السـيّد ثامر هاشم العميدي
عُرف الشيخ الطوسي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أوّلاً بنشاطه المميّز في الحديث الشريف وعلومه، وبرز في هذا الحقل في أوائل حياته العلمية حتّى فاق فيه أساطين الحديث في عصره، وكادت أن تغطّي عبقريّته أساتذته العظام من أمثال الشيخ المفيد والسيّد المرتضى لو لم يبلغا من العلم غايته القصوى.
وهذا الكلام قد يبدو صعباً لاَوّل وهلة، ولكن الاَصعب منه ـ وهو الواقع ـ أن يتحقّق كلّ هذا للشيخ ـ ليكون فلتة من فلتات العباقرة ـ وهو لم يتجاوز العقدين إلاّ بقليل..
وقد عرفنا شيئاً عن هذه الحقيقة في الفصل الاَوّل من فصول هذا الدور، وبقيت أشياء أُخرى موزّعة على فصول، نستهلّها بما في هذا
حاول الشيخ الطوسي قدس سره في كتابيه التهذيب و الاستبصار تيسير فهم التأويل الصحيح للاَحاديث المختلفة بسبل شتّى، مع بيان كيفية الجمع بينها لغايةٍ أشرنا لها في ما تقدّم.
ومن هنا اضطـرّ إلى رصدها وتتـبّعها في جميع ما وصل إليه من كـتب الحديث وأُصوله ومصنّفاته، حتّى قال عن جهوده تلك في كتاب العدّة في أُصول الفقه ـ في ذِكر الخبر الواحد، وجملة القول في أحكامه ـ ما هذا نصّه:
«وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام من الاَحاديث المختلفة التي تختصّ بالفقه في كتابي المعروف بـ: الاستبصار، وفي كتاب تهذيب الاَحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث»(1).
وهذا العدد وإن لم يجتمع في كتاب حديثي شيعي قبل كتاب التهذيب قطّ، إلاّ أنّه لا يمثّل العدد الكلّي الذي وقف عليه الشيخ الطوسي من الاَخبار المختلفة، بدليل أنّه وصف ما لم يذكره ـ في موارد عدّة من الكتابين ـ بالكثرة.
ومن الاَمثلة الدالّة على ذلك ما ذكره الشيخ في باب الاَحداث الموجبة للطهارة من التهذيب، من الاَخبار الدالّة على كون النوم من الاَحداث الموجبة للطهارة، كخبر سماعة، وخبر زرارة، وخبر عبـد الحميد ابن عواض، وخبر محمّـد بن عبيـدالله وعبـدالله بن المغيرة، وخبر إسحاق ابن عبـدالله الاَشعري(2).
فقد أورد الشيخ بعد تلك الاَخبار خبرين آخرين تضمّنا نفي إعادة الوضوء من النوم، وهما: خبر عمران بن حمران، وخبر بكر بن أبي بكر الحضرمي(1).
ثمّ قال: «وكذلك سائر الاَخبار التي وردت ممّا يتضمّن نفي إعادة الوضوء من النوم؛ لاَنّها كثيرة»(2).
ثمّ بيّن المعنى المراد بالنوم المذكور في الخبرين بما يزيل التنافي الظاهر بينهما وبين ما تقدّم عليهما من أخبار.
وهذا يكشف عن أنّ إعراض الشيخ عمّا وصفه بالكثرة، إنّما كان بسبب اكتفائه بذِكر بعضه؛ ولمّا كان جواب بعضه هو جواب الكلّ بحكم وحدة الدلالة، فلا معنى لذِكر الجميع سوى التطويل الذي حرص الشيخ على تجنّبه في مؤلّفاته كافّة، خصوصاً وهو لا يعلم ـ وقتئذٍ ـ بما سيؤول إليه مصير التراث الشيعي على أيدي الهمج الرعاع الّذين أحالوا معظم تراثنا إلى رماد، لا سيّما في الجامع الاَزهر، ومن قبلُ في بغداد!
والمهمّ هنا، هو أنّ ما فعله الشيخ يعبّر عن جهود علمية مضنية في الحديث ولكنّها غير منظورة؛ لاختفائها في ما وراء تلك الاِشارات.
وأعني بتلك الجهود، استقصاء الشيخ للحديث المختلف بأكثر ممّا هو عليه في التهذيب و الاستبصار، ثمّ تصنيفه بحسب دلالته، وفرز ما اتّحد في الدلالة، ثمّ انتقاء بعضه مع الاِشارة الطفيفة إلى الآخر في مورده، إذ لا تُعقل إشارته لشيءٍ لم يَره.
كما أنّ التمعّن في أخبار التهذيب يكشف هو الآخر عن استقصاء الشيخ لاَدلّة الفقه من الاَخبار المتّفقة وإن لم يذكرها كلّها في التهذيب عند تعرّضه لشرح أقوال شيخه المفيد وبيان مستندها، إذ أقصى الكثير منها واكتفى ببعضها للعلّة المذكورة في تركه الكثير من الاَحاديث المختلفة.
ونظرة سريعة واحدة إلى أيّ باب من أبواب الوسائل تشعرك بهذا، وكم من حديثٍ تجده مخرّجاً عن الكافي أو الفقيه أو غيرهما من الكتب التي اعتمدها الشيخ وبشكل مطّرد، ولكنّك لا تجده لا في التهذيب ولا في الاستبصار، بل تجد نظيره!
وفي هذا دلالة واضحة على استفراغ الشيخ ما في وسعه لتتبّع واستقصاء أدلّة الاَحكام الفرعية والوقوف عليها عن كثب، ثمّ إقصاء ما شاء منها واختيار ما وافق مسلكه في الاختصار.
