صلةقبل

بسـم الله الرحمن الرحـيم
الحمـد لله الذي وعد من أطاعه بجزيل الثواب، وأوعد من عصاه بأليم العقاب، والصلاة والسلام على من جاء من عند الله سبحانه بأكمل شرع وأبلغ كتاب، نبيّنا محمّـد بن عبـدالله وعلى آله الأئمّة الأطياب، أُولي البصائر والألباب.

وبعـد:
فقد سـألني بعض المـؤدّين عن معنـى حـديث مرويّ عن النبيّ الأمين صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: مسألة...
وأيضـاً: ذكـر الشيـخ المذكـور في الكـتاب المذكور حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب، ويضاعف الحسنات، وأنّ الله تعالى يتحمّل عن محبّنا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلاّ ما كان منهم فيها على إصرار، وظلم المؤمنين، فيقول للسـيّـئات: كوني حسـنات»(1). انتهى.
أرجو من فضلكم تفسير هذا الحديث وتأويله؟
____________
(1) الأمـالي ـ للطوسي ـ: 164 ح 26، وسنده فيه: «عن محمّـد بن محمّـد، عن أبي الحسن علي بن الحسين البصري البزّاز، عن أبي علي أحمد بن علي بن مهدي، عن أبيه، عن الرضا عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم :...» وعنه في بحار الأنوار 68|100 ح 5.

( 227 )

أقـول:
أراد السائل بالشيخ: العالم الفاضل الكامل الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي رحمه الله(1)، وبالكتاب: كتابه المسمّى بـ: الكتاب المنتخب في جمع المراثي والخطب المعروف بين الناس.
والجـواب عن هـذا السؤال يتوقّف على بيان أمر من أُمور الاعتقاد وها أنا ذا أُوضّحه:

فأقـول:
لا شكّ ولا ريب أنّ ولاية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته فريضـة ثابتة من الله تعالى على عباده؛ بمعنى متابعتهم والائتمام بهم(2)، وأنّها شرط في
____________
(1) فخر الدين بن طُريح النجفي: هو فخر الدين بن محمّـد بن علي بن أحمد بن طريح (بالتصغير) المسلمي الأسدي الرماحي النجفي، المعروف بالشيخ الطريحي، من كبار الفقهاء المجتهدين، عالم عامل، محدّث رجالي، أديب لغوي، متتبّع جليل القدر، ولد في النجف سنة 979 هـ وفيها درس وتتلمذ على الشيخ محمّـد بن حسام المشرقي الجزائري، والشيخ محمّـد بن جابر النجفي..
من تآليفه المطبوعة: جامع المقال في ما يتعلّق بأحوال الحديث والرجال، وضوابط الأسماء، ومجمع البحرين ومطلع النهرين، ومنتخب المراثي والخطب،ونزهة الخاطر، وسرور الناظر وتحفة الحاضر. وله تصانيف مخطوطة كثيرة، توفّي في الرمّاحية سنة 1085 هـ ـ وقيل: 1087 هـ ـ ونقل إلى النجف.
وآل الطريحي من مشاهير الأُسر العلمية العريقة في العلم، طار صيتها وامتدّ أمدها في الكمال والأدب، وخدمت العلم والدين أعواماً كثيرة وقروناً عدّة، لم يزل ذكرها باقياً ببقاء الأبد يخلّدها ما لها من مساعٍ ومؤلّفات مشهورة منثورة.
انظر: أعيان الشيعة 8|394، معجم رجال الفكر والأدب في النجف 2|837، ماضي النجف وحاضرها 2|427.
لمحّبـة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام علامات، منها الطاعة، ومنها المتابعة، كما قال

=


( 228 )

صحّة الأعمال وقبولها(1)، فلا يصحّ عمل أحد من المكلّفين، ولا يقبله الله
____________
=
الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران آية 31: ( قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم وذنوبكم)، وبذلك فسّرها أهل البيت عليهم السلام..
ففي الكافي 8|26 ح 4، بإسناده عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال الله عزّ وجلّ في محكم كتابه: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً). [سورة النساء 4: 80] فقرن طاعته بطاعته، ومعصـيته بمعصيته، فكان ذلك دليلاً على ما فوّض إليه، وشاهداً له على من أتّبـعه وعصاه، وبيّن ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتّباعه، والترغيب في تصديقه، والقبول لدعوته: ( قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) فاتّباعه صلى الله عليه وآله وسلّم محبّة الله، ورضاه غفران الذنوب، وكمال الفوز، ووجوب الجنّة، وفي التولّي عنه والاِعراض محادّة الله وغضبه وسخطه، والبعد منه مُسكِنُ النار؛ وذلك قوله تعالى: ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده). [سورة هود 11: 17].
وعن تفسير العيّاشي 1|167 ح 27 وح 28، عن بريد بن معاوية العجلي، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام إذ دخل عليه قادم من خراسان ماشياً، فأخرج رجليه وقد تغلّفتا وقال: أما والله ما جاء بي من حيث جئت إلاّ حبّكم أهل البيت.
فقال أبو جعفر عليه السلام: والله لو أحبّنا حجر حشره الله معنا، وهل الدين إلاّ الحبّ، إنّ الله يقول: (قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله)، وقال: ( يحبّون من هاجر إليهم)، وهل الدين إلاّ الحبّ. [سورة النساء 4: 59]..
وهذا ربعي بن عبـدالله يقول لأبي عبـدالله عليه السلام: جعلت فداك، إنّما نسمّي بأسمائكم وأسماء آبائكم، فينفعنا ذلك؟
فقال: إي والله، وهل الدين إلاّ الحبّ، قال الله تعالى: (إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم).
(1) ويؤيّد هذا ما نقله الصدوق في أماليه: 328 ح 11، بسنده عن عمّار بن موسى الساباطي، عن أبي عبـدالله جعفر بن محمّـد الصادق عليه السلام، قال: «إنّ أوّل ما يُسأل عنه العبـد إذا وقف بين يدي الله جلّ جلاله الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحجّ المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقرّ بولايتنا ثمّ مات عليها قُبلت منه صلاته وصومه وحجّه، وإن لم يُقرّ

=


( 229 )

إلاّ بها، وإنّها موجبة لجواز غفران الله سبحانه ذنوب الموالين لهم، تفضّلاً منه عليهم ومنّـاً، وقد وردت أخبار كثيرة جدّاً مصرّحة بأنّ الله جلّ وعلا يغفر الذنوب لمحبّي أهل البيت عليهم السلام أو شـيعتهم(1) كائنة ما كانت، وبالغة ما بلغت.
ومنها ما رواه شيخنا أبو عبـدالله المفيد محمّـد بن محمّـد بن النعمان الحارثي، عطّر الله مرقده، في كتاب الاختصاص بسند متّصل عن الأصبغ بن
____________
=
بولايتنا بين يدي الله جلّ جلاله لم يقبل الله عزّ وجلّ منه شيئاً من أعماله» ومثل هذا الحديث كثير.
انظر: بحـار الأنـوار 27|166 باب أنّه لا تقبل الأعمال إلاّ بالولاية؛ والتي نقلها عن المصادر المعتبرة.
(1) جمع العلاّمة المجلسي أحاديث عن عدّة مصادر في باب: «الصفح عن الشيعة وشفاعة أئمّـتهم صلوات الله عليهم فيهـم»..
نقل الشيخ الطوسي في الأمالي: 72 ح 14 بسـنده عن محمّـد بن مسـلم الثقفي، قال: سألت أبا جعفر محمّـد بن علي عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: (فأولئك يبدّل الله سيّئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً).
فقال عليه السلام : يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتّى يقام بموقف الحساب، فيكون الله تعالى هو الذي يتولّى حسابه، لا يطلع على حسابه أحداً من الناس، فيعرّفه ذنوبه حتّى إذا أقرّ بسيّئاته، قال الله عزّ وجلّ لملائكته: بدّلوها حسنات، وأظهروها للناس، فيقول الناس حينئذ: ما كان لهذا العبد سيئة واحدة؛ ثمّ يأمر الله به إلى الجنّة، فهذا تأويل الآية، وهي في المذنبين من شيعتنا خاصّة.
وذكر الكليني في الكافي 1|443 ح 15 بسـنده عن محمّـد الحلبي، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: إنّ الله مثّل لي أُمّتي في الطين، وعلّمني أسماءهم، كما علّم آدم الأسماء كلّها، فمرّ بي أصحاب الرايات، فاستغفرت لعليّ وشيعته، إنّ ربّي وعدني في شـيعة علي خصلة..
قيل: يا رسول الله! وما هي؟
قال: المغفرة لمن آمن منهم، وإنّ الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ولهم تبدّل السيّئات حسنات.

