بالقهر والبغي على رؤوس المسلمين ! وأنّه لا مانع من إمامة الفاسق والجاهل !
ويتردّد الناظر الباحث هل لهذا القول في الاِمامة صلة بإمامة الاَوائل من الصحابة وقول عمر بن الخطّاب : « إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت ، ألا وإنّها كانت كذلك ، ولكنّ الله وقى شرّها... من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يُبايَع هو ولا الذي بايعه تغِرّة أن يُقتلا...
فكثر اللغط وارتفعت الاَصوات حتّى فَرِقْتُ من الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر... خشينا إن فارَقْنا القومَ ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا ، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى ، وإمّا نخالفهم فيكون فسـادٌ ، فمن بايـع رجلاً على غير مشـورة من المسـلمين فلا يُـتابَـع هـو ولا الذي بايعه تغرّة أن يُقتلا ».
هكذا نصّ عبارته في صحيح البخاري(1).
وصدر الحديث هذا هو الذي رواه عن ابن عبّـاس ، قال : كنت أُقرىء رجالاً من المهاجرين منهم عبـد الرحمن بن عوف ، فبينما أنا في منزله بمنـىً وهـو عند عمر بن الخطّاب في آخـر حجّـة حجّـها ، إذ رجع إليَّ عبـد الرحمن فقال : لو رأيتَ رجلاً أتى أميرَ المؤمنين اليوم فقال : يا أمير المؤمنين ! هل لك في فلان يقول : لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً ، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت.
فغضب عمر ، ثمّ قال : إنّي إن شاء الله لَقائم العشيّة في الناس
____________
(1) صحيح البخاري 8|300 ـ 304 ح 25 باب « رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت » من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة.

( 52 )

فمحذّرهم هؤلاء الّذين يريدون أن يغصبوهم أُمورهم.
قال عبـد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين لا تفعل ، فإنّ الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم...
قال ابن عبّـاس : فقدمنا المدينة... فلم أَنْشَبْ أن خرج عمر بن الخطّاب ، فلمّا رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولَنّ العشيّة مقالة لم يقلها منذ استُخلِف...
فجلس عمر على المنبر... ثمّ قال :... ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول : والله لو مات عمر بايعت فلاناً ، فلا يغترّنّ امرؤ أن يقول : إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة... ».
فإنّ مسلسل الرواية يصرّح أنّ قائلاً قال بعزمه على أن يبايع بيعة الفلتة ، وأنّ عمر غضب ، لاَنّ هذه البيعة ، بيعة الفلتة ـ البغتة والفجأة والنهزة والخلسة والاغترار والمبادرة ـ ، لا يقرّها هو ، فغضب لاَُمور المسلمين ، وأنّه يريد تحذيرهم من هؤلاء الغاصبين ! وأنّ ما وقع من بيعة أبي بكر كانت كذلك ، وكانت ذات شرّ وقى اللهُ المسلمين شرّها ، وأنّها من غير مشورة من المسلمين ، إذ كان حينها لغط واختلاف في الآراء عند مداولة أمر الاِمامة والخلافة والبيعة بينهم ، وأنّ المرتكب لها يستحقّ القتل ، وأنّ مباغتته ببيعة الاَوّل كانت مدافعةً للآخرين !
هكذا يرسم لنا عمر صورة إمامة أبي بكر.
وعلى أيّة حال ، فإنّ مثل هذه الاِمامة على تقدير مشروعيّتها ـ بمنطق العسـكر والقوّة ، لا بمنطـق الدين والعقل ـ ، فإنّها لا توجـب كون صاحبها لا يزلّ ولا يخطأ ، وتتبّع سُـنّته قائمةً إلى يوم القيامة ، ويكون له حظّ المشرّع في الدين.


( 53 )