وكدليل آخر على تلك الجهود المضنية غير المنظورة أيضاً، تنبيهه على ما لم يؤخذ من فتاوى الشيخ المفيد من جهة الاَثر، كقوله مثلاً في باب أوقات الصلاة: «فأمّا ما ذكره رحمه الله من اعتبار الزوال بالاصطرلاب والدائرة الهندسية، فالمرجع فيه إلى أهل الخبرة، وليس مأخوذاً من جهة الاَثر»(1).
ولا يخفى أنّ فقدان النصّ المؤيّد لتلك الفتيا لا يضرّ بصحّتها؛ لاَنّ الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ فنّ من المرتكزات العقلية التي لا تُنكَر، ومع هذا قد يكون لها مستند من نصوص عامّة، وإن لم يكن في خصوصها ثمّة أثر.
وما يعـنينا هنا، هو أنّ كلام الشـيخ قدس سره ينطوي على مراجعته لجميع ما في كـتب الحديث وأُصوله ومصنّفاته الكثيرة الواصلة إليه، وإلاّ كيف يقول: «وليس مأخوذاً من جهة الاَثر» من دون التأكّد من مراجعة موارد الاَثـر؟!
وعلى أيّة حال، فإنّ المهمّ هنا هو تسجيل ما يدلّ بصراحة على دوره العظيم في خدمة الحديث الشريف، لا سيّما الحديث المختلف، وذلك من خلال تيسـير سُـبل تأويله وكيفية الجمع بين مداليل ما اختُلف واتُّفق، وهـو ما سـنبيّنه في الفقرات الآتية:
أوّلاً: بيان معاني الاَخبار:
ربّما يظنّ حصول التعارض بين جملة من الاَخبار بسبب سوء فهم دلالاتها، مع أنّها في الواقع متّفقة غير مختلفة.
ومن هنا نجد الشيخ الطوسي قدس سره قد أَوْلى هذا النوع من الاَخبار عناية خاصّة، إذ بيّن ما يكتنفه من غموض وأزال الالتباس المؤدّي إلى الظنّ باختلاف وتناقض تلك الاَخبار.
فغايته إذاً من بيان المعنى لجملة من الاَخبار إزالة ذلك الالتباس والقضاء عليه، ولا شكّ أنّ فهم الخبر على وجهه يتطلّب معرفة واسعة في اللغة ودلالات الاَلفاظ، فضلاً عن التضلّع بالحديث دراية ورواية.
وهناك أمثلة شتّى في التهذيبين شاهدة على عناية الشيخ بهذا الجـانب؛ نذكـر منـهـا مـا أخرجـه في بـاب وجـوب الحـجّ بسـنـده عـن أبي عبـدالله عليه السلام ، أنّه قال:
«أنزل الله عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجَـدَةِ(1) في كلّ عام».
ثمّ أورد حديثين آخرين عن الاِمامين الصادق والكاظم عليهما السلام ، بهذا المعنى(2).
وبما أنّ الـمعروف في فرض الحجّ عـند جميع المسلمين ـ بلا خلاف ـ هو مرّة واحدة، وما زاد على المرّة فمستحبّ بالاِجماع، كما بُيِّن في أحاديث الباب المذكور نفسه..
لذا قال الشيخ معقّباً على تلك الاَحاديث التي توحي بظاهرها وجوب الحجّ على الاَثرياء في كلّ عام: «فمعنى هذه الاَخبار: أنّه يجب على أهل الجَـدَةِ في كلّ عام على طريق البدل؛ لاَنّ مَنْ وجب عليه الحجّ في السنة الاَُولى فلم يفعل وجب عليه في الثانية، وكذلك إذا لم يحجّ في الثانية وجب عليه في الثالثة، وعلى هذا في كلّ سنة إلى أن يحجّ.
ولم يَعنوا عليهم السلام وجوب ذلك عليهم في كلّ عام على طريق الجمـع.
ونظير هذا ما نقوله في وجوب الكفّارات الثلاث، من أنّه متى لم يفعل واحدة منها، فإنّا نقول: إنّ كلّ واحدة منها لها صفة الوجوب، فإذا فعل واحدة منها خرج الباقي من أن يكون واجباً؛ وكذلك القول في ما تضمّنت هذه الاَخبار»(3).
وهذه الطريقة في توضيح المتون وإن وجدت بذورها في كتب
ثانياً: بيان فقه الحديث:
تعرّض الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب إلى بيان فقه الاَحاديث، خصوصاً المردّدة منها بين عدّة وجوه محتملة، فكان قدس سره يأخذ بأقواها حجّة وأبرمها دليلاً، ويوجّه فقه الحديث تارة على أساس ذائقته الفقهية مع الفهم الثاقب وإعمال الفكر في فهم الخبر، وأُخرى على أساس تراكم مؤيّدات ذلك التبيّن من الاَثر، والاَخير هو المطّرد في سائر أجزاء التهذيب، بل هو المصرّح به في ديباجة الكتاب كما أشرنا له من قبل.
ومثـال الاَوّل: حـديث علي بن مهـزيار عـن الاِمـام أبي جعفر الجـواد عليه السلام ، قال: «قيل له: إنّ رجلاً تزوّج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته، ثمّ أرضعتها امرأة أُخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية
فقال أبو جعفر عليه السلام : أخطأ ابن شبرمة، حرمت عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً، فأمّا الاَخيرة لم تحرم عليه؛ لاَنّها أرضعت ابنته»(2).