( 230 )

نباتة(1)، قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام لأُسلّم عليه، فجلست أنتظره، فخرج إليّ فقمت وسلّمت عليه، فضرب على كتفي ـ أو قال: على كفّي ـ ثمّ شبك أصابعه بأصابعي، ثمّ قال: يا أصبغ بن نباتة!
فقلت: لبّيك وسعديك يا أمير المؤمنين.
فقال: إنّ وليّنا وليّ الله، فإذا مات وليّ الله كان من الله بالرفيق الأعلى، وسقاه الله من نهرٍ أبرد من الثلج، وأحلى من الشهد، وألْيَن من الزبد.
فقلت: بأبي أنت وأُمّي، وإن كان مذنباً؟!
فقال: «نعم، وإن كان مذنباً، أما تقرأ القرآن: (فأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَـيّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللهُ غَفوراً رَحيماً)(2)؟!
يا أصبغ! إنّ وليّنا لو لقي الله وعليه من الذنوب مثل زبد البحر، ومثل عدد الرمل، لغفرها الله له إن شاء الله تعالى(3).. تمام الخبر.
____________
(1) هو: أبو القاسم المجاشعي، من خواصّ أمير المؤمنين الاِمام عليّ عليه السلام ، والراوي عنـه عهده إلى الأشتر، ووصيّته إلى محمّـد بن الحنفيّة، وهو من شرطة الخميس، وهو الذي أعانه على غسل سلمان المحمّـدي، شارك في حرب صفّين، وكان شيخاً ناسكاً عابداً، عدّه البرقي من أصحاب أمير المؤمنين الاِمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وزاد الشيخ عليه الاِمام الحسن المجتبى عليه السلام، مع وصفهما له بالتميمي الحنظلي.
انظر: رجال النجاشي: 8 رقم 5، رجال البرقي: 5، رجال الشيخ الطوسي: 34 رقم 2 و ص 66 رقم 2، مستدركات النمازي 1|691 رقم 548.
(2) سورة الفرقان 25: 70.
(3) الاختصاص: 65 ـ 66، عن محمّـد بن الحسن الشحّاذ، عن سعد بن عبـدالله، عن محمّـد بن أحمد، عن محمّـد بن إسماعيل، عن جعفر بن الهيثم الحضرمي، عن علي بن الحسين الفزاري، عن آدم التمّار الحضرمي، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة؛ وعنه بحار الأنوار 34|280 ح 1024.

=


( 231 )

وقاعدة جواز العفو عن ذنوب المؤمن بغير توبة ـ التي ذكرها المتكلّمون من أصحابنا رضي الله عنهم، وغيرهم ـ مع دليلها العقلي والسمعي، تعاضِد هذه الأخبار وتقوّيها(1)..
____________
=
وأورده فرات الكوفي في تفسيره: 293 ح 9، قال: حدّثني أحمد بن علي بن عيسـى الزهـري معنـعناً عن الأصبـغ بن نباتـة؛ وعنـه بحـار الأنـوار 6|246 ح 78 و 68|60 ح 110.
(1) قال العلاّمة الحلّي في مناهج اليقين ـ ص 358 ـ في مسألة العفو:
اتّفقت المعتزلة على أنّه لا يجوز العفو ابتداءً عن أصحاب الكبائر سمعاً، واختلفوا في جوازه عقلاً، فذهب البغداديّون إلى أنّه لا يجوز، وذهب البصريّون إلى جوازه، وذهبت الاِمامية إلى جوازه عقلاً وسمعاً.
أمّا عقلاً، فلأنّ العفو إحسانٌ فيكون حَسَناً؛ والمقدّمتان قطعيّتان، ولأنّه حقّه، وفي استيفائه ضررٌ على المكلّف، فلا مَضرّة عليه تعالى في إسقاطه، فيكونُ إسقاطه حَسناً قطعاً.
لا يقال: العِلمُ بالعَفو إغراءٌ بالقبيح، فيكونُ العفو قبيحاً. ولأنّ العفو مع الوعيد كذبٌ.
لأنّا نقول: العفو ليس بقطعي؛ فلا يكون إغراءً بالقبيح، كما إنّ المكلّف يَسقط بتوبته العقابُ، مع أنّ التوبة ليست إغراءً بالقبيح؛ لأنّها ليست متيقّنة الحصول.
وأمّا الوعيد، فمعارض بآيات الوعد.
وأمّا النقل، فوجوه:
أحدها: قوله تعالى: (إنّ الله لا يَغفِرُ أنْ يُشرَك به ويغفرُ ما دُونَ ذلِكَ). [سورة النساء 4: 48 و 116].
فنقول: هذا الغفران إمّا أن يكون مع التوبة أو بدونها. والأوّل باطلٌ؛ للاِجماع بأنّ الشرك مغفورٌ مع التوبة، فالثاني حقّ.
ولا يمكن أن يقال: إنّ عدم غفران الشرك مع عدم التوبة، وغفران ما دون ذلك بها؛ لخروج الكلام عن النظم الصحيح. لا يبقي للفضل معنىً. ولأنّ الغفران مع التوبة واجبٌ فلا يجوز تعلّقه بالمشيئة.
لا يقال: الغفران هو السَتر لا الاِسقاط. وتحقيق الغفران في حقّ صاحب الذنب تأخير عقوبته إلى يوم القيامة، وتحقيق عدمه في حقّ الكافر هو تعجيلها. وتحقيق

=


( 232 )

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
____________
=
هذا التأويل ما قبل الآية من قوله: (يا أيّها الّذين أُوتوا الكتابَ آمِنوا بما نزّلنا مُصدّقاً لِما معكم من قبل أن نَطْمِسَ وُجوهاً فَنردّها على أدبارها أو نَلعَنَهُم كما لعنّا أصحابَ السـبت) [سورة النسـاء 4: 47]، ثمّ عقّـب بعد ذلك بقوله: (إنّ الله لا يَغْفِرُ أنْ يُشرك به)، التقدير: إنْ لم تؤمنوا فعلنا بكم كما فعلنا بأصحاب السبت من طمس الوجوه والمسخ.
سلّمنا أنّ المراد السقوط، لكن يُحتمل أنْ يكون السقوط إشارة إلى بعض أنواع العقاب لا إلى جميع أنواعه.
ونحن نقول بذلك، فإنّ عقاب الكافر أزيدُ من عقاب الفاسق، فيحتمل أن يكون الساقط ذلك القدر الزائد من العقاب.
لأنّا نجيبُ عن الأوّل: بوقوع الاِجماع على أنّ المراد بالغفران ها هنا السقوط، فإنّ الوعيدية تأوّلوا ذلك بالتائب، أو بمن زاد ثوابُه على عقابه، والتفضيلية حملوا ذلك على المُصِرّ.
فَعُلِمَ أنّهم اتّفقوا على أنّ المراد بالغفران السقوط.
وعن الثاني: إنّ المراد سقوط جميع أنواع العقاب، وإلاّ لَما بقي فرقٌ بين الكافر والفاسق، فإنّ الكافر لا يمكن أن يُعذّب بجميع أنواع العذاب.
وثانيها: قوله تعالى: (وإنّ رَبّك لذو مَغفرةٍ للناسِ عَلى ظُلمهم) [سورة الرعد 13: 6]، و(على) تدلّ على الحال، فأثبت المغفرة حالة الظلم، وذلك هو المطلوب؛ تُرِكَ العمل به في حقّ الكافر فيبقى الباقي على الأصل.
وثالثها: قوله تعالى: ( قُلْ يا عِباديَ الّذينَ أسرَفوا على أنفُسِهمْ لا تَقْنَطوا مِنْ رحْمةِ الله إنّ اللهَ يَغْفرُ الذُنوبَ جَميعاً) [سورة الزمر 39: 53]، تُرِكَ العملُ به في الكافر للاِجماع فيبقى الباقي على عمومه.
ورابعها: اتّفقت الأُمّة على وجوب الشفاعة وتأثيرها في إسقاط العقاب على ما يأتي.
وخامسها: اتّفقت الأُمّة على أنّ الله تعالى يعفو عن العباد، ونطقَ القرآنُ بذلك، ولا شكّ أنّ إسقاط العقاب عن أصحاب الصغائر مطلقاً، وعن أصحاب الكبائر بعد التوبة واجبٌ، فلا يكون عفواً بإسقاط عقابهما، فوجبَ أن يكون بإسقاط العقاب عن صاحب الكبيرة قبل التوبة.

=


( 233 )

وقاعدة العدل لا تنافيها إلاّ من وجه، تأتي الاِشارة إليه عن قريب إن شاء الله.
فالواجب الحكم بصحّتها واعتبارها، لكن وردت أخبار أُخرى كثيرة أيضاً تعارض هذه الأخبار، وتنفي عمومها، وترفع إطلاقها، وتعيّن صفة وليّ أهل البيت عليهم السلام ، وهي على صنفين:
____________
=
احتجّ المخالفُ بوجوه:
الأوّل: إنّ العقابَ لطفٌ، فيكونُ إسقاطه قبيحاً.
الثاني: قوله تعالى: (ومن يَعْصِ اللهَ ورَسولَهُ ويَتعدَّ حُدودَهُ يُدخِلْهُ ناراً خالِداً فيها) [سورة النساء 4: 14].
وقوله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجزَ بِهِ) [سورة النساء 4: 123].
وقوله: (ومَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كبيراً) [سورة الفرقان 25: 19].
وقوله: (ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ) [سورة الزلزلة 99: 8].
وقوله: (ومَنْ يَقْتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤه جَهَنّمُ خالِداً فيها) [سورة النساء 4 : 93 ] ولفظة « مَنْ » للعموم.
الثالث: قوله تعالى : ( إنّ الأبرارَ لَفي نَعيمٍ * وإنّ الفُجّار لَفي جَحيمٍ ) [ سورة الانفطار 82 : 23 و 24 ].
وجه الاستدلال : إنّ الاسم المُحّلى باللام إن قلنا بعمومه ـ كما هو مذهب أبي علي ثبتَ المطلوب ـ وإن لم نقل ـ كما هو مذهب أبي هاشم ـ قلنا : إنّ هذه الآية خرجت مخرج الزّجر عن الفجور ، فيكون هذا الحكم مُترتّباً على الفجور ، فيكونُ الفُجورُ علّةً ، فيلزم العموم أيضاً.
والجواب عن الأوّل : يَنْتقض ما ذكرتم بوجوب إسقاطه بالتوبه .
ثمّ الجواب الحقيقي : إنّ تجويز العقاب لطفٌ ، وذلك حاصلٌ على تقدير القول بالعفو، فإنّ الفاسق لا يقطع بحصول العفو.
وعن الوجهين الآخرين : بأنّ هذه الآيات مشروطةٌ بعدم العفو ، كما أنّها مشروطة بعدم التوبة اتّفاقاً ، وذلك للجمع بين آيات الوعيد والوعد. وأيضاً المعارَضة بآيات الوّعد . وأيضاً ، بالمنع من العموم.
ولو سُلّم أنّها موضوعة له ، لكنّها غير موضوعةٍ له قطعاً ، ولو كان كذلك ، لكنّها غير مُرادٍ منها العمومَ قطعاً.