والحاصل : إنّ تحرير العامّة لمسألة عدالة الصحابة ، ومسألة حرمة الخوض في الفتن التي جرت بينهم ، ومسألة الاِمامة وما يرتبط بها من مسائل أُخرى ، يجدها الباحث الناظر مضطربة الوجوه ، متردّدة بين الاِمامة كعهد من الله ورسوله إلى رجل لا يزلّ ولا يخطأ ، وبين كونه مجتهداً كبقية المجتهدين ، أو أنّ حجّيّة قوله وفِعله كراوٍ من رواة الاَخبار ، وأنّ إقامة البحث عن مسألة عدالة الصحابة ليست كما يفيده عنوان البحث ، بل هو حول فئة خاصّة من الصحابة هم الّذين عقدوا البيعة لاَبي بكر ، وأنّ البحث إنّما هو لضرب سياج وحواجز دون التنقيب والبحث عن أحوال وصفات وممارسات تلك الفئة ، وأنّ ما عقدوه من مباحث ومسائل الاِمامة هو الآخر في هذا الاتجاه !
وممّا يشهد بتدافع تحرير المسائل عندهم ، هو أنّهم يستدلّون على الاِمامة بأدلّة مفادها لزوم عصمة الاِمام ، مع أنّهم يجيزونها للاِمامة العقدية بالبيعة السياسية ، ومثال ذلك الحديث النبوي : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » ، فإنّ مفاد الحديث وجوب معرفة الاِمام في كلّ زمان ، وواضح أنّه واجب اعتقادي كوجوب معرفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والاِذعان برسالته.
ويزيد ذلك وضوحاً أنّه جعل فاقد تلك المعرفة ميتته ميتة كفر ، وفي الحديث كناية ولطيفة ، وهو أنّه جعل كفره عند موته كفر من لم يدخل الاِسلام ، لا كفر من دخل الاِسلام وارتدّ عنه.
ومن البيّن في بداهة الشـرع والعقل أنّ من تجعل معرفـته بهذا الشأن ـ الاِمامة ـ لا يمكن أن يكون من يزلّ ويخطل ، أو يجهل ويضلّ ، بل لا بُـدّ أن يكون مقامه في الدين يتلو مقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، معصوماً مطهّراً أذهب الله


( 54 )

عنه الرجس وطهّره تطهيراً ، وغير ذلك من الاَمثلة.
كما إنّه يلاحظ في نظم الاَدلة والوجوه في تلك المسائل عندهم ، التكديس الركامي من دون تمحيص لمؤدّى كلّ دليل أو وجه ، ومن دون مقايسته بأدلّة الطرف الآخر ، فتراهم مثلاً يتمسّكون بحجّيّة سُـنّة الشيخين بأحاديث آحاد قد تكون حسنة الاِسناد عندهم ، بينما لا يقابلونها مع الاَحاديث المتواترة بطرقهم ، كحديث الثقلين ، وحديث المنزلة ، والغدير ، وغيرها..
فانظر مثلاً إلى التفتازاني في شرح المقاصد عندما يستعرض وجوه وأدلّة إمامة عليّ عليه السلام فهو يقرّ بجملة فضائله ، إلاّ أنّه يحكم ويكيل القول عشوائيّاً بأنّ فضائل الشيخين أَوْلى ، مع أنّه هو نفسه حكى عن إمام الحرمين أنّ روايات الفضائل في الاَربعة متعارضة والترجيح ظنّي ، ومع أنّ اللازم هو التعمّق في موازنة كلّ وجه من الوجوه ، ومدى مؤدّاه ، ومقابلته مـع الوجه الثاني في الطرف الآخر ، سـواء من حيث قوّة السـند والدلالة ، أو علوّ وشموخ المعنى ومسلّمية المصداق المراد بين الفريقين ، عن غيره من الاَحاديث.
والاَهمّ هو تحليل الفضيلة التي هي عبارة عن كمالٍ ما ؛ فإنّه عنوان مجمل عامّ لا بُـدّ من تقرير حدّه هل ينطبق على العصمة أو على عمل خاصّ معيّن دون أن يحدث صفة كمالية دائمة في الشخص ، أو على غير ذلك ممّا يتناسب مع صفات الراوي ونحوه.
والغريب من التفتازاني في الكتاب المزبور ، مع أنّه يتذمّر من معاوية ويزيد وبني أُميّة وما فعلوه من ظلم بذرّيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، إلاّ أنّه يقرّر إمامة المتغلّب الباغي القاهر للمسلمين بسيفه وسطوته !


( 55 )

ولا تنقضي الغرائب بسبب تدافع المباني ، وتردّد تحرير المسائل لديهم بنحو مجمل ، لا توزن فيه مرتبة الحجّة وسنخها ونوعها ومداها.
ثمّ إنّا قد تعرّضنا في تضاعيف تصوير فرض مسألة عدالة الصحابة لاَدلّة العامّة من السُـنّة أو الوجوه الاَُخرى والردّ عليها إجمالاً ، والمهمّ بعد ذلك هو التعرّض لِما استدلّوا به على ذلك من الآيات القرآنية :
الآية الاَُولى : قوله تعالى : ( السابقون الاَوّلون من المهاجرين والاَنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّاتٍ تجري تحتها الاَنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم )(1).
الآية الثانية : قوله تعالى : ( للفقراء المهاجرين الّذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أُولئك همُ الصادقون * والّذين تبوّؤوا الدار والاِيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسـه فأُولئك هـمُ المفلحون * والّذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاِخواننا الّذين سبقونا بالاِيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للّذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوف رحيم)(2).
الآية الثالثة : قوله تعالى : ( لقد رضيَ الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعَلِمَ ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً )(3).
____________
(1) سورة التوبة 9 : 100.
(2) سورة الحشر 59 : 8 ـ 10.
(3) سورة الفتح 48 : 18.

