دور الشـيخ الطوسي قدس سره |
السـيّد ثامر هاشم العميدي
إذا كانت ريادة الشيخ الطوسي في مقام الفقه الإمامي المستنبط
واضحة لدى الجميع باعتباره أوّل من استوعب جميع الطاقات الفقهية
السابقة التي تكاد تنحصر بجهود ابن الجنيد، والمفيد، والسـيّد المرتضى
رضي الله تعـالى عنهم، وصبّهـا في قالب جديـد رائـع، فإنّ فقهـه الروائي
لا يقلّ درجة عن فقهه المستنبط، فهو رائد الفقهَين، وإن كان الأخير هو
السائد قبل عصر الشيخ الطوسي عند جميع فقهاء الإمامية.
ونستطيع أن نتلمّس هذا ونحن في دوره في الحديث الشريف
وعلومه فضـلاً عمّا سيأتي من بيان دوره الفقهي الخالد؛ إذ من الواضح أنّه
لا يمكن الفصل بين الفقه الروائي وما سطّره يراع الشيخ في كتابيه التهذيب
والاستبصارر من آيات الاحتجاج والاستدلال بآلاف الأخبار، خصوصاً في
ما يتّصل بتأويلاته التي لا زال معظمها معمولاً به عند الفقهاء إلى وقتنا
الحاضر، كما تنـبّـئُك آثارها الحيّة الباقية إلى الآن في استدلالات
ولم يكن هذا ليتسنّى للشيخ، لو لم يشبع الأخبار المروية في الفقه
الإمامي بحثـاً وتمحيصـاً، بعد أن حصرها ـ بجميع أقسامها وفروعها
الكثيرة ـ بثلاثة أقسام لا رابع لها، وهي:
1 ـ الأخبار المتواترة.
2 ـ الأخبار المحتفّة بالقرائن.
3 ـ أخبار الآحاد.
وبما أنّ المتواتر لا نقاش في حجّـيّته؛ لكونها ذاتية، وما كانت
حجّيّته كذلك، فهو في غنىً عن التماس الأدلّة على إثبات حجّيّته، ولهذا
ترى الشيخ قد اكتفى بالقول عن الأخبار المتواترة بأنّها موجبة للعلم
والعمل، مولياً عنايته بدراسة القسمين الآخرين، مبيّناً في ذلك القرائن
المحتفّة بالخبر بقسميها، وهما: ما دلّ منها على صحّة الخبر في نفسه، وما
دلّ منها على صحّة متضمَّنه مفصِّلاً طرق الجمع بين أخبار الآحاد
المتعارضة، وطرق الترجيح أيضاً، وهذا الموقف العلمي النظري إزاء جميع
الأخبار المروية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمّة عليهم السلام ، قد بيّـنّاه مفصّلاً في ما تقدّم
من الحلقات السابقة.
وما نريد التأكيد عليه هنا، هو أنّ موقفه العلمي النظري إزاء تلك
الأخبار ـ وهو ما أسّسه في مقدّمة التهذيب وديباجة الاستبصار، وأكّده في
كتابه: العدّة في أُصول الفقه، لم يختلف عن موقفه العملي التطبيقي بشأن
تلك الأخبار؛ لأنّ ما مهّده من سبل الجمع والترجيح وغير ذلك أوّلاً، سار
عليه ثانياً، ولم يشذّ عنه ولو في مورد واحد، ومن هنا لم يحصل بين
الموقفين تهافت أو تناقض، وإن حاول بعض الأشخاص أن يمسّهما معاً
نعم، فقد اشتبه بعضهم اشتباهاً كبيراً بشأن ما أسّسه الشيخ في موقفه
العلمي الأوّل من القرائن المحتفّة بالخبر، وطرق الجمع بين الخبرين
المتعارضين، وسبل الترجيح بينهما، معمّماً نتائج اشتباهه بما فيه من مزاعم
باطلة ليمسّ به كِلا الموقفين، وهو ما نجده ـ مع الأسف ـ عند الأُستاذ
علال الفاسي، المعروف بين أوساط المثقّفين، وذلك في بحثه الموسوم:
«من المدرسة الكلامية»؛ إذ تعرّض فيه إلى الشيخ الطوسي في كتابيه
التهذيب والاستبصار، قائلاً ما نصّه:
«إذا تتبّعت ظروب القرائن التي نقلناها عن الشيخ، ووسائل الجمع،
لا يمكن طرح أيّ حديث ينسب للرسول [ صلى الله عليه وآله وسلم ]، أو الأئمّة [ عليهم السلام ]؛ لأنّه لا
بُـدّ أن يدخل في واحد منها، وهذا في الواقع اعتماد على الفكر لتبرير ما
روي من الأخبار غير الصحيحة، ولو كانت ظاهرة الوضع»!(2).
ولا أدري كيف اقتنع الأُستاذ علال الفاسي بهذا الكلام، وهو يعلم بأنّ
موقف علماء المسلمين جميعاً إزاء الخبرين المتعارضين، إنّما ينطلق ابتداءً
من محاولات الجمع بينهما؛ فإن أمكن الجمع بينهما بتأويل أحدهما بما
يوافق دلالة الآخر ولو بوجه من الوجوه فهو المتعيّن عندهم بلا خلاف،
وقد صنّفوا في ذلك كتباً، كـ: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري،
وغيره.