( 234 )

[الصنف] الأوّل:
الأخبار الناطقة بتقسيم الذنوب إلى ثلاثة أقسام: إلى ذنب لا يغفره الله، وذنب يغفره الله، وذنب لا يتركه الله.
فأمّا الذنب الذي لا يغفره الله: فهو الشرك بالله، قال الله تعالى: (إنّ الله لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ)(1).
وأمّا الذنب الذي يغفره الله: فهو ما سوى الشرك، ومظالم العباد، قال تعالى: (ويَغْفِرُ ما دونَ ذلِكَ لِمَن يَشاءُ)(2).
وأمّا الذنب الذي لا يتركه الله: فهو ظلم المكلّفين بعضهم بعضاً(3)، وصريحها: إنّ الله سبحانه وتعالى لا يغفر لشيعة أهل البيت عليهم السلام ظلمهم لأمثالهم، بل يقتصّ من ظالمهم لمظلومهم، وهي متعدّدة مرويّة في الكافي وغيره من كتب الحديث لأصحابنا رضوان الله عليهم(4).
ومنها: الخبر المسؤول عن معناه، وموضع الدلالة منه على هذا المعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيه: «إلاّ ما كان منهم فيها على إصرار وظلم المؤمنين» فإنّه مصرّ بأنّ ظلم محبّي أهل البيت عليهم السلام للمؤمنين لا يتحمّله الله عنهم،
____________
(1 و2) سورة النساء 4: 48 و116.
(3) وقد أورد الصدوق في أماليه: 325 ح 2 رواية في هذا المعنى، عن سعد بن طـريف، عن أبي جعفـر البـاقر عليه السلام ، قال: «الظلم ثـلاثة: ظلم يغـفره الله، وظلـم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأمّا الظلم الذي لا يغفره الله عزّ وجلّ فالشرك بالله، وأمّا الظلم الذي يغفره الله عزّ وجلّ فظلم الرجل نفسه في ما بينه وبين الله عزّ وجلّ، وأمّا الظلم الذي لا يدعه الله عزّ وجلّ فالمداينة بين العباد».
(4) انظر: الكافي 2|443 باب في أنّ الذنوب ثلاثة، بحار الأنوار 75|308 ـ 334 باب «الظلم وأنواعه»، وقد نقلها من المصادر المعتبرة؛ إذ لم يفرد علماؤنا ـ تغمّدهم الله برحمته ـ باباً خاصّاً له.

( 235 )

وإذا لم يتحمّله عنهم لم يغفره لهم، وإذا لم يغفره لهم كان الواجب أخذ الحقّ منهم لمن ظلموه، وهو ظاهر جليّ.
وقوله تعالى: (وقُضِيَ بَيْنَهُم بالحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمونَ)(1) وأمثالها من الآيات.
وقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «ليأخذنّ الله للجمّاء من القرناء»(2) وأشباهه من الروايات يصحّحان هذه الأخبار ويثبتان حكمها تمام الاِثبات.
وقاعدة العدل ـ المبيّنة في الكتب الكلامية، الحاكمة بوجوب الاقتصاص من الظالم للمظلوم(3) على وجه الاِطلاق الذي لا يقبل التقييد ـ
____________
(1) سورة الزمر 39: 69.
(2) أورده ابن حنبل في مسـنده 3|50 ح 8538، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: «يقتصّ الخلق بعضهم من بعض، حتّى الجمّاء من القرناء...».
وابـن عـديّ فـي الكامـل فـي الضعفـاء 2|649، عن عثمـان، قـال: قـال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم : «يقتصّ للجمّاء من القرناء يوم القيامة».
والحاكم في المستدرك 2|316، عن أبي هريرة: «... فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجمّاء من القرناء...».
وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 1|300: إنّ الله تعالى ليدينَ الجمّاء من ذات القرن»، والجمّاء: التي لا قِرن لها.
والبرقي في المحاسن 1|68 رقم 18، إنّ أمير المؤمنين عليه السلام صعد المنبر بالكوفة ـ إلى أن قال: ـ قال الله عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم... ونطحةٌ ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجمّاء.
والمجلسي في بحار الأنوار 95|462، في صحيفة نبيّ الله إدريس عليه السلام في التوكّل ـ إلى أن يقول: ـ فوربّ السماء ليقتصّنّ من القرناء للجمّاء.
(3) قال المقداد السيوري في إرشاد الطالبين ـ ص 285 ـ:
مسألة: هل العوض واجب على الباري تعالى؟
قال العلاّمة: هو واجب، وإلاّ لزم الظلم.
أقـول: العـوض: إمّا مسـتحقّ عليه تعالى، فيجب عليه إيصاله إلى مستحقّه

=


( 236 )

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
____________
=
وإلاّ لكان ظالماً ـ تعالى الله عنه ـ، والظالم بذلك ضروري..
وإمّا مستحقّ على العبـد، فيجب عليه تعالى الانـتصاف للمظلوم من الظالم؛ لأنّه لمّا مكّنه من الظلم بإعطاء القدرة ولم يمنعه بالجبر، وجب عليه الانتصاف، وهو أن يأخذ من منافع الظالم التي استحقّها على الله أو على غيره للمظلوم بقدر ما يوازي ظلمه، وإلاّ لكان تعالى بالتمكين ظالماً.
ولا يلزم من تمكينه الظالم كون العوض عليه تعالى؛ لأنّه لم يأمره بالظلم ولم يجبره عليه، بل إنّما أعطاه القدرة والتمكين ليستعمل ذلك في الطاعة.
ومثاله: إنّ من أعطى شخصاً سيفاً ليقتل به كافراً فقتل به مؤمناً، فكما إنّ العوض هنا على القتل فكذا هناك.
قـال: وهل يجوز أن يمكّن الله تعالى من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي فعله؟! جوّزه أبو هاشم والبلخي. واختلفا: فيجـوّز البلخي خروجه من الدنيـا بغير عوض، بل يتفضّل الله تعالى على الظالم بالعوض ويدفعه إلى المظلوم؛ ومنعه أبو هاشم وأوجب التبقية؛ لأنّ الانتصاف واجب، فلا تعلّق بالتفضّل الجائز.
أقـول: قد ذكرنا أنّ الانتصاف الذي هو نقل المنافع إلى المظلوم واجب عليه تعـالى، والآن نقـول: هل يجـوز في الحكمـة أن يمكّـن الله تعـالى مِن الظلم مَـن لا عوض له يوازي ما صدر عنه، أم لا؟! جوّز ذلك أبو القاسم البلخي ومحمود الخوارزمي وأبو هاشم، ومنعه السـيّد المرتضى ـ رضوان الله تعالى عليه ـ.
حجّة الأوّلين: أنّه لو لم يكن جائزاً لَما وقع، لكنّه واقع، فيكون جائزاً وهو المطلوب..
أمّا الملازمة: فظاهرة، وأمّا بيان الوقوع: فلأنّا نرى الملوك والظلمة يصدر عنهم آلام عظيمة، ومن المستبعد أن يكون لذلك الظالم القاهر أعواض توازي ما صدر عنه بالنسبة إلى كلّ واحد واحد من المظلومين.
والجواب: غير مستبعد أن يكون قد حصل لذلك الظالم الآلام التي يفعلها الله تعالى به أعواضاً كثيرة بحيث ما يوازي ما عليه، فإنّ العوض عليه تعالى زائد إلى حدّ الرضا وعلينا مساوي.
ثمّ اختلف هؤلاء المجوّزون في أنّه هل يجوز أن يخرج من الدنيا ولا عوض له أم لا؟! فقال أبو القاسم: يجوز ذلك، لجواز أن يضمن الله تعالى عنه، ويتفضّل

=


( 237 )

تشـدّ أركان هذه الأخبار، وترفع بنيان مفادهـا؛ لمطابقتها لها في الحكم يقيناً، فيجـب اعتقاده والحكم به جزماً، ومقتضاه أنّه يجب في عدل الله وحكمته أن يقتصّ للمظلوم من محبّـي أهل البيت عليهم السلام من ظالم المحبّ لهم، ولا يجوز في العدل والحكمة ألاّ يغفر له ظلمـه.
ومفاد هذا كلّه تخصيص تلك الأخبار والحكم عليها، والتصريح بأنّ المغفور من ذنوب أهل الولاية ما سوى مظالمهم لبعضهم لا جميع الذنوب، وهذا واضح لا خفاء فيه.