وهنا قال الشيخ معقّباً:
«وفقه هذا الحديث: إنّ المرأة الاَُولى إذا رضعت الجارية حَرُمَت الجارية عليه؛ لاَنّها صارت بنته، وحرمت عليه المرأة الاَُخرى؛ لاَنّها أُمّ امرأته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فإذا أرضعتها المرأة الاَخيرة أرضعتها وهي بنت الرجل لا زوجته، فلم تحرم عليه لاَجل ذلك»(3).
وهذا البيان وإن استدلّ فيه الشيخ ـ في جملة ما استدلّ به ـ على حديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» إلاّ إنّه لا يتنافى مع إعمال الفكر والذائقة الفقهية السليمة، وإلاّ فالحديث من المشهورات التي لا تخفى على ابن شبرمة وأمثاله، ولكن مقام حفظ الحديث أو روايته يختلف جذرياً عن مقام تطبيق الحديث على مصاديقه.
ومثال الثاني: حديث معاوية بن عمّار عن الاِمام الصادق عليه السلام ، قال: «المفرد عليه طواف بالبيت، وركعتان عند مقام إبراهيم عليه السلام ، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف الزيارة ـ وهو طواف النساء ـ، وليس عليه هدي
قال: وسألته عن المفرد للحجّ هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟
فقال عليه السلام : نعم ما شاء، ويجدّد التلبية بعد الركعتين. والقارن بتلك المنزلة يعقدان ما أحلاّ من الطواف بالتلبية»(1).
وهنا عقّب الشيخ بقوله:
«قال محمّـد بن الحسن: فقه هذا الحديث: إنّه قد رخّص للقارن والمفرد أن يقدِّما طواف الزيارة قبل الوقوف بالموقفين. فمتى فعلا ذلك فإن لم يجدّدا التلبية يصيرا مُحِلَّينِ ولا يجوز ذلك؛ فلاَجله أُمرا ـ المفرد والسائق ـ بتجديد التلبية عند الطواف، مع أنّ السائق لا يُحلّ وإن كان قد طاف لسياقه الهدي. روى ذلك...»(2).
ثمّ أيّد هذا المعنى بروايتين، كما أيّد الرخصة في تقديم الطواف للمفرد بثلاث روايات، وأخيراً أيّد تجديد التلبية برواية واحدة(3).
وهذه الطريقة المثلى ـ في فهم السُـنّة الشريفة بالسُـنّة نفسها ـ قد انعكست بكلّ وضوح على كتاب التهذيب وكتاب الاستبصار اللذين قلّما نجد فيهما فقها تفريعياً مستنبَـطاً، فكانا بحقّ محاولة بِكر جمعت مع أغراضها التي أشرنا لها سابقاً فقهاً روائياً يكاد يكون بتحليلاته وتأويلاته ومحامله الآتية عديم النظير.
ثالثاً: صفة التأويل بالاَثر:
إذا كان المراد بالتأويل، هو ما لم يكن مقطوعاً به لتردّده بين عدّة وجوه محتملة؛ لاَنّه «اللفظ الذي يراد به المعنى المرجوح من محتملاته»(1) فإنّه لا يمكن أبداً وصف تأويلات التهذيب و الاستبصار كلّها بهذا التعريف، لاَنّها لم تكن ـ في أغلبها ـ سوى تفسيراً للسُـنّة بما صحّ من السُـنّة الشريفة نفسها.
وبهذا يعود التأويل تفسيراً، وتنقلب دلالته الظنّية إلى القطع، لكون المقتضي للحمل على المرجوح قطعياً، ومن غير المعقول أن يكون مقتضي المحمول قطعياً في دلالته ـ كما لو كان من الحديث المتواتر ـ، ومع هذا يكون المحمول ظنّياً!
وهذه الحقيقة بالاِمكان تلمّسها في أغلب أبواب التهذيب أو الاستبصار؛ لاَنّ تراكم المؤيّدات الصحيحة الصريحة لكثير من التأويلات، مع تعدّد طرقها إلى أهل البيت عليهم السلام في كتاب التهذيب نفسه، وفي خارجه أيضاً؛ لِما تقدّم من اعتماد الشيخ طريقة الاختصار، وهو ما يوحيه لفظ تهذيب الاَخبار زيادة على ما أثبتناه في صحّة تلك الطريقة، يعني تواتر تلك المؤيّدات.
وعليـه: يكون العامل على طبق بعض تأويلات الشيخ، يكون عاملاً في الواقع على طبق الفتوى والاَثر (الصحيح أو المتواتر)، وهذا هو ما أشار إليه الشيخ في ديباجة التهذيب كما أوردناه سابقاً.
وهذا لا يعني أنّ جميع ما في التهذيب أو الاستبصار من تأويل هو بهذه المثابة، كما يُعلم من مراجعة فتاوى ابن إدريس الحلّي في السرائر، ولكن الاِنصاف اقتضى التنبيه على وجود الكثير من التأويل الذي لم يغادر الوصف المذكور.
هـذا، وجدير بالاِشارة هو أنّ الشيخ الطوسي قدس سره لا يذكر الاَخبار المختلفة في أوائل أبواب كتابيه التهذيب و الاستبصار أبداً، وإنّما يستفتحها دائماً بالاَحاديث المتّفقة التي هي في الواقع مستند الشيخ المفيد في المقنعة، ثمّ يذكر بعد ذلك بعض ما خالفها من الاَخبار، ثمّ يؤوّل تلك الاَخبار بما يتّفق ودلالة ما قدّمه قبل ذلك من الاَخبار المتّفقة.
وعلى هذا فهو لا يحتاج إلى ذِكر مؤيّدات التأويل من الاَثر بعده، بل تكفي الاِحالة في ذلك إلى ما في أوائل الاَبواب، ولكنّه مع هذا لم يترك تأويلاته في الغالب بلا شاهد جديد مضاف.