وأمّا لو تعذّر الجمع، فلا بُـدّ من الرجوع إلى طرق الترجيح بين
والشيخ قدس سره أشار لكلّ هذا في أوّل الكتابين، ومارسه عملياً فيهما،
فكيف يقال إذاً بأنّه لم يطرح أيّ حديث في كتابيه التهذيب والاستبصار،
ولو كان ظاهر الوضع؟!!
وأغلب الظنّ أنّ الأُستاذ علال الفاسي اشتبه بقول الشيخ الطوسي في
ديباجة الاستبصار؛ إذ جاء فيها بعد تفصيل القرائن المحتفّة بالخبر،
ووسائل الجمع وطرق الترجيح ما هذا نصه: «وأنت إذا فكّرت في هذه
الجملة وجدت الأخبار كلّها لا تخلو من قسم من هذه الأقسام، ووجدت
أيضاً ما عملنا عليه في هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا في الفتاوى والحلال
والحرام، لا يخلو من واحدة من هذه الأقسام»(1)..
فحسب الأُستاذ المذكور، أنّ جميع ما أورده الشيخ من أخبار، داخل
في دائرة الاحتجاج والاستدلال، لا سيّما وأنّ الكلام المتّصل بهذه العبارة
مسوق في دائرة الاحتجاج وكيفية الاستدلال بالخبر.
ومع هذا لا يُعذر الباحث في اشتباه كهذا، خصوصاً وأنّ الشيخ قدس سره
قد بيّن قبل هذا نوعية الأخبار التي لا يجوز العمل بها لعدم إمكانية
اعتمادها، كالخبر المعارِض للإجماع، أو ما كانت شهرة الفتوى على
خلافه، وكذلك التصريح بطرح الخبر الراجح والعمل بالأرجح، كما لو
ثمّ ماذا يقال عن تصريح الشيخ بالعمل بالخبر الموافق لدلالة الأصل
وترك ما خالف تلك الدلالة؟!
وإذا عرفنا أنّ المقصود بدلالة الأصل عند الشيخ، هي القواعد الكلّيّة
المستنبطة من عمومات الآيات القرآنية، والأخبار المتواترة، والصحيحة
الثابتة، والأُصول العملية، كأصل البراءة والاستصحاب، إلى غير ذلك ممّا
ذُكر في محلّه(1)، علمنا بخطأ ما ذكره الأُستاذ علال الفاسي؛ لأنّ الشيخ
الطوسي نفسه لا يرى أنّ جميع ما رواه من أخبار في التهذيب أوالاستبصار
موافق لدلالة الأصل عنده، ويدلّ عليه طرحه لجملة من الأخبار المروية
فيهما مع تصريحه بضعفها؛ لمخالفتها لظاهر القرآن الكريم، أو السُـنّة
الثابتة، أو الإجماع، ونحو ذلك من التصريحات الآتية في هذا البحث إن
شاء الله تعالى.
على أنّ الحاصل من كلام الشيخ في مقـدّمتَي التهذيـب والاستبصار
ـ فضلاً عمّا في أصل الكتابين ـ أنّه قدس سره لا يعمل بالخبر الشاذّ النادر الذي لم
يكن معروفاً في الأُصول المعتبرة، كما أنّه لا يعمل بالخبر المخالف لدلالة
الأصل، ولا بالخبر الضعيف المعارض بما هو أقوى منه، ولا حتّى
بالصحيح الذي هذه صفته أيضاً، وأين هذا من القول بأنّه لم يطرح أيّ
حديث مرويّ حتّى ولو كان ظاهر الوضع؟!
ثمّ لا ننسى ما ورد في أصل الكتابين من تصريحات وتطبيقات
لا شكّ أنّ التعرّض لبيان وجوه فساد الخبر عند الشيخ الطوسي قدس سره ،
يكشف عن نوعية الحديث المعتمد عنده؛ لأنّ قوله ـ مثلاً ـ بأنّ هذا الخبر
مردود لمخالفته إجماع المسلمين، يدلّ بمفهومه على اعتماده على الخبر
الموافق لهكذا إجماع.
وعليه، فالفصل الثالث هذا يجمع بين ما جاء في عنوانه، وبين جملة
وافرة من احتجاجات الشيخ الطوسي واستدلالاته على الحكم الفقهي
بأخبار التهذيب والاستبصار المروية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن أهل بيته الأئمّة
الأطهار عليهم الصلاة والسلام.
وسوف يتّضح ـ إن شاء الله ـ بأنّ الشيخ قدس سره لم يعتمد على الفكر
لتبرير ما روي من الأخبار غير الصحيحة، وإنّما اعتمد الفكر ليردّ به عن
بصيرةٍ على قول الجهّال من أصحاب الحديث ـ على حدّ تعبيره ـ: «أنّه
ينبغي أن يروى الحديث على ما جاء وإن كان مختلّ المعنى!!» معلّلاً ذلك
بقوله: «لأنّ الله تعالى دعا إلى التدبّر والتفقّه، وذلك مناف للتجاهل
والتعامي»(1).