( 56 )

وقوله تعالى في السورة نفسها ، الآية الاَخيرة : ( محمّـد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الاِنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزَرَه فاستوى على سوقه يُعجب الزُّرّاع ليغيظ بهم الكفّار وعد الله الّذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً )(1).
الآية الرابعة : قوله تعالى : ( والّذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوّئنّهم في الدنيا حسنة ولاَجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الّذين صبروا وعلى ربّهم يتوكّلون )(2).
وقوله تعالى : ( ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا مِنْ بعد ما فُتِنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيم )(3).
الآية الخامسة : قوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والاَنصار الّذين اتّبعوه في ساعة العُسرة مِن بعد ما كاد يزيغ قلوب فريقٍ منهم ثمّ تابَ عليهم إنّه بهم رؤوف رحيم )(4).
الآية السادسة : قوله تعالى : ( والّذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والّذين آووا ونصروا أُولئك هم المؤمنون حقّاً لهم مغفرة ورزق كريم * والّذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأُولئك منكم... )(5).
____________
(1) سورة الفتح 48 : 29.
(2) سورة النحل 16 : 41 و 42.
(3) سورة النحل 16 : 110.
(4) سورة التوبة 9 : 117.
(5) سورة الاَنفال 8 : 74 و 75.

( 57 )

الآية السابعة : قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أُمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )(1).
الآية الثامنة : وقوله تعالى : ( كنتم خير أُمّة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )(2).
الآية التاسعة : وقوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهُدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّهِ ما تولّى ونُصلِه جهنم وساءت مصيراً )(3).
وللتنبيه على وهم القائل في مفاد الآيات بأنّها دالّة على مدح جميع الصحابة أو جميع من هاجر من مكّة ، وجميع من ناصر في المدينة ، أو أنّ هذا المديح دالّ على حجّيّة أقوال كلّ صحابي مهاجري أو أنصاري ، لاَجل ذلك لا بُـدّ من التعرّض إلى نقاط عامّة مشتركة ، ثمّ التعرّض تفصيلاً لمفاد كلّ آية على حدة ، وبيان البون بينه وبين مدّعى المتوهّم.

أمّا النقاط العامّة :
* النقطة الاَُولى : ما أفاده بعض الاَفاضل المعاصرين(4) من أنّ القرآن الكريم يشـير وينبّه إلى ظهور حركة محترفي النفاق من بدايات تكوّن المسلمين في مكّة ويعنونهم باسم ( الّذين في قلوبهم مرضٌ ) وذلك في رابع سورة نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة قبل الهجرة ، وهي
____________
(1) سورة البقرة 2 : 143.
(2) سورة آل عمران 3 : 110.
(3) سورة النساء 4 : 115.
(4) في كتابه إسلام شناسي تاريخي.

( 58 )

سورة المدّثّر ، وكذلك سورة العنكبوت المكّية نزولاً قبل الهجرة في قول الاَكثر أيضاً..
فالسورة الاَُولى ، متمثّلة في قوله تعالى : ( وما جعلنا أصحاب النار إلاّ ملائكةً وما جعلنا عدّتهم إلاّ فتنةً للّذين كفروا ليستيقنَ الّذين أُوتوا الكتاب ويزداد الّذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الّذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الّذين في قلوبهم مرضٌ والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يضلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربّك إلاّ هو وما هي إلاّ ذِكرى للبشر )(1).. قد قابلت بين فئات أربعة ، فئتين من جهة وهما المؤمنون والّذين أُوتوا الكتاب ، والفئتين الاَُخريَين من الجهة الاَُخرى هما الكافرون والّذين في قلوبهم مرض.
ومن الواضح أنّ الّذين في قلوبهم مرض ـ بحسب الآية ـ ليسوا من الفئات الثلاث : المؤمنين ، والّذين أُوتوا الكتاب ، والكافرين ؛ فيقتضي كونهم من المسلمين غير المؤمنين قلباً.
ويعطي هذا المعنى نفس عنوان : الّذين في قلوبهم مرض ؛ فإنّه دلّ على أنّ مرضهم مستبطن في قلوبهم غير ظاهر ، أي أنّ ظاهرهم يبدو عليه السلامة ، أي الاِسلام.
ويدلّل على ذلك أيضاً أنّ هذه الفئة يلاحقها القرآن الكريم بعد ذلك في أغلب السور المدنية نزولاً ، في الوقائع الخطيرة التي حدثت للمسلمين في المدينة حتّى آخر حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ويخصّهم القرآن الكريم بهذا العنوان مميّزاً بينهم وبين عنوان المنافقين ، إذ يسند لهم أدواراً أكثر خطورة
____________
(1) سورة المدثّر 74 : 31.