وهذا ممّا ينبغي الالتفات إليه في مقام معرفة قوّة التأويل الموقوفة على معرفة رتبة مؤيّداته، وعليه سيكون تقييم التأويل بالنظر إلى شواهده اللاحقة غير مجزٍ ما لم يتمّ النظر إلى مؤيّداته السابقة.
بل وحتّى النظر إلى كِلا القسمين غير كافٍ في المقام، لاحتمال وجود مؤيّدات أُخر في باب آخر من التهذيب كما سنبيّنه بعد قليل.
وإذا لوحظ منهجه في الاختصار كما تقدّم عُلم أيضاً بأنّ ما ذُكر من مؤيّدات وشواهد لصحّة التأويل لا يدلّ على عدم وجود نظائرها في غير التهذيب؛ لِما مرّ من أنّه ليس من طريقة الشيخ ذِكر جميع ما استقصاه من الاَخبار المتّفقة.
ومن هنا أصبحت معرفة قوّة التأويل بالاَثر مضنية حقّـاً، إذ تتطلّب من الباحـث الرجوع إلى سائر المؤيّدات الخبرية ودراستها سنداً ودلالة؛ وقد لا يتأتّى هذا إلاّ إلى المتضلّعين بعلم الحديث رواية ودراية.
ومنه يتّضح عقم الانتقادات التي وجّهها بعضهم إلى تأويلات الشيخ من أنّ شواهدها الخبرية المذكورة بعدها ضعيفة بحسب الاصطلاح، خصوصاً وهو يجد في شروح التهذيب ـ كـ: ملاذ الاَخيار ـ وشروح الاستبصار ـ كـ: مناهج الاَخيار ـ توضيحاً شاملاً لرتب الاَحاديث.
ولهـذا، فإنّه حتّى لو افترضنا عدم وجود المؤيّد الآخر لا في التهذيب ولا في غيره، فلا يقدح هذا أيضاً بصحّة التأويل بحجّة ضعف مؤيّده المذكور بعده بحسب الاصطلاح، لسـببين، وهما:
الاَوّل: وهو ما أشار إليه الشيخ حسن في منتقى الجُمان، وحاصله: إنّ الشيخ لم يتوخّ في أسانيد التهذيب سوى العلوّ، ولهذا فضّل بعض الطرق الضعيفة ـ بحسب الاصطلاح ـ على غيرها من الطرق الصحيحة المتوافرة لديه إلى أصحاب الكتب والمصنّفات المشهورة، كما هو واضح في كتابه الفهرست(1).
وبهذا يُفسّر استئثاره بما رواه عن محمّـد بن الحسن بن الوليد القمّي ـ وهو من مشايخ الشيخ الصدوق ـ بتوسّط الشيخ ابن أبي جيّد القمّي، وهذا العلوّ في الاِسناد لا يتوفّر للشيخ بغير هذا الطريق.
على أنّ ابن أبي جيّد ليس ضعيفاً، فهو محلّ اعتماد مشايخ الشيعة وأشهر المفهرسين لكتب الاَصحاب، وثقة جليل عند طائفة من العلماء وإن
الثاني: إمكان تصحيح أكثر طرق الشيخ الضعيفة باستخدام نظرية تعويض الاَسانيد التي لم تأخذ دورها كما ينبغي عند جميع الباحثين(1).
فكيف الحال إذاً لو كان المؤيّد صحيحاً ونظائره الكثيرة مثله؟!
ولكي تتّضح حقيقة ما ذكرناه نورد المثال التالي:
أورد الشيخ في التهذيب ثلاث روايات في باب زكاة الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وكلّها تخالف روايات الباب لاَنّها أوجبت الزكاة في الغلاّت دون أن تبلغ نصابها، وهي:
الاَُولى: عن أبي بصير، قال: قال أبو عبـدالله عليه السلام : «لا تجب الصدقة إلاّ في وسقين، والوسق ستّون صاعاً»(2).
الثانية: عن أبي بصير أيضاً، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: «لا يكون في الحَبِّ، ولا في النخل، ولا في العنب زكاة حتّى تبلغ وسقين، والوسق ستّون صاعاً»(3).
الثالثة: عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبـدالله عليه السلام عن الزكاة في كم تجب في الحنطة والشعير؟ فقال عليه السلام : «في وسق»(4).
وهنا قال الشيخ:
«فهذه الاَخبار كلّها محمولة على أنّ المراد بها الاستحباب والندب دون الفرض والاِيجاب، وليـس لاَحد أن يقول: لا يمكن حـملها على
والذي يدلّ على أنّه لم يرد بها الفرض والاِيجاب الذي يستحقّ بتركه العقاب ما رواه:...»(2).
ثمّ أورد جملة من الروايات الدالّة على أنّ النصاب في زكاة هذه الاَشياء هو خمسة أوسق، وهي:
الاَُولى: محمّـد بن علي بن محبوب، عن أحمد [بن محمّـد]، عن الحسين [بن سعيد]، عن النضر [بن سويد]، عن هشام [بن سالم]، عن سليمان [بن خالد]، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: «ليس في النخل صدقة حتّى تبلغ خمسة أوساق، والعنب مثل ذلك حتّى يكون خمسة أوساق زبيـباً»(3).
وجميع من في السند ثقة بالاتّفاق، فهو صحيح بلا خلاف.
الثانية: محمّـد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّـاد بـن عيسـى، عـن حـريز، عـن محمّـد بـن مسـلم، قـال: سـألت أبـا عبـدالله عليه السلام عن التمر والزبيب، ما أقلّ ما تجب فيه الزكاة؟ فقال: خمسة أوساق...»(4).