الصنف الثاني:
الأخبار المصرّحة بأنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام لا تتحقّق إلاّ بطاعة الله، ولا تُنال إلاّ بالورع عن محارم الله، وإنّ المطيع لله هو الوليّ لهم، والعاصي لله ليس لهم بوليّ.
ومنها: ما رواه الشيخ الجليل الكبير ثقة الاِسلام محمّـد بن يعقوب الكليني في الكافي بسنده عن محمّـد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: «لا تذهب بكم المذاهب، فوالله ما شيعتنا إلاّ من أطاع الله عزّ وجلّ»(1).
____________
=
عليه بأعواض يوصلها إلى المظلوم.
وقال أبو هاشم: لا يجوز؛ لأنّ التفضّل جائز والانتصاف واجب، ولا يعلق الواجب على الجائز. وقال: يجب على الله تعالى تبقيته كي يحصل له أعواض ينقلها عنه.
قال السـيّد المرتضى: الانتصاف واجب، والتفضّل والتبقية جائزان فلا يعلّق الواجب بهما.
(1) الكافي 2|73 ح 1، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمـد بن محمّـد بن أبي نصر، عن محمّـد أخي عرّام، عن محمّـد بن مسلم؛ وعنه في بحار الأنوار

=


( 238 )

وبسـنده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام ، في حديث طويل، قال فيه: «يا جابر! والله ما نتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع»(1).
وبالسند عن عمر بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: «يا معشر الشيعة، شيعة آل محمّـد عليهم السلام ! كونوا النمرقة الوسطى»(2)..
إلى أن قال: ثمّ أقبل علينا فقال: «والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا
____________
=
70|95 ح 2.
وقال العلاّمة المجلسي في مرآة العقول 8|48 في شرح كلامه عليه السلام : «لا تذهب بكم المذاهب» على بناء المعلوم، أي: لا تذهب بكم المذاهب الباطلة إلى الضلال والوبال، أو على بناء المجهول، أي: لا يذهب بكم الشيطان في المذاهب الباطلة من الأماني الكاذبة والعقائد الفاسدة، بأن تجترئوا على المعاصي اتّكالاً على دعوى التشيّع والمحبّة والولاية من غير حقيقة، فإنّه ليس شيعتهم إلاّ من شايعهم في الأقوال والأفعال لا من ادّعى التشيّع بمحض المقال.
(1) الكافي 2|74 ح 3، عن أبي علي الأشـعري، عن محمّـد بن سالم وأحمد بن أبي عبـدالله، عن أبيه جميعاً، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر...؛ وعنه في بحار الأنوار 70|97 ح 4.
(2) النمرقة ـ مثلّثة ـ: الوسادة الصغيرة. القاموس المحيط 3|286 مادّة «نمرق».
وقال الفيض الكاشاني في كتاب الوافـي 4|32: وفي الكلام استعارة، والمراد أنّـه كما كانت الوسـادة التي يتوسّد عليها الرجل إذا كانت رفيعة جدّاً أو خفيفة جدّاً لا تصلح للتوسّد، بل لا بُـدّ لها من حدّ من الارتفاع والانخفاض حتّى تصلح لذلك، كذلك أنتم في دينكم وأئمّتكم، لا تكونوا غالين، تجاوزون بهم عن مرتبتهم التي أقامهم الله عليها، وجعلهم أهلاً لها وهي الاِمامة والوصاية النازلتان عن الألوهية والنبوّة، كالنصارى الغالين في المسيح، المعتقدين فيه الألوهية أو البنوّة للاِله.
ولا تكونوا أيضاً مقصّرين فيهم، تنزّلوهم وتجعلونهم كسائر الناس أو أنزل! كاليهود والمقصّرين في المسيح المنزلين له عن مرتبته، بل كونوا كالنمرقة الوسطى وهي المقتصدة للتوسّد، يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي.

( 239 )

وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة، ولا نتقرّب إلى الله إلاّ بالطاعة، فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصياً لله لم تنفعه ولايتنا، وَيْحَكم لا تغترّوا! وَيحكم لا تغترّوا!»(1).
وعن علي بن أبي زيد، عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبـدالله عليه السلام فدخل عليه عيسى بن عبـدالله القمّي فرحّب به وقرّب مجلسه، ثمّ قـال: «يا عيسى بن عبـدالله! ليس منّا ـ ولا كرامة ـ من كان في مصرٍ فيه مائة ألف أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه»(2)..
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة المرويّة في الكتاب المذكور، وغيره من كتب الحديث والأخبار والآثار.
ويؤيّد معناها قوله تعالى: (قُلْ إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتّبِعوني يُحبِبْـكُـمُ اللهُ ويَغْفِرْ لَكُـمْ)(3) ومثلـها مـن الآيات، ويرشد إليه معنى الولايـة؛ لأنّها بمعنى المتابعة في الأقوال والأفعال، والعاصي لله ليس بتابع أهل البيت عليهم السلام ، بل هو مخالف لهم؛ لأنّهم لا يعصون الله تعالى.
ووجه المعارضة بين هذه الأخبار وبين الأخبار الأُولى: إنّ الأُولى مصرِّحة بأنّ من محبّي أهل البيت عليهم السلام وأوليائهم من هم مذنبون، وإنّ ذنوبهم تُغفر لهم.. وهذه الأخبار نطقت بأنّ من كان مذنباً فليس من أوليائهم وشـيعتهم، فأيّ ذنب يُغفر لهم، والحال أنّ المذنب ليس منهم؟!
____________
(1) الكافي 2|75 ح 6، عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّـد بن سماعة، عن بعض أصحابه، عن أبان، عن عمرو بن خالد...؛ وعنه في بحار الأنوار 70|101 ح 6، وفيه: عن عمر بن خالد.
(2) الكافي 2|78 ح 10، عن محمّـد بن يحيى، عن أحمد بن محمّـد بن عيسى، عن علي بن أبي زيد، عن أبيه؛ وعنه في بحار الأنوار 70|300 ح 9.
(3) سورة آل عمران 3: 31.

( 240 )

فلا بُـدّ حينـئذٍ من الجمع بين هذه الأخبار وبين الأخبار الأُولى، ورفع التعارض الظاهر بينهما؛ إذ لا يجوز إسقاط أحدهما وردّه مع إمكان التأويل والجمع، وهو يحصل بوجوه:
* الأوّل: أن يقال: إنّ العاصي إن يرتكب المعاصي على وجه التهاون بها، والاستخفاف بها، وعدم المبـالاة بها، متّـكلاً على غفرانهـا له لا محالة؛ بسـبب دعواه ولاية أهل البيت عليهم السلام ، فمثل هذا يكون ادّعاؤه ولاية أهل البيت عليهم السلام كذباً، فلا يستحقّ من الله تعالى التفضّل عليه بغفران ذنوبه من حقيقة الولاية.
ويدلّ على هذا التأويل قول الصادق عليه السلام : «ما بين المسلم وبين أن يكفر إلاّ أن يترك صلاة واحدة، مستخفّاً بها، أو يتهاون بها فلا يصلّيها»(1).
وقولهـم عليهم السلام في عدّة أخبـار: «اتّقوا المحقّرات من الذنوب، فإنّها لا تُغفر»(2)، وفسّروها بأنّها ذنوب صغائر(3)، يفعلها المكلّف ويقول: إن
____________
(1) أورده البرقي في المحاسن 1| 160 ح 11، عن محمّد بن علي، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم :...، والصدوق في عقاب الأعمال: 274 رقم 1، عن محمّـد بن موسى بن المتوكّل، عن عبـدالله بن جعفر الحميري، عن محمّـد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن محبوب...؛ وعنهما في وسائل الشيعة 4| 42 ح 6 باختلاف يسير.
(2) الكافي 2| 270 ح 10، عن الحسين بن محمّـد، عن معلّى بن محمّـد، عن الوشّـاء، عن علي بن أبي حمـزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام ، و ص 287 ح 1، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه... ومحمّـد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبـد الحميد، عن أبي أُسامة زيد الشحّام، عن أبي عبـدالله عليه السلام ؛ وعنه في وسائل الشيعة 15|310 ح 1، وبحار الأنوار 73|345 ح 29.
(3) القاموس المحيط 2|12 مادّة «حقر». والتحقير يوجب الاِصرار وترك الندامة

=


( 241 )

لم يكن علَيَّ من الذنوب إلاّ هذا فلا أُبالي؛ لأنّ الكفر وعدم غفران الذنب إذا حصلا بالتهاون بالمعصية وعدم المبالاة بعقابها، حصل بها الخروج من ولاية أهل البيت عليهم السلام قطعاً، لأنّ من لم يكن مؤمناً حقيقة ولا أهلاً لمغفرة ذنوبه بغير توبة فليس بوليّ لأهل البيت عليهم السلام .
وهذا حكم جارٍ في كلّ مستخفٍّ بفريضة من فرائض الله، ومتهاون بمعصية من سائر معاصي الله تعالى، والأدلّة على هذا المعنى كثيرة.
ومنها: الخبر المسؤول عنه، وموضع ذلك منه قوله عليه السلام فيه: «إلاّ ما كان منهم فيها على إصرار» فإنّه صريح في عدم غفران ذنوب المصرّ على الذنب.
ومن الواضح البيّن أنّ الاِصرار على الذنب مسبّب عن الاستخفاف والتهاون، فإنّ الخائف من عقاب الذنب لا يصرّ عليه، كما نبّه عليه قوله تعالى: (ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلوا وهُمْ يَعْلَمونَ)(1).
وينبغي أن تحمل آيات الوعيد على هذا المعنى، وإن كان العاصي قد ارتكب المعاصي لغلبة شهوة نفسه، وكان بعد عملها خائفاً من عقابها، مشفقاً من المؤاخذة عليها، راجياً من الله التفضّل عليه بغفرانها؛ لولايته لأهل البيت عليهم السلام ، فمثل هذا لا يخرج عن حقيقة الولاية، فهو مستحقّ من الله سبحانه التفضّل عليه بغفران ذنوبه كائنة ما كانت، وبالغة ما بلغت.
وينبغي أن تحمل آيات الرجاء على هذا المعنى، مثل قوله تعالى: (ويَغْفِرُ ما دونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)، وقوله تعالى: (قُلْ يا عِباديَ الّذينَ أَسْـرَفوا عَلى أَنْفُسِـهِمْ لا تَقْنَطوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنوبَ
____________
=
الموجبَين للبعد عن المغفرة.
(1) سورة آل عمران 3: 135.

