مجلة تراثنا العدد 55 و 56 ، ص 54 ـ 60

صلةقبل

أقـول:
أوّلاً: هذا الحديث قد عرفت رواته وثقة رجاله، وبقي منهم:
* عليّ بن سعيد الرملي، وقد نصّ الذهبي على ثقته وإنّه لم يتكلّم فيه أحد، فقد قال:
«ما علمت به بأساً، ولا رأيت أحداً إلى الآن تكلَّم فيه، وهو صالح الاَمر، ولم يخرّج له أحد من أصحاب الكتب الستّة مع ثقته»(1).
وقال الحافظ ابن حجر متعقّباً له: «وإذا كان ثقة ولم يتكلّم فيه أحد فكيف تذكره في الضعفاء... قال البخاري: مات سنة 216»(2).
* ضمرة بن ربيعة، المتوفّى سنة 202، وهو من رجال البخاري في الاَدب المفرد، والاَربعة:
«قال عبـدالله بن أحمد، عن أبيه: رجل صالح، صالح الحديث، من الثقات المأمونين، لم يكن بالشام رجل يشبهه، وهو أحبُّ إلينا من بقية، بقية كان لا يبالي عن من حدّث.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين، والنسائي: ثقة.
وقال أبو حاتم: صالح.
وقال محمّـد بن سعد: كان ثقة مأموناً خيّراً، لم يكن هناك أفضل منه»(3).
* عبـدالله بن شوذب، المتوفّى سنة 156، وهو من رجال أبي داود
____________
(1) ميزان الاعتدال 4|125.
(2) لسان الميزان 4|227.
(3) تهذيب الكمال 13|319 ـ 320، ولاحظ سائر الكلمات في هامشه.

( 55 )
والترمذي والنسائي وابن ماجة:
قال الذهبي: «وثّقه جماعة، كان إذا رُئي ذُكِرت الملائكة»(1).
وقال ابن حجر: «صدوق عابد»(2).
وقال أيضاً: «قال سفيان: كان ابن شوذب من ثقات مشايخنا.
وقال ابن معين وابن عمّار والنسائي: ثقة.
وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وذكره ابن حبّان في الثقات...»(3).
* مطر الورّاق، المتوفّى سنة 129، ويكفي كونه من رجال البخاري في باب التجارة في البحر من الجامع، ومن رجال مسلم والاَربعة(4).
* شهر بن حوشب، المتوفّى سنة 112 أو 111 أو 100 أو 98، وهو من رجال البخاري في الاَدب المفرد، ومسلم، والاَربعة. وهذا كاف في ثقته(5).
وثانياً: اعتراف الحافظ الذهبي بتواتر صدر الحديث، وهو قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» وكذا بقوّة سند قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «اللّهمّ وال من والاه» وتقرير ابن كثير وقبوله له، ردُّ لتشكيكات المبطلين، ومكابرات الضالّين، فالحمد لله الذي أجرى الحقّ على لسانيهما...
____________
(1) الكاشف 1|356.
(2) تقريب التهذيب 1|423.
(3) تهذيب التهذيب 5|255 ـ 261.
(4) تهذيب الكمال 28|551، تقريب التهذيب 2|252.
(5) تهذيب الكمال 12|578، تقريب التهذيب 1|355.

( 56 )
وثالثاً: حكمه بالبطلان على رواية صيام الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو يوم غدير خمّ؛ هو الباطل، وقد أجبنا عنه بالتفصيل في كتابنا الكبير(1).
ويبقى الكلام حول دعوى مخالفة الحديث لِما في الصحيحين، وسـنتعرّض له عند الكلام..
مع ابن كثير في تفسيره:
فقد قال في تفسيره: «وقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاِسلام ديناً) هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الاَُمّة حيث أكمل لهم دينهم...» ثمّ روى أحاديث وأقوالاً، منها:
«قال أسباط، عن السدّي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله صلّى الله عليه [وآلـه] وسلّم فمـات».
«وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً».
«وقال الاِمام أحمد: حدّثنا جعفر بن عون، حدّثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر ابن الخطّاب...، فقـال عمر: والله إنّي لاَعلـم اليوم الذي نزلـت على رسول الله، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، عشية عرفة في يوم جمعة.
____________
(1) نفحات الاَزهار في خلاصة عبقات الاَنوار 8|277 ـ 284.

( 57 )
ورواه البخاري... ورواه أيضاً مسلم والترمذي والنسائي أيضاً من طرق عن قيس بن مسلم، به.
ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري عن قيس، عن طارق، قال: «قالت اليهود لعمر: إنّكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتّخذناها عيداً. فقال عمر: إنّي لاَعلم حين أُنزلت؟ وأين أُنزلت؟ وأين رسول الله حيث أُنزلت، يوم عرفة، وأنا ـ والله ـ بعرفة.
قال سفيان: وأشكُّ كان يوم الجمعة أم لا».
«وقال ابن مردويه: حدّثنا أحمد بن كامل، حدّثنا موسى بن هارون، حدّثنا: يحيى الحماني، حدّثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سليمان، عن أبي عمر البزّار، عن أبي(1) الحنفيّة، عن عليٍّ، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم وهو قائم عشية عرفة (اليوم أكملت لكم دينكم)».
«فأمّا ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبـدالله الصغاني، عن ابن عبّاس، قال:
ولد نبيّـكم يوم الاثنين، وخرج من مكّة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح بدراً يوم الاثنين، وأُنزلت سورة المائدة يوم الاثنين (اليوم أكملت لكم دينكم)، ورفع الذِكر يوم الاثنين.
فإنّه أثر غريب وإسناده ضعيف».
«وقال ابن جرير: وقد قيل: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس.
____________
(1) كذا، والصحيح: ابن.

( 58 )
ثـمّ روى من طريق العوفـي، عـن ابن عبّـاس في قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم) يقول: ليس بيوم معلوم عند الناس.
قال: وقد قيل: إنّها نزلت على رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم في مسيره إلى حجّة الوداع. ثمّ رواه من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس».
«قلت: وقـد روى ابـن مـردويه من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أنّها نزلت على رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم يوم غدير خمّ حين قال لعليٍّ: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه». ثمّ رواه عن أبي هريرة وفيه: إنّه اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، يعني مرجعه عليه السلام من حجّة الوداع.
ولا يصحّ لا هذا ولا هذا.
بل الصواب الذي لا شكّ فيه ولا مرية، أنّها أُنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعـة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب!! وعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأوّل ملوك الاِسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبـدالله بن عبّـاس، وسمرة بن جندب. وأرسله الشعبي، وقتادة بن دعامة، وشهر بن حوشب، وغير واحدٍ من الاَئمّة والعلماء، واختاره ابن جرير الطبري رحمه الله»(1).
أقـول:
أوّلاً: إذا كان لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، فكيف جاءت
____________
(1) تفسير ابن كثير 2|14 ـ 15.

( 59 )
الآية وسط أحكام لا علاقة لها بها، وبعدها حلال وحرام؟!
إنّ وضعها في هذا الموضع تمهيدٌ لاَن يضع الوضّاعون ـ بعد ذلك ـ الاَحاديث المختلقة في شأن نزول الآية المباركة؛ حتّى تضيع الحقيقة.
وثانياً: إذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد توفّي بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً، وذلك في الثاني عشر من ربيع الاَوّل كما يقولون، فإنّ ذلك يتناسـب مـع نـزول الآيـة يـوم غدير خمّ الثامن عشر من ذي الحجّة لا يوم عرفة التاسع منه!
وثالثاً: هل نزلت الآية يوم عرفة؟! يوم جمعة؟!
في روايةٍ عن عمر: «عشـيّة عرفة يوم الجمعة».
وفي روايةٍ أُخرى عنه، قال سفيان: «أشكُّ كان يوم جمعة أم لا».
وفي رواية عن عليٍّ ـ لو صحّت ـ: «عشـيّة عرفة» فقط.
وفي روايةٍ عن ابن عبّـاس: «يوم الاثنين» بلا ذِكر لـ «يوم عرفة».
وفي روايةٍ عن ابن عبّـاس أيضـاً: «ليـس بيومٍ معلومٍ عند النـاس» فلا عرفة، ولا جمعة!
وفي روايةٍ عـن أنـس بن مالـك: «في مسـيره إلى حـجّـة الـوداع» فلا عرفة، ولا جمعة، كذلك.
وفي روايةٍ عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: «اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة» يوم غدير خمّ.
وفي روايةٍ أُخرى عند البيهقي: «أنّها نزلت يوم التروية»(1).
____________
(1) فتح الباري 8|218.

( 60 )
وفي رواية النسائي، عن طارق بن شهاب، عن عمر ـ وهو سند البخاري نفسه ـ: «قال عمر: قد علمت اليوم الذي أُنزلت فيه والليلة التي أُنزلت، ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعرفات»(1).
فالاَحاديث متعارضة..
وحتّى التي عن عمر بن الخطّاب!!
فالحـقّ:
هو ما قاله أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ورواه كبار الحفّاظ وأعلام العلماء من أهل السُـنّة عن عدّة من الصحابة، من أنّها إنّما نزلت يوم غدير خمّ، بعدما خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خطبته التي قال فيها ما شاء الله أن يقول، وجاء فيها ـ بعد أن أخذ بيد عليٍّ أمير المؤمنين: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه...».

للبحث صلة...


____________
(1) سنن النسائي 5|251.