الباب الاَوّل
عصر التأصيل
ويقع البحث فيه في خمسة مراحل:

المرحلة الاَُولى
العرب وحديث محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة

كانت العرب قبل الاِسلام تذكر محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفضل والنبل والعزّة والكمال، وتلقّبه بالصادق الاَمين، لما عرفوا في حديثه من الصدق، وما عاينوا عنده من الاَمانة، حتّى نقل ابن برهان الحلبي: أنّ العرب كانت تتحاكم إليه في الجاهليّة لاَنّه كان لا يداري ولا يماري(1)، وكانوا لا يستغنون عنه في أحلافهم، ويحكّمونه في نزاعاتهم لما أدركوه فيه من مؤهّلات.
فممّا جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه اشترك في حلف الفضول وعمره لا يتجاوز العشـر ين عامـاً، مناصـرة للمظلـوم أمـام الظـالم كـائناً مـن كـان، وقد وصف صلى الله عليه وآله وسلم حضوره في ذلك الحلف بقوله: لقد حضرتُ في دار عبد الله ابن جذعان حلفاً ما سرّني به حمر النعم، ولو دُعيت إلى مثله لاَجبت(2).
وحُكّم صلى الله عليه وآله وسلم بين القبائل في وضع الحجر الاَسود، وذلك بعد أن أتمّت القبائل تجديد البيت الحرام، فتنازعوا بينهم في الّذي يضع الحجر
____________
(1) السيرة الحلبيّة 1|145.
(2) شرح نهج البلاغة 14| 129، البداية والنهاية 2|293، الاَغاني 16|65 ـ 70.

( 122 )
الاَسود مكانه، فاقترح أبو أُميّة بن المغيرة ـ والد أمّ سلمة ـ أن يحكّموا أوّل داخل عليهم من باب السلام، فإذا بمحمّد بن عبد الله دخل، فلمّا رأوه قالوا: هذا الاَمين رضينا.
فأُخبر صلى الله عليه وآله وسلم الخبر، فبسط إزاره ـ وفي نصّ آخر طلب ثوباً ـ ثمّ أخذ الحجر فوضعه فيه بيده.
ثمّ قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ثمّ رفعوه جميعاً، فلمّا حاذى الموضع أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده الشريفة فوضعه في مكانه(1).
نعم، كانت العرب تعزّ الرسول وتبجّله، وتقرّ له بالفضل والكمال، والنبل والاَمانة، والصدق في الحديث وحسن الاِدارة والسياسة، وأنّه كان لو دعاهم إلى أمر استجابوا إليه.
فجاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه في بداية دعوته المباركة صعد الصفاء ـ وهو موضع بمكّة ـ وجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني عبد المطّلب، وذكر الاَقرب فالاَقرب حتّى اجتمعوا، ومن لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر له ما يريد.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلاً في سفح هذا الجبل قد طلعت عليكم أكنتم مصدقيَّ؟
فقالوا بلسان واحد: نعـم، أنت عندنا غير متّهم، وما جربنا عليك كذباً قطُّ.
قال صلى الله عليه وآله وسلم : إنّي نذير لكم من عذاب شديد، يا بني عبـد المطّلب، ويا بني عبـد مناف، ويا بني زهرة، ويا بني تيم، ويا بني مخزوم وأسد،
____________
(1) انظر: السيرة النبويّة ـ لابن هشام 1|209، البداية والنهاية 2|303، وشرح نهج البلاغة 14|129.

( 123 )
ومضى يعدّد جميع قبائل مكّة وفروعها، ثمّ قال: إنّ الله أمرني أن أُنذركم من عقابه، وإنّي لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا في الآخرة نصيباً إلاّ أن تقولوا: لا إله إلاّ الله، فنهض أبو لهب ـ وكان رجلاً بديناً سريع الغضب ـ وصاح به: تبّاً لك سائر اليوم، ألهذا جمعت الناس؟! وتفرّقوا عنه يتشاورون في أمره.
نعم، إنّ القبائل عارضته وكذّبته لا لنفسه، بل لما جاءهم به من أفكار و آراء عن الكون والحياة، والتي لم يكن لهم بها عهد من قبل، فصار شأنه شأن باقي المرسلين المكذَّبين من قِبَل أقوامهم، فكان مثل قومه كمثل قوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب الرسّ، إذ قال تعالى: (وإن يكذّبوك فقد كذّبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط)(1)، ولهذا لم نَرَ ضمن ما رماه به صلى الله عليه وآله وسلم قومه من تُهم، كلمة (كذّاب) أو (خائن) أو (ظالم) أو... بخلاف رميهم إيّاه بـ: (ساحر) ـ لعدم دركهم كنه الاِعجاز ـ و(مجنون) لما كانوا يرون عليه من ثقل الوحي، وفي هذا غاية الوضوح في أنّ العرب كانت تعرف صدق وأمانة ووفاء وحكمة محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الاِسلام.
ولا يخفى عليك أنّ المراد من حديث محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة هو المعنى اللغوي للحديث، لا المعنى الاصطلاحيّ، إذ أنّ العرب كانت تعلم قيمة كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واتّصافه بالحكمة والسداد قبل أن يبعث نبيّاً، ولم تكن تعرف المعنى الاصطلاحي الذي حدث من بعد عند المسلمين، والذي يحمل في كنفه الحجّيّة الشرعية والدليل القطعي.
* * *