( 242 )

جَمِيعاً)(1).
وهذا وجه حسن لطيف رافع للتعارض بين الأخبار.
* الوجه الثاني: أن يقال: إنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام ليست بموجبة لغفران الذنب على وجـه الحتم، بمعنى أنّه لا يجوز في عدل الله وحكمته أن يُعذّب العاصين من محبّي أهل البيت عليهم السلام ، وإنّما هي مجوّزة لتفضّل الله سبحانه على محبيّهم بغفران الذنوب، فمن اعتقد من مدّعي ولاية أهل البيت عليهم السلام غفران ذنوبه حتماً لأجلها، فقد خرج من ولايتهم فلا تغفر له الذنوب، ولفظ: «لا تغترّوا» في الخبر وما قارب معناه يومىَ إلى هذا المعنى.
ومـن اعتقد منهم جواز تفضّل الله عليه بالمغفرة لأجل الولاية، فهذا لا يخرج منها، ويستحقّ غفران ذنوبه تفضّلاً عليه؛ لأنّ الاغترار لا يصدق في حقّه.
وهذا أيضاً تأويل حسن يقرب من الأوّل في الجودة.
* الوجه الثالث: أن يقال: إنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام بنفسها ـ يعني بغيـر عمل أصلاً ـ لا تكون كافية في إسقاط العقاب وحصول الثواب، كما إنّ الاِيمان ـ الذي هو عبارة عن التصديق بوحدانية الله سبحانه، ورسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بدون العمل ليس بكاف في ذلك، فمتى تديّن المكلّف بولاية أهل البيت عليهم السلام ومحبّتهم، ولم يطعِ الله تعالى في أمره ونهيه أصلاً، لم يستحقّ على الله سبحانه بتلك الولاية مثوبة، ولا تفضّلاً بإسقاط عقوبة، لعدم صحّـة تلك الولاية.
____________
(1) سورة الزمر 39: 53.

( 243 )

كما إنّ المقرّ بالشهادتين التارك للعمل بالكلّيّة لا يستحقّ على الله تعالى ذلك؛ لعدم صحّة إيمانه والحال هذه.
وعلى هذا تنزّل الأخبار القائلة بأنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام بدون عمل لا تنفع، وأنّ المطيع لله هو وليّهم، والعاصي لله هو عدوّهم، وأنّ ولايتهم لا تنال إلاّ بالعمل والورع.
ويكون المقصود من ذلك إبطال مذهب المرجئة من الشيعة الذاهبين إلى أنّ ولاية أهل البيت عليهم السلام مغنية عن العمل، موجبة بنفسها لدخول الجنّة، والنجاة من النار، وأصلها مقالة الغلاة(1) لعنهم الله، وتابعهم فيها غيرهم من أهل التشيّع، فأراد الأئمّة عليهم السلام بيان بطلانها؛ لبطلان قول المرجئة من العامّة(2)، وهذه المقالة بعينها موافقة لمقالة النصارى في
____________
(1) الغلاة: هم الّذين غلوا في حقّ أئمّتهم عليهم السلام حتّى أخرجوهم من حدود الخليقة، وحكموا فيهم بأحكام الاِلهيّة، فربّما شبّهوا واحداً من الأئمّة بالاِله، وربّما شبّهوا إلاله بالخلق، وهم على طرفَي الغلو والتقصير. فرق الشيعة ـ للنوبختي ـ: 173.
وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله: إعلم أنّ الغلوّ في النبيّ والأئمّة إنّما يكون بالقول بألوهيّتهم، أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبوديّة، أو في الخلق والرزق، أو أنّ الله تعالى حلّ فيهم أو اتّحد بهم، أو أنّهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى، أو بالقول في الأئمّة : أنّهم كانوا أنبياء، أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض؛ أو القول بأنّ معرفتهم تغني عن جميع الطاعات، ولا تكليف معها بترك المعاصي؛ وقد عرفت أنّ الأئمّة عليهم السلام تبرّؤوا منهم، وحكموا بكفرهم، وأمروا بقتلهم. بحار الأنوار 25|336.
(2) المرجـئة: فرقـة من المخالفـين، يعتقـدون بأنّ المعصـية لا تضـرّ مـع الاِيمان، ولاتنفع مع الكفر طاعة؛ وسمّوا بهذا الاسم لأنّهم قالوا: إنّ الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي: أخّره.
وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم قالوا بالاِرجاء في الاِيمان، وبالقدر على مذاهب القدرية والمعتزلة. وصنف منهم قالوا بالاِرجاء بالاِيمان وبالجبر في

=


( 244 )

دعواهم أنّ الاِيمان بإلهية عيسى عليه السلام ، وأنّه ابن الله كافٍ عن الأعمال البدنيّة من الصلاة والصيام وغيرهما من الفرائض.
وفي بعض تلك الأخبار ما هو كالصريح في ما ذكرناه:
* كقول أبي جعفر الباقر عليه السلام في رواية جابر التي أوردنا شطراً منها: «يا جابر! لا تذهب بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول: أُحبّ عليّـاً وأتولاّه ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً، فلو قال: إنيّ أُحبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من عليّ عليه السلام ، ثمّ لا يتّبع سيرته، ولا يعمل بسُـنّته؛
____________
=
الأعمال، على مذهب جهم بن صفوان، فهم من جملة الجهمية. وصنف منهم خارجون عن الجبرية والقدرية يكفرّ بعضهم بعضاً وهم خمس فرق:
أ ـ اليونسية: وهم أتباع يونس بن عون، الذي زعم أنّ الاِيمان في القلب واللسان، وأنّه هو المعرفة بالله تعالى، والمحبّة والخضوع له بالقلب، والاِقرار باللسان أنّه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم حجّة الرسل عليهم، فإن قامت عليهم حجّتهم لزمهم التصديق لهم، ومعرفة ما جاء من عندهم في الجملة من الاِيمان، وليست معرفة تفصيل ما جاء من عندهم إيماناً ولا من جملته.
ب ـ الغسّانية: وهم أتباع غسّان المرجئ، الذي زعم أنّ الاِيمان هو الاِقرار أو المحبّة لله تعالى وتعظيمه وترك الاستكبار عليه.
ج ـ التومنيّة: وهم أتباع أبي معاذ التومني، الذي زعم أنّ الاِيمان ما عصم من الكفر، وهو اسمٌ لخصالٍ مَن تركها أو ترك خصلة منها كفر، ومجموع تلك الخصال إيمان، ولا يقال للخصلة منها: إيمان، ولا بعض إيمان.
د ـ الثوبانية: وهم أتباع أبي ثوبان المرجئ، الذي زعم أنّ الاِيمان هو الاِقرار والمعرفة بالله وبرسله وبكلّ ما يجب في العقل فعله، وما جاز في العقل أن لا يفعل فليست المعرفة من الاِيمان.
هـ ـ المريسيّة: وهم أتباع بشر المريسي، وهؤلاء مرجئة بغداد، وكان يقول في الاِيمان: إنّه هو التصديق بالقلب واللسان جميعاً، كما قال ابن الراوندي: إنّ الكفر هو الجحد والاِنكار، وزعما أنّ السجود للصنم ليس بكفر، ولكنّه دلالة على الكفر.
فهؤلاء الفرق الخمس هم المرجئة الخارجة عن الجبر والقدر.
انظر: الفرق بين الفِرَق: 202.

( 245 )

ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً...»(1) إلى آخر الخبر.
ومتى تديّن المكلّف بولاية أهل البيت عليهم السلام ، وأدّى الواجبات، وتورّع عن المحرّمات، فهذا ممّن يدخل الجنّة بغير حساب، وعلى مثل هذا تنزّل الأخبار الواصفة للشيعة بالأوصاف الجميلة، وهي كثيرة.
ومتى كان المكلّف موالياً لأهل البيت عليهم السلام ، وأطاع في بعض الأعمال، وعصى في بعض آخر ـ متهاون ولا مستخفّ ـ فهذا ولايته صحيحة ناقصة، فأمره مردّد بين أن يغفر الله له ذنوبه تفضّلاً منه عليه..
وبين أن يسقطها عنه بشفاعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ..
وبين أن يدخله النار، ثمّ يخرج منها قبل تمام أخذ الحقّ منه بشفاعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ..
وبين أن يبقى في النار إلى أن يستوفي منه الحقّ الذي عليه، ثمّ يدخل الجنّة بإيمانه وولايته، وباقي أعماله الصالحة..
* وعلى الأوّل: تنزل الأخبار الدالّة على غفران ذنوب الموالين لأهل البيت عليهم السلام .
* والثاني: مفاد قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي»(2)، وأمثاله من الروايات.
____________
(1) الكافي 2|74 ح 3، وعنه بحار الأنوار 70|97 ح 4.
(2) ذِكر أخبار أصبهان 1|163 بسنده عن الأعمش، عن أنس بن مالك؛ تهذيب تاريخ دمشق 4|282 عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس؛ وأورد الشيخ الصدوق ما يقرب منه في عيون أخبار الرضا عليه السلام 1|136 ح 35، والأمالي: 56 ح 4 بسنده عن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي، فأمّا المحسنون فما عليهم

=


( 246 )

* والثالث: ينزل عليه قول الأئمّة عليهم السلام : «إنّ من شيعتنا مَن لا تناله شفاعتنا إلاّ بعد عشرة آلاف عام»، وفي بعضها أكثر من ذلك.
* والرابع: مقتضى القاعدة الكلامية التي اتّفق على صحّتها علماء الاِماميّة، وأيّدها من السمع مثل قوله تعالى: (لها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ)(1)، وقوله جلّ وعلا: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ)(2)..
وهي: إنّ مَن كان من المكلّفين له ثواب وعليه عقاب، لم يسقط عنه بمسقِط مِن تفضّلٍ من الله أو شفاعة أو غيرهما؛ فالواجب الابتداء بمعاقبته.. فإذا انتهى مقدارها أُدخل الجنّة ليكون الثواب له خالصاً من شوائب الكدر، ولا يحبط عمله ويكون مخلّداً في النار، كمـا ذهب إليه المعتزلة ومن ضارعهم(3)..
____________
=
من سبيل.
والشيخ الطوسي في الأمالي: 380 ح 66 عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : لكلّ نبيّ شفاعة، وإنّي خبّأت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي يوم القيامة...
(1) سورة البقرة 2: 286.
(2) سورة الزلزلة 99: 7 و 8.
(3) الاِحباط تعريفه في اللغة: هو من عمل عملاً ثمّ أفسده، والله أحبطه. لسان العرب 7|272 مادّة «حبط».
قال الحسني: وفي تعريف الفقهاء المتكلّمين: أن يكون أحد العملين مسقِطاً وماحياً لآثار العمل السابق، فكما يسقط الثواب بالمعاصي، كذلك يسقط العقاب بما يفعلـه الاِنسـان من الطاعات والخيرات، وهو أن يكون المتأخّر ماحياً للمتقدّم من خير أو شرّ، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفرق الاِسلامية.
فالمعتزلة يدّعون أنّ الاِنسان إذا عبد الله طول حياته، وفعل معصية من المعاصي