وهكذا أصبح الشيخ ـ بفضل اعتماده على الفكر والتدبّر لنصوص
الأخبار ـ من أبعد المحدّثين عن الأخبار المزيّفة الموضوعة، وأشدّ الناس
وسـوف نتلمّـس هذه الحقيقـة من خـلال ما قاله في كتابيه التهذيب
والاستبصار وبعض كتبه الأُخرى، لا سيّما كتاب العدّة في أُصول الفقه،
بشأن الأخبار المردودة عنده، وعلى النحو الآتي:
أوّلاً: الأخبار الموضوعة:
الخبر الموضوع هو الخبر المكذوب الذي لا أصل له، ولا خلاف
بين المسلمين جميعاً في وجوب طرحه، وعدم اعتماده في شيء ألبتّة،
وموقف الشيخ من الخبر المعلوم وضعه هو موقف الأُمناء على الدين، وهو
وإن كان معلوماً وواضحاً كالشمس، إلاّ أنّنا سنذكره لسببين:
أحدهما: لإثبات أنّ ما زعمه الأُستاذ الفاسي لا أصل له، مع خـلوّه
عن التحقيق، فضلاً عن النزاهة.
والآخر: تعرّض الشيخ لبيان الأُمور التي يعرف من خلالها الخبر
المكذوب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يخفى ما في الأخير من فوائد.
وعلى أيّة حال، فقد قال الشيخ الطوسي قدس سره : «إنّ في الأخبار المرويّة
عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كذباً، كما إنّ فيها صدقاً، فمن قال: إنّ جميعها صدق، فقد
أبعد القول فيه، ومن قال: إنّها كلّها كذب، فكذلك؛ لفقد الدلالة على كِلا
القولين، وقد توعّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الكذب عليه بقوله: (من كذب علَيَّ
متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار)، وتجنّب كثيرٌ من أصحابه الرواية، نحو
الزبير، والبراء بن عازب، لمّا تبيّنوا أنّه وقع فيها الكذب، فروي عن البراء
أنّه قال: (سمعنا كما سمعوا، لكنّهم رووا ما لم يسمعوا)! وروي عن شعبة
ولأجل ما قلنا حمل أصحاب الحديث نفوسهم على نقد الحديث،
وتمييز الصحيح منها من الفاسد»(1).
ثمّ بيّن بعد ذلك الطرق التي يعلم بها كذب الخبر في كلام طويل
شغل عدّة صفحات، نكتفي ببعضها:
فمنها: أن يكون مُخبَر الخبر ـ أي المحكوم عليه في الخبر ـ على
خلاف ما تناوله الخبر، ومنه يُعلم أنّه كذب.
ومنها: أن لا ينقل الخبر كما ينبغي مع توفّر الدواعي على نقله، فإذا
لم يُنقل كنقل نظيره ولم يكن هناك أيّة موانع من خوف أو تقيّة، عُلم
كذبـه.
ومنها: أن تكون الحاجة في باب الدِين إلى نقله ماسّة، فإذا لم يُنقل
نَقل نظيره مع ارتفاع الموانع حُكم بكذبه.
ومنها: أن يكون ظاهر الخبر يقتضي الجبر والتشبيه وإن رواه
الصحابة، لجواز الغلط عليهم لعدم عصمتهم، وأمّا ما رواه التابعون وغيرهم
في ذلك، فلا يمنع من وقوعهم في الكذب.
ومنها: أن يُعلم بأنّ المحكوم عليه في الخبر لو كان صحيحاً لوجب
نقله على وجه تقوم به الحجّة، فإذا لم يتحقّق ذلك كان كذباً.
ومنها: أن يكون مفاد الخبر مخالفاً لِما عُلم بالضرورة، فإن كان
كذلك فيقطع بكذب الخبر.
ومنها: أن يكون المحكوم عليه في الخبر ممّا لو فتّش عنه من يلزمه
ومنها: أن يكون مخالفاً لدليل العقل ومقتضاه، ولا يمكن حمله على
وجه مقبول.
ومنها: أن يكون مخالفاً للدليل الشرعي الثابت ولا يمكن تأويله
بوجه يوافق أدلّة الشرع(1).
ومنها: أن لا يكون الخبر متضمّناً لشيء من الغلط الفاحش في
التاريخ، كما بيّنه الشيخ في تفسيره(2).
ومنها: أن لا يكون الخبر منافياً لتنزيه الأنبياء عليهم السلام ، وقد نبّه على ذلك
في تفسيره أيضاً(3).
ومنها: أن يكون في الخبر تعليل ضعيف لا يمكن صدوره عن
المعصوم عليه السلام ، نظير ما ورد من التعليـل في كون شـهر رمضـان لا يزيـد ولا
ينقص عن ثلاثين يوماً، كما نبّه عليه الشيخ في التهذيب(4).
ومنهـا: أن يحصل اعتراف بالوضـع أو شـبهه، كاعتراف أحمد بن
أبي بشر السرّاج بخصوص ما انتصر به لمذهبه في الوقف ومنع الشهادة
بالنصّ على الإمام الرضا عليه السلام ، كما نبّه عليه الشيخ في كتاب الغَيبة(5)، ومن
هنا احترز الشيخ وغيره من علمائنا المتقدّمين بترك رواية الثقة المنحرف
عن المذهب في ما لو انتصر لمذهبه بخبر اختصّ هو بروايته.
ومنها: أن يصرّح أحد الرواة مثلاً، بأنّه ما سمع من فلان من
الحديث إلاّ مقدار كذا من الأحاديث، ثمّ يروي عنه بعد ذلك كثيراً، وهو ما
بيّنه الشيخ الطوسي بحقّ بعض الرواة الّذين صدر عنهم ذلك(1)، وهو
يجري مجرى الاعتراف بالوضع.
