مجلة تراثنا العدد 55 و 56 ، ص 175 ـ 196

صلةقبل

6 ـ إقرار الشخص بتشـيّعه:
وذِكر نماذج من هذا الباب لا يخلو من فائدة:
نقل الذهبي في ترجمة أحمد بن علي بن الحسين الغزنوي البغدادي (ت 618): أنّه كان فاسد العقيدة، يعظ وينال من الصحابة... وكان ضجوراً عَسِراً، مبغضاً لاَهل الحديث(1).
قال ياقوت في ترجمة أحمد بن عمران الاَخفش ـ المتوفّى حدود سنة 260 ـ: له أشعار كثيرة في أهل البيت عليهم السلام ، منها:

إنّ بني فاطمـةَ الميمونه * الطيّبـينَ الاَكرمينَ الطينه(2)

ويلزم التنبيه على أنّ شعره لا يدلّ على كونه شيعيّاً إمامياً؛ لاَنّه صنّف كتاب غريب الموطّأ لشرح الكلمات المبهمة في الموطّأ لمالك بن أنس(3).
وتجدر الاِشارة إلى أنّ أباه علي بن الحسين الواعظ ـ كما قال ابن الجوزي ـ كان يميل إلى التشـيّع، ولمّا مات السلطان أُهين، وكان بيده قرية فأُخـذت وطولـب بغلّتهـا، وحُبـس ثمّ أُخـرج ومُنـع من الوعـظ؛ لاَنّه كان لا يعظّم الخلافة كما ينبغي، ثمّ ذاق ذلاًّ(4).
وعلى أيّ حال، فالمهمّ في كون الشخص شيعيّاً إمامياً: رفضه أبا بكر وعمر، ومثال ذلك: ما جاء في ترجمة أحمد بن محمّـد الغزّال، المعروف بابن الوتّار (ت 429)، من أنّه إذا مرّت به فضيلة لاَبي بكر وعمر تركها(5).
____________
(1) سير أعلام النبلاء 22|103 ـ 104 رقم 75.
(2) معجم الاَُدباء 2|5.
(3) معجم أعلام الشـيعة: 64.
(4) سير أعلام النبلاء 20|324 رقم 217، معجم أعلام الشـيعة: 293.
(5) ميزان الاعتدال 1|130 رقم 527.

( 176 )
وهناك شاعر شيعي آخر يدعى أحمد بن يحيى الاَديب، وصفوه بأنّه كان يميل إلى مذهب الشـيعة(1)، وله شعر يفيد اعتقاده بإمامة أمير المؤمنين الاِمام عليّ عليه السلام بالنصّ القرآني:

أحلـــف بالله وآياتــــه * شهــادة صـــادقة خالده
أنّ عليّ بن أبي طالب * إمامُنا في سورة المائده

وذكر ابن الفوطي: عنتر بن أبي العسكر، الذي كان من الاَُمراء، وأنّه رأى بخطّه:

بـخـتّــــام الــرســالاتِ * هــداني مـن بني هاشـم
بمن صـام بمن صــلّى * بمـــن صــدّق بــالخـاتم
بحقّ البضعـة الزهراء * حــــوّاء الـنـســـا فــاطِم
وبالمسـمومِ والمقـتولِ * ظـلـــــمـاً لـعـن الـظـالـم
وبـالـســجّـــاد والـبــــا * قرِ والصــادق ِ‌والــكاظم
وبالمدفون في طـوس * عــلــيٍّ ولـــــد الــعـــالِـم
بحــــقّ العـســـكريَّـين * وبـالمنـتــــظر القـــــائــم
وهذه الاَبيات تفصح بوضوح عن تشيّع الاَمير المذكور.
هذا، ويمكن ـ بالجملـة ـ عدّ الشعر ملاكاً آخر في معرفة تشـيّع الشـخص.
ومثال ذلك: أبو العبّـاس أحمد بن يحيى الكوفي (ت 559)، الذي كان من مشايخ السـيّد فضل الله الراوندي..
والذي يؤيّد تشـيّعه تذييله على نهج البلاغة.
____________
(1) تلخيص مجمع الآداب 5| رقم 31.

( 177 )
نعم، كلّ تذييل على نهج البلاغة لا يكون دليلاً على التشـيّع، ولكن لمّا تكون خطبة البيان مدرجة فيه فقبول تشيّعه سهل.
ونسخة من هذا الكتاب، بتاريخ 729، محفوظة برقم 1860 في مكتبة الاِمام الرضـا عليه السلام بمشهد.
وجاء في ترجمة محمّـد بن أحمد بن الفحّام (ت 399)، نزيل دمشق: كان زاهداً متقشّفاً، صنّف كتاباً في إنكار غسل الرجلين في الوضوء، وكتاباً في الآيات النازلة في أهل البيت عليهم السلام (1)، وهذان التأليفان يفيدان كونه من الشـيعة الاِمامية.
قال الاَُستاذ الطباطبائي رحمه الله في ترجمة محمّـد بن عبـد القاهر ابن الشهرزوري، المولود سنة 698: عثرت له في مكتبة أيا صوفيا... على مجموعة أدبية لها قيمة... كتبها بالقاهرة سنة 790... ولا صرّح المؤلّفُ باسمه في أوّله تقيّة... وفيه في مكانين: قال محيي الدين عفا عنه(2).
هذا، في حين أنّ المؤلّف نفسه لم يشر إلى تشـيّعه في ترجمته.
والنموذج الآخر من إقرار الشخص بتشيّعه هو: إسفنديار البوشنجي (ت 624 أو 625) الذي قيل: إنّه قرأ الفقه على مذهب الشافعي، غير إنّه كان متّهماً بالتشـيّع، وقد قال في مجلس له بالكوفة: لمّا قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» تغيّر وجه أبي بكر وعمر، فنزل قوله تعالى: (فلمّا رأوه زلفة سـيئت وجوه الّذين كفروا)(3)(4).