=


( 247 )

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
____________
=
التي تسمّى كبيرة في عرف الفقهاء تبطل جميع أعماله السابقة، وقد وافقهم على ذلك الخوارج.
أمّا الأشاعرة فقد أنكروا الاِحباط، لأنّهم يدّعون أنّه لا يجب على الله ثواب المطيعين ولا عقاب العاصين، وله أن يعذّب المطيع ويعاقب العاصي.
وأمّا المرجئة فقد وافقوا المعتزلة على مبدأ الاِحباط، ولكنّ الاِيمان بالله عندهم يحبط جميع المعاصي مهما بلغت، وجميع المعاصي لا تحبط الاِيمان، وذلك عملاً بالمبدأ العامّ الذي ترتكز عليـه فكرة الاِرجاء: «لا تضرّ مع الاِيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة».
أمّا الاِمامية فقد أنكروا الاِحباط، لقوله تعالى: (فمَنْ يعملْ مثقالَ ذرّةٍ خيـراً يرَهُ * ومَنْ يعملْ مثقالَ ذرّةٍ شرّاً يرَهُ)، هذا بالاِضافة إلى أنّ الاِحباط يؤدّي إلى عدم الوفاء بالوعد والوعيد؛ لأنّه تعالى قد وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العاصين بالعقاب، ولازمُ الاِحباط عدمُ الثواب على الطاعات.
انظر: الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة: 2143 ـ 215.
قال المعتق في «المعتزلة وأُصولهم الخمسة» ـ ص 249 ـ:
لقد اختلف المعتزلة في الاِحباط على أقوال، أهمّها ما يلي:
الأوّل: رأي الجمهور منهم، الّذين يرون أنّ الاِنسان إذا عبدَ الله طول حياته ثمّ ارتكب كبيرة من الكبائر، فإنّها تُبطِل جميع أعماله السابقة.
يقول القاضي عبـد الجبّار: «... إنّ ما يستحقّه المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته...».
الثاني: رأي أبي علي الجبّائي ـ من متأخّري المعتزلة ـ الذي يرى أنّ الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، فمثلاً من أطاع عشرين مرّة، وعصى عشر مرّات، يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه، وتبقى معاصيه على حالها، ولو زادت معاصيه على طاعاته، فإنّها تفذهِب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه.
الثالث: رأي أبي هاشم، الذي ذهب إلى أنّ الاِحباط يكون من الطرفين، فكما تحبط الطاعات المعاصي؛ كذلك تحبط المعاصي الطاعات، فمثلاً: من أطاع عشراً وعصى عشرين، فإنّه تذهب طاعاته بما يقابلها من المعاصي، ولا يبقى عليه سوى

=


( 248 )

وهذا أيضاً بسبب ولاية أهل البيت عليهم السلام ، فإنّ غير مواليهم يبقى مخلّداً في النار مع زُمر الكفّار وأصناف الفجّار؛ لأنّه من جملة مَن قال الله تعالى فيهم: (وقَدِمْنا إلى ما عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثوراً)(1).
وقد جاء في عدّة أخبار(2)، أنّ من جملة مكفّرات الذنوب عن
____________
=
الزائد من معاصيه.
يقول القاضي عبـد الجبّار: «... لو أتى المكلّف بطاعة استحقّ عليها عشرة أجزاء من الثواب، وبمعصية استحقّ عليها عشرين جزءاً من العقاب، فمن مذهب أبي علي أنّه يحسن من الله تعالى أن يفعل به في كلّ وقت عشرين جزءاً من العقاب، ولا يثبت لِما كان قد استحقّه على الطاعة التي أتى بها تأثير بعدما ازداد عقابه عليه.
وقال أبو هاشم: لا، بل يقبح من الله تعالى ذلك، ولا يحسن منه أن يفعل به من العقاب إلاّ عشرة أجزاء، فأمّا العشرة الأُخرى، فإنّها تسقط بالثواب الذي قد استحقه على ما اتى به من الطاعة ، وهذا هو صحيح من المذهب ، ولعمري أنه القول اللائق بالله تعالى دون ما يقوله أبو علي ...» .
(1) سورة الفرقان 25: 23.
(2) قد أفرد الشيخ الجليل محمّـد بن همّام الاِسكافي كتاباً سمّاه التمحيص نذكر منه روايتين تبرّكاً، وفيهما دلالة واضحة على هذا الباب إن شاء الله تعالى:
أ ـ عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: «إنّ الله إذا كان من أمره أن يكرم عبـداً وله ذنب، ابتلاه بالسقم، فإن لم يفعل ذلك ابتلاه بالحاجة، فإن لم يفعل ذلك شدّد عليه الموت ليكافئه بذلك الذنب.
وإذا كان من أمره أن يهين عبـداً وله عنده حسنة، صحّح بدنه، فإن لم يفعل ذلك به وسّع له في معاشه، فإن هو لم يفعل هوّن عليه الموت ليكافئه بتلك الحسنة». التمحيص: 38 ح 35.
ب ـ عن عمر صاحب السابري، قال: قلت لأبي عبـدالله عليه السلام: إنّي لأرى من أصحابنا من يرتكب الذنوب الموبقة، فقال لي: «يا عمر! لا تشـنّع على أولياء الله، إنّ وليّنا ليرتكب ذنوباً يستحقّ بها من الله العذاب فيبتليه الله في بدنه بالسقم حتّى يمحّص عنه الذنوب، فإن عافاه في بدنه ابتلاه في ماله، فإن عافاه في ماله

=


( 249 )

المؤمن ما يصـيبه في الدنيا من الآلام، وما يقع عليه فيها من البلايا والمحن حتّى تشـديد نزع الروح عليـه، فأسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
هذا ما تبيّن لي من الوجوه في الجمع بين الأخبار المتخالفة في الظاهر، واتّضح لي في رفع التعارض عنها، وفيها كفاية لمن تأمّل وتدبّر، بل في كلّ واحد منها مقنع لمن نظر وتبصّر إن شاء الله.
إذا عرفت ما أصّلناه، وتبيّـنت ما فصّلناه، فنشرع الآن في الجواب عن الخبر الذي سألت عنه، والكلام يقع في مواضع:

* الموضع الأوّل:
إنّ هذا الخبر مروي في كتب أصحابنا السابقين، رواه الشيخان الجليلان أبو عبـدالله المفيد وأبو جعفر الطوسي(1) قدّس الله روحيهما، بسـند متّـصل عن أبي الحسـن الرضـا، عـن آبائـه عليهم السلام ، قـال: «قال رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب، ويضاعف الحسنات» إلى آخر ما ذكر في المسألة.
وهذا الخبر مع جملة أخبار بمعناه كلّها وردت في تأويل قوله تعالى: (والّذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ ولا يَقْتُلونَ النَفْسَ الّتي حَرَّمَ اللهُ إلاّ بالحَقِّ ولا يَزْنونَ ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القيامَةِ ويَخْلُدْ فيهِ مُهاناً * إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَملاً صالِحاً
____________
=
ابتلاه في ولده، فإن عافاه في ولده ابتلاه في أهله، فإن عافاه في أهله ابتلاه بجار سوء يؤذيه، فإن عافاه من بوائق الدهور شدّد عليه خروج نفسه حتّى يلقى الله حين يلقاه وهو عنه راضٍ، قد أوجب له الجنّة». التمحيص: 39 ح 38.
(1) أمالي الطوسي: 164 ح 26 عن الشيخ المفيد بإسناده.

( 250 )

فأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللهُ غَفوراً رَحيماً)(1).
فإن نزّلنا عموم تلك الأخبار على خصوص الآية الكريمة لورودها في تأويلها خصّصناها بالتائبين؛ لتصريح الآية بذلك، وحينئذٍ لا يبقى لأحدٍ ممّن يدّعي المعرفة الاحتجاج بها على غفران ذنوب الشيعة مطلقاً.
وإن أبقيناها على إطلاقها صارت معارضة لصريح الآية التي وردت هي في تأويلها، وما خالف من الأخبار ونصّ القرآن أو ظاهره، فلا سبيل إلى الحكم بصحّته بالاِجماع.
وأيضاً تحصّل في الخبر المذكور على هذا الوجه معارضة إطلاق أوّله؛ لقوله فيه: «إلاّ ما كان منهم فيها على إصرار...» إلى آخره، فإنّه نصّ في عدم غفران ما أصرّ عليه محبّهم من الذنوب، وإذا كان الكلام يناقض بعضه بعضاً سقط اعتباره، فاللازم في تصحيح الخبر المزبور وما بمعناه حمله على مفاد الآية، وهو اختصاص الحكم المذكور بالتائبين.
ومتى قيـل: فأيّ مزيّـة لمحبّـي أهل البـيت عليهم السلام إذا كانـت ذنوبهم لا تكفّر إلاّ بالتوبة، وغيرهم في هذا مساوٍ لهم؟!
قلـنـا: المزيّة حاصلة من وجهين:
* الأوّل: إنّ توبة غيرهم من الذنوب لا تقبل إلاّ أن يتوب عن أصل اعتقاده الباطل، ويرجع إلى ولايتهم.
* الثاني: إنّ غيرهم لو قبلت توبته لم يجعل في موضع سيّئاته حسنات، وهم(2) يكون لهم ذلك بنصّ الآية الشريفة(3)..
____________
(1) سورة الفرقان 25: 68 ـ 70.
(2) يعني محبّي أهل البيت عليهم السلام .
(3) المارّة اًنفاً.