( 59 )

وضرراً على الدين من المنافقين.
أي أنّ المراد بالعنوان الثاني في القرآن عموم أهل النفاق ممّن قد ظهر التواؤه بنحو أو بآخر ، بخلاف أصحاب العنوان الاَوّل ، فإنّهم محترفو النفاق ، فقد احترفوا عملية التسلّل والنفوذ في كيان المسلمين منذ أوائل الدعوة للاِسلام حتّى آخر حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كما سنشير إلى ذلك ـ في الجملة ـ في السور بعد ذلك.
ولك أن تجرّد وتسرد مواقعهم ومواضعهم وأدوارهم بالاستعانة بكشف المعجم المفهرس للقرآن الكريم باستخراج مواضع عنوان ( الّذين في قلوبهم مرض ) في السور القرآنية والاَحداث التي تضمّنتها.
وعلى أيّ تقدير ، ففي أوائل الدعوة للاِسلام يشير القرآن الكريم إلى تسلّل عناصر بشرية في صفوف من سبق إلى الاِسلام واعتنقه في الظاهر ، وأنّ تلك العناصر كان لها أدوار قبل الهجرة وبعد الهجرة في المدينة ، وأنّها كانت ذات علاقات متميّزة مع كفّار قريش ومع اليهود ومع أهل النفاق ذوي النفاق العامّ غير المحترَف ، كلّ ذلك من خلال الخريطة المسلسلة للاَحداث السياسية وغيرها التي يرسمها لنا القرآن الكريم في سوره المكّية والمدنية عن هذه الفئة وهي « الّذين في قلوبهم مرض ».
والسورة الثانية المكّية قبل الهجرة ، هي قوله تعالى : ( ألم * أحسب الناس أنّ يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون * ولقد فتنّا الّذين من قبلهم فليعلمنّ الله الّذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين * أم حسب الّذين يعملون السيّئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون * من كان يرجو لقاء الله فإنّ أجل الله لاََتٍ وهو السميع العليم * ومن جاهد فإنّما يجاهد لنفسه إنّ الله لغنيّ عن العالمين * والّذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفّرنّ


( 60 )

عنهم سيّئاتهم ولنجزينّهم أحسن الذي كانوا يعملون * ووصّينا الاِنسان بوالديه حُسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليّ مرجعكم فأُنبّئكم بما كنتم تعملون * والّذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنّهم في الصالحين * ومن الناس من يقول آمنّا بالله فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصرٌ من ربّك ليقولُنّ إنّا كنّا معكم أَوَليس الله بأعلم بما في صدور العالمين * وليعلمنّ الله الّذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين * وقال الّذين كفروا للّذين آمنوا اتّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنّهم لكاذبون * وليحملنّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم وليُسألُنّ يوم القيامة عمّا كانوا يفترون
)(1)..
وهذه الآيات تؤكّد أنّ بين صفوف من أسلم قبل الهجرة فئة منافقة ، غرضها من اعتناق الاِسلام هو الوصول إلى المشاركة في المكاسب السياسية التي سيحقّقها المسلمون ، كما أنّ من تخصيص السورة خطاب الاِغراء من الكفّار للمؤمنين خاصّة أنّ جهد الكفّار كان منصبّاً لثني المؤمنين دون المنافقين ، ممّا يدلّ على وجود علاقة وتوافق موطّد بينهم.
وهذا جرد كشفي لمواطن تتبّع القرآن لهذه الفئة ( الّذين في قلوبهم مرض ) بحسب ترتيب النزول :
1 ـ سورة المدّثّر ، الآية 31 ، مكّية 4.
2 ـ سورة العنكبوت ، الآية 10 ـ 11 ، مكّية 85.
3 ـ سورة البقرة ، الآية 10 ، مدنية 87.
____________
(1) سورة العنكبوت 29 : 1 ـ 13.