ومنها: أن يكون الخبر مروياً مِن طريق مَن عُرف بالكذب، أو
الوضع واشتهر بذلك.
ومنها: أن يكون الخبر المروي رواه مَن ورد تكذيبه ولعنه وذمّه على
لسان الأئمّة عليهم السلام ، وهو ممّا تفرّد بروايته(2)؛ وواضح أنّه لا مانع من الرواية
عنه قبل صدور ذلك فيه، أي جواز الرواية عنه قبل انحرافه وفي حال
استقامته، كما صرّح بهذا الشيخ في كتاب العـدّة(3).
ومنها: أن لا يكون الخبر المسند إلى شخص المعصوم عليه السلام مخالفاً
لِما عُرف من مذهبه وتواتر عنه، ولم تكن ثمّة تقيّة فيه، كما لو ورد
التصريح من المعصوم نفسه عليه السلام بأنّه لم يقل مثل ذلك الخبر المكذوب
عليه، نظير ما كذبه رواة العامّة على الإمام الصادق عليه السلام بأنّه كان يقول: إنّي
أتولّى أبا بكر وعمر وأترحّم عليهما، ونحو ذلك من الأكاذيب، التي
روّجوها على لسان الإمام الصادق عليه السلام ، على الرغم من تصريحه بأنّه عليه السلام لم
يقلها، ولم يعرفها، ولم يحدّث بها، ولا سمعها، كما أورد ذلك الشيخ
الطوسي في ما انتخبه من رجال الكشّي(4)، ولهذا نظائر كثيرة في مرويات
وهي حتّى مع فرض سلامتها لا تفيدهم في ذلك؛ لصدورها تقيّة كما
اختاره الشيخ معقّباً عليه بقوله: «لأنّ العلم حاصل لكلّ من سمع الأخبار أنّ
من دين أئمّتنا عليهم السلام إباحة المتعة، فلا يحتاج إلى الإطناب فيه»(1).
ونظير أخبار المتعـة ما وصفوه من أحـاديث على لسـان أميـر
المؤمنين عليه السلام بأنّه كان يغسل رجليه فى الوضوء انتصاراً لباطلهم، كما نبّه
عليه الشيخ في التهذيب(2).
ثانياً: الأحاديث الضعيفة:
الضعيف لغة: خلاف القوي، قال تعالى: (الله الذي خلقكم من
ضعف ثمّ جعل من بعد ضعف قوّة، ثمّ جعل من بعد قوّة ضعفاً
وشيبةً...)(3)، والجمع: ضعفاء، وضعاف(4).
ومن هذا المعنى انبثق تعريف الحديث الضعيف في الاصطلاح، إذ
يفهم من تعاريفهم له، أنّه ما فقد صفة أو أكثر من صفات القوّة المشخّصة
في أدنى مراتب الحديث المعتبر بنفسه في اصطلاح الفريقين.
ومن هنا عرّفه ابن الصلاح ـ من العامّة ـ بأنّه: «كلّ حديث لم تجتمع
فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن»(1).
وتابعه على ذلك النووي في التقريب، بقوله: «وهو ما لم يجمع
صفة الصحيح أو الحسن»(2)، وهذا ما نجده عند الشريف الجرجاني أيضاً،
إذ عرّف الحديث الضعيف بقوله: «هو ما لم يجتمع فيه شرط الصحيح
والحسن»(3)، وقد جرى على ذلك الكافيجي(4) والقاسمي(5).
وهذا التعريف ليس دقيقاً، بل اعترض عليه بأنّه يوجب رفع
الإيجاب الكلّي بالنسبة إلى شروط الصحيح، وشروط الحسن، ولو أُخذ
سلباً واحداً بالنسبة إلى مجموع شروطهما؛ لصدق تعريف الحديث
الضعيف على جميع أفراد الصحيح وأفراد الحسن(6).
ولهذا انتقد ابن حجر تعريف ابن الصلاح للحديث الضعيف، بأنّه لو
اختصر على نفي صفات الحسن المستلزم لنفي صفات الصحيح وزيادة
لكان أَوْلى، فقال: «ولو عبّر بقوله: كلّ حديث لم تجتمع فيه صفات القبول
وقال السيوطي في شرح عبارة النووي المتقدّمة: «وهو ما لم يجمع
صفة الصحيح أو الحسن»: «جمعها تبعاً لابن الصلاح، وإن قيل إنّ
الاختصار على الثاني أَوْلى؛ لأنّ ما لم يجمع صفة الحسن، فهو عن صفات
الصحيح أبعد، ولذلك لم يذكره ابن دقيق العيد»(2).
كما جاء نظم التعريف في ألفية العراقي خلافاً لِما عليه ابن الصلاح
وغيره، هكذا:
وجاء في فتح المغيث في شرح قول الناظم: «أمّا الضعيف فهو ما لم
يبلغ مرتبة الحسن» قول السخاوي: «ولو بفقد صفة من صفاته، ولا احتياج
لضمّ الصحيح إليه، فإنّه حيث قصُر عن الحسن، كان عن الصحيح
أقصر»(4).
وأمّا الإمامية، فقد عرّفه الشهيد الثاني، بقوله: «وهو ما لا يجتمع فيه
شروط أحد الثلاثة المتقدّمة(5)؛ بأن يشتمل طريقه على مجروح بالفسق
ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلك كالوضّاع»(6).
وعلى هذا التعريف جرى بعضهم أيضاً(1).