وهذا الاِسناد صحيح معتبر لجلالة جميع من فيه، وإن قالوا بحسنه
الثالثة: سعد [بن عبـدالله]، عن أبي جعفر [ابن عيسى الاَشعري]، عن محمّـد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيـدالله بن علي الحلبي، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: «ليس في ما دون خمسة أوساق شيء، والوسق ستّون صاعاً»(1)، وهذا الاِسناد صحيح أيضاً بلا خلاف.
الرابعة: علي بن الحسن، عن القاسم بن عامر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير والحسن بن شهاب، قالا: قال أبو عبـدالله عليه السلام : «ليس في أقلّ من خمسة أوساق زكاة، والوسق ستّون صاعاً»(2).
والرواية ضعيفة سنداً بالقاسم بن عامر، ولكن لا يضرّ، فمتنها مخرّج من طرق صحيحة كما عرفت.
الخامسة: وعنه [أي: عن علي بن الحسن بن فضّال]، عن محمّـد ابن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن عمرو بن أُذينة، عن زرارة وبكيـر، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: «وأمّا ما أنبتت الاَرض من شيء من الاَشياء فليس فيه زكاة إلاّ في أربعة أشياء: البُرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في شيء من هذه الاَربعة الاَشياء شيء حتّى يبلغ خمسة أوساق، والوسق سـتّون صاعاً...»(3).
وجميع من في السند ثقة، ومحمّـد بن إسماعيل هو البرمكي الجليل، فالرواية موثّقة بعليّ بن الحسن، وهي معتبرة على كلّ حال.
هذا بالنسبة إلى الشواهد والمؤيّدات الخبرية المذكورة بعد التأويل
وأمّا لو تابعنا بقيّة الشواهد الاَُخر فستجدها أضعاف هذا العدد، وإليك خلاصة ما وقفنا عليه منها في التهذيب وفي غيره:
1 ـ الرواية الاَُولى في الباب المذكور من التهذيب وهي في أعلى درجات الصحّة، فقد أخرجها عن سعد بن عبـدالله، عن أحمد بن محمّـد، عن أبيه؛ والحسين بن سعيد، عن محمّـد بن أبي عمير، عن عمر ابن أُذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام (1).
2 ـ الرواية الثانية من الباب المذكور مرسلة، ولا يضرّ إرسالها لما عرفت(2).
3 ـ الرواية الثالثة من الباب أيضاً موثّقة بعليّ بن الحسن بن فضّال(3).
4 ـ الرواية الرابعة أخرجها الشيخ في باب الخراج وعمارة الاَرضين من التهذيب بسنده عن الاِمام الرضـا عليه السلام ، وهي في أعلى درجات الصحّـة(4).
هذا عن المؤيّدات في داخل التهذيب فقط، وأمّا المؤيّدات التي لم يذكرها الشيخ فبالاِمكان تلمّسها من خلال مراجعة المجاميع الحديثية المتأخّرة، فإنّها أوردت الكثير من نظائر ما ذكرناه(5).=
ومن خلال مراجعة الكلّ يُعلم بأنّ تأويل الشيخ لتلك الاَخبار إنّما كان يستند في الحقيقة على التواتر، لا في هذا المثال فقط، وإنّما في أمثلة شتّى من التهذيب.
رابعاً: بيان وجوه الخبر وتعدّد احتمالاته:
الخبر الذي تكون له عدّة وجوه محتملة، ويكون أحدها مرجوحاً، فحمله على الوجه المرجوح بمقتضى ما هو معتبر ـ كالخبر الصحيح أو المتواتر ـ يسمّى تأويلاً.
وهذه طريقة شائعة في فهم الكثير من الاَخبار المختلفة عند محاولة جمعها مع الاَخبار المتّفقة.
وتأويل المختلف بهذه الطريقة؛ ليوافق دلالة المتّفق ـ ولو على وجه من الوجوه ـ تتناسب قوّته تناسباً طردياً وقوّة المقتضي لذلك التأويل.
فكلّما كان المقتضي معتبراً كان التأويل معتبراً ومقبولاً.
وهذا لا يعني نفي الوجوه الاَُخر لكونها محتملة، ولكن درجة احتمالها تقاس بقوّة المقتضي للوجه الراجح؛ لاَنّها تتناسب عكسياً معه ولكن من جهة واحدة، ونعني بها تضاؤل درجة احتمال بقاء الوجوه الاَُخر كلّما ازدادت قوّة المقتضي للوجه الراجح مع بقائها على مستوى الاحتمال عند ضعفه؛ إذ الفرض افتقارها إلى أيّ سبب مرجّح سواء كان ضعيفاً أو ذا قوّة.
وأمّا لو بلغ المقتضي لِما هو راجح درجة لا يمكن معها اعتماد التأويل وبأيّ نحوٍ، فحينئذٍ ستتكافأ جميع وجوه الخبر ويعود متشابهاً، ويرجع في تفسيره إلى المحكم إن وجد، وإلاّ فالتوقّف كما هو مقرّر في محلّه.
وعلى هذا قد يلغي الطرف الراجح بقيّة الوجوه الاَُخر ـ وإن كانت محتملة ـ في ما لو بلغ مقتضيه درجة التواتر؛ لاَنّ درجة احتمالها ستهبط إلى أدنى المستويات إلى أن تتلاشى بفعل قوّة الوجه الآخر المؤيّد بالتـواتر.
وقد مرّ ما له صلة بهذا في صفة تأويل الخبر عند الشيخ قدس سره ، ونعني به الخبر المختلف الذي لم يترجّح من وجوهه المحتملة سوى وجه واحد فقط، وكان المقتضي للحمل عليه خبر متواتر.