____________
(1) تاريخ الاِسلام ـ للذهبي ـ أحداث سنة 399، لسان الميزان 2|251، معجم أعلام الشـيعة: 365.
(2) معجم أعلام الشـيعة: 394.
(3) سورة الملك 67: 27.
(4) معجم أعلام الشـيعة: 89، نقلاً عن درّة الاِكليل ـ لابن الجوزي ـ.

( 178 )
قال الصفدي في ترجمة زيد مرزكة، الشاعر الاَديب: كان رافضياً دجّالاً، ومن شعره الذي أبان فيه عن سوء مذهبه، قوله يستطرد بأبي بكر:
وإذا لزمـت زمامهـا قلقـت * قلق الخلافة في أبي بكرِ(1)

7 ـ معايير أُخرى:
* ومن المعايير التي استند إليها السيّد الاَُستاذ رحمه الله في إثبات تشيّع الشخص: كون مشايخه من الشـيعة؛ ومع إنّ كون مشايخ الشيعي من أبناء العامّة، أو بالعكس، أمراً عاديّاً، إلاّ إنّه يمكن اعتماد هذا المعيار في حالة وجود قرينة خاصّة.
قال السيّد الاَُستاذ رحمه الله في ترجمة عبيـدالله بن عبـد العزيز الرسولي: حيث إنّهم لم ينسبوه إلى أحد المذاهب الاَربعة، ومِن أنّهم أساؤوا إليه، وتلمذته على مشايخ الشـيعة مثل الشريف المرتضى، وتلميذه البصروي، وأبي الجوائز ابن باري، وغيرهم، علمنا تشـيّعه(2).
وقال ابن الفوطي في ترجمة محمّـد بن محمّـد الموسوي: روى عن ضياء الدين أبي الرضا الراوندي وعن القاضي أبي الفتح القاشاني(3).
* ومنها: إذا لم يُذكَر لعالِم شيءٌ يفيد تشيّعه سوى كتابٍ له في ذلك، فهو كافٍ في إثبات تشـيّعه.
فقد قال السيّد الاَُستاذ رحمه الله في ترجمة مجد الدين علي بن الحسين بن باقي الحلّي: ومن مصنّفاته الباقية حتّى الآن كتاب اختيار مصباح المتهجّد
____________
(1) الوافي بالوفيات 15|58.
(2) معجم أعلام الشـيعة: 263.
(3) تلخيص مجمع الآداب 4| رقم 614، معجم أعلام الشـيعة: 421.

( 179 )
للشيخ الطوسي... فرغ من تأليفه سنة 653... ومجموعة في الآداب والحكم والمواعظ... في المكتبة السليمانية، برقم 1447(1).
ومحمّـد بن محمّـد بن السلال الكرخي (ت 541) ـ فبغضّ النظر عن كونه من الكرخ ـ، ذُكر له شاهد لطيف على تشـيّعه، قال السمعاني:... وكنّا نسمع عليه بجهد، بيتهم معروف بالتشـيّع، قال الحافظ ابن ناصر: كنت أمضي إلى الجمعة وقد قارب الوقت فأرى ابن السلال في دكّانه فارغ القلب ليس على خاطره الصلاة(2).
* والاَمر الآخر الذي استند إليه الاَُستاذ رحمه الله لاِثبات تشيّع الشخص: كون والده شيعياً.
فقد ذكر الاَُستاذ رحمه الله في الاَمير مرهف بن أُسامة الشيزري (ت 613): كان أبوه شيعياً(3).
وهذا وإن كان شاهداً على التشـيّع إلاّ أنّه من الممكن أن يحدث تغيير في ميول الشخص.

* * *

____________
(1) معجم أعلام الشـيعة: 295.
(2) سير أعلام النبلاء 20|75 رقم 46، معجم أعلام الشيعة: 416.
(3) معجم أعلام الشـيعة: 452.

( 180 )
لمحات عن التشـيّع في المدن والمناطق المختلفة

التشـيّع في دمشق والشام:
التراجم التي وردت بشأن وجود علماء الشـيعة في مدن الشام المختلفة، وخاصّة منطقة الشامات، تشير إلى وجود التشـيّع في هذه البلاد بشكل واسع النطاق.
قال الذهبي في ترجمة أبي الحسن علي بن موسى ابن السمسار الدمشقي (ت 433): قال الكتّاني: فيه تشيّع...، وقال أبو الوليد الباجي: فيه تشيّع يفضي به إلى الرفض.
ثمّ قال الذهبي: ولعلّ تشيّعه كان تقيّة. [أي: كان سُـنّياً في الباطن].
أقـول: سُـنّي ويعمل بالتقية! وذلك لاَنّه من أهل الحديث، وكان التشـيّع في زمانه مستوعباً الشام ومصر والمغرب؛ لوجود الدولة الفاطمية، وكذلك لوجود الدولة البويهية في العراق، وفي هذا الزمان جرى عقد الاَُخوّة بين الرفض والاعتزال، والناس على دين ملوكهم(1).
وقد سبق أن ذكرنا أن محمّـد بن أحمد بن الفحّام (ت 399)، نزيل دمشق كان له كتابان، أحدهما في إنكار غسل الرجلين في الوضوء، والآخر في الآيات النازلة في أهل البيت عليهم السلام (2).
ولقد ظلّ كثير من شيعة دمشق مجهولين، ولم يبق إلاّ اسمهم في التاريخ..
____________
(1) انظر: سير أعلام النبلاء 17| 506 رقم 328، معجم أعلام الشيعة: 328.
(2) راجع ص 177.