____________
(1) سورة الحجّ 22: 42 و43.

( 124 )

المرحلة الثانية
حديث رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم بعد البعثة

لقد سبق أن قلنا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء عن الله بشهادتي لا إله إلاّ الله وأنّ محمّـداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقلنا: انّهما كانتا لب اللباب المنجي للعرب من حالتهم اللامتوازنة آنذاك، وقد كانت كلتا الشهادتين ثقيلتين على قلوب قريش وطراز الفكر الجاهلي المشبع بحبّ القيادة والرئاسة، لكنّ الواقع هو أنّ الشهادة الثانية كانت أشدّ وقعاً وثقلاً على أنفسهم من الشهادة الاَُولى؛ إذ كيف يقرّون للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوّة والقيادة الواحدة وهم الزعماء المدبّرون، أصحاب الاَمر والنهي؟! وهل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ـ من وجهة نظرهم ـ إلاّ زعيماً قاتل فانتصر؟!
ولذلك نرى نظرتهم إلى النبيّ بعد البعثة ظلّت مشوبة بهذا المنطق المزعوم، وظلّوا على أساسه يفسّرون كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه كلام بشر عاديّ له مؤهّلات قيادية وحكمة في النظر والتفكير فقط.
وقد انكشفت هذه الظاهرة بعد استتباب الاَمر للنبيّ في الموقف الحاسم بين النبيّ والطلقاء في فتح مكّة، حيث روى لنا العبّاس كيفيّة إسلام أبي سفيان، فقال:
غدوت به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلّما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان!! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلاّ الله؟!
قال: بلى بأبي أنت وأمّي، لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنّي شيئاً.

( 125 )
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ويحك! ألم يان لك أن تعلم أنّي رسول الله؟!
فقال: بأبي أنت وأمّي، أمّا هذه ففي النفس منها شيء.
قال العبّاس: فقلت له: ويحك! تشهّد شهادة الحقّ قبل أن تضرب عنقك.
قال: فتشهّد(1).
فهنا يبدو واضحاً أنّ أبا سفيان كان أكثر بُطئاً في قبول الشهادة الثانية من الاَولى، لاَنّ الثانية تعني تحطيم غروره وجبروته وموقعه السياسي والاجتماعي، وذلك ما لا تعنيه كثيراً الشهادة الاَولى بالنسبة له.
وكان أبو سفيان لمّا رأى نيران المسلمين وكثرة عددهم، قد قال للعبّاس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، فقال له العبّاس: ويحك! إنّها النبوّة، فقال: نعم إذن.
وظل منظّر الفكر القرشي على هذه الوتيرة حتّى بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخلافة الشيخين، فقد ركل قبر حمزة برجله قائلاً: قم يا أبا عمارة! إنّ هذا الاَمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أصبح بيد غلماننا، وصرّح أُخرى عند جمع من بني أُميّة قائلاً: تلقّفوها يا بني أُميّة تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان لا جنّة ولا نار وإنّما هو الملك.
وحمل ابنه معاوية نفس النزعة الفكرية ـ كما سيأتي توضيحه ـ فصرّح حين سمع الشهادة الثانية بما تُكِنّ نفسه قائلاً: لقد كنت عالي الهمّة يا بن عبـد الله، ما رضيت إلاّ أن تقرن اسمك باسم ربّ العالمين.
وعلى كلّ حال، فإنّ هذا التفكير القرشي كان ينظر إلى أقوال النبيّ
____________
(1) الكامل في التاريخ 2| 245.