( 251 )

إذا كانت هذه المزيّة موجودة في تخصيص الحكم بالتائبين؛ كان حلّ الكلام عليه من أصحّ الصحيح، ويأتي لهذا زيادة توضيحٍ إن شاء الله تعالى.

* الموضع الثاني:
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «وإنّ الله تعالى ليتحمّل عن محبّنا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلاّ ما كان فيها على إصرار وظلم المؤمنين»، والكلام هنا يقع في مقامين:
[المقام] الأوّل: إنّ المراد بالاِصرار على الذنوب عدم التوبة منها توبة جامعة لشروط صحّتها وقبولها، ولفظه مستثنىً من حكم التكفير لا من حكم التحمّل، لعدم صحّة المعنى بهذا؛ لاسـتلزامه أنّ الله سبحانه وتعالى لا يتحمّل عن محبّي أهل البيت عليهم السلام من مظالم العباد إلاّ المظالم التي تابوا منها ولم يصرّوا عليها.
ومن الواضح البيّن أنّهم إذا تابوا من المظلمة وأوصلوا إلى المظلوم حقّه في الدنيا، لم يبقَ عليهم لأحد مظلمة يطالبهم بها في الآخرة فيحتاجون إلى من يتحمّلها عنهم، حينئذٍ فأيّ مظلمة يتحمّلها الله عنهم على هذا الفرض، وإذا امتنع جعله مستثنىً من حكم التحمّل، تعيّن أنّه مستثنىً من حكم التكفير؛ فيجب أن يخصّص به عموم التكفير ألبتّة، فيكون المعنى: حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب عن محبّينا إلاّ الذنوب التي أصرّوا عليها فإنّها لا تكفّر عنهم، أي لا تغفر لهم بحبّنا.
فالكلام يفيد فائدة قطعيّة أنّه لا يغفر لمحبّي أهل البيت عليهم السلام لأجل محبّتهم خاصّة، إلاّ الذنوب التي تابوا منها لا ما أصرّوا عليه منها، وحكمة ذلك مـا ذكرناه في الوجه الأوّل من وجوه الجمع بين الأخبار المتعارضة،
( 252 )

من أنّ الاِصرار على الذنوب يستلزم تحقيرها والاستخفاف بها، وهو لازم لهما، فيخرج به فاعله عن حقيقة المحبّة لهم التي هي سبب لمغفرة الذنوب؛ لأنّ المراد بالمحبّة في مثل هذا الخبر المتابعة، والمزيّة لهم على هذا مذكورة في الموضع الأوّل.
المقام الثاني: إنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «وظلم المؤمنين» مستثنىً من حكم التحمّل قطعـاً، فالمراد بالعبـاد الّذين يتحمّل الله تعالى عن محبّي أهل البيـت عليهم السلام مظالمهم: إمّا العباد الّذين يجب لهم على الله سبحانه ـ بقاعدة العدل ـ الانتصاف من محبّي أهل البيت عليهم السلام ، وأُولئك هم المؤمنون يقيناً، وإمّا أن يكون المراد بهم غيرهم من فرق الناس..
فإن كان المراد: الأوّل، لزم التناقض في الكلام؛ لأنّ معناه على هذا الوجه: إنّ الله يتحمّل عن محبّي أهل البيت عليهم السلام ما عليهم من مظالم المؤمنين ولا يتحمّلها، وهذا تناقض ظاهر، لا يجوز حمل الكلام على المعنى المستلزِم له؛ صوناً للقول المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن التناقض، لبطلان القول..
وإن كان المراد هو الثاني ليكون المعنى: إنّ الله يتحمّل عن محبّي أهل البيت عليهم السلام مظالم غير المؤمنين من سائر الفرق، صحّ الكلام ووافق بعضه بعضاً.
والظاهر أنّ هذا المعنى هو المراد من الخبر، بل لا يصحّ إرادة غيره، والمزيّة لمحبّي أهل البيت عليهم السلام على هذا الفرض أنّ الله تعالى يتحمّل عنهم مظالم غير المؤمنين من سائر فرق الناس، بأن يعوّض المظلومين أعواضاً تفي بما لهم على محبّي أهل البيت عليهم السلام من الحقوق، أو تُربي عليها بحيث يرضون بها عن الاقتصاص لهم من محبّي أهل البيت..

( 253 )

ويزيد المحبّين على ذلك أيضاً بأن يجعل في موضع الذنوب التي تابوا عنها، وفي موضع ما تحمّله عنهم حسنات، وهذا بخلاف غيرهم من جميع الناس، فإنّ الله يقتصّ لبعضهم من بعض، حتّى من الكافر لمثله، بموجب قاعدة العدل، ولا يجعل لهم في موضع الذنوب التي تابوا عنها حسنات.
وهذه مزيّة لمحبّي أهل البيت عظيمة، ومنزلة رفيعة اختصّوا بها دون غيرهم؛ لمحبّتهم لأهل البيت عليهم السلام ، وحلّ الكلام على المعنى الذي تحصل فيه هذه المزيّة واضح الصحّـة، فلا معدل في الكلام عن التأويل المذكور.

* الموضع الثالث:
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «فيقول للسيّئات كوني حسنات» وظاهر هذا الكلام انقلاب أعيان السيّئات حسنات عينيّة، وهذا الظاهر مستلزم لانقلاب القبيح الذاتي حسناً، وهذا ظاهر الاستحالة والامتناع عقلاً؛ لأنّ ما بالذات لا ينقلب إلى ما بالذات.
فيجب حينئذٍ تأويل الكلام بما لا يستلزم محالاً وامتناعاً، وذلك بأن يحمل كون السيّئات حسنات على أنّ الله سبحانه وتعالى يمحو تلك السيئّات من صحائف محبّي أهل البيت عليهم السلام ، ويثبّت لهم في مواضعها من صحائفهم حسنات.
ويشير إلى هذا التأويل، بل يصرّح به ما في كتاب البرهان عن تفسير شرف الدين النجفي عن صحيح مسلم، عن أبي ذرّ رضي الله عنه (1)، قال: قال
____________
(1) الغفاري: اختلف في اسمه؛ قيل: جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن

=


( 254 )

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وتُخبّأ كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا كذا، وهو مقرّ لا ينكر، وهو مشفق من الكبائر، فيقال: اعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة»(1).. الخبر.
____________
=
صُعير بن حرام بن غفار، وهو الأصحّ والمشهور، وقيل: بريد بن عبـدالله، و: برير ابن جنادة، و: بريرة بن عشـرقة، و: جنـدب بن عبـدالله، و: جندب بن سكن.
صحابيّ جليل القدر، يعدّ من نجباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ، ومن الأركان الأربعـة، وقيـل: كان خامـس خمسـة في الاِسلام، وكان يفتي الناس في حكومة أبي بكر وعمر وعثمان.
وقيل: كان أبو ذرّ يتألّه في الجاهلية، ويقول: لا إله إلاّ الله، ولا يعبد الأصنام، وهو الذي قال في حقّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : «ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ...».
وقال ابن الأثير: قال عليّ عليه السلام : «وعى أبو ذرّ علماً عجز الناس عنه».
وقد لاقى من عثمان إبّان حكمه ما لاقى؛ فقد ذكر الشيخ المفيد روايـة قال فيها عثمان لأبي ذرّ: والله لا جمعتني وإيّاك دار، قد خرفت وذهب عقلك.. أخرجوه من بين يديّ حتّى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء، ثمّ انخسوا به الناقة، وتعتعوه حتّى توصلوه الربذة، فنزِّلوه بها من غير أنيس حتّى يقضي الله فيه ما هو قاض.
فأخرجوه متعتعاً ملهوزاً بالعصيّ؛ فقضى نحبه فيها مظلوماً مقهوراً، فرحمة الله عليه ورضوانه.
عدّه البرقي والطوسي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم والاِمام علي عليه السلام.
رجال البرقي: 1 و3، رجال الطوسي: 13 و36 رقم 11 و1، أمالي المفيد: 164، رجال الكشّي: 24 رقم 48، طبقات ابن سعد 4|222، الاستيعاب 4|1652 رقم 2944، أُسد الغابة 5|99 رقم 5862، تهذيب التهذيب 12|98 رقم 401.
(1) تفسير البرهان 4|153 ح 13، عن تأويل الآيات 1|382 ح 19، عن صحيح مسلم 1|177 ح 190، عن محمّـد بن عبـدالله بن نمير، عن أبيه، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ.
وأورده أحمد بن حنبل في مسنده 6|196 ح 20885 بالسند نفسه، والترمذي فـي الصـحيح 4|713 ح 2596، عـن هنّـاد، عـن أبي معاوية، عن الأعمـش، عـن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ رحمه الله وفي الشمائل المحمـديّة: 187 ح 230، عن

=


( 255 )

فالواجب المصير إلى هذا التأويل؛ لدلالة العقل والنقل عليه، فحاصل معنى الخبر ـ على ما شرحناه من البيان ـ أنّ الله سبحانه وتعالى يغفر لمحبّي أهل البيت عليهم السلام الذنوب التي لم يصرّوا عليها، ويتحمّل عنهم مظالم غير المؤمنين من سائر الناس، ويمحو من صحائفهم سيّئاتهم التي غفرت لهم، ويثبت لهم في مواضعها من تلك الصحائف حسنات.
لا معنى له في الظاهر غير هذا، وهذا المعنى مخالف لِما يلهج به جهلة الناس الّذين يدّعون العلم وهم عنه بمعزل، ويلقونه إلى من هو أجهل منهم من عوامّ الشيعة من أنّ محبّ أهل البيت عليهم السلام لا يؤاخذ بشيء من الذنوب، ولا يُقتصّ منه لأحد حتّى لمثله، فيذهبون بذلك إلى القول بالرجاء الذي حقيقته الاستخفاف بالذنوب، وعدم المبالاة بها، ويغرون عوامّ أهل مذهبهم باعتقاده، وهو مذهب قد أبطله القرآن والأحاديث، وشهد بفساده دليل العقل، والخبر المذكور حجّة عليهم لا لهم.
هذا ما بلغ إليه فهمي في معنى الخبر المذكور بعد النظر في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأخبار العترة المحمّـدية، والقواعد الكلامية، وأرجو أنّي وفّقت فيه لسلوك منهج الصواب إن شاء الله تعالى.
حرّره أقلّ العلماء علي بن عبـدالله البحراني، في 2 ربيع سنة 1317.