( 61 )

4 ـ سورة الاَنفال ، الآية 49 ، مدنية 88.
5 ـ سورة الاَحزاب ، الآية 12 ـ 32 ـ 60 ، مدنية 90.
6 ـ سورة محمّـد ، الآية 20 ـ 29 ، مدنية 95.
7 ـ سورة النور ، الآية 50 ، مدنية 103.
8 ـ سورة الحجّ ، الآية 53 ، مدنية 104.
9 ـ سورة المائدة ، الآية 52 ، مدنية 113.
10 ـ سورة التوبة ، الآية 125 ، مدنية 114.
ومن كلّ ذلك ننتهـي إلى أنّ عمـوم المـديح للمهـاجرين وللاَنصـار لا يتناول فئة الّذين في قلوبهم مرض والمنافقين ممّن أسلم قبل الهجرة طمعاً في المكاسب السياسية التي تحدثت عنه كهنة العرب عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنبأت به اليهود قبل ظهور النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، الّذين قطنوا الجزيرة العربية لاَجل ذلك استعداداً لظهوره كما ذكر ذلك القرآن : ( ولمّا جاءكم كتاب من عند الله مصدّق لِما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنةُ الله على الكافرين )(1) ، فكانوا يتوعّدون الكفّار بالنصر عليهم بالنبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم الذي يملك العرب ، فمعالم ظهوره صلى الله عليه وآله وسلم وسلطته على الجزيرة منتشرة في الآفاق قبل أن يبعث صلى الله عليه وآله وسلم ؛ بل إنّ المديح خاصّ بالمؤمنين قلباً حقّاً منهم خاصّة ، ويشهد لذلك النقطة الثانية الآتية.
ثمّ إنّ هناك سورة مكّية أُخرى ـ سورة النحل 70 نزولاً ـ فيها إشارة إلى ظهور النفاق قبل الهجرة أيضاً.. ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من
____________
(1) سورة البقرة 2 : 89.

( 62 )

أُكره وقلبه مطمئنّ بالاِيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنّهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة وأنّ الله لا يهدي القوم الكافرين * أُولئك الّذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأُولئك هم الغافلون * لا جرم أنّهم في الآخرة هم الخاسرون )(1)..
فالاستثناء جملة معترضة ، وسياق الآية هكذا : ( مَن كفر بالله مِن بعد إيمانـه مَن شرح بالكفر صـدراً ) وجيء بـ : (لكن) للاستدراك من المستثنى ، وأنّ المراد بالكفر هو من شرح بالكفر صدراً ، وقيل : إنّ ( مَن شـرح بالكفر صدراً ) نزلت في عبـدالله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي ، وظاهر لفظ الجمع في الآيات يعطي أنّها فئة ومجموعة ، وأنّ سبب كفرهم بعد إيمانهم ليس إكراه المشركين لهم على ذلك ، بل هو استحباب الحياة الدنيا ، فطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
* النقطة الثانية : إنّ كثيراً من آيات الهجرة يقيّد الهجرة بكونها لله تعالى وبنيّة أنّها في سبيل الله ، كما في قوله تعالى : ( الّذين هاجروا في الله... )(2) وهي الآية الرابعة من التي تقدّمت في مديح المهاجرين ، وكذا قوله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت )(3) وقيّدت بقيّة الآيات الهجرة بقيد في سبيل الله ، كما قيّد الجهاد أنّه في سبيل الله المردف مع الهجرة.
ومن ثمّ تضافرت الاَحاديث النبويّة في بيان أنّ الهجرة حكمها تابع
____________
(1) سورة النحل 16 : 106 ـ 109.
(2) سورة النحل 16 : 41.
(3) سورة النساء 4 : 100.

( 63 )

لنيّة المهاجر ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فله الحسنى في العقبى ، ومن كانت هجرته إلى حطام الدنيا من مال يصيبه أو امرأة ينكحها أو ولاية يصيبها فله ما هاجر إليه وخسر حظّه في الآخرة ، وكذلك وردت الاَحاديث في الجهاد كذلك.
وعلى ذلك ، فليس كلّ من قام بالهجرة البدنية المكانية من مكّة إلى المدينة يكون ممّن هاجر في الله وإلى الله ورسوله ، والمديح مخصوص بمن هاجر في الله وإلى الله ورسوله ، لا كلّ من هاجر ولو بنيّة إصابة الدنيا.

