اتّضح للمطالع ـ على ضوء الصفحات السابقة ـ شرعيّة التدوين على
عهـد رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، وسـقم رأي من يذهـب إلى حظره من قبل
الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ؛ لاَنّ الرسالة المحمّـدية لا يمكن بقاؤها إلاّ بحفظ السُـنّة
وتناقلها، لكنّ الظروف دعت الخلفاء بعد الرسول ـ أصحاب الرأي ـ أن
يمنعوا الصحابة من تناقل أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ـ لاَُمور رأوها! ـ فكان
ممّا لا محيص عنه هو نسـبة النهي إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، كي يعذروا
الشيخين ومن يسير على نهجهم، وأن يعطوا لفعلهم الشرعيّة!!
نعـم، إنّنا لا ننكر أنّ اتّجاه الرأي كان سائداً على عهد الرسول، إذ
كان بعض الصحابة ينتهج منهج الطاعة والامتثال ـ لله ولرسوله ـ وليس لهم
الخيرة من أمرهم، لقوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتّقه
أُولئـك هم الفـائزون )(1)..
وقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسـوله
أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ
ضلالاً مبينا)(2).
وقوله تعالى: (فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر
وقوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله
ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأُولئك هم المفلحون)(2).
وكان هناك قسم آخر يتعامل مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم كأنّه بشر غير كامل
يخطىَ ويصيـب، ويسـبّ ويلعـن، ثمّ يطلب المغفرة للملعونين!!(3).
فمِن هـؤلاء مَن نهى عبـدَالله بن عمرو بن العاص عن تدوين حديث
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم .
كما كان رهط من غير المسلمين يطلبون من الرسول تغيير شريعة
السماء، فجاء في الذِكر الحكيم: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّناتٍ قال
الّذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله قلْ ما يكون لي أن
أُبدّله من تلقاء نفسي إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ إنّي أخاف إن عصيت
ربّي عذاب يوم عظيم)(4).
وعمّم القرآن نهيه عن اتّباع أهواء من لا يعلمون، فقال: (ثم
جعـلنـاك على شـريعـة مـن الاَمـر فاتّـبـعهـا ولا تـتّبع أهـواء الّـذين
لا يعلمون)(5).
ولم يقتصر هذا النوع من الرجال على المشركين أو المنافقين
وأصحاب المصالح من المؤلّفة قلوبهم وغيرهم، بل كان بينهم المسلمون
الّذين لا يعرفون ما للنبيّ من مكانة ومنزلة، فترى هؤلاء يرفعون أصواتهم
على صوت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ، ويتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله، ويعترضون
على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في أعماله، ويتّبعون ما تمليه المصلحة التي
يتخيّلونها عليهم، رغم وجود النصوص، ويفتون بالرأي بحضرته، وقد
نزل الوحي بذلك في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: ( يا أيها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت
النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم
وأنتم لا تشعرون)(1).
وقوله تعالى: (إنّ الّذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في
سـبيل الله اثّاقلتم إلى الاَرض)(2).
وقوله سبحانه:( إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله)(3).
وقوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبيّ)(4).
وعليـه: فالصحابة المتعبّدون هم الّذين أخذوا بكلام الله ورسوله،
ولم يجتهدوا أمام النصّ، ولم يطلبوا من الرسول تبديل حكم الله، وقد جاء
وصفهم في الذِكر بقوله تعالى: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
وما بدّلوا تبديلا)(5)، ففي قوله تعالى ما يشير إلى وجود جمع يحاولون
هـذا، وإنّ دعاة التبديل والتغيير ـ نهج الاجتهاد و التأويل ـ لم
يكونوا قلّة قليلة لا يُحسب لها حساب، فهم قد عارضوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم
في أكثر من مشهد وموقف، فنحن لو أردنا جمع ذلك لصار كتاباً مستقلاًّ
بنفسه، لكنّا نشير هنا إلى بعض المواقف التي يتّضح من خلالها ما نقوله:
فمنهـا: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم نهى المسلمين عن صوم الدهر مشيراً
إلى أنّ صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر يعدل صوم الدهر، فامتثل أمره بعضهم،
وأبى آخرون إلاّ أن يصوموا الاَيّام جميعاً!
ومنهـا: نهـي الرسـول عن الرهـبانيّة، فلم يمتثل كثير من النـاس
أمره صلّى الله عليه وآله وسلم ، إذ تركوا لذائذ الدنيا ظنّاً منهم أنّ ذلك تقرّب إلى الله.
ومثله الحال بالنسبة إلى نحر الاِبل وأكل لحومها يوم تبوك، فمع
إجازة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم نحرها، برز هناك من الصحابة من أنكر نحرها.
ومن ذلك ما جاء عن صحابي قبّل زوجته وهو صائم، فوجد من
ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أُمّ سلمة
أُمّ المؤمنين فأخبرتها، فقالت أُمّ سلمة: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يُقبّل وهو
صائم.
فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده شرّاً!! وقال: لسنا مثل
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، يحلّ الله لرسوله ما يشاء.
فرجعت المرأة إلى أُمّ سلمة، فوجدت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عندها،
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : ما بال هذه المرأة؟
فأخبرته أُمّ سلمة، فقال صلّى الله عليه وآله وسلم : ألا أخبرتيها أنّي أفعل ذلك؟!
فقالت أُمّ سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك
شرّاً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، يحلّ الله لرسوله ما شاء.
فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ثمّ قال: والله إنّي لاَتقاكم لله ولاَعملكم
بحـدوده(1).
وقـريب منه هـذا النصّ: جاء فتىً من قريش إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ،
فقال: يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ! إئذن لي في الزنا، فأقبل القوم عليه وزجروه
فقالوا: مه مه!!
فقال يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : أُدنُ؛ فدنا منه قريباً فقال صلّى الله عليه وآله وسلم : أتحبّه لاَُمّك؟
قال: لا والله، جعلني الله فداك؛ قال: ولا الناس يحبّونه لاَُمّهاتهم.
قال صلّى الله عليه وآله وسلم : أتحبّه لابنتك؟
قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك؛ قال: ولا الناس يحبّونه
لبناتهم.
ثمّ ذكر له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أُخته وعمّته وخالته، وفي كلّ ذلك يقول
الفتى مقالته: «لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك».
قال: فوضع يده صلّى الله عليه وآله وسلم عليه وقال: اللّهمّ اغفر ذنبه و طهّر قلبه
وحصِّن فرجه.
قال الراوي: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء(2).
ومنها قوله صلّى الله عليه الله عليه وآله وسلم : أيتلعّب بكتاب الله وأنا بين أظهركم(3).
وفي آخر: أبهذا أمرتم؟! ولهذا خلقتم؟! أن تضربوا كتاب الله بعضاً
ببعض، انظروا ما أُمرتم به فاتّبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا(1).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّه غضب حين أمر الصحابة بالحلق والاِحلال من
الاِحرام في صلح الحديبيّة، فلم يفعلوا، إذ شقّ ذلك عليهم، فانتظروا حتّى
أتمّ صلى الله عليه وآله وسلم مناسكه وأعماله وأحلّ فأحلّوا، مع أنّ تكليفهم كان الاِحلال من
قبـل.
وهذه النصوص التي ذكرناها تؤكّد وجود اتّجاه كبير يرتضي لنفسه
التشريع ولا يتعبّد بقول الرسول، وإنّ استقرار أمثال هؤلاء في صدارة
التشريع بعد الرسول يبعث على التثبّت أكثر من النصوص الصادرة عنهم،
وهل أنّها قد تأثّرت بالاَفكار السابقة أم لا؟ فإنّ معرفة هذا الترابط يجعلنا
نفهم الحقائق بصورة أُخرى.
والآن مع بعض الاَحاديث الّتي كتبها الخليفة الثاني عن كتب التوراة،
ومدى تأثير تلك الواقعة على سلوكه في العصر اللاحق.
مع أحاديث التهوّك:
روي عن عمر أنّه قال للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : إنّا نسمع أحاديث من يهود،
تعجبنا، أفترى أن نكتبها؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت
اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة(2).
وروى الخطيـب بسـنده عن عبـدالله بن ثـابت الاَنصـاري ـ خادم
فقال [الاَنصاري]: أما ترى ما بوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ؟!
فقال عمر: رضيت بالله ربّاً وبالاِسلام ديناً وبمحمّـد رسولاً؛ فذهب
ما كان بوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده، لو أنّ موسى أصبح فيكم ثمّ
اتّبعتموه وتركتموني لضللتم، أنتم حظّي من الاَُمم، وأنا حظّكم من
النبيّين(1).
وعلّق محقّق كتاب الاَسماء المبهمة للخطيب البغدادي على الخبر
آنف الذكر بقوله: إنّ الذي قال لعمر هو عبـدالله الذي أُري الاَذان، قال
لعمر: أَمَسَخَ الله عقلك؟! ألا ترى الذي بوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ؟!(2).
وفي المراسيل لاَبي داود: أنّ عمر بن الخطّاب مرّ بقوم من اليهود
فسمعهم يذكرون دعاء من التوراة فاستحسنه، ثمّ جاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم فجعل
يقرؤه ووجه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم يتغيّر.
فقال رجل: يا بن الخطّاب! ألا ترى ما في وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ؟!
فوضع عمر الكتاب.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : إنّ الله بعثني خاتماً، وأُعطيت جوامع الكلم
وخواتيمه، واختصر لي الحديث اختصاراً، فلا يُلهينّكم المتهوّكون!
فقلت لاَبي قلابة: ما المتهوّكون؟
قال: المتحيّرون(1).
وقال أبو عبيدة في تفسير معنى المتهوّكين: أمتحيّرون في الاِسلام
حتّى تأخذوه من اليهود.
وقيل: التهوّك: السقوط في هوّة الردى(2).
وقيل: التهوّك: كالتهوّر، الوقوع في الاَمر دون رويّة(3).
وقبـل أن ننهي الحـديث عن (حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بعد البعثة)
لا بُـدّ من الاِشارة إلى أمرين آخرين حدثا في أُخريات عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ،
الاَوّل منهما: حديث الاَريكة، والثاني: حديث الدواة.
فأمّا حديث الاَريكة:
فقـد روى ابن حـزم بسـنده عن العرباص بن سارية: أنّه حضر
رسـول الله صلّىالله عليه وآله وسلم يخطب الناس، وهو يقول: أيحسب أحدكم متّكئاً، قد
يظنّ أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن، ألا وإنّي والله قد أمرت
ووعظت ونهيت عن أشياء، إنّها لمثل القرآن.
قال ابن حزم: صدق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي مثل القرآن، ولا فرق في
وجوب كلّ ذلك علينا، وقد صدّق الله تعالى هذا، إذ يقول: (من يطع
الرسول فقد أطاع الله)(4)، وهي أيضاً مثل القرآن في أنّ كلّ ذلك وحي
وجاء في مسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وسنن أبي داود، وسنن
الدارمي، وسنن البيهقي، وغيرها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يوشك
الرجل متّكىَ على أريكته، يُحدَّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله،
فما وجدناه فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرّمناه(3).
وفي آخر: «يأتيه الاَمر ممّا أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري،
ما وجدناه في كتاب الله اتّبعناه...»(4).
وروى الـخـطـيـب الـبـغـدادي، عـن جـابـر بـن عـبـدالله، أنّ
رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لعلّ أحدكم أن يأتيه حديث من حديثي وهو متّكىٌَ
على أريكته فيقول: دعونا من هذا! ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه(5).
في النصوص السابقة بعض النكات..
منهـا: قوله صلّى الله عليه وآله وسلم : «يوشك الرجل متّكىَ على أريكته، يُحدَّث
بحديثي، فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال أحللناه
ومن حرام حرّمناه».
فالفعل (يوشك) هو من أفعال المقاربة، ويدلّ على قرب تحقّق
العمل، وفي بعضها ما يؤكّد على أنّ ما يقع هو ممّا لا يرتضيه صلّى الله عليه وآله وسلم ،
كقـولـه: «لا أعـرفنّ» و «لا ألفـينّ» مؤكّـداً على أنّ كلامـه مـن كـلام الله
ولا تنافي بينهما.. «ألا إنّ كلامي كلام الله».
وجملة: «يُحدّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما
وجدناه فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرّمناه».. يزيدنا عزماً للوقوف
على القائل به!
ونحن لو طالعنا تاريخ التشريع الاِسلامي لوقفنا على نصّ للخليفة
الاَوّل بـعـد وفـاة الـنبـيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وقولـه للنـاس: إنّـكم تحـدّثون عـن
رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أحاديث تخـتلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً،
فلا تحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم شيئاً، فمن سألكم عن شيء فقولوا: بيننا
وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(1).
ولو تأمّلت في نصّ الرسـول وما جاء عن الخليفة الاَوّل ـ بعد وفاة
الرسول صلّى الله عليه الله عليه وآله وسلم ـ لرأيت نفحات الوحي ظاهرةً على كلامه صلّى الله عليه وآله وسلم ، لاَنّك
سترى أنّ الشيخين هما أوّل من سنّا المعارضة للتحديث والتدوين عن
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، وكانا الاَقرب عهداً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، واللَّذَين جلسا
على أريكة الخلافة من بعده، وأنّ منعهم شُرّع لعلل كـ: «الناس بعدكم أشدّ
اختلافاً»..
و «بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامـه»..
و «إنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب
و «أُمنيّة كأُمنيّة أهل الكتاب».. و...
فإنّك لو تأنّيت وتدبّرت في هذه العلل لرأيتها بنفسها تتّحد مع أدلّة
الناهين عن الحديث عن رسول الله، فالنصوص هنا جاءت عن الشيخين،
ومن الطبيعي في ظلّ مثل تلك الظروف أن تصدر نصوص ذامّة للتدوين
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم دعماً لموقف الشيخين وتحكيماً لِما دعوا إليه..
وقد مرّت عليك مناقشـتنا لمرويّات أبي سعيد الخدري وأبي هريرة
وغيرهما، فإنّك لو قارنتها بتأمّل بعيداً عن العصبيّة لعرفت اتّحاد العلّة
وكثرة الشبه بينها وبين ما يصدر عن الخليفة، وهي تدلّ على أنّ أنصار
الخليفة كانوا وراء أدلّة النهي لا محالة، وأنّ ما قالوه لا يتّفق مع تحريض
الاِسلام على التعلّم والكتابة، وهو الآخر لا يتّفق مع تدوين الصحابة
لاَحاديثه صلّى الله عليه وآله وسلم ، وإجماع أهل بيته صلّى الله عليه وآله وسلم على التدوين، كلّ هذه تؤكّد
على سقم أدلّة القائلين بحظر الرسول على حديثه، بل تدلّ على جوازه إلى
آخر حياته، وقد كان ما ادعّوه إحدى المؤثّرات القبلية والجاهلية بعد
الاِسلام.
حديث الدواة والقلم:
أخرج الطبراني في الاَوسط عن عمر أنّه قال: لمّا مرض النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم
قال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً.
فـقـال الـنـسـوة مـن وراء الـسـتـر: ألا تـسـمـعـون مـا يـقـول
رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ؟!
قال عمر: فقلت: إنّكن صويحبات يوسف، إذا مرض عصرتنّ
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : دعوهنّ! فإنّهنّ خير منكم!
وفي رواية أُخرى: إنّ الرسول عندما قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم
كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً»، تنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع ـ فقالوا:
هجر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم .
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم : دعوني! فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه.
وفي خبر البخاري: لمّا حضر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وفي البيت رجال
فيهم عمر بن الخطّاب، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم : هلمَّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا
بعـده.
فقال عمر: إنّ النبـيّ صلّى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن،
حسبنا كتاب الله.
فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم
النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم كتاباً لن تضلّوا بعده؛ ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا
اللغو والاختلاف عند النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم قال لهم: قوموا!(1).
قال عبـدالله بن مسعود: فكان ابن عبّـاس يقول: الرزيّة كلّ الرزيّة ما
حال بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم
ولغطهم.
وأخرج مسلم في كتاب الوصيّة من الصحيح، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، أنّه قال: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثمّ جعل تسيل
دموعه حتّى رؤيت على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ.
قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : «ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً
لن تضلّوا بعده أبداً».
فقالوا: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يهجر(1).
وفي طريق آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال ابن
عبّاس: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثمّ بكى حتّى بلَّ دمْعُه الحصى.
فـقلـت: يا بن عبّـاس! ومـا يـوم الـخـميـس؟! قـال: اشـتدّ
برسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وجعه، فقال: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي»
فتنازعوا، وما ينبغي عند نبيٍّ تنازع، وقالوا: ما شأنه؟! أهجر؟!
اسـتفهموه!
قال: «دعوني! فالذي أنا فيه خير، أُوصيكم بثلاث: أخرجوا
المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» قال:
وسكت عن الثالثة، أو قالها فأُنسيتها(2).
وهذه النصوص توقفنا على واقعة مهمّة مفادها انقسام المسلمين بين
يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إلى قسمين:
أحدهما: يدعو إلى الاَخذ بكلام الرسول، وهم أهل بيته والمقرّبون
من أصحابه.
والثاني: لا يرتضي التدوين، تأييداً لمقولة عمر بن الخطّاب: «غلبه
الوجع» أو: «إنّ الرجل ليهجر».. والباحث يعلم بأنّ هذه المقولة ما هي إلاّ
تشكيك في سلامة عقل الرسول، والعياذ بالله.
نعم، إنّ أصحاب نهج الاجتهاد والرأي أرادوا التخلّص من هذه
المقولة فسعوا لتأويلها بأعذار اخترعوها، كقولهم: إنّ كلام الرسول جاء
للامتحان والاختبار ولم يلحظ فيه التشريع والعزيمة حتّى يلزم فعله، بل
يجوز للمكلّف تـركه، لكـونه رخصة جائزة الترك، وإنّ الله هدى عمر بن
الخطّاب لمعرفة كون هذا الاَمر رخصة فمنعهم من أخطارها، إشفاقاً من أن
يأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بشيء ولا يطاع في أمره، أو إشفاقاً منه على الاَُمّة إذ
خشي أن يكتب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أُموراً يعجز عنها الناس فيستحقّون العقوبة
بتركها، لكونها منصوصة لا سبيل للاجتهاد فيها.
لكنّ هذه المقولات وما يضارعها باطلة لعدّة جهات:
أوّلها: إنّ عدّ فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ طلب إحضار الدواة ـ مجرّد اختبار
لا غيره يلزم منه تجويز رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم للكذب الواضح، الذي يجب
تنزيه الاَنبياء عنه، ولا سيّما في موضع كان ترك إحضار الدواة أَوْلى من
إحضارها حسب هذا التقوّل المزعوم...
ثانياً: إنّ الوقت، لم يكن وقت اختبار وامتحان، ولو كان كذلك
لحصل في طول المدّة التي صاحبوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم فيها، بل كان الوقت وقت
إنذار وإعذار وإبلاغ وإكمال.
ويمكن أن تفهم هذه الحقيقة من قوله صلّى الله عليه وآله وسلم : «لا تضلّوا بعده»،فهذه
الجملـة تؤكّـد عـلى أنّ الطلـب لم يكـن طلـب اختـبار ـ كمـا يقـولون ـ
لاَنّه صلّى الله عليه وآله وسلم أعقب طلبه بجملة «لا تضلّوا»، وهي تفيد العزيمة لا الرخصة،
وإنّ السعي في تحقّق الاَمن من الضلال هو من شرائط الرسالة ومهامّ
الرسول، وهو ممّا يجب تحقيقه مع المقدرة عليه.
أضف إلى ذلك قوله صلّى الله عليه وآله وسلم : «قوموا عنّي»، فهو الآخر يشير إلى أنّ
والاَقـوى مـن هـذا كـلّـه أنّ جـمـلـة عـمـر بـن الخطّـاب عـن
رسـول الله صلّى الله عليه الله عليه وآله وسلم : «غلبه الوجع»، أو: «إنّ الرجل ليهجر» تؤكّد على أنّ
عمر عرف من الاَمر العزيمة لا الرخصة؛ لاَنّا نراه قد جدّ في عدم تحقّق
الكتابة، فلو كانت رخصة لَما ألزم عمر نفسه للقول بما قاله.
وبهذا فقد عرفنا أنّ هؤلاء قد ابتعدوا عن نهجه، وعصوه في أمره،
وحكّموا تيّار الرأي أمام السُـنّة وهو حيّ!
ثالثاً: إنّ الواقعة واضحة وظاهرة في اختلاف الضوابط بين
الاتّجـاهين، فالّـذين نهـوا عن الكـتابة كانـت حجّـتهم مـرض النبيّ وعدم
قدرته صلّى الله عليه الله عليه وآله وسلم على إقرار القرار الصائب، لقولهم عنه: «غلبه الوجع» و: «إنّ
الرجل ليهجر»، لكنّ الآخرين كانوا لا يقبلون هذا التخرّص في حـقّ
رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلم .
ومن الطريف أن نرى أتباع نهج الاجتهاد والرأي والداعين إلى ترك
الاَخذ بقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في مرضه ـ لقول عمر عنه: غلبه الوجع ـ
نراهم يأخذون بما أضافه عثمان بن عفّان في وصيّة أبي بكر قُبَيل موته، مع
علمهم بأنّ عثمان قد تصرّف في وصيّة أبي بكر وهو مغمىً عليه!!
فلِمَ لم يعدّ إدخال اسم عمر بن الخطّاب في وصيّة أبي بكر هُجراً،
وكيف يطلق «الهجر» و «غلبة الوجع» على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ؟! ومَن
له كمال الوعي في انتخاب المواقف، وهوصلّى الله عليه وآله وسلم يقول لهم: «ائتوني»،
ويقول: «قوموا عنّي»، وغيره؟! ولا يمكن إطلاق الهجر على من تُتّخذ له
المواقف وعلى لسانه وهو مغمىً عليه لا يدري ماذا يجري من حوله؟!
نعـم، إنّهم أخذوا بقول عمر بن الخطّاب في تعيين أعضاء الشورى
الستّة وهو مريض، ولا يأخذون بكلام سيّد الاَُمّة والمرسلين وهو يريد
إبعادهم عن الضلالة، والذي قال عنه الوحي: (ما ينطق عن الهوى * إن
هو إلاّ وحي يوحى)!!
رابعاً: إنّ اتّهام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بالهجر وغلبة الوجع، كان يستبطن دعوة
النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم للمهادنة في أوامر الله تعالى ونواهيه، ومنها دعوته لعدم كتبه
للوصيّة التي أراد كتابتها، فكأنّهم دعوه إلى ترك الاَُمور سُدىً، بترك تعيين
الخليفة، وترك التدوين، كما دعوه من قبل لاَن يمتثل لكثير من طلباتهم
التشريعيّة، كصوم الدهر، وعدم الاِحلال إلاّ معه، و...
وفي مقابل ذلك كانوا يرون أن لا بُـدّ من فتح باب الرأي والاجتهاد
وأن تختار قريش لاَنفسها كما صرّح بذلك عمر بن الخطّاب من بعد!
فكان جواب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم قاطعاً وحاسماً، ذلك بقوله: «دعوني
فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه» فقد دلّل صلّى الله عليه وآله وسلم على أنّه كان بكامل
قواه العقليّة، وأنّه كان يأمر عن الله وينهى عنه صلّى الله عليه وآله وسلم ، وأنّه لا يبدّل حكماً
من تلقاء نفسه، فهو صلّى الله عليه وآله وسلم في وضع خير من الوضع الذي يريدونه له
ويـدعونه إليـه من الاِفتـاء بالـرأي والمسـاومة في أوامـر الله ونواهيـه،
فكـان صلّى الله عليه الله عليه وآله وسلم حتّى آخر حياته متعبّداً بأوامر الله تعالى، غير مُفتٍ في
بقي شيء يجب الاِشارة إليه، وهو: لِمَ ترك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كتابة
كتابه بعد رزية يوم الخميس (24 صفر) إلى يوم وفاته يوم الاثنين (28
صفر) وقد كانت هذه الاَيّام الاَربعة الباقية من عمره الشريف كافية لاَن
يصدع بما قاله وهو صلّى الله عليه وآله وسلم كان لا يترك التبليغ بسـبب مخالفة الكافرين،
فكيف بمخالفة المسلمين؟!!
والجـواب:
نحن نعلم أنّ من وظائف الرسول هو تبليغ أحكام الله للناس، وليس
عليه امتثالهم لتلك الاَحكام وعدم امتثالهم لها، فقال سبحانه: (فإن توليتم
فاعلموا أنّما على رسولنا البلاغ المبين)(1).. وقوله: ( وإن تولّيتم
فاعلموا إنّما عليك البلاغ) (2).. وقوله:( ما على الرسول إلاّ البلاغ)(3).. وقوله: (
وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين).. وقوله: (4)( فهل على الرسل
إلاّ البلاغ)(5).. وقوله:( وما علينا إلاّ البلاغ المبيـن)(6) و...
فرسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم بأنّه يريد أن يكتب لهم كتاباً لا يضلّون بعده
أبداً، فهو صلى الله عليه وآله وسلم قد أدّى ما عليه من الاَمر في الاِبلاغ والاِنذار ولا ضرورة
بعد هذا للمعاودة وتكرار الكلام، وخصوصاً أنّه يعلم بأنّ المعاودة لا تفيد
وعليـه: فرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قد أدّى ما عليه من واجب اتّجاه الاَُمّة،
وبالمعارضة سقط الوجوب عنه، بعدم امتثالهم لكلامه.. ( فما أعرضوا
فما أرسلناك عليهم حفيظاً إنْ عليك إلاّ البلاغ) (2)وبقولهم عنه إنّه
«هجر» و «غلبه الوجع» أفهموا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم بأنّه لو أراد الاستمرار في
تجديد الدعوة لشكّكوا في مكتوبته، ولبقي عليها احتمال «الهجر» وبالتالي
تصير ساقطة عن الاعتبار بنظر القائلين بهجر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم !
وأمّا القائلون بعصمة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم فقد فهموا مراده صلّى الله عليه وآله وسلم .
بل يمكننا القول بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم لو أصـرّ على كتابة الكتاب لحدثـت
ـ ولا شكّ ـ محاولات أكبر للتشـكيك في أصل رسالته، ولقالوا عنه أنّه
هجر في ما آتاهم من أحكام، وبذلك لضاعت الرسالة المحمّدية، مع
الاِشارة إلى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كان يعلم بأنّ لا فائدة للمعاودة وتكرار
الاِخبار، لمعرفته بقوّة تيّار الرأي والاجتهاد، وإخبار الله تعالى له بأنّ الاَُمّة
مختلفة من بعده، وأنّهم كما قال العزيز في كتابه: ( أفان مات أو قتل
انقلبتم على أعقابكم)(3) وحسبك حديث الحوض دليلاً على اختلاف
الاَُمّة من بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم .
نعـم، إنّ نهج الاجتهاد والتأويل صوّر الرسول بصور ينبو اللسان عن
ذِكرها، بدءاً من تخلّفه عن أوامر الله ـ كصلاته على المنافق ـ، وتخلّفه عن
فهذه هي اللبنات الاَساسيّة التي ابتنيت عليها الاَفكار لاحقاً، ومنها
حصل التلاعب بقدسيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم التي حاول الاَُمويّون جاهدين على
طمسها من خلال مساواة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بمن هبّ ودبّ بحجّة أنّه صحابيّ
وأنّ النبيّ مجتهد يخطىَ ويصيب و...
ويبدو أنّ الّذين منعوا عبـدالله بن عمرو بن العاص، كانوا من نفس
الطراز الذي كَمن وراء موقف عمر وأيّده في منع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من
كتابة ما ينجيهم من الضلالة، وكذلك كانوا وراء منع التحديث في زمن
الخليفة الاَوّل وحرقه لمدوّنته ودعوته إلى الاَخذ بكتاب الله فقط!
وبعد هذا فقد عرفت وجود اتّجاهين في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم
وأنّهما امتدّا حتّى يومنا الحاضر.
الاَوّل: الرسول محمّـد صلّى الله عليه وآله وسلم والمتعبّدون بقوله، الداعون إلى كتابة
سُـنّته، والناشرون لاَحاديثه.
الثاني: قريش وأعلامها الّذين اعترضوا عليه في حياته صلّى الله عليه وآله وسلم
واجتهدوا بالرأي وأعملوه من بعده.
فأهل بيت الرسول ـ وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب وابن عبّاس ـ
استنصروا لكتابه صلّى الله عليه وآله وسلم ، واستنصر أصحاب الرأي للكفّة المقابلة، فدعوا
إلى ما دعا إليه عمر بن الخطّاب.
الذي حدّث بعد النبي صّى الله عليهّ وآله وسلم ـ وحتّى في حياته ـ هو أنّ أصحاب
الرأي استخدموا الغلظة والعنف في تطبيق سياستهم وفرض آرائهم.
بـل يظهـر بجـلاء أنّهـم اسـتخدموا الغلظـة والعنـف حتّـى مـع
رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، لِمـا عـرفـت مـن إمسـاك عمـر بن الخطّـاب بـرداء
النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم حينمـا أراد الصـلاة على المنافق، واعتراضه عليه صلّى الله عليه وآله وسلم
اعتراضاً شديداً في صلح الحديبيّـة و...، ومنعهـم عبـدالله بن عمرو بن
العاص من كتابة حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم .
وختم عمر بن الخطّاب اعتراضاته ـ في زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ـ باعتراضه
على الكتابة، عبر قوله بمحضر الرسول: «إنّ الرجل ليهجر» أو: «غلبه
الوجع».
ومعنى هـذا الكـلام بحضـرته صلّى الله عليه وآله وسلم هو: أنّه لا حاجة بنا إلى
كلامك، إذ القرآن كافٍ شاف، وفيه تفسير كلّ شيء، وهذا ما أخبر به
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في حديث الاَريكة، وما عمل به منكرو السُـنّة المطهّرة،
القائلون بلزوم الاكتفاء بالقرآن.
وكان هذا من التنبّؤات الصادقة للصادق الاَمين؛ لاَنّه صلّى الله عليه وآله وسلم أخبر بأنّه
سيتسلّم هذا الاَمر مِن بعده مَن يقول: «بيننا وبينكم كتاب الله» و: «حسبنا
كتاب الله»، وهو ما سمعناه بعينه عن أبي بكر بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلم وأوائل
خلافته: «... إنّكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أحـاديث تختلفون فيها،
والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم شيئاً! فمن
سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله».
وهذا هو الذي جرّأ أمثال الشيخ محمّـد رشيد رضا والدكتور توفيق
وهذا هو الذي أعطى الجرأة لطائفة أن تردّ الاَخبار كلّها وتنكر حجّيّة
السُـنّة كمصدر للتشريع في نهاية القرن الثاني الهجري(4) والقول بلزوم
الاكتفاء بالقرآن عن السُـنّة!
وبهذا، فقد عرفنا أنّ ما روي من النهي ليس بأَوْلى ممّا روي من
الجواز، إذ عرفنا أنّ كلّ مَن روي عنه النهي النبويّ فقد روي عنه الجواز
النبوي كذلك، وهم الاَكثر عدداً، وقد عملوا بقولهم، فدوّنوا حـديث
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، وأصرّوا على المحافظة عليه وإن وضعت الصمصامة
على أعناقهم، وفيهم من هو أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من الناهين،
وأعلم بالسُـنّة منهم، مع التأكيد على أنّ أحاديث الاِذن أوضح دلالة، وأصحّ
سنداً، وأكثر طرقاً ورواةً من روايات الحظر.
كلّ هذه الاَُمور تجعلنا نميل إلى القول بأنّ أحاديث النهي قد وُضعت
لاحقاً، ولتصحيح نهي الشيخين عن التدوين لا غير!للبحث صلة...