* * *

____________
=
أبي عمّار الحسـين بن حريث، عن وكيع، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ رحمه الله وأبو عوانة في المسـند 1|146 ح 435، عن ابن أبي الرجاء المصيصي، عن وكيع، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ.

( 256 )

مصادر المقدّمة والتحقيق
1 ـ الاختصاص: للشيخ المفيد ـ مؤسّسة الأعلمي| بيروت، 1402 هـ.
2 ـ إرشاد الطالبين: لجمال الدين مقداد بن عبـدالله السيوري الحلّي ـ مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي| قم المقدّسة، 1405 هـ.
3 ـ أعلام الدين في صفات المؤمنين: للشيخ الحسن بن أبي الحسن الديلمي ـ مؤسّـسة آل البيت عليهم السلام | قم المقدّسة، 1408 هـ.
4 ـ أعيان الشـيعة: للسـيّد محسن الأمين ـ دار التعارف| بيروت، 1406هـ.
5 ـ الأمالي: للشيخ الصدوق ـ مؤسّسة البعثة| طهران، 1417 هـ.
6 ـ الأمالي: للشيخ المفيد ـ مؤسّسة النشر الاِسلامي| قم المقدّسة، 1403 هـ.
7 ـ الأمالي: للشيخ الطوسي ـ مؤسسة البعثة| طهران، 1414 هـ.
8 ـ أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين: للشيخ علي البلادي البحراني ـ مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي| قم المقدّسة، 1407 هـ.
9 ـ بحار الأنوار: للعلاّمة محمّـد باقر المجلسي ـ مؤسّسة الوفاء| بيروت، 1403 هـ.
10 ـ البرهان في تفسير القرآن: للسـيّد هاشم البحراني ـ مؤسّسة البعثة| طهران، 1415 هـ.
11 ـ بصائر الدرجات: لمحمّـد بن الحسن الصفّار، مؤسّسة الأعلمي| طهران 1404 هـ.
12 ـ تاريخ البحرين: للشيخ محمّـد علي آل عصفور ـ مخطوط من القطيف.
( 257 )

13 ـ تأويل الآيات: لشرف الدين علي الحسيني الاسترآبادي ـ مدرسة الاِمام المهدي (عجّل الله فرجه)| قم المقدّسة، 1407 هـ.
14 ـ تفسير فرات: لفرات بن إبراهيم الكوفي ـ طهران، 1410 هـ.
15 ـ التمحيص: لأبي علي محمّـد بن همّام الاِسكافي ـ مدرسة الاِمام المهدي (عجّل الله فرجه)| قم المقدّسة، 1404 هـ.
16 ـ تهذيب تاريخ دمشق: للشيخ عبـد القادر بدران ـ دار إحياء التراث العربي| بيروت، 1407 هـ.
17 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة: للشيخ آقا بزرك الطهراني ـ دار الأضواء| بيروت، 1403 هـ.
18 ـ ذكر أخبار أصبهان: لأبي نعيم أحمد بن عبـدالله الأصبهاني ـ مطبعة بريل| ليدن، 1931 م.
19 ـ رجال البرقي: لأبي جعفر أحمد بن محمّـد البرقي ـ جامعة طهران، 1342 هـ. ش.
20 ـ رجال الطوسي: لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّـد بن الحسن الطوسي ـ المكتبة الحيدرية| قم المقدّسة، 1381 هـ.
21 ـ رجال النجاشي: لأبي العبّـاس أحمد بن علي النجاشي ـ مؤسّسة النشر الاِسلامي| قم المقدّسة، 1407 هـ.
22 ـ سفينة البحار: للشيخ عبّـاس القمّي ـ دار الأُسوة| قم المقدّسة، 1414 هـ.
23 ـ سنن الترمذي: لمحمّـد بن عيسى بن سورة ـ دار إحياء التراث العربي| بيروت.
24 ـ الشمائل المحمّـدية: لمحمّـد بن عيسى بن سورة الترمذي ـ مؤسّسة الكتب الثقافية| بيروت، 1416 هـ.
25 ـ شهداء الفضيلة: للشيخ عبـد الحسين الأميني ـ دار الشهاب| قم المقدّسة.
( 258 )

26 ـ الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة: لهاشم معروف الحسني ـ دار القلم| بيروت، 1978 م.
27 ـ صحيح مسلم: لمسلم بن الحجّاج القشيري ـ دار الفكر| بيروت، 1398 هـ.
28 ـ عقاب الأعمال: للشيخ الصدوق ـ مكتبة الصدوق|طهران، 1391 هـ.
29 ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام : للشيخ الصدوق ـ انتشارات جهان| طهران.
30 ـ الفَرق بين الفِرق: لعبـد القاهر بن طاهر الاسفرائيني ـ دار المعرفة| بيروت.
31 ـ فرق الشيعة: لأبي محمّـد الحسن بن موسى النوبختي ـ المطبعة الحيدرية| النجف الأشرف، 1355 هـ.
32 ـ القاموس المحيط: لمحمّـد بن يعقوب الفيروزآبادي ـ دار الفكر| بيروت، 1403 هـ.
33 ـ قرب الاِسـناد: للشـيخ عبـدالله بن جعفر الحمـيري ـ مؤسّـسة آل البيت عليهم السلام | قم المقدّسة، 1413 هـ.
34 ـ الكافي: لثقة الاِسلام محمّـد بن يعقوب الكليني ـ دار الكتب الاِسلامية| طهران، 1388 هـ.
35 ـ الكامل في الضعفاء: لعبـدالله بن عديّ الجرجاني ـ دار الفكر| بيروت، 1405 هـ.
36 ـ لسان العرب: لابن منظور المصري ـ أدب الحوزة| قم المقدّسة، 1405 هـ.
37 ـ ماضي النجف وحاضرها: للشيخ محمّـد باقر آل محبوبة ـ دار الأضواء| بيروت، 1406 هـ.
38 ـ مجمع البحرين: لفخر الدين الطريحي ـ مكتبة مرتضوي| طهران، 1362هـ. ش. (1983 م).
39 ـ المحاسن: لأبي جعفر أحمد بن محمّـد البرقي ـ المجمع العالمي
( 259 )

لأهل البيت عليهم السلام | قم المقدّسة، 1413 هـ.
40 ـ مرآة العقول: للعلاّمة محمّـد باقر المجلسي ـ دار الكتب الاِسلامية| طهران، 1363 هـ. ش. (1984 م).
41 ـ المستدرك على الصحيحين: لأبي عبـدالله محمّـد بن عبـدالله الحاكم النيسابوري ـ دار الفكر| بيروت، 1398 هـ.
42 ـ مستدركات علم رجال الحديث: للشيخ علي النمازي ـ حسينية عماد زاده| أصفهان، 1412 هـ.
43 ـ مسند أحمد بن حنبل: لأبي عبـدالله الشيباني ـ دار إحياء التراث العربي| بيروت، 1414 هـ.
44 ـ مسـند أبي عوانة: ليعقوب بن إسحاق الاسفرائني ـ دار المعرفة| بيروت.
45 ـ مشارق أنوار اليقين: للحافظ رجب البرسي ـ مؤسّسة الأعلمي| بيروت.
46 ـ المعتزلة وأُصولهم الخمسـة: لعوّاد بن عبـدالله المعتق ـ مكتبة الرشد| الرياض، 1417 هـ.
47 ـ معجم رجال الفكر والأدب فى النجف: للشيخ هادي الأميني ـ بيروت| 1413 هـ.
48 ـ معجم مؤلّفي الشيعة: لعلي الفاضل القائيني ـ وزارة الاِرشاد الاِسلامي| طهران، 1405 هـ.
49 ـ مناقب آل أبي طالب: للشيخ محمّـد بن علي بن شهرآشوب المازندراني ـ دار الأضواء| بيروت، 1412 هـ.
50 ـ مناهج اليقين في أُصول الدين: للعلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ـ قم المقدّسة، 1416 هـ.
51 ـ منتظم الدرّين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين: للشيخ محمّـد علي آل نشرة البحراني ـ مخطوط من القطيف.
( 260 )

52 ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر: للشيخ آقا بزرك الطهراني ـ دار المرتضى| مشهد المقدّسة، 1404 هـ.
53 ـ النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير المبارك بن محمّـد الجزري ـ مؤسّسة إسماعيليان| قم المقدّسة، 1364 هـ. ش. (1985 م).
54 ـ الوافي: للفيض الكاشاني ـ مكتبة الاِمام أمير المؤمنين عليه السلام | أصفهان، 1406 هـ.
55 ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: للشيخ الحرّ العاملي محمّـد بن الحسن ـ مؤسّـسة آل البـيت عليهم السلام لاِحيـاء التـراث| قم المقدّسـة، 1409 هـ.

* * *