وصدرُ التعريف غير دقيق، إذ يرد عليه ما أُورد على تعريف ابن
الصلاح؛ لأنّ ما لا تجتمع فيه شروط أحد الثلاثة ـ وليكن الصحـيح مثـلاً ـ
لا يعني أن يكون بالضرورة ضعيفاً، فالحسن، والموثّق، والقوي، كلّها لم
تجتمع فيها شروط الصحيح أيضاً؛ ولكن ما ذكر من قيود بعد صدر
التعريف كافية في المقام.
ولهذا نرى السيّد حسن الصدر اكتفى بتلك القيود في تعريف
الحديث الضعيف، فقال: «وهو ما في سنده مذموم، أو فاسد العقيدة غير
منصوص على ثقته، أو مجهول، وإن كان باقي رواته ممدوحين بالعدالة؛
لأنّ الحديث يتبع اعتبار أدنى رجاله...»(2).
ومن كلّ ما تقدّم يعلم صحّة ما ذكرناه آنفاً، بأنّ الحديث الضعيف،
هو ما فقد صفة أو أكثر من صفات القوّة المشخَّصة في أدنى مراتب
الحديث المعتبر، عند الفريقين.
أنواع الحديث الضعيف وتعاقب درجاته:
للحديث الضعيف أنواع متعدّدة، كالمرسَل، والمنقطع، والمعضّـل،
والمدلّس، والمعلّل، والمضطرب، والمقلوب، والشاذّ، والمنكَر،
والمتروك، والموقوف، والمضمر، وغيرها كثير، فقد أوصلها ابن حبّان
البستي إلى تسعة وأربعين نوعاً، قال العراقي:
وسوف نشير إلى موارد بعض أنواع الضعيف التي وقفنا عليها في
كتابَي التهذيب والاستبصار في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
ثمّ إنّ الحديث الضعيف تتعاقب درجاته بحسب بعده عن الشروط
المقبولة في الحديث(2)، وهذا هو محلّ اتّفاق معظم علماء الدراية عند
الفريقين، وعليه فلو روي الحديث الضعيف بأكثر من طريق فسيكون أقوى
ممّا لو روي بطريق واحد(3)، كما إنّ الضعيف يسمّى مقبولاً إذا اشتهر
العمل به، خصوصاً بين القدماء(4).
وبهذا الصدد أورد القاسمي عن النووي قوله بشأن الأحاديث الضعيفة
الواردة في معنىً واحد وبطرق متعدّدة: «فمجموعها يقوّي بعضه بعضاً،
ويصير الحديث حسناً يحتجّ به»، ثمّ قال: «وسبقه البيهقي في تقوية
الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن القطّان يرشد
إليه»، ثمّ أورد عن ابن حجر قوله: «بأنّ الضعف الذي ضعفه ناشىَ عن
سوء حفظه، إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن، ـ ثمّ قال: ـ وفي
عون الباري نقلاً عن النووي أنّه قال: الحديث الضعيف عند تعدّد الطرق
كما نقل عن ابن تيميّة كلاماً مهمّاً في المقام يقطع الطريق على
الوهّابية، لا سيّما الألباني في تضعيفاته الكثيرة المضحكة لجملة من
الأحاديث، بأنّه قال: «قد يكون الرجل عندهم ضعيفاً لكثرة الغلط في
حديثه، ويكون حديثه الغالب عليه الصحّة، فيروون عنه لأجل الاعتبار به،
والاعتضاد به، فإنّ تعدّد الطرق وكثرتها يقوّي بعضها بعضاً حتّى قد يحصل
العلم بها ولو كان الناقلون فجّاراً وفسّاقاً... وهذه طريقة أحمد بن حنبل
وغيره، لم يرو في مسنده عمّن يعرف أنّه يتعمّد الكذب، لكن يروي عمّن
عرف منه الغلط للاعتبار به، والاعتضاد»(2).
ولهذا نرى تصريح علماء العامّة أنفسهم باحتجاج أصحاب الصحاح
والسنن والمسانيد المعتبرة عندهم بالحديث الضعيف، ويكفي في ذلك
اعتراضهم بأنّ مذهب النسائي هو أن يخرّج عن كلّ ما لم يجمع على تركه.
وإنّ أبا داود كان يأخذ ما أخذه ويخرّج الضعيف إذا لم يجد في الباب
غيره، ويرجّحه على الرأي كالقياس والاستحسان(3).
وبالجملة: فإنّ مذاهب الأخذ بالضعيف عند العامّة ثلاثة، وهي:
الأوّل: عدم العمل بالضعيف مطلقاً، وقد عُزي هذا إلى يحيى بن
معين، وأبي بكر بن العربي، وهو قول شاذّ لم يعتمد عليه أحد منهم.
الثاني: أنّه يعمل به في الفضائل، قال القاسمي: «وهو المعتمد عند
الأئمّة» ثمّ أيّد كلامه هذا بجملة من الأقوال كقول ابن عبـد البرّ المالكي،
الثالث: أنّه يعمل به مطلقاً، قال القاسمي: «قال السيوطي: وعُزيَ
ذلك إلى أبي داود، وأحمـد؛ لأنّهمـا يريان ذلك أقوى من رأي
الرجـال»(1).