تحقيق في عنوانَي « المهاجر » و « الاَنصاري » :
إنّ المتتبّع للاستعمال القرآني لمادّتَي « الهجرة » و « النصرة » في هيئة الفاعل ، عند الاِطلاق وعدم التقييد بقرينة معينة ، يجد أنّه لا يراد به كلّ مَن انتقل ببدنه من مكّة أو غيرها إلى المدينة المنوّرة مظهراً للاِسلام !
كما أنّ الاَنصاري ليس كلّ من أظهر الاِسلام وكان قاطناً في المدينة وحواليها.
فإنّ إجراء الاستعمال بهذا المعنى الوسيع وحصول التوسّع عن المعنى الاَوّل إنّما وقع وشاع في الاَلسن لتخيّل تطبيق المعنى اللغوي بلحاظ مطلق الانتقال المكاني ، واستدعاء ذلك المقابلة مع مَن لم ينتقل من موطنه وهو الاَنصاري ، مع وجود الدوافع السياسية المقتضية لهذا التعميم كي تجد مستنداً للشرعية في ما تقدّم عليه.
بل المتحصّل من التتبّع للآي القرآني هو أنّ الهجرة والمهاجر ، عند الاِطلاق من دون تقييد ، يراد به من انتقل من موطنه وبلاد المشركين إلى المدينة بقصد طاعة الله وفي سبيل الله وإلى الله ورسوله كما أشارت إلى


( 64 )

ذلك الآيات المتقدّمة ، وكقوله تعالى : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الاَرض مراغماً كثيراً وسعة )(1) ، وقوله تعالى : ( والّذين هاجروا في سبيل الله ثمّ قُتلوا أو ماتوا ليرزقنّهم الله رزقاً حسناً )(2) ، وقوله تعالى : ( فآمنَ له لوط وقال إنّي مهاجر إلى ربّي إنّه هو العزيز الحكيم )(3).
وقد اقترن ذِكر عنوان « الهجرة » كثيراً في الآيات(4) مع الجهاد في سبيل الله ، أو مع الاِيمان ، أو مع الاَذى في سبيل الله ، أو القتل في سبيله ، أو مع الصبر ، وقد وردت الاَحاديث النبويّة في تفسير الهجرة الشرعية بذلك.
فـ « الهجرة » عند الاِطلاق هي بذلك المعنى ، كما هو الحال في مقام الثناء والمديح لها كفعل عبادي من الطاعات والقربات العظيمة ، بخلاف ما إذا قيّد الاستعمال بقيد معيّن ، كترتيب أحكام خاصّة من قبيل حلّ المناكحة وحرمة الدم والمال ونحوها ، ولذلك ترى في قوله تعالى : ( إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ الله أعلم بإيمانهنَّ فإنْ علمتموهنّ مؤمنات فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار )(5) أنّه لم يُـكتفَ بالهجرة الظاهرية من دون التحقّق من حصول الهجرة الواقعية الحقيقية ، التي هي مقيّدة بالاِيمان القلبي وكونها في الله وفي سبيل الله وإلى الله ورسوله.
____________
(1) سورة النساء 4 : 100.
(2) سورة الحجّ 22 : 58.
(3) سورة العنكبوت 29 : 26.
(4) سورة البقـرة 2 : 218 ، سورة آل عمـران 3 : 195 ، سورة الاَنفـال 8 : 72 و 74 و 75 ، سورة التوبة 9 : 20 ، سورة النحل 16 : 41.
(5) سورة الممتحنة 60 : 10.

( 65 )

وكذلك الحال في استعمال الآي القرآني ، قال تعالى : ( يا أيّها الّذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريّـين مَن أنصاري إلى الله قال الحواريّون نحن أنصار الله فآمنت طائفة مِن بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيّدنا الّذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين )(1)..
وقال تعالى : ( فالّذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أُنزل معه أُولئك هم المفلحون )(2)..
وقال تعالى : ( والّذين آووا ونصروا أُولئك بعضهم أولياء بعض )(3).
فيلاحظ أنّ « النصرة » و « الاَنصاري » ليس مطلق المعاضدة ، فضلاً عن أن تكون هي كلّ مسلم كان موطنه المدينة ، فليس كلّ أوسي أو خزرجي أو غيرهما ممّن حول المدينة هو أنصاري ، بل من آمن وآوى وعزّر ووقّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واتّبع النور الذي أُنزل مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان ذلك كلّه في الله وإلى الله ، كان أنصارياً.
ثمّ سنرى أنّ في سورة التوبة ـ كما يأتي الحديث عنها ـ قُسّم كلٌّ من أهل المدينة ، وغيرهم ممّن انتقل إلى المدينة ، إلى : فئات صالحة ينطبق عليها هذين العنوانين الوسامين « المهاجر » و « الاَنصاري » ، وطالحة مردت على النفاق ، وكان في قلوبهم مرض ، أو متقاعسة عن القتال ، أو غيرهم من أنواع المنافقين.
____________
(1) سورة الصفّ 61 : 14.
(2) سورة الاَعراف 7 : 157.
(3) سورة الاَنفال 8 : 72.