( 126 )
وأفعاله وتقريراته بأنّها أمور شخصيّة، قابلة للخطأ والصواب، وقد جاء الاِسلام ليحطم تلك النظرة الزائفة، وقد نجح في إنهائها إلى حدّ كبير، لكن بقيت لها مخلّفات وآثار سلبية على الحديث الشريف والسُنّة النبوية، فقد اتّفق المسلمون على حجّيّة أقوالـه صلى الله عليه وآله وسلم ، لكن الموروث سبّب النزاع في ما هو الحجّة؟ وما هو إطاره؟ فإنّه لا ينكر أحد بأنّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة من بدء البعثة إلى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ تلك الاَحاديث كانت محطّ أنظار المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما كانت في نفس الاَمر والواقع الاِلهي كلّها حجّة بالغة، وتبياناً لِما ورد في كتاب الله، وتعليماً للمسلمين، وبالتالي فلم يقع النزاع في حجّيّة أقواله صلى الله عليه وآله وسلم إجمالاً بين المسلمين، لكنّ النزاع كان في ما هو الحجّة من كلامه؟
فقد كان رهط من المسـلمين ينـظرون إلى أنّ جميـع أحـاديث النبيّ ـ في الاَحكام والموضوعات والاَُمور الخارجيّة ـ حجّة لا مناص عنها، لاَنّه سبحانه قال: (ما ينطق عن الهوى * إنْ هو إلاّ وحي يُوحى)(1) وهذا النصّ عامّ شامل لجميع أقواله في شتّى الاَُمور، فكان هؤلاء يسـتجيبون لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بلا نقاش ولا مراء، ويمتثلون أوامره ونواهيه.
وكانـت هناك فرق أُخـرى تنـظر إلى أقواله وأفعاله نظرة ناقصة مبتورة، يجمعها جميعاً أنّها تفترض إمكان الخطأ في كلامه صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته، وهذا النمط من الصحابة كان يعترض على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أفعاله وحروبه ومصالحاته، بل كان منهم من يصرّح بأنّه لو وجد أتباعاً لَما دخل في صلح الحديبيّة!

____________
(1) سورة النجم 53: 3 و 4.

( 127 )
وقد تطوّر هذا التيّار المنفلت التفكير، المهاض الجناح، فيما بعد النبيّصلى الله عليه وآله وسلم وظهر بأشكال وطروحات شتّى، حتّى روى بعضهم أُسطورة الغرانيـق(1)، وأنّ النبـيّ صلى الله عليه وآله وسلم اشـتبه عليه الوحي بالشيطان(2) ـ والعياذ بالله ـ!.
ورووا أنّه صلى الله عليه وآله وسلم تزوّج السـيّدة خديجة بنت خويلد بعد أن سقت أباهـا خمـراً، فأجـاب إلى نكاحـه صلى الله عليه وآله وسلم وهـو سـكران(3)، بعـد أن كـان لا يزوّجه وهو في صحوته! متشـبّثين بأنّ ذلك كان قبل بعثته.
ووصل هذا التفكير إلى كثير من مشهوري الصحابة، حتّى إنّ السـيّدة عائشة قالت لرسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات مرّة: «تكلّمْ، ولا تقل إلاّ حقّـاً»(4)! فافترضت فيه الكذب وإمكان قوله بالباطل والعياذ بالله.
وجابهته مرّة أُخرى قائلة: «أنت الذي تزعم أنّك نبيّ الله»(5) و...
وامتدّ هذا المسار واستفحل بمرور الزمان حتّى قال الخليفة عمر قبيل وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّ الرجل ليهجر»(6)، ومعناه إمكان احتمال الجزاف وغير الصواب في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وتطوّر الاَمر بأَخَرَة حتّى صرّح بعضهم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مجتهدٌ كسائر
____________
(1) تفسير الطبري 17|131 ـ 134، الدرّ المنثور 3|368، الطبقات الكبرى 1|154 و 130.
(2) انظر تفسير الطبري 9|175 ـ 178 ح 25327 ـ 25341.
(3) الطبقات الكبرى 1|132.
(4) انظر: دلائل الصدق 3|645، إحياء علوم الدين 5|35.
(5) انظر: إحياء علوم الدين 5|35، مكاشفة القلوب: 238.
(6) صحيح البخاري 1|66 ذ ح 55، شرح النووي على مسلم 11|101، مسند أحمد 1|355، تاريخ الطبري 2|193.

( 128 )
المجتهدين، يخطئ ويصيب (1)، وقد تخلّف عن أوامر الله وضوابط الاِنسانية(2)، وربّما لعن أحداً بدون استحقاق(3)!!
وقد سبّب أنصار هذه المدرسة وقوع الاختلاف في التدوين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أجاز كتابة حديثه صلى الله عليه وآله وسلم أو نهى عنه؟
فذهب قوم إلى الجواز، وآخرون إلى الحظر، واستدلّ كلّ منهما بأدلّـة..

____________
(1) انظر: اجتهاد الرسول، لنادية العمري.
(2) كروايتهم أنّه صلى الله عليه وآله وسلم عبس بوجه عبـدالله بن مكتوم الاَعمى، و...
(3) صحيح مسلم 4|2007 ح 88 و ص 2008 ح 90، مسـند أحمد 2|317 و 449 و ج 3|400.