وجدير بالذكر هنا، أنّ ما اشتهر من قاعدة التسامح في أدلّة السنن
عند العامّة: إنّما تعني التساهل إزاء الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة في موارد
القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، بل وسّع بعضهم القول بحجّيّتها في
الأحكام أيضاً، إذ أدخلها في دائرة المستحبّات احتياطاً، ومعنى هذا إسقاط
شرائط حجّيّة الخبر في باب المستحبّات، مع أنّ المستحبّات من الأحكام
بلا خلاف!!
على أنّ هذه القاعدة وإن عُرفت عند الإمامية أيضاً، إلاّ أنّ أعاظم
علماء الأُصول منهم استفرغوا القول في بحثها في الأُصول العملية في بحث
البراءة، وقد انتهى البحث عند بعضهم إلى نسف هذه القاعدة كلّياً وعدم
الاعتراف بها أصلاً.
هـذا، ومن التنبيهات التي نختتم بها الكلام عن الحديث الضعيف،
هو اتّفاق علماء الدراية مـن الفريقـين على أنّ غير المتضلّع بدراية الحديث
لا يحقّ له أن يقول إذا رأى حديثاً بإسناد ضعيف: هذا حديث ضعيف، ما
لم يقيّده بقوله (بهذا الإسناد)؛ لاحتمال وجود إسناد آخر صحيح للحديث
أو أسانيد ضعيفة أُخرى كثيرة تخرجه عن الضعيف وتجعله مقبولاً.
ولكنّ المؤسف حقّاً هو تسرّع بعضهم في كثير من الأحيان والحكم
بوضع الحديث بمجرّد ضعف سنده، وكثير منهم يحكم بذلك لأنّه وجد
قولاً لأحد العلماء بشأن ذلك الحديث نفسه بأنّه (لا يصحّ) مع أنّ قولهم
عـن أيّ حـديث: (لا يصـحّ) ليس أكـثر مـن إخـبار بعـدم الثبوت، مع أنّه
لا يلزم من هكذا إخبار إثبات العدم.
قال الزركشي: «بين قولنا (موضوع) وقولنا (لا يصحّ) بون كثير، فإنّ
في الأوّل إثبـات الكذب والاختـلاق، وفي الثاني إخباراً عن عدم الثبوت
ولا يلزم فيه إثبات العدم، وهذا يجيء في كلّ حديث قال فيه ابن الجوزي
(لا يصحّ، ونحوه)»(1).
وعلى أيّة حال فإنّا سوف نذكر جملة من الأخبار الضعيفة الإسناد
التي نبّه الشيـخ الطوسي قدس سره على ضعفها سنداً لضعف أحد رواتها ولم
يحتجّ بها في كتابيه التهذيب والاستبصار، وعلى النحو الآتي:
1 ـ ما جاء في الاستبصار في باب المتصيّد يجب عليه التمام أم
التقصير: «فهذا خبر ضعيف وراويه السيّاري، وقال أبو جعفر بن بابويه ؛
في فهرسته حين ذكر كتاب النـوادر: استثنى منه مـا رواه السيّاري، وقال:
لا أعمل به ولا أُفتي به لضعفه، وما هذا حكمه لا تعترض به الأخبار التي
قدّمناها»(2).
2 ـ وفي باب عدّة المتمتّع بها إذا مات عنها زوجها: «فهذا الخبر
ضعيف جدّاً؛ لأنّ راويه أحمد بن هلال، وهو ضعيف على ما تقدّم القول
3 ـ وفي باب ما يحلّ لبني هاشم من الزكاة: «فهذا الخبر لم يروه غير
أبي خديجة وإن تكرّر في الكتب، وهو ضعيف عند أصحاب الحديث لِما
لا احتياج إلى ذِكره...»(3).
4 ـ وفي أبواب المهور: «فأوّل ما في هذا الخبر أنّه لم يروه غير
محمّـد بن سنان، عن المفضّل بن عمر؛ ومحمّـد بن سنان مطعون عليه،
ضعيف جدّاً، وما يختصّ بروايته ولا يشاركه فيه غيره لا يعمل عليه»(4).
5 ـ وفي باب في أنّه لا يصحّ الظهار بيمين: «وأمّا الخبر الأوّل،
فراويه أبو سعيد الآدمي، وهو ضعيف جدّاً عند نقّاد الأخبار، وقد استثناه
أبو جعفر بن بابويه في رجال نوادر الحكمة»(5).
إلى غير هذا من الموارد الأُخـر التـي صرّح الشيخ بضعفها بسبب
ضعف أحد رواتها، وسنشير إليها لاحقاً عند التعرّض إلى بيان موقفه من
الأخبار المروية في كتبنا وكان في الطريق إليها أحد رواة الفرق الفاسدة أو
المذاهب المنحرفة..
على أنّه يجدر التنبيه هنا على أنّ الشيخ الطوسي رضي الله عنه قد احتجّ
بروايـات مَن ضـعّفهم في موارد أُخـر من كتابيـه التهذيـب والاستبصـار،
ولا يرد عليه إشكال في ذلك كما سنبيّنه إن شاء الله في آخر الفصل بعد
عرض جملة من أنواع الحديث الضعيف وغيره ممّا لم يحتجّ به الشيخ
ثالثاً: الأخبار الموقوفة:
وهي الأخبار المروية عن مصاحب المعصوم عليه السلام ـ صحابياً كان أو
غيره ـ من قول أو فعل، متّصلاً كان أو منفصلاً.
وحكمه عند العامّة مختلف فيه، قال في شرح الديباج: «الموقوف
وإن اتّصل سنده ليس بحجّة عند الشافي وطائفة من العلماء، وحجّة عند
طائفة»(1).