( 66 )

وسنعاود التذكير على دلالة السورة المزبورة أيضاً على اختصاص هذين العنوانين والصفتين كمنقبتين وفضيلتين بمن توفّرت فيه القيود السالفة ، فهي كبقية الآيات من السور الاَُخرى منبّهة على خطأ هذا الاصطلاح الشائع ، من إطلاق « المهاجر » على كلّ مكّي ـ ونحوه ـ أسلم وانتقل إلى المدينة ، و« الاَنصاري » على كلّ خزرجي أو أوسي أسلم كان يقطن المدينة ونحوها.
فالهجرة والنصرة منقبتان عظيمتان ، وطاعتان مقرّبتان ، أُخذ في ماهيّتهما قيود وأجزاء متعدّدة ، ويترتّب على ذلك لزوم إحراز توفّر القيود في مَن يراد وصفه بهما.
* النقطة الثالثة : إنّ هناك العديد من القيود التي تستعرضها الآيات كشرط في مديح المهاجر والاَنصاري ، مثلاً :
أ ـ ما جاء في سورة الفتح ، ففيها ضابطة تستعرضها الآية في المهاجرين والاَنصار ، هي من المحكم الذي يُتبيّن به بقيّة الآيات ، وهو قوله تعالى : ( إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عَلَيْهُ اللهَ فسيؤتيه أجراً عظيماً )(1) ، فالآية اشترطت الوفاء بالعهد وعدم النكث به شرطاً لحسن العاقبة والمثوبة ، فالوفاء بالعهد عند الموت وعدم النكث والتبديل شرط في ذلك ـ كما هو الحال في بقيّة المؤمنين ـ إلى يوم القيامة.
ويشير إلى ذلك قوله سبحانه وتعالى أيضاً في آخر السورة : ( محمّـد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم... وعد الله
____________
(1) سورة الفتح 48 : 10.

( 67 )

الّذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً )(1).. فإنّه قيّد المغفرة والاَجر بمن آمن قلباً منهم وعمل صالحاً ، بل إنّ لفظة « منهم » دالّة على التبعيض ، وإنّ ليس كلّ الّذين معه صلى الله عليه وآله وسلم لهم وعد بالحسنى ، بل خصوص من اتّصف بالقيد منهم ، فالتقييد والتبعيض احتراز عن إيهام العموم الوارد في صدر الآية.
ويشير إلى مثل هذا القيد في مدح المهاجر والاَنصاري ، قوله تعالى : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إنّ الله كان غفوراً رحيماً )(2).. فقد دلّت الآية على اشتراط عدم التبديل في المؤمنين كي ينالوا الاَجر ، وأنّ الوفاء وعدم التبديل شرط في وصف المؤمنين بالصدق وأنّهم صادقون.
وقد اشتهر عند الصحابة أنّهم إذا أرادوا أن يقدحوا في واحد منهم أن يقولوا : إنّه بدّل ؛ كما هو دائر على ألسنتهم في الفتن التي وقعت بينهم.
ب ـ وهناك قيد آخر ذكرته الآيات كشرط في المديح ، وهو اتّصافهم بأنّهم رحماء بينهم أشدّاء على الكفّار ، أي اللين والرأفة فيما بينهم والشجاعة والشدّة أمام الكفّار ، كقوله تعالى : ( محمّـد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم ) في سورة الفتح..
وقوله تعالى : ( ويقول الّذين آمنوا لولا نزّلت سورة فإذا أُنزلت سورة محكمة وذُكر فيها القتال رأيت الّذين في قلوبهم مرض ينظرون
____________
(1) سورة الفتح 48 : 29.
(2) سورة الاَحزاب 33 : 23 و 24.

( 68 )

إليك نظر المغشيّ عليه من الموت فأَوْلى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الاَمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم )(1)..
وقوله تعالى : ( والقائلين لاِخوانهم هلُمّ إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلاً * أشحّة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنةٍ حداد أشحّة على الخير أُولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً )(2)..
فبيّن الله تعالى أنّ الجبن والخوف والخشية من الموت وإذا ذهب الخوف سلقوا المؤمنين بألسنةٍ حداد هي من صفات المنافقين والّذين في قلوبهم مرض ، على عكس صفات المؤمنين من الرحمة فيما بينهم والشجاعة أمام الكفّار.
ومن الثابت أنّ من المهاجرين من كان فظّاً غليظاً مع بقيّة المؤمنين والمسلمين ، هزوماً فرّاراً في الحروب ، وإذا قاد جيشاً ليفتح حصناً أو يغزو غزاة عاد يجبّن الناس والناس يجبّنونه ، بينما المؤمن كرّار غير فرّار يفتح الله على يديـه.
ج ـ كذلك هناك آيات أُخرى دالّة على أنّ هناك أعمالاً سيّئة موجبة لحبط الاَعمال ، كقوله تعالى : ( ومن يكفر بالاِيمان فقد حبط عمله )(3) ، وكقوله تعالى : ( يا أيّها الّذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّقوا الله إنّ الله سميع عليم * يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم
____________
(1) سورة محمّـد 47 : 20 و 21.
(2) سورة الاَحزاب 33 : 18 و 19.
(3) سورة المائدة 5 : 5.