( 181 )
وعلى سبيل المثال ذكر ابن عساكر رجلاً باسم قاسم بن خليل الدمشقي، ولم يقل فيه سوى: إنّه رافضي(1).
وقال الصفدي في ترجمة محمّـد بن الجمال الاَحواضي، الذي كان من قرية حراجل من جبل الجرد: رأس الشـيعة الغلاة؛ وأضاف: أحكم المنطق والفلسفة(2).
ومن هذه النماذج ما ذكره الصفدي في ترجمة إبراهيم بن أبي الغيث البخاري، حيث قال: الفقيه الشيعي، المقيم بمجدل سليم، قرية من بلاد صفد من نواحي النبطية والشقيف، كان إماماً من أئمّة الشـيعة هو ووالده قبله، أخذ عن أبي العود وابن مقبل الحمصي ورحل إلى العراق، وأخذ عن ابن المطهّر (العلاّمة الحلّي)، وكان ذا مجلسين: أحدهما معدّ للوفود، وآخر لطلبة العلم..، اجتمعت به... في سنة 722 ودار بيني وبينه بحث في الرؤية وعدمها، وطال النزاع، وتجاذبت الاَدلّة، وكان... لطيف الاَخلاق ريّض النفس.
قال القاضي شهاب الدين: آخر عهدي به في سنة 736، وقال: كتبت إليه وقد طالت غَيبته بعد كثرة اجتماع به في مجلس شيخنا شيخ الاِسلام تقي الدين ابن تيميّة.
ثمّ ينقل عنه شعراً ـ وقد هوجم بيته وأُخذت كتبه ـ منه:

لئن كان حمل الفقه ذنباً فإنّني * سأقلع خوف السجن عن ذلك الذنبِ
وإلاّ فمـا ذنـب الفقيـــه إليكـــم * فيرمــى بأنــواع المــذمّة والسبِّ(3)

____________
(1) لسان الميزان 4|459، تاريخ دمشق 49|56.
(2) الوافي بالوفيات 2|309، معجم أعلام الشـيعة: 372.
(3) الوافي بالوفيات 6|79، معجم أعلام الشـيعة: 20 ـ 21.

( 182 )
ومن الواضح أنّ شعره يكشف عن عظيم ما تجشّمه من محن وصعاب، حتّى اضطرّ أن يمتدح فيه الخلفاء تقيّةً.
وواضح أنّ العلويّين والنقباء الموجودين في المدن الشيعية كان إظهارهم لتشيّعهم الاِمامي سهل، ووجود آل حمدان في حلب ودمشق ورسوخ التشـيّع في هاتين المدينتين لا يبقي مجالاً للشكّ في أنّ سادة ونقباء المدينتين كانوا من الشـيعة.. ومثال ذلك:
أبو محمّـد الحسن بن محمّـد العلوي، الذي تولّى القضاء بحلب في أيّام سعد الدولة(1).
أبو القاسم أحمد بن الحسين العقيقي (ت 378)، الذي كان من وجوه الاَشراف بدمشق، وقدم حلب وافداً على الاَمير سيف الدولة(2).
وكذلك وفود أبو القاسم أحمد بن الحسين العلوي على الاَمير سيف الدولة في سنة 351(3).
فإنّ وفود هذين الشخصين على الاَمير الحمداني مع كونه شيعياً يفيد تشـيّعهما.
وقيل: [لمّا] وصل الاَمير المظفّر ناصر الدولة... إلى دمشق والياً عليها في جمادى الآخرة سنة 433... وصل معه الشريف فخر الدولة نقيب الطالبيّين(4).
وهناك شيعي آخر كان نزيل دمشق، يُدعى الحسن بن محمّد الاَربلي
____________
(1) معجم أعلام الشـيعة: 37.
(2) معجم أعلام الشـيعة: 38.
(3) معجم أعلام الشـيعة: 39.
(4) معجم أعلام الشـيعة: 192.

( 183 )
(ت 660)، قال الذهبي: كان باهراً في علوم الاَوائل، أقرأ في بيته مدّة... وله هيبة وصولة(1).
وفي ترجمة عبـد الرحمن بن إسحاق الزجاجي البغدادي (ت 340)، الاَديب البارع، قال الذهبي: أُخرج من دمشق لتشـيّعه(2).
ومنهم: محمّـد بن أبي الهيجاء الاَربلي (ت 700)، والي دمشق، الذي قدم الشام شابّاً، وكان بالتشـيّع والرفض معروفاً(3).
ومن المدن الشيعية في هذه المنطقة مدينة بعلبك، وقد استوطنها كثير من علماء الشـيعة، منهم: أحمد بن علي الحمصي، الذي أخذ التشـيّع بالحلّة وسكن بعلبك(4).
ومن أعلام القرن الثامن في هذه المنطقة: جعفر بن أبي الغيث البعلبكي (ت 736)، وقد ترجم له الصفدي، وقال: شيخ الشـيعة(5).
وكان لمدينة حلب وسائر المراكز الشيعية في الشام تأثيرٌ أساسي في استقطاب مدينة حمص عدداً من الشيعة، وهي تحتفظ بآثار ذلك إلى اليوم.
ومن أعلام هذه المدينة: الحسن بن إبراهيم الحمصي (ت 540)، قال ابن أبي طيّ: كان فقيهاً إمامياً مناظراً(6).
ومن المناطق الشيعية الواقعة في شمال الفرات منطقة «المرافقة» من قرى الرقّة، من أعلامها: الحسن بن عنبس المرافقي (ت 485)، قال
____________
(1) سير أعلام النبلاء 23|353 رقم 253.
(2) سير أعلام النبلاء 15|475 رقم 268.
(3) الوافي بالوفيات 5|170، معجم أعلام الشـيعة: 435.
(4) معجم أعلام الشـيعة: 59.
(5) الوافي بالوفيات 11|118، معجم أعلام الشـيعة: 123.
(6) لسان الميزان 2|192.