وقال الجرجاني: «وهو ليس بحجّة على الأصحّ»(2).
وأمّا الشيخ الطوسي فلم يحتجّ بالموقوف مطلقاً، سواء كان الموقوف
عليه من الصحابة كما يظهر من تصريحه بجواز الغلط على الصحابة(3)، أو
من أصحاب الأئمّة عليهم السلام كما في خبر محمّـد بن عيسى، عن يونس بن عبـد
الرحمن موقوفاً عليه، وهو بخصوص ميراث ولد الزنا.
قال الشيخ: «فهذه رواية موقوفة لم يسنـدها يونس إلى أحـد من
الأئمّة عليهم السلام ، ويجوز أن يكون ذلك كان اختياره لنفسه لا من جهة الرواية، بل
لضرب من الاعتبار، وما هذا حكمه لا يعترض به الأخبار الكثيرة التي
قدّمناها»(4)، ونظير هذا ما قاله عن خبر آخر: «فأوّل ما فيه أنّه حديث
موقوف غير مسـند إلى أحـد من الأئمّـة عليهم السلام ، ومـا هذا حكمه من الأخبار
رابعاً: الأخبار المضمرة:
والمراد بها كلّ خبر يقول فيه أحد أصحاب الأئمّة عليهم السلام : «سألته كذا»
فقال: «كذا»، أو «أمرني بكذا»، أو «قال كذا» وما أشبه ذلك. ولم يسمّ
المسؤول أو الآمر أو القائل، ولا ذَكر ما يدلّ عليه.
وهذا القسم من الأخبار غير معروف بين العامّة، وكثيراً ما كان يفعله
أصحابنا للتقيّة، وهو مضعّف للحديث، لاحتمال أن يكون المسؤول غير
الإمام عليه السلام (2).
وأمّا عن موقف الشيخ من الحديث المضمر، فهو يتّضح ممّا قاله في
جملة من الموارد؛ نكتفي بذِكر اثنين منها، وهما:
خبر محمّـد بن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت له: رجل تزوّج
امرأة... إلخ». وهنا عقّب الشيخ عليه بقوله: «.. أنّه ليس فيه ذِكر المقول
له؛ لأنّ محمّـد بن إسحاق بن عمّار قال: قلت له. ولم يذكر من هو،
ويحتمل أن يكون الذي سأله غير الإمام والذي لا يجب العمل بقوله، وإذا
احتمل ذلك سقط الاحتجاج به»(3).
وخبر سماعة بن مهران، فقد أورد له الشيخ خبرين مضطربين
أحدهما مضمراً، وقال عنه: «وهذا يحتمل أن يكون المسؤول غير من
يجب اتّباع قوله»، ثمّ حكم بردّ الروايتين لاختلاف رواية سماعة فيهما،
خامساً: الأخبار المضطربة:
الاضطراب في اللغة: الاختلاف والاختلال، يقال: اضطرب الحبل
بين القوم، إذا اختلفت كلمتهم، واضطرب الأمر، إذا اختلّ(2).
وأمّا في الاصطلاح، فقد عرّفه العامّة كما في التقريب بأنّه: «هو الذي
يروى على أوجه مختلفة متقاربة، فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ
راويـها، أو كثـرة صحـبة المـروي عنـه، وغـير ذلك، فالحـكم للراجحـة
ولا يكون مضطرباً. والاضطراب يوجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم
الضبط. ويقع في السند تارة، وفي المتن أُخرى، وفيهما من راوٍ أو
جماعة»(3).
كما عرفه الشيعة بهذا النحو أيضاً(4).
وجدير بالإشارة هنا، هو أنّ ما قاله النجاشي بحقّ بعض الرواة، من
أنّه مضطرب الحديث، أو مضطرب الحديث والمذهب، فهذا لا ينافي
الوثاقة.
أمّا الاضطراب في المذهب، فعدم منافاته للوثاقه واضحة من
تعريفهم للحديث الموثّق، وهو ما كان أحد رواته أو كلّهم من غير الإمامية
وأمّا اضطراب الراوي في الحديث، فمعناه أنّه يروي ما يُعرف وقد
يروي ما ينكر، وعليه فالاضطراب إذا جاء وصفاً للحديث فلا إشكال في
ردّه، وإن جاء وصفاً للراوي فلا يعني ردّ جميع أخباره، وإنّما ردّ ما ينكر
منها بسبب الاضطراب.
وهذا هو ما تبنّاه السيّد الخوئي قدس سره في معجمه في تراجم بعض
الرواة(1)، وهو صحيح مؤيّد باحتجاجات واستدلالات الشيخ الطوسي قدس سره
وغيره ببعض روايات مَن وُصفوا بهذا الوصف دون بعض، كروايات معلّى
ابن محمّـد البصري مثلاً.
ومنه يظهر عدم صحّة ما ذكره بعض الفضلاء من ضعف ما ذهب إليه
السـيّد الخوئي قدس سره مبنىً وبناءً.
وأمّا عن موقف الشيخ من الحديث المضطرب، فقد وردت منه
تصريحات كثيرة تدلّ على عدم الاحتجاج به سواء كان الاضطراب في
إسناد الحديث أو في متنه، وممّا يدلّ على ردّه مضطرب المتن:
1 ـ ما قاله بشأن روايتَي أبي همّام في بعض أحكام التيمّم، قال:
«فهـذان الحـديثان مختلفا اللفظ والراوي واحد، أنّ أبا همّام روى عن
الرضا عليه السلام في رواية محمّـد بن علي بن محبوب، وفي رواية محمّـد بن
أحمد بن يحيى رواه عن محمّـد بن سعيد بن غزوان، والحكم واحد.