( 69 )

فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون )(1)..
ومن الثابت في كتب السير والاَحاديث أنّه في العديد من الوقائع قد أبرم وقطع فيها غيرُ واحدٍ من الصحابة العشرة المبشّرة أمراً قبل أن يحكم الله ورسوله فيها ، بل قد تقدّموا في أشياء قد تقدّم الله ورسوله فيها بحكم خلافا وردّاً !
وكقوله سبحانه تعالى : ( إنّما المؤمنون الّذين آمنوا بالله ورسوله ثمّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أُولئك هم الصادقون * قل أتعلّمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الاَرض والله بكلّ شيء عليم )(2) ، فعدم الارتياب قيد في بقاء الاِيمان ، مع أنّ بعض المهاجرين ارتاب في دينه في صلح الحديبية !
فهذه نماذج من القيود ، وعليك بتقصّيها في السور القـرآنية ، ممّا يُعْلِم فقدان جماعة من الصحابة المهاجرين والاَنصار لها.
* النقطة الرابعة : إنّ ممّا قد ثبت مقطـوعاً بـه للمتتـبّع في الآيات القرآنية وكتب الاَحاديث والسير والتواريخ ، أنّ العديد من الصحابة ، من المهاجرين والاَنصار ، قد وقعت وصدرت منهم مخالفات للشرع المبين تُعدّ من الكبائر ، وبعضها من العظائم ، سواء كان ذلك في حيـاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أو بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم عند التنازع والفتن التي انتهت إلى حربَي الجمل وصفّين..
____________
(1) سورة الحجرات 49 : 1 و 2.
(2) سورة الحجرات 49 : 15 و 16.

( 70 )

فقد وقع منهم الفرار من الزحف في مواطن كوقعة أُحد وحنين ، ولم يبق إلاّ ثلّة من بني هاشم(1) ! مع أنّ الفرار من الزحف من الكبائر السبع المغلّظة !
وكذا ما أتاه الصحابة في صلح الحديبية ـ وفي مقدّمتهم بعض المهاجرين ـ من الاعتراض على صلح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والنكير لذلك حتّى إنّهم أبوا أن يحلقوا رؤوسهم والاِحلال من الاِحرام ، وأبدوا العصيان الجماعي حتّى اضطُرّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يجدّد أخذ البيعة منهم بعد ذلك بعدما ارعووا وعادوا واستوثق منهم المواثيق(2) !
وما أتاه عدّة من الصحابة ـ من المهاجرين ـ من التخلّف عن جيش أُسامة الذي جهّزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتال الروم ، مع أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قد لعن من تخلّف عن جيش أُسامة ، وقال : أنفذوا جيش أُسامة(3) !
وقد نزلت الآية الكريمة ـ كما قيل ـ : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاَُخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله )(4) في اقتتال الاَوس والخزرج بالاَيدي والنعال والعصي(5).
وبعضهم ردّ علـى النبـيّ صلى الله عليه وآله وسلم عنـدما طلب دواة وكتاباً يكتب فيـه
____________
(1) انظر : تفسير الفخر الرازي 16|22 ، تاريخ الطبري 2|167 حوادث سنة 8 هـ.
(2) انظر : تاريخ الطبري 2|122 حوادث سنة 6 هـ ، البداية والنهاية 4|136 حوادث سنة 6 هـ.
(3) انظر : الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ 1|12 ، شرح نهج البلاغة 6|52 ، شرح المواقف 8|376.
(4) سورة الحجرات 49 : 9.
(5) انظر : تفسير الدرّ المنثور 7|560.

( 71 )

ما إن تمسّكوا به فلن يضلّوا أبداً ، وقال : إنّه غلب عليه المرض(1).. وهي عظيمة ! !

للبحث صلة...


____________
(1) أنظر : صحيح البخاري 4|211 ح10 وج6|29 ح422 ، صحيح مسلم 5|75 ـ 76 ، الكامل في التاريخ 2|185 حوادث سنة 11هـ.