( 184 )
الكراجكي ـ العالم الشيعي المعروف ـ: رأيت له حلقة عظيمة يقرؤون عليه مذهب الاِمامية، قال ابن حجر: كان شيعياً غالياً، قرأ على المفيد، ولقي القاضي عبـد الجبار، وعمّر مائة سنة أو أكثر، وقال الكراجكي أيضاً: وكانت له خصوصية بالصاحب ابن عبّاد(1).
هذا، وإنّ العثور على شيعي واحد في المغرب في العصور القديمة أمر له أهمّية فائقة، فمن أعلامها: الحسن بن علي بن وصيد البجلي، وقد ترجم ابن حجر له نقلاً عن ابن حزم، فقال: كان من كبار الروافض، فدخل قفصة فأضلّ أهلها.
قال: وكان ممّن افتتن به أميرها أحمد بن إدريس العلوي(2).
ومن أعلام هذه المنطقة أبو المكارم محمّـد بن يوسف الغرناطي ابن مسدي (ت 663)، الذي قدم مكّة من الاَندلس وصار خطيبها وإمام المقام الشريف، وتشـيّع، وحكى الصفدي عن الذهبي أنّه قال: رأيت له قصيدة طويلة تدلّ على التشـيّع، وقال الذهبي: وفيه تشـيّع وبدعة...، وينال من معاوية وذويه...، وأكثر دلالة على تشيّعه أنّه كان يتكلّم في عائشة، وقيل: كان يميل إلى الاجتهاد، وأنّه ذكر في كتابه محرّر الائتلاف خلاف الزيدية والاِمامية.
وعلى أيّ حال، شاع عنه التشـيّع، والمدهش أنّه قُتل غيلة وظلّ دمـه(3).
____________
(1) لسان الميزان 2|242.
(2) لسان الميزان 2|241، وراجع في تشيّع هذه المنطقة مقالة لـ: مادلونغ، بعنـوان: التشـيّع غير الاِسماعيلي في المغرب.. المدارس والفرق في القرون الوسطى: 231 ـ 239.
(3) معجم أعلام الشـيعة: 440 ـ 445.

( 185 )
أقـول: ربّما كان تشيّعه تأثّراً بعلماء الزيدية في مكّة أو الاَشراف أو علماء الاِمامية في حلب الّذين لقيهم هناك.
التشـيّع في حلب:
تعدّ حلب مركز التشيّع في منطقة الشامات منذ القرن الخامس حتّى القرن الثامن، ويدين انتشار التشـيّع في هذه المنطقة إلى حماية الحمدانيّين للشـيعة ودفاعهم الحثيث عن الاَُسر الشيعية أكثر من أيّ شيء آخر.
فقد أخذ هذه المدينة سيف الدولة الحمداني من الكلابي نائب الاِخشيدية، وحكمها لسنوات، وخاض خلال هذه السنوات حروباً مع الروم.
ولا يخفى أنّ سيف الدولة يعدّ مفخرة من مفاخر العالم الاِسلامي؛ قال الذهبي: وفيه تشـيّع.. وامتدحه كثيراً(1).
وممّا لا شكّ فيه أنّه هو وأُسرته كانوا على عقائد الشـيعة؛ إذ إنّ ازدهار التشـيّع كان في ظلّ حكمهم..
هذا، وإنّ كثيراً من علمائها قد نفر إلى العراق للتفقّه، ومن ثمّ رجعوا إلى موطنهم وتصدّوا لمناصب مهمّة، كالقضاء وغيره.
ولا بُـدّ للبحث في تشـيّع حلب من مقام آخر، غير أنّ ما جاء في المعجـم يكشف عن مدى تأثير علماء الشـيعة في هذه المدينة، هؤلاء الّذين لم يُعرَّفوا في المصادر الشيعية إلى الوقت الحاضر.
وباندراس مصنَّف ابن أبي طيّ ظلّ علماء الشـيعة مجهولين، ولم يبق إلاّ مجرّد ذِكر بعضهم في مصادر الآخرين، وإليك نماذج من هؤلاء في هذا
____________
(1) سير أعلام النبلاء 16|187 رقم 132.