وهذا ممّا يضعّف الاحتجاج بالخبر»(2).
2 ـ ما قاله بشأن بعض الأخبار الواردة في حكم الحيض والاستحاضة
والنفاس والطهارة، قال: «ولنا في الكلام على هذه الأخبار طرق؛ أحدها:
إنّ هذه الأخبار أخبار آحاد مختلفة الألفاظ، متضادّة المعاني، لا يمكن
العمل على جميعها لتضادّها، ولا على بعضها؛ لأنّه ليس بعضها بالعمل
عليه أَوْلى من بعض...»(1).
3 ـ ما جاء في باب وقف الزكاة بشأن بعض الأحاديث التي رواها
إسحاق بن عمّار، إذ قال الشيخ قدس سره : «فهذه الأحاديث كلّها الأصل فيها
إسحاق بن عمّار، وإذا كان الأصل فيها واحدٌ لا يعترض بها على ما قدّمناه
من الأحاديث، ومع أنّ الأصل فيها واحداً فقد اختلفت ألفاظه» ثمّ بيّن
الاختلاف الوارد في ألفاظ الحديث، وقال: «وهذا الاضطراب فيه يدلّ على
أنّه رواه وهو غير قاطع به، وما يجري هذا المجرى لا يجب العمل به»(2).
وأمّا ما يدلّ على ردّه مضطرب الإسناد، فهناك جملة وافرة من
تصريحاته بهذا الخصوص، نكتفي منها بما جاء في باب مَن أحلّ الله
نكاحه من النساء وحرّم منهنّ في شرع الإسلام، إذ رفض العمل بحديثين
من أحاديث الباب، وردّهما معاً، ثمّ أضاف قائلاً: «... وأمّا الحديث الأوّل
[فـ] مضطرب الإسناد؛ لأنّ الأصل فيه جميل وحمّاد بن عثمان، وهما تارة
يرويانه عن أبي عبـدالله عليه السلام بلا واسطة، وأُخرى يرويانه عن الحلبي عن
أبي عبـدالله عليه السلام ، ثمّ إنّ جميلاً يرويه ـ تارة ـ مرسَلاً عن بعض أصحابه عن
أحدهما! وهذا الاضطراب في الحديث ممّا يضعّف الاحتجاج به»(3).
سادساً: الأخبار الغريبة:
الغريب لغةً: الوحيد البعيد عن وطنه. وفي الحديث الشريف: «إنّ
الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء»، قال ابن منظور:
«أي: أنّه كان في أوّل أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده؛ لقلّة
المسلمين يومئذٍ وسيعود غريباً كما كان»(1).
أقـول:
ومن هوان الدنيا أن يكون أعظم الغرباء وأكثرهم غربة فيها هو
خامس أصحاب الكساء وسـيّد الشهداء الإمام أبو عبـدالله الحسـين عليه السلام .
وأمّا الكلام الغريب، فهو الغامض والبعيد عن الفهم والاستعمال.
والغرابة في الاصطلاح على نحوين، إذ تقع تارة في سند الخبر
ومتنه، وحينئذٍ يعرف الخبر بأنّه ما تفرّد به راوٍ واحد، وقد تكون الغرابة
في إسناده لا متنه، كما لو عرف متن حديث عن جماعة من الصحابة،
ولكن انفرد راو واحد بروايته عن صحابي آخر، ومنه قول الترمذي: غريب
من هذا الوجه. ولا يوجد ما هو غريب متناً لا إسناداً بحسب اصطلاح
العامّة(2).
وعرّفه الشـهيد الثاني قدس سره ، بأنّه ما تفرّد به راوٍ واحد في أيّ موضع
وقع التفرّد به من السند، وإن تعدّدت الطرق إليه أو منه(1).
وجدير بالإشارة، هو أنّ الحديث الغريب لا يعني أنّه ضعيف مطلقاً،
فهناك الصـحيح، وهناك الضـعيف، ومن اصطلاحات الترمذي عند العامّـة:
حديث صـحيح غريب، وحديث صـحيح حسن غريب، وأمّا ما يردّ منها
فهو الضـعيف، وربّما قد جمـع مع ضـعفه بعض أسـباب الضـعف الأُخر
كالشذوذ أو الانقطاع ونحو ذلك.
وأمّا عن موقف الشيخ من الأحاديث الغريبة، فهو لم يحتجّ بها عند
التعارض مع الصحيح الثابت، خصوصاً إذا كان التفرّد من جهة عُرفت
بضعفها، أو فساد مذهبها، فحينئذٍ لا يعوّل الشيخ على ما تنفرد تلك الجهة
بنقله؛ ويدلّ عليه:
قوله عن خبر زرارة في باب بيع الواحد بالاثنين: «وأمّا خبر زرارة،
فالطريق إليه علي بن حديد، وهو ضعيف جدّاً لا يعوّل على ما ينفرد
بنقله»(2).
وسيأتي ـ إن شاء الله ـ ما له صلة بالحديث الغريب في بيان موقف
الشيخ قدس سره من الحديث الموثّق بحسب الاصطلاح.
للبحـث صلـة...