وجدير بالذكر هنا هو أنّ المقتضي لحمل الخبر المختلف على أحد الوجوه قد لا يكون مقتضياً لذلك في الواقع، وإنّما خفي على صاحب التأويل ذلك، فأخذ بالمحتمل الضعيف، أو بما هو ليس بمحتمل أصلاً وعدّه راجحاً وترك الراجح بعد أن جعله محتملاً، كما نشاهده في كثير من تأويلات علماء العامّة لاَخبار النزول مثلاً!
ومن هنا يُعرف السرّ وراء ردّ الشيخ الطوسي قدس سره لجملة كثيرة من تأويلات العامّة سواء على مستوى تأويلهم للآيات ـ كما مرّ بنا في بيان دور الشيخ في التفسير وعلوم القرآن ـ، أو الاَخبار كتأويلهم حديث الغدير؛ لاَنّه استطاع وبكلّ جدارة أن يضع المقتضي لتلك التأويلات على محكّ النقد، ويكشف بالدليل عن هزاله وافتقاره لاَيّ رصيد من الواقع.
وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ المزيد من التوضيح في مجال بيان دور
هـذا، وأمّا لو كان في الخبر الواحد المختلف عدّة وجوه محتملة، وترجّح منها أكثر من وجه واحد، أو كانت كلّها راجحة، فلا مانع من القول بصحّتها جميعاً عند اختلاف الحال؛ لاَنّها لم تتوارد في آن واحد على فعل واحد وحال واحدة، حتّى يقال بأنّها وجوه متنافية متدافعة لا يصحّ الحمل عليها!
وأيّ إشكال في حمل الخبر المختلف على وجه في حال، وعلى آخر في غيره، وعلى ثالث في غيرهما، خصوصاً بعد تأييد كلّ واحد منها بدليل معتبر؟! كما فعله الشيخ الطوسي في موارد كثيرة من التهذيبين، حتّى صار دوره في بيان وجوه الخبر وتعدّد احتمالاته دور المؤسّس والرائد الذي لم يسبقه إلى ذلك أحد.
وسوف نكتفي بمثال واحد من أمثلة بيان الشيخ لوجوه الخبر المختلف وتعدّد احتمالاته، وعلى النحو الآتي:
أورد الشيخ في باب الهبة المقبوضة ثلاثة من الاَخبار الدالّة على عدم جواز رجوع الواهب بهبته إذا خرجت إلى صاحبها، بينما تضمّن الباب خبرين آخرين بجواز الرجوع بالهبة بعد حيازتها إلاّ لذي رحم فإنّه لا يرجع فيهـا.
والشـيخ قدس سره بعد أن نفى التنافي بين تلك الاَخبار، بيّن أنّ الاَخبار الثلاثة الاَُولى محتملة عدّة أشياء، وهي بحسب ما ذكره الشيخ:
1 ـ الاحتمال الاَوّل: إنّه إنّما لم يجز إذا قُبضت الرجوعُ فيها، إذا كان عين الشيء قد استُهلك ولا يكون قائماً بعينه.
ثـمّ أيّـد هـذا الاحتمـال بروايـة جميـل بن درّاج، والحلبـي، عـن
2 ـ الاحتمال الثاني: أن تكون بعوضٍ منها، فإنّه إذا كان كذلك لم يجز له أيضاً الرجوع فيها.
ثمّ أيّد هذا الاحتمال برواية عبـدالله بن سنان، عن أبي عبـدالله عليه السلام بأنّه قال: «إذا عوّض صاحب الهبة فليس له أن يرجع»(2).
كما أيّده برواية أُخرى أخرجها عن عبـد الرحمن بن أبي عبـدالله وعبـدالله بن سنان، قالا: سألنا أبا عبـدالله عليه السلام عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء أم لا؟
فقال عليه السلام : «تجوز الهبة لذوي القربى، والذي يثاب عن هبته ويرجع في غير ذلك إن شاء»(3).
3 ـ الاحتمال الثالث: أن يكون ذلك مخصوصاً بذوي الاَرحام البالغين؛ لاَنّ ذلك إذا قبضوها لا يجوز له الرجوع فيها.
ثمّ أحال الشيخ إلى ما تقدّم سابقاً من مؤيّد لهذا الوجه، كما أيّده أيضاً برواية سماعة، قال: «سألته عن رجل تصدّق بصدقه على حميم أيصلح له أن يرجع فيها؟
قال: لا، ولكن إن احتاج فليأخذ من حميمه من غير ما تصدّق به عليه»(4).
4 ـ الاحتمال الرابع: أن يكون ذلك محمولاً على الكراهية دون الحظر.
وقد دلّ عليه برواية إبراهيم بن عبـد الحميد، عن أبي عبـدالله عليه السلام أنّه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من يرجع في هبته كالراجع في قيئه» ثمّ أوردها بعد ذلك من ثلاثة طرق عن الاِمام الصادق عليه السلام .
ومن مراجعة الاحتمالات المذكورة وإمعان النظر في أدلّتها، تُعلم قوّتها وخلوّها من أدنى تهافت يذكر، إذ لا تناقض أو تعارض بينها أصلاً.
وعليـه: فلا مانع من قبولها لا سيّما وأنّ الشواهد النقلية التي أسندها الشيخ إلى أهل البيت عليهم السلام ـ وهي صحيحة ومعتبرة ـ مؤيّدة لجميع تلك الاحتمالات.