( 186 )
الكتاب:
أبو طاهر إبراهيم بن سعيد بن خشّاب الحلبي (ت 589)، ووصف بأنّه: كان من أجلاّء الشـيعة(1).
وقد كانت في حلب أُسرٌ شيعية كبيرة إلاّ أنّه لم يبق منها أيّ أثر، منها أُسرة الجلي، ومن أفرادها أحمد بن إسماعيل وهو من أعلام أيّام سيف الدولة الحمداني، وقد وصفوه بأنّه: أحد علماء الشـيعة(2).
وابنه أبو الحسن إسماعيل بن أحمد الجـلي الحلبي، فقـد قال ابن أبي طيّ فيه: إمام فاضل في الحديث، وفقه أهل البيت، وقد ترجم له ابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب.
وقد ذكر السيّد الاَُستاذ رحمه الله ترجمة لهذه الاَُسرة، وقال: يظهر أنّ بيت الجلي من بيوت الشيعة في حلب، علماء، فقهاء، ومحدّثون، ولهم تصانيف كثيرة، مع الاَسف لم يُذكر شيء منها... كما أنّ من تصانيف ابنه: ذيل على نهج البلاغة، ولولا أنّ ابن أبي الحديد ذكره في شرحه على النهج ونقل عنه، لما عرفنا عنه شيئاً(3)، مع أنّه لم يترجم له من أصحابنا سوى الاَفندي.
وكانت أجواء حلب في القرن السادس أجواءً شيعية، فقد جاء في ترجمة إسفنديار بن الموفّق البوشنجي، الواسطي مولداً: إنّه قدم حلب، وبالرغم من أنّه قيل فيه: كان غالياً في التشـيّع، فقد قرأ الفقه على مذهب الشافعي، ونُصّب بديوان الاِنشاء للناصرلدينالله الخليفة العبّاسي الشيعي(4).
____________
(1) الوافي بالوفيات 5|355، معجم أعلام الشـيعة: 25.
(2) تاج العروس 7|262، مادة «جَلَلَ».
(3) شرح نهج البلاغة 18|225، معجم أعلام الشـيعة: 93 و 248.
(4) معجم أعلام الشـيعة: 88 ـ 89.

( 187 )
ومن أعلام شيعة حلب: أبو علي الحسن بن أحمد بن علي ابن المعلّم الحلبي؛ قال ابن العديم: فقيه من فقهاء الشـيعة، أديب، شاعر، متكلّم، قرأ الفقه على أبي الصلاح الحلبي... وصنّف للشيعة كتابين: أحدهما يعرف بـ: التاجي، والآخر يعرف بـ: معالم الدين، وله كتاب في الاَُصول شرح فيه الملخّص، ولازم المسجد الجامع بحلب، وقرأ عليه الحلبيّون الفقه والاَدب... وكان مولد أبي علي الحلبي بمعرّة النعمان... وانتقل مع أبيه إلى حلب.
ثمّ قال ابن العديم ـ بعد تفاصيل أدلى بها ـ: ولم يكن فقيهاً فقط لكن كان ذا فضائل، من جملتها شعر، وكتابة، وهو ممّن يتجمّل به الشـيعة(1).
ومن أعلام هذه المدينة: الحسن بن بشّار الحلبي (ت 515)؛ قال ابن حجر فيه: شيخ الرافضة، له مصنّف في منع رؤية الله تعالى(2).
وبعد استيلاء صلاح الدين الاَيوبي على مصر هاجر كثير من السادات والشـيعة إلى حلب؛ إذ كانت مركزاً للشيعة في ذلك الوقت.
فمنهم: الحسين بن أبي الفضل المصري(3).
ومنهم: الحسين بن عقيل بن سنان الحلبي (ت 507)، وله كتاب المنجي من الضلال في الحرام والحلال، في الفقه، بلغ عشرين مجلّداً ذكر فيه خلاف الفقهاء(4).
____________
(1) بغية الطلب في تاريخ حلب 5|2276.
(2) لسان الميزان 2|197، معجم أعلام الشـيعة: 140.
(3) معجم أعلام الشـيعة: 172.
(4) تاريخ الاِسلام ـ للذهبي ـ وفيات سنة 507.

( 188 )
إنّ اشـتهار حلب بالتشيّع كان يجذب الشـيعة إليها من كلّ مكان، فممّن وفد إليها أيضاً: الحسين بن علي القمّي، المعروف بـ: أميركا (ت 384)، وهو من العلويّين القمّـيّين الشـيعة، الذي قدم حلب وافداً في سنة 347 أيّام سيف الدولة الحمداني، قيل فيه: أوّل من أذّن في الليل وقال في أذانه: محمّـد وعليٌّ خير البشر(1).
ومنهم: أبو القاسم عبـد الرحمن بن عبـد العزيز ابن الطبيز الحلبي (ت 431)، كان نزيل دمشق(2).
وعلي بن أبي العزّ كمال الدين الحلبي، المعروف بابن القويقي النيلي (ت 684)، المنسوب إلى نهر قويق، وأصلهم من حلب، وسكن النيل واستوطنها، ورزق أولاداً نجباء كانوا فقهاء وأُدباء؛ قال ابن الفوطي: فقيه الشـيعة، كان عالماً بالفقه والحديث(3).
وعلي بن الحسن، الفقيه الحلبي، من «رِفْد» ـ قرية كبيرة من نواحي حلب ـ ومقيم بمصر؛ قال ياقوت في مادّة «أَرفاد»: ينسب إليها قوم، منهم في عصرنا: أبو الحسن علي بن الحسن الاََرفادي، أحد فقهاء الشـيعة في زعمـه(4).
ونجيب الدين أبو القاسم بن حسين العود الاَسدي الحلّي (ت 679 أو 677)، من مواليد جزّين، وصفوه بـ: الفقيه المتكلّم، رئيس الرافضة وشـيخ الشـيعة(5)، وقد قدم حلب واسـترسل يوماً ونال من أصحاب
____________
(1) بغية الطلب في تاريخ حلب 4|123، معجم أعلام الشـيعة: 181.
(2) سير أعلام النبلاء 17|497 رقم 321، معجم أعلام الشـيعة: 241.
(3) تلخيص مجمع الآداب 5|رقم 226، معجم أعلام الشـيعة: 271.
(4) معجم البلدان 1|153، معجم أعلام الشـيعة: 296.
(5) تاريخ الاِسلام ـ للذهبي ـ أحداث سنة 679.

( 189 )
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فزبره النقيب؛ قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:... جزّين مأوى الرافضة(1).
وشهاب الدين أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل الكوفي، ثمّ الحلبي الشيعي (ت 635)، كان أديباً شهيراً، وقال عنه الذهبي: له ديوان كبير في أربع مجلّدات(2).

التشـيّع في مدن العراق
كان العراق ـ عموماً ـ وعلى مرّ التاريخ قطب التشـيّع ومحوره، فترى أنّ الكوفة قد حافظت على هذه الريادة لمدّة قرنين أو ثلاثة، ثمّ انتقلت إلى بغداد والحلّة والنجف.
ولا يخفى أنّ بغداد كانت ـ آنذاك ـ عاصمة الدولة العبّاسية ومعقل الاَحزاب والجماعات، وقد شغل الشـيعة مناطق كثيرة منها، لا سيّما جانب الكرخ الذي تمركزوا فيه بشكل خاصّ.
كما كانت الحلّة وواسط والموصل والمدائن من مدن التشـيّع المهمّة الرئيسية.
أمّا ما يختصّ ببغداد، فقد كان يقطنها ـ وعلى مدى القرنين الثالث والرابع ـ عدد كبير من الاَُسر الشيعية.
هذا، وإنّ وضع المحدّث الكليني قدس سره الترتيبات النهائية لمؤلَّفه الشهير الكافي فيها، وافتخارها بانتساب الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والسيّد
____________
(1) معجم أعلام الشـيعة: 466.
(2) سير أعلام النبلاء 23|28 رقم 21.

( 190 )
الرضيّ قدس سرهم ، وغيرهم لها، واحتضانها للشيخ الطوسي قدس سره والعشرات من العلماء الكبار، لخيرُ شاهدٍ على علوّ كعبها وذروة أهمّـيّتها.
وقد انتشر التشـيّع فيها بشكل واسع خلال القرنين السادس والسابع، حتّى كان أبناء هذا المذهب يشدّون الرحال إليها من الحلّة والموصل وأربيل وغيـرها، والشـواهد على ذلك في كتـاب المعجـم كثيـرة جدّاً، ذكرنا منها ما يناسب المقام في موارد مختلفة.
وكان من أكابر الفقهاء وأعيان الاَُدباء الّذين قدموا بغداد واستوطنوا فيها: محمّـد بن الحسن النيلي؛ ويقول ابن الفوطي(1) ـ بعد مدحه ووصفه بالفقيه الاَديب ـ: كان له معرفة تامّة بفقه الشـيعة، وحلّ في سنة 704 بصحبة النقيب رضي الدين علي بن طاووس على السلطان محمّـد خدابنده(2).
وكانت الكوفة آنذاك تعجّ بالكثير من علماء الشـيعة، فمحمّـد بن الحسن الوكيل، المعروف بابن داود، كان من الكوفيّين الّذين كانوا يتردّدون على بغداد، وقيل: إنّه كان رافضياً؛ وأضاف آخر: إنّه كان سيئَ المعتقد رافضياً، كاشفاً بالطعن على السلف الصالح(3).
ومحمّـد بن الحسن البغدادي الموصلي (ت 642) كان من شيعة العراق في القرن السابع، ووصفوه بأنّه كان منقطعاً عن السياسة، غالياً في التشـيّع، وقيل: إنّه دُفن في المشهد الكاظمي(4).
____________
(1) تلخيص مجمع الآداب 4| رقم 1194.
(2) معجم أعلام الشـيعة: 374.
(3) لسان الميزان 5|135.
(4) تلخيص مجمع الآداب 5| رقم 781، معجم أعلام الشـيعة: 377.

( 191 )
ومحمّـد بن الحسين القلانسي، المعروف بـ: مقرئ العراق، له شعر في الخلفاء الاَربعة، واحتمل الذهبي أنّه قاله عن تقية(1).
ومحمّـد بن عبـدالله الواعظ البلخي (ت 596)، كان يعظ بالنظّامية، وهذا أمر عجيب! ولكن لا عجب فقد كان ذلك إبّان خلافة الناصر، وقيل في حقّه أنّه: كان يميل إلى الرفض ويظاهر به.
ومن الشواهد اللطيفة على ذلك ما ذكره علي بن محمود، فقد قال: حضرت مرّة مجلسـه، فقال: بكت فاطمة يوماً من الاَيّـام، فقال لها عليّ: يا فاطمة! لم تبكين علي؟! أأخذتُ منك فيئـك؟! أغصبتُك حقّك؟! أفعلتُ؟! أفعلتُ؟! وعدّ أشياء ممّا يزعم الروافض أنّ الشيخين فعلاها في حقّ فاطمة، قال: فضجّ المجلس بالبكاء من الرافضة الحاضرين(2).
ومحمّـد بن علي الجبلّي(3) (ت 934) كان من علماء بغداد، وقد حكى الخطيب البغدادي في ترجمته أنّه: كان رافضياً شديد الترفّض(4).
وعماد الدين أبو جعفر محمّـد بن علي بن علوان (ابن الرفاعي) السورائي، كان من علماء العراق، وقد استجازه ابن الفوطي في سنة 706 فكتب له الاِجازة نظماً، وقد ورد في البيت الاَخير منها:

بعد حمدي لله ثمّ صلاتي * لنبــــيّ وآلــــه الاَطــــهار
وقد ترجم له في موضع آخر، وقال: وممّا أنشدني وهو متوجّه إلى زيارة أمير المؤمنين عليه السلام :
____________
(1) لسان الميزان 5|144.
(2) لسان الميزان 5|217 ـ 218، معجم أعلام الشـيعة: 395.
(3) في تلخيص مجمع الآداب : الحلّي.
(4) تاريخ بغداد 3|101، معجم أعلام الشـيعة: 407.

( 192 )
يا إماماً في الاَنــام لــه مــثل * ولا للــورى ســواه إمــامُ
غير أبنائه الهداة أُولي الذِكر * فإنــّهم علــى الاِله كــرامُ
وقد أورد له ابن الشهرزوري الموصلي في مصنّفه الاَدبي ـ المحفوظة نسخته في مكتبة أيا صوفيا ـ قصيدة في مدح أمير المؤمنين عليه السلام ضمّنها حديث الغدير أيضاً(1).
ومحمّـد بن يوسف الواسطي البغدادي، الذي كان كاتباً وأديباً، قد خلّف أشعاراً ـ أنشدها في غلام تركي يسمّى عثماناً ـ تنبىَ عن تشيّعه وإن كان طابعها الفكاهة والهزل.

أأحبّ عثمـاناً وأتّبع الهوى * فيـــه وأنــت مطـالبي بالثـارِ
لا تـأخـذنّ بـثـاره مـتـعـدّيـاً * حتّى تراه محاصراً في الدارِ
وله فيه:

قالوا تعشّقت عثماناً فــقلت لـــــهم * ما الحسن في الناس مخصوصاً بإنسانِ
إنّــي وإن كــنت شيعياً كما زعموا * فــــقد تــسنّنت فــــــي حبّــــي لــــعثمانِ
ونجد لزاماً أن نشـير إلى ترجمة أحد أُدباء الشـيعة الّذين أُهملوا، ولم يرد لهم ذِكر، فقد قال الباخرزي(2) في عداد شعراء العراق:
الفتى عبـدالله بن أبي طالب، الذي كان من الشعراء المعروفين في القرن الخامس، ويحتمل أنّه كان يتردّد على مدن منها أصفهان ونيسابور؛ إذ إنّ ولده كان مستوطناً في أصفهان.
____________
(1) معجم أعلام الشـيعة: 409.
(2) دمية القصر وعصرة أهل العصر 1|385.

( 193 )
ولعبـدالله قصيدة في مدح الاَئمّة الاثني عشر:

بمحمّـــد وبحـــــبّ آل محمّـــــدِ * علقت وســـائل فارس بن محمّـدِ
يـا آل أحمــد يـا مصابيح الدُجى * ومنــار منهــاج الســبيل الاَقصدِ
لكم الحطيـــم وزمزم ولكم منى * ًوبكـــم إلـــى سبل الهداية نهتدي
إنّـي بكــــم مــتوّسل وبحبّـكم * متــمسّك لا تنثنــي عنــه يــدي
وعليكــــم نزل الكتاب مــفصّلا * مــن ذي المعارج بالمـنيرالمرشدِ
إنّ ابن عنـان بكـــم كبت العدى * وعــلا بحبّكــــم رقــــاب الــحسّدِ
ولـئن تأخّر جسمــــه لضرورة * فالقلــب منــــه مــــخيّمٌ بالــمشهدِ
يــا زائراً أرض الغــريّ مسدّدا * سلّم سلمــت علــى الاِمــام الــسـيّدِ
وزر الــحسين بكــربلا وقل له * يابن الوصــيّ ويــا سلالــة أحمــدِ
بــــلّغ أمــير المؤمنيـن تـحيّـتي * واذكــر لـه حبّــي وصـدق تودّدي
ضاموك وانتهكواحريمك‌عنوة * ورمـوك بــالاَمــــر الــفظيع الاَنكدِ
ولوأنّنــي شاهــدت نصرك‌أوّلاً * روّيــت مـنهــم ذابــلــي ومــهنّــدي
منّي‌السلام‌عليك‌ياب‌المصطفى * أبداً يــروح مع الــزمان ويــــغتدي
وعلى أبيك وجدّك‌المختاروالثـ * ـاويـن منهــم فــــي بــقيــع الــغرقدِ
وبأرض بغدادعـلا موسىوفي * طـوس عـلا ذاك الـرضــيّ المتفرّدِ
وبسرّمن‌رأىفالسلام‌على‌الهدى * وعلـي التقــي وذا النــدى والـــسؤددِ
بالعسكريّين‌اعتصامي‌‌من لظىً * وبقائــــم بالــحقّ يصدع فـــي غـــدِ
يجلو الظلام بنـوره ويعيــدها * عــلويّــة فــــينــا بـأمــر مـرصـدِ
إنّي سعدت بحبّكم أبـداً ومــــن * يـحببكـــم يــا آل أحمـــد يســـعدِ
مستبصراً واللهُ عون بصيرتي * مــا ذاك إلاّ مـــن طهارة مــولــــدي

( 194 )
ونقل الباخرزي أيضاً(1) عن ابنه سلمان قصيدة يمدح فيها الصاحب ابن عبّاد.
كما كان مهذّب الدين أبو الدرّ ياقوت بن عبـدالله الرومي (ت 622) من العلماء والاَُدباء المعروفين في النصف الاَوّل من القرن السابع، والذي وردت ترجمته في كثير من المصادر، ووصفوه بأنّه كان تالياً للقرآن، مشغوفاً بمذهب الاِمامية والتعصّب لهم، كثير الميل إلى أهل البيت صلوات الله عليهم(2).
التشـيّع في الحلّـة:
تعدّ الحلّة من أركان الشـيعة وأعمدتها المهمّة في القرن الخامس وما تلاه، وقد بلغت شهرة الكثير من علمائها حدّاً طبّق الآفاق.
قال الذهبي في ترجمة صدقة بن بهاء الدولة الاَسدي، ملك العرب، (قتل في سنة 501 هـ) أنّه: اختطّ مدينة الحلّة... وسكنها الشـيعة(3).
وكانت مدرسة الحلّة آنذاك محور الشـيعة العلمي، وقطبهم الاَساس، وتصدّى علماؤها لبثّ الفكر الشيعي في بغداد وشتّى المدن الاَُخرى، بل هاجر بعضهم إلى سائر الاَمصار والاَقطار، فقصدوا الشام، ونزلوا دمشق(4)، وبعض ـ كالعلاّمة الحلّي ـ سافر إلى إيران.
ومن جهة أُخرى فقد ارتاد الحلّة العديد من العلماء كي يرتوون من
____________
(1) دمية القصر وعصرة أهل العصر 1|388.
(2) معجم أعلام الشـيعة: 482.
(3) سير أعلام النبلاء 19|264 رقم 165.
(4) معجم أعلام الشـيعة: 146 و 211.

( 195 )
نمير علومها ومعارفها، كحسين بن حاجي الاسترآبادي(1).
وقد ذكر المحقّق الطباطبائي رحمه الله عدداً كبيراً من علماء الحلّة الّذين لم يرد ذِكرهم في المصادر الشيعية، وضبطهم ابن الفوطي، أو الصفدي، أو الآخرين، وإليك نماذج منهم:
جعفر بن أيّوب الحلّي(2).
الحسن بن يعقوب الحلّي(3)، توفّي في النصف الثاني من القرن الثامن.
الحسين بن عبدوس البغدادي(4)، الذي كان مسّاحاً بالحلّة، وتوفّي فيها ودفن بمشهد الاِمام عليّ عليه السلام .
عزّ الدين الحسين بن جعفر بن محمّـد بن علي الحلّي(5)(ت 707).
العبّـاس بن عبّـاس الاَديب(6).
الحسين بن علي الاَديب، المعروف بكافي الدين الحلّي (ت 618) الذي قدم من الحلّة إلى بغداد، وكان كاتباً لاَُمراء الجيوش، ووصفوه بأنّه كان رافضياً(7)؟.
هذا، وهناك نماذج أُخرى كلّها تشير إلى أنّ الحلّة كانت معقل التشيّع ومنبعه الذي روّى بغداد خلال القرنين السادس والسابع وما بعدهما.
____________
(1) معجم أعلام الشـيعة: 171.
(2) معجم أعلام الشـيعة: 125.
(3) معجم أعلام الشـيعة: 165.
(4) معجم أعلام الشـيعة: 174.
(5) معجم أعلام الشـيعة: 170.
(6) معجم أعلام الشيعة: 238.
(7) الوافي بالوفيات 12|457.

( 196 )
وأُسـرة آل طاووس ـ التي كانت من الاَُسر الشـيعية المعروفة في الحلّة ـ قد لعبت دوراً بـارزاً ومشـهوراً في مضمـار نشـر فـكر وعقيـدة أهل البيت عليهم السلام ، وقيَمهم الشامخة.
وكان دبيس بن صدقة الحلّي ـ وكذا أخوه وآباؤه ـ شيعياً، حكم الحلّة سنوات، وهو أديب جواد ممدوح من نجباء العرب(1).
كما وكان من شعراء وكُتّاب الحلّة البارزين: علي بن علي الحلّي، الذي وصفوه بأنّه: كان غالياً في التشـيّع، مبالغاً في الرفض، وقد نقل في إنسان العيون في مشاهير سادس القرون قصائد له في مدح أمير المؤمنين الاِمام عليٍّ عليه السلام (2)؛ قال ابن النجّار: كانوا [...] الرافضة ينشدوها [...] في المواسم في مشاهد أهل البيت عليهم السلام ، وكان يتردّد على الشام(3).
وترجم ابن العماد لمبارك بن حامد، وقال: كان من كبار علماء الشـيعة، عارفاً بمذهبهم، وله صيت عظيم بالحلّة والكوفة، وعنده دين وأمانة(4).
التشـيّع في واسط العراق:
واسط مدينة بناها الحجّاج في أيّام ولايته؛ كي يتمكّن من إحكام سيطرته على العراق بعيداً عن البصرة والكوفة، تشيّع مستوطنوها تدريجياً، وهناك شواهد ـ مذكورة في المعجم ـ تحكي عن وجود التشـيّع فيها..
____________
(1) معجم أعلام الشـيعة: 210.
(2) إنسان العيون في مشاهير سادس القرون: 150.
(3) معجم أعلام الشـيعة: 307 ـ 308.
(4) شذرات الذهب 5|244، معجم أعلام الشـيعة: 359.