( 129 )

أمّا أدلّـة الناهين عن التدوين
فهي:
أ ـ ما رواه أبو سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وآله وسلم :
1 ـ ما رواه همّام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه(1).
2 ـ وعن سفيان بن عيينة، عن ابن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أنّه قال: استأذنت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي(2).
وفي روايات أُخرى عنه جاءت بصيغة الجمع: «اسـتأذنّا...، فأبى أن يأذن لنا»(3).
ب ـ ما رواه زيد بن ثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم :
1 ـ عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن عبـدالله بن حنطب، قال:... فقال له زيد: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه، فمحاه(4).

____________
(1) تقييد العلم: 29 ـ 30.
(2) تقييد العلم: 32 و 36، الكامل في الضعفاء 4|1583.
(3) تقييد العلم: 33، سنن الدارمي 1|98 ح 457، سنن الترمذي 5|38 ح 2665.
(4) تقييد العلم: 35، جامع بيان العلم 1|63.

( 130 )
* وفي آخر: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يكتب حديثه(1).

ج ـ ما رواه أبو هريرة الدوسيّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم :
1 ـ عن عبـد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسـار، عن أبي هريرة، قال: كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرج علينا، فقال: ما هذا؟! تكتبون؟!
قلنا: ما نسمع.
قال: اكتبوا كتاب الله، امحضوا كتاب الله، أكتاب مع كتاب الله؟! امحضوا كتاب الله ـ أو: خلّصوه ـ.
قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثمّ أحرقناه بالنار.
قلنا: أي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! أنتحدّث عنك؟
قال: نعم، تحدّثوا عنّي ولا حرج، ومن كذب عَلَيَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار.
قال: فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! أنتحدّث عن بني إسرائيل؟
قال: نعم، تحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنّكم لا تحدّثون عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه(2).
2 ـ وفي آخر: عن أبي هريرة، قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ ناساً قد كتبوا حديثه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ما هذه الكتب التي بلغني أنّكم كتبتم؟! إنّما أنا بشر، من كان عنده منها شيء
____________
(1) انظر مثلاً: تقييد العلم: 35.
(2) مسند أحمد 2|12 ـ 13، تقييد العلم: 33.

( 131 )
فليأت به؛ فجمعناها، فأُخرجت.
فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! نتحدّث عنك؟
قال: تحدّثوا عنّي ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار.
بعض الصحابة وكراهتهم للتدوين:
* وقد جاءت نصوص عن الصحابة تدلّ على كراهتهم للتدوين، كقول أبي بردة: كان لاَبي موسى [الاَشعري] تابع، فقذفه في الاِسـلام، فقال لي: يوشك أبو موسى أن يذهب، ولا يحفظ حديثه فأكتب حديثه.
قال: قلت: نِعْمَ ما رأيت؟
قال: فجعلت أكتب حديثه.
قال: فحدّث حديثاً، فذهبت أكتبه كما كنت أكتب، فارتاب بي وقال: لعلّك تكتب حديثي؟
قال: قلت: نعم.
قال: فأتِني بكلّ شيء كتبته.
قال: أتيته به، فمحاه، ثمّ قال: احفظ كما حفظت(1).
* وفي آخر: كنت كتبت كتاباً فدعا بمَرْكَنِ ماءٍ فغسله فيه(2).
* وفي ثالث: كان أبو موسى يحـدّثنا بأحاديث، فنقوم ـ أنا ومولىً لي ـ فنكتبها.

____________
(1) الطبقات الكبرى 4|112.
(2) تقييد العلم: 41.

( 132 )
فقال: أتكتبان ما سمعتما منّي؟!
قالا: نعم.
قال: فجيئاني به؛ فدعا بماء فغسله(1).
* وقـال أبـو نضرة: قـلنا لاَبي سـعيد: اكتـتبنا حديثاً من حديث رسول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم .
قال: امحه(2).
* وجاء عن ابن مسعود أنّه مسح صحيفة فيها أحاديث حسان، كانت في أهل البيت، أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(3) .
* وعن عبـد الرحمن بن أبي مسعود: كنّا نسمع الشيء، فنكتبه، ففطن لنا عبـدالله ـ يعني ابن مسعود ـ فدعا أُمّ ولده ودعا بالكتاب وبإجّانة من ماء فغسله(4).
وغيرها من النصوص العديدة(5).
فهذه نصوص عن أبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، عن النبيّ ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، ونقولات عن الصحابة الكارهين للتدوين، أتوا بها كي يدلّلوا على نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تدوين حديثه، بل سماحه صلى الله عليه وآله وسلم بالتحديث فقط.
ونحن لا نريد الدخول في مناقشتها سنداً، لاَنّ دراستها سنداً يلزمنا
____________
(1) تقييد العلم: 40.
(2) تقييد العلم: 35، جامع بيان العلم 1|63.
(3) تقييد العلم: 54 و 57 و ما بعدها، انظر: منع تدوين الحديث، لنا.
(4) سنن الدارمي 1|102، تقييد العلم: 39.
(5) راجع: تقييد العلم: 36 ـ 44.

( 133 )
دراسة ما يقابلها من الاَحاديث التي رواها كبار الصحابة، والتي مفادها أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بالتدوين، كما في أمره بذلك علي بن أبي طالب وعبـدالله بن عمرو بن العاص، وغيرهمـا.
بل نجـد جُلَّ ـ إنْ لم نقُل كلّ ـ مَن نُسـب إليهم رواية المنع، ثبت عنهم رواية أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتدوين!
هـذا، ناهيك عن لزوم دراسة التزام بعض الصحابة بالمنع وبعضهم الآخر بالتدوين، ومدى حجّيّة هذا الالتزام المانع أو المدوّن، لقد تركنا البحث في هذه الاَُمور، لاَنّ الاِطالة في مناقشة هذه الاَسانيد يبعدنا عن الهدف، فرأينا أن نكتفي بالتعليق على ما ذكرنا منها متناً، وتركها سنداً، لاعتقادنا بكفايته للبصير المتدبّر.
* * *

( 134 )
مناقشة روايات أبي سعيد الخدري:
1 ـ أمّا ما رواه همّام بن يحيى، بسـنده عـن أبي سـعيـد من أنّ النبيّ الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه»، فيُردّ عليه بسؤال نطرحه، وهو:
هل إنّ جملة «لا تكتبوا» و «من كتب عنّي» هي حكم قطعيّ، وقد رُفع في الزمن الاَخير من عهد الرسول ـ كما يذهب إليه بعضهم(1) ـ أم إنّه عامّ وشامل لكلّ العصور؟
فإن قيل بالقول الاَوّل، فإنّنا نتساءل: لماذا نهى الخليفة الثاني عن الكتابة لاحقاً؟!(2).
وما هو سرّ كراهة بعض الصحابة والتابعين للتدوين لو كان استقرّ الحال على التدوين في أُخريات عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!(3).
وإن قيل بالقول الثاني ـ وهو الظاهر من العبارة ـ فلِمَ دوّن الخليفة الاَوّل وغيره من الصحابة الاَحاديث؟!(4).

____________
(1) مثل الدكتور صبحي الصالح في «علوم الحديث»، والخطّابي البستي في معالم السنن 4|184، والسمعاني في أدب الاِملاء والاستملاء: 146، وابن الصلاح في علوم الحديث: 182، والبيهقي، وابن كثير في اختصار علوم الحديث: 87.
(2) بل نهى عن التحديث كذلك، فمَنَـعَ أبا هريرة ـ انظر: المحدّث الفاصل: 554، البدايـة والنهايـة 8|106 ـ، وابن مسـعود ـ انظر: الكامل لابن عديّ 1|18 ـ، وأبا موسى الاَشعري ـ انظر: البداية والنهاية 8|107، مستدرك الحاكم 1|125 ـ ووفد الكوفة ـ كما في حديث قرظة بن كعب ـ.
(3) تقييد العلم: 36 ـ 60، السُـنّة قبل التدوين: 309.
(4) تذكرة الحفّاظ 1|5، حجّيّة السُـنّة: 394، الاعتصام بحبل الله المتين 1|30.

( 135 )
بل لِمَ يسـتـشـير الخليفـةُ الثـاني الصحـابةَ في تـدوين حـديث رسول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم ـ المنهيّ عنه افتراضاً ـ؟!(1).
وكيف بهم يشـيرون عليه بذلك لو كانوا قد سمعوا حديث النهي عن رسول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم ؟!(2).
وما الذي يعنيه قول الخليفة عمر للصحابة: «من كان عنده شيء فليمحـه(3)» أو: «لا يبقينّ أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به»؟!(4)
ألا يدلّ ذلك على وجود مدوّنات عند الصحابة قبل عهده؟!
وكيف يأمر عمر بن عبـد العزيز بتدوين الاَحاديث في الزمن المتأخّر(5)، خلافاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المفترض؟!
وألا يخالف النصّ السابق ما رواه أبو سعيد الخدري نفسه في قوله: «كنّا لا نكتب إلاّ التشهّد»؟!(6)
ومثله ما جاء عن ابن مسعود مع وجود إضافة: «والاستخارة»؟!(7)
وهذان النصّان دالاّن على وجود كتابة سوى القرآن، وجواز تلك الكتابة للمسلمين.
فممّا يحتمل هنا ـ قويّاً ـ هو: أنّ النصّ الاَوّل عن أبي سعيد مكذوبٌ
____________
(1) تقييد العلم: 49، حجّيّة السُـنّة: 395.
(2) تقييد العلم: 49، حجّيّة السُـنّة: 395.
(3) تقييد العلم: 53، حجّيّة السُـنّة: 395.
(4) الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 1|140.
(5) تقييد العلم: 105 و 106، سنن الدارمي 1|126، صحيح البخاري 1|36، التاريخ الصغير: 105، الجرح والتعديل 1|21، تاريخ دمشق 3|175.
(6) تقييد العلم: 93.
(7) السُـنّة قبل التدوين: 397 عن المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ 1|115.

( 136 )
عليه، للاَدلّة التي نقلناها.
بل نحن لو قارنّا جملة الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب للصحابة «من كان عنده شيء فليمحه» مع المنسوب إلى الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم «فليمحه» لعرفنا أنّ أنصار الخليفة كانوا وراء هكذا نصـوص، خصوصاً وأنّ عمر لم يمحُ الاَحاديث، بل أحرقها!!
2 ـ وأمّا ما قاله أبو سعيد الخدري عن نفسه «استأذنت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن» فهو بعد فرض ثبوته تنزّلاً يقال فيه: إنّ النهي فيه نهي شخصيّ لاَبي سعيد الخدري فقط ـ بقرينة سماحه صلى الله عليه وآله وسلم بالكتابة للآخرين كأبي شاة اليمني(1)، والاَنصاريّ الذي شكا سوء الحفظ (2)، ودعوته صلى الله عليه وآله وسلم عليّـاً وغيره للكتابة(3).
على أنّ الظاهر من نسبة أبي سعيد النهي إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّه كان بفهمٍ منه لا بتصريح من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !
لاَنّنا بملاحظتنا لاَحاديث أبي سعيد الخدري ـ التي نسب فيها النهي إلى نفسه لا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجدناها جميعاً تذكر تعليل أبي سعيد المنع بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرهم بالحفظ، وأنّهم كانوا يسمعون ويأخذون مشافهة فقط، ففهم أبو سـعيد خطأً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان ينهى عن التدوين، مع أنّ من الواضح أنّ الاَمر بالحفظ وتدقيق السمع والاَخذ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
____________
(1) تقييد العلم: 86، صحيح البخاري|اللقطة، صحيح مسلم|الحجّ، مسند أحمد 2|238، سنن أبي داود 5|45، جامع بيان العلم وفضله 1|70.
(2) تقييد العلم: 65، مجمع الزوائد 1|152.
(3) أدب الاِمـلاء والاسـتملاء ـ للسمعاني ـ: 12 ـ 13، الاِمامـة والتبصرة من الحيرة ـ لابن بابويه ـ: 174، بصائر الدرجات: 163 و ص 168 بنحو آخر.

( 137 )
لا يدلّ بحالٍ من الاَحوال على نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن التدوين.
هـذا، مع أنّ أمره صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة بالحفظ والسماع وتلقّي الاَحاديث يكون عامّاً شـاملاً لحفظ حديثـه كتابةً أيضـاً؛ لاَنّ حفظ كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يختصّ بحفظه في الذهن عبر القوّة الحافظة، بل يشمل حفظه بشتّى الطرق، والتي تكون أبلغها الكتابة والتدوين، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «من حفظ على أُمّتي أربعين حديثاً...»(1).
فالمحافظة على الحديث النبويّ لا يختصّ بحفـظه عن ظهر قلب، بل يمكن تحقّقه بتدوينه كتابة، بل يمكن القول بأنّ المحافظة عليه بالكتابة هي الاَجدر والاَنفع، ولهذا نرى العلماء يؤلّفون «الاَربعينات الحديثيّة».
وعليـه: فإنّ الدعوة إلى الحفظ الذهنيّ، وتخصيص حفظ الحديث بالحفـظ عن ظهر قلب، فيه من المسـامحة ما لا خفاء فيه، إذ جاء عن الصادق : «القلب يتّكل على الكتابة»(2) وأصرح منه قوله: «اكتبوا، فإنّكم لا تحفظون حتّى تكتبوا»(3).
ولو سلّمنا عدم إرادة ذلك كلّه، فإنّ لنا أن نقول: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة بعدم تدوين كلامه وحديثه ضمن القرآن المجيد، بل كان يأمر بتدوين القرآن مستقلاًّ، والحديث مستقلاًّ لئلاّ يختلطا.
وهـذا الـذي قلنـاه يـدلّ عليـه مـا روي عـن أبي هـريـرة مـن أنّ النبيّ الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة بجمع الكتب فقال: «من كان عنده منها شيء
____________
(1) انظر مثلاً: مشكاة المصابيح 1|117 ح 258، كنز العمّال 10|224 ـ 226 ح 29182 ـ 29192، إتحاف السادة المتّقين 1|75 و 77.
(2) أُصول الكافي 1|72 ح 146.
(3) أُصول الكافي 1|72 ح 147.

( 138 )
فليأت به، فجمعناها فأُخرجت...»(1).
إذ لا معنى للاِخراج إلاّ ما ذكرنا من أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإخراج أقواله المدوّنـة مـن قِبَـل بعـض الصحـابة مـع القـرآن، وهـذا أدلّ عـلى إقـرار النبيّ ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم للتدوين منه على النهي!
هذا كلّه على فرض تسليم ورود النهي عنه صلى الله عليه وآله وسلم بطريق أبي سعيد، مع أنّه لم يثبت ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم كما بُحث في محلّه، بل الثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم هو عكس ذلك.
وبهذا فقد فَنّدنا ما زُعمت روايته عن أبي سعيد الخدري، والآن مع حديث زيد بن ثابت.

* مناقشة رواية زيد بن ثابت:
وأمّا ما جـاء عن زيـد بن ثابـت مـن أنّ رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمـرهم أن لا يكتبوا حديثه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فيخالفه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عمومات الاِذن بالتدوين(2) وكتابة الصحابة لحديثه صلى الله عليه وآله وسلم (3)، حتّى جاء عن زيد بن ثابت نفسه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره بتعلّم اللغة السريانيّة نطقاً وكتابة، فتعلّمها في حدود ستّة عشر يوماً(4).
فلو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيز كتابة كتب اليهود خوفاً من مكرهم،
____________
(1) تقييد العلم: 35.
(2) تقييد العلم: 68.
(3) تقييد العلم: 72 ـ 98.
(4) الطبقات الكبرى 2|358، سنن أبي داود 3|318 ح 3645، مسند أحمد 5|186، تهذيب الكمال 10|28 ـ 29.

( 139 )
فبطريق أَوْلى كان يسمح لاَُمّته بكتابة حديثه خوفاً من الضياع.
على أنّ في صدر الرواية عن زيد قول الراوي: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسـأله عن حديث، فأمر إنسـاناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسـول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه؛ فمحاه(1).
وفي نـصّ آخـر: إنّ السـائل المريد للكتابة هـو مـروان بن الحكم (2) لا معاوية بن أبي سفيان.
ومن الثابت جزماً أنّ معاوية ومروان كانا من أشدّ المانعين للتدوين، فكيف أرادا ـ أو أراد أحدهما ـ تدوين هذا الحديث؟!!
إنّ هذا تضارب صريح تُخفى وراءه أهداف؟!
مع أنّ هذه الرواية تدلّك على أنّ الحكّام كانوا يريدون إباحة التدوين لاَنفسهم دون غيرهم، أي يريدون تثبيت ما يرتضونه وترك ما لا يرتضونه، لِما فيه من مصلحة لهم.
على أنّ زيداً ادّعى نهي الرسول عن التدوين دون أن ينقل النصّ الناهي، إذ لعلّ زيداً استنتج ذلك خطأً من واقعةٍ ما، أو حديثٍ ما، ونحن غير ملزمين بفهم زيد، وإنّما يلزمنا قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو فعله أو تقريره، وهو غير مذكور في المقام.
* * *

____________
(1) تقييد العلم: 35، جامع بيان العلم 1|63.
(2) جامع بيان العلم 1|65، الطبقات الكبرى 2|117، تاريخ دمشق 5|449، هامش تقييد العلم: 35.

( 140 )
* مناقشة روايات أبي هريرة الدوسي:
* النصّ الاَوّل:
فأمّا المدّعيات التي جاءت فيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: «أكتابٌ مع كتاب الله؟!» وقوله: «فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثمّ أحرقناه بالنار.
فقلنا: أيْ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! أنتحدّث عنك؟
قال: نعم، تحدّثوا عنّي و لا حرج...».
إلى أن يقول: «فقلنا: أنتحدّث عن بني إسرائيل، قال: تحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج...».
فلنا عليها ملاحظات:
الاَُولى: إنّ جملـة «أكتـابٌ مع كـتـاب الله؟!» تـومـىَ إلـى أنّ رسـول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتقد أنّ الناس يريدون أن يجعلوا كلامه صلى الله عليه وآله وسلم عديل كتاب الله وقسيمه، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم نهاهم عن ذلك، لاعتقاده صلى الله عليه وآله وسلم بعدم صحّة هذا الفعل منهم؛ لاَنّ جمع كلامه صلى الله عليه وآله وسلم في مصحف سيؤثّر على كلام الله.
وهذا الكلام باطل صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعدّة جهات:
أ ـ نحن نعلم أنّ فهم القرآن «الذِكر» متوقّف على السُـنّة، فلا يمكن معرفة الاَحكام إلاّ بالسُـنّة؛ لقوله تعالى:( إليك الذِكر لتبيّن للناس مـا نزّل إليهم)(1)، وتدوينها أضبط طريق لصيانتها.

____________
(1) سورة النحل 16: 44.

( 141 )
ب ـ إنّ جملة «أكتابٌ مع كتاب الله؟!» توحي بأنّ كلام الله يمكن خلطه مع كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا يعارض قوله تعالى: ( إنّا نزّلنا الذِكر وإنّا له لحافظون).(1)
مضافاً إلى ذلك أنّ الاَوّل ـ القرآن ـ قد صدر على نحو الاِعجاز البلاغي، وقد تكرّرت دعوات القرآن المتحدّية للكفّار والمشركين بالبلاغة في القرآن بأساليب مختلفة، منها قوله(: اجتمعت الاِنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)(2).
وقوله(: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين).(3)
وقوله(: فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)(4).
بخلاف الثاني ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي لم يكن في مقام التحدّي والاِعجاز البلاغيّ، بل جاء على سبيل تبيين الاَحكام.
ج ـ إنّ الكلام السابق يستلزم اتّهام الصحابة بفقدانهم القدرة على التمييز بين كلام الله ـ الذي حفظوه وتناقلوه ـ وبين كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي صدر في مقام التفسير والشرح.
نعم، إنّ هذه المقولة قالها الخليفة الثاني لمن جمعهم عنده
____________
(1) سورة الحِجر 15: 9.
(2) سورة الاِسراء 17: 88.
(3) سورة يونس 10: 38.
(4) سورة البقرة 2: 23.

( 142 )
يستشيرهم في أمر التدوين بقوله: «وإنّي ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنّي والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً»(1)، فلا يستبعد بـعد هـذا أن يكون أنصار الخليفة وراء نسبة هذا القول إلى رسول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، خصوصاً مع ملاحظة كون الراوي هنا هو أبو هريرة الدوسي الذي اتٌّهم صريحاً من الصحابة بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه(2).
الثانية: وهو الكلام في الجملة الثانية من رواية أبي هريرة، التي تدّعي تشريع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحرق الكتب؛ لقول الراوي: «فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثمّ أحرقناه بالنار».
وهذا باطل النسبة إليه صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ إنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يُجِزْ حرق التوراة والاِنجيل المحرَّفين(3)، فكيف به يجيز حرق مفسِّر القرآن ومبيّنه وما فيه اسم الله وأحكامه؟!
نعم، إنّ الحرق هو الآخر من فعل الشيخين، إذ ثبت عن الخليفة الاَوّل حرقـه لاَحاديثـه الخمسـمائة(4)، وثبـت عـن عمر حـرقٌ مثلُـه(5)، فلا غرابة أن نقول بأنّ هذا الحرق المدّعى من وضع أتباع الخلفاء، إذ ترى الشيخين لم ينسبوا فعلهما (الحرق) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهذا يؤكّد حقيقة أنّ الاِحراق هو من فعل الشيخين لا من سيرة
____________
(1) تقييد العلم: 49، حجّيّة السُـنّة: 395.
(2) من عائشة وعليّ، وقد نهاه عمر من التحديث و...
(3) انظـر: الكامـل في الضعفـاء ـ لابن عـديّ ـ 1|177 والخبـر عـن عائشة عـن النبيّ 6.
(4) تذكرة الحفّاظ 1|5، حجّيّة السُـنّة: 394، الاعتصام بحبل الله المتين 1|30.
(5) تقييد العلم: 52، وقريب منه في الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ.

( 143 )
الرسول، فلو كان الحرق شرعياً لاستندوا إليه صلى الله عليه وآله وسلم واحتجّوا لفعلهم بفعله، وحينما لم تكن لهم تلك الحجّة الشرعيّة اضطرّ اللاحقون لاَن يضعوا هذه الفقرة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتصحيح فعل السابقين.
الثالثة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «تحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» فإنّ لنا على هذه المقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤاخذتين رئيسـيّتين:
أُولاهما: أنّ الثابت عند المسلمين أنّ ترك القرآن والانصراف إلى ما سواه منهيّ عنه ومحرّم شرعاً، لكنّ الادّعاء بأنّ الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى تركه ثمّ تطبيق ذلك على السُـنّة النبويّة فيه من المسامحة ما لا خفاء فيه؛ لاَنّ الثابت أنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن هو ما يكون منافياً له، كالاَخذ بالتوراة والاِنجيل وما فيهما من العقائد والآراء، وأمّا العناية بمفسِّر القرآن ومبيّنه فلا