والشيخ ـ رضي الله تعالى عنه ـ لم يقتصر على ما استعرضناه من فقرات في مجال تيسير سبل التأويل الصحيح وكيفية الجمع بين الاَخبار المختلفة، بحملها على وجوه واحتمالات متعدّدة راعى فيها اختلاف الحال لكي لا تتهافت فيما بينها، ولكي يكون جذرها ـ وهو الخبر المختلف أو المحتاج إلى شيء من المحامل الآتية ـ موافقاً لِما رواه في بابه من الاَخبار المتّفقة التي لا تحتاج إلى شيء من ذلك.
بل كانت له قدس سره محامل علمية أُخرى طالما استخدمها لاَجل تلك الغايـة فـي تمحـيص وتحـقيق الاَخـبار التـي أوردهـا في كـتابيه: التهـذيب و الاسـتبصار؛ وهذا ما سنكشفه من خلال الفقرات الآتية.
خامساً: حمل المجمل على المفصّل:
المجمل: هو كلّ ما له دلالة غير واضحة، وهو إمّا أنّ يكون لفظاً،
وأمّا المفصّل، وقد يسمّى بالمبيّن أيضاً، ولا فرق بينهما: فهو كلّ لفظ أو فعل له ظاهر يدلّ على مراد المتكلّم أو قصد الفاعل.
ومن غير شكّ أنّ فهم الخبر غير الواضح في حكمٍ، لا يتمّ إلاّ بالرجوع إلى الواضح في ذلك الحكم نفسه. وهذا هو المراد واقعاً من حمل المجمل على المفصّل.
ولهذا نجد أنّ الشيخ الطوسي قدس سره قد عُني عناية واضحة بجميع الاَخبار المجملة، وذلك بالرجوع إلى الاَخبار المفصّلة؛ ليؤكّد بذلك لاَنصـاف المتعلّمين ونظائـرِهم بأنّ ما أثـاروه حيـال الاَخبار المروية عن أهل البيت عليهم السلام لا حقيقة له ولا واقع؛ لاَنّها لم تكن في حقيقتها متعارضة ما دام الضابط الكلّي في الخبرين تكاذب دليلهما على وجه يمتنع اجتماع صـدق أحدهما مع صـدق الآخر، حتّى ضرب بذلك أروع الاَمثلة الدالّة على دوره العظيم في تنقيح الاَخبار وتهذيبها مع الكشف عن دلالتها وحقيقـتها.
ومن طـرائقه في ذلك هو حمل المجمل على المفصّل ـ كما أشرنا إليه ـ، وله أمثلة شتّى في التهذيبين:
منها: ما أخرجه مضمراً في باب الرجل يشتري المملوكة فيطأها فيجدها حبلى، بسنده عن عبـد الرحمن بن أبي عبـدالله، قال: سألته عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها فيجدها حبلى؟ قال: «يردّها ويردّ معها
وبما أنّ الشيخ قد أخرج في الباب المذكور أخباراً أُخر عن ابن سنان، وعبـد الملك بن عمرو، وسعيد بن يسار، وفضيل مولى محمّـد بن راشد، وكلّها توضّح أنّ الذي يردّ مع الجارية في مثل هذه الحالة هو نصف عشر قيمتها؛ لنكاحه إيّاها.
لذا قال: «فالوجه في قوله: (ويردّ معها شيئاً): أن يُحمل على نصف عشر ثمنها؛ لاَنّ (الشيء) مُنكَر، وهو مجمل يحتاج إلى بيان، والاَخبار الاَوّله مفصّلة، فينبغي أن يحمل هذا الخبر عليها»(2).
ومنها: حمله إعادة طواف من لم يتوضّأ الواردة في روايات زرارة، وأبي حمزة، وعلي بن جعفر في باب من طاف على غير طهور، على طواف الفريضة لا طواف النافلة كما هو مفصّل في رواية محمّـد بن مسلم وروايتَي زرارة(3)، لاِجمال الحكم في الطائفة الاَُولى من الروايات وتفصيله في الثانية.
وهـذا هو ما أفتى به في التهذيب بقولـه في باب الطواف: «ومن طـاف على غير وضـوء أو طاف جـنباً، فإن كان طوافه طواف الفريضـة فلْـيُعِده، وإن كان طـواف السُـنّة توضّـأ أو اغتسـل، فصلّـى ركعـتين، وليـس عليه إعادة الطواف»، ثمّ أيّد تلك الفتوى بجملة من الاَخبار الصحيـحة(4).
وهناك موارد أُخرى كثيرة حُمل فيها المجمل على المفصّل ولا حاجة إلى تفصيلها(1)، ومنها يظهر ما بذله الشيخ من جهود عظيمة في مراجعة
1 ـ تهذيب الاَحكام 3|37 ح 131 باب 3 (أحكام الجماعة).
2 ـ تهذيب الاَحكام 7|62 ح 272 باب 5 (العيوب الموجبة للردّ).
3 ـ تهذيب الاَحكام 7|247 ح 1073 باب 4 (ضروب النكاح).
4 ـ تهذيب الاَحكام 7|283 ح 1197 باب 25 (فيمن أحلّ الله نكاحه).
5 ـ تهذيب الاَحكام 7|287 ح 1208 باب 25 (فيمن أحلّ الله نكاحه).
6 ـ تهذيب الاَحكام 8|155 ح 537 باب 6 (عدد النساء) وفيه الاِشـارة إلى مصطلح (الحكومة) الذي ادّعى بعضهم اكتشافه من قبل المتأخّرين، وتحديداً من قبل الشيخ الاَنصاري 1، فراجع!
7 ـ تهذيب الاَحكام 10|218 ح 858 باب 17 (الاثنان إذا قتلا واحداً).
8 ـ الاستبصار 2|7 ح 16 باب 2 (الزكاة في سبائك الذهب والفضّة).
9 ـ الاستبصار 2|26 ح 74 باب 11 (أنّ الزكاة إنّما تجب بعد إخراج مؤنة السلطان).
10 ـ الاستبصار 2|183 ح 607 باب 109 (جواز أكل ما له رائحة طيّبة من الفواكه).
11 ـ الاستبصار 2|219 ح 753 باب 142 (من طاف ثمانية أشواط).
12 ـ الاستبصار 3|33 ح 115 باب 18 (ما تجوز فيه شهادة الواحد مع يمين المدّعي).
13 ـ الاسبتصار 3|103 ح 362 باب 68 (إعطاء الغنم بالضريبة).
14 ـ الاستبصار 3|139 ـ 140 ح 502 باب 90 (حكم ولد الجارية المحلَّلة).
15 ـ الاستبصار 3|164 ح 598 باب 107 (الرجل يزني بالمرأة هل يحلّ لاَبيه أو ابنه أن يتزوّجها...).
16 ـ الاستبصار 4|9 ح 28 باب 5 (الرجل يعتق عبده عند الموت وعليه دين).
17 ـ الاستبصار 4|115 ح 437 باب (إقرار بعض الورثة لغيره بدينٍ على الميّت).=
سادساً: حمل المطلق على المقيّد:
المطلق: هو اللفظ الدالّ على الماهية لا يقيّد، كقوله تعالى: (فتَحريرُ رَقَبةٍ)(1)، والمقيّد في مقابله، كقوله تعالى: (وَمَن قَتلَ مؤمِناً فَتحريرُ رقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ)(2).
والمطلق تارة يكون في المفردات كاسم الجنس، وعلم الجنس، والنكرة، وتارة يكون في الجمل كصيغة (إفعل)، والجملة الشرطية، وقد فُصِّل الكلام عنهما في كتب الاَُصول لدى الفريقين.
وجدير بالذِكر هنا قبل بيان أمثلة هذا الحمل من التهذيب، هـو أنّ هذا الحمل لا يكون مطلقاً في جميع الاَحوال، كما هو مقرّر في علم الاَُصول، إذ ربّما عملوا بالمطلق والمقيّد معاً من دون إلغاء المطلق، ومن دون أن يترتّب على ذلك محذور، كما لو جاء الخبر مثلاً باستحباب زيارة الاِمام الحـسين عليه السلام ، ثمّ جـاء خـبر آخر باستحباب الزيارة يـوم عاشـوراء. فهذا لا يعني أنّه قيدٌ للزيارة بهذا اليوم، بل يفيد تأكيد الاستحباب.
وعلى أيّة حال فإنّ الشيخ قدس سره قد راعى في الحمل المذكور عدم إمكانية العمل بالمطلق مع وجود المقيّد له، أو المقيّدات.
ومثال الاَوّل: ما أورده بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبـدالله
18 ـ الاستبصار 4|250 ح 949 باب 147 (أنّه يعتبر في الاِقرار بالسرقة دفعتان...).
وقد روى قبل هذا مباشرة جملة من الاَخبار في معناه.
وهنا قيّد الشيخ كراهية أُجرة الاَرض بالحنطة والشعير فيما لو زرعت فيها وأعطى صاحبها منها، بناء على وجود المقيّد لحكم الكراهية المطلق في تلك الاَخبار، فقال: «قال محمّـد بن الحسن: هذه الاَخبار كلّها مطلقة في كراهية إجارة الاَرض بالحنطة والشعير، وينبغي أنّ نقيّدها، ونقول: إنّما يكره ذلك إذا أجّرها بحنطة تُزرع فيها ويُعطي صاحبها منها، وأمّا إذا كان من غيرها فلا بأس بذلك، يدلّ على ذلك...»(2).
ثمّ أخرج ما يؤيّد هذا الحمل من الاَخبار: وهكذا في كلّ مورد حمل فيه المطلق على المقيّد، إذ لا بُدّ وأن يبيّن المقيّد ويكثر من طرقه سواء قبل الحمل المذكور أو بعده(3).
ومثال الثاني: ما جاء في باب من استأجر أرضاً بشيء معلوم ثمّ أجّرها بأكثر من ذلك.. فقد أورد الشيخ فيه ثلاثة أخبار كلّها تدلّ على جواز إجارة الاَرض بأكثر ممّا استأجرها، نكتفي بذِكر آخرها، وهو ما
فقال عليه السلام : «لا بأس، إنّ هذه ليس كالحانوت ولا الاَجير، إنّ فضل الحانوت والاَجير حرام»(2).
وهنا قال الشيخ معقّباً على تلك الاَخبار:
«قال محمّـد بن الحسن: هذه الاَخبار مطلقة في جواز إجارة الاَرض بأكثر ممّا استأجرها، وينبغي أن نقيّدها بأحد أشياء...».
وإليك هذه الاَشياء المقيّدة مع أدلّتها على التقييد، وهي باختصار:
الاَوّل: جواز إيجار الاَرض بالنصف أو الثلث أو الربع إذا كان قد استأجرها بدراهم أو دنانير معلومة حتّى وإن علم بأنّ إيجارها كان أكثر من ذلك.
وقـد أيّـد هـذا بـروايـة إسـماعيـل بـن الفـضـل الهـاشـمـي، عـن أبي عبـدالله عليه السلام .
الثاني: إذا استأجر الرجل الاَرض بالثلث أو الربع جاز له أن يؤجّرها بالنصف؛ لاَنّ الفضل إنّما يحرم إذا كان استأجرها بدراهم وأجّرها بأكثر منها، وعلى هذا الوجه فلا بأس.
وقد أيّد هذا برواية الحلبي عن أبي عبـدالله عليه السلام ، وبرواية إسحاق بن عمّار عنه عليه السلام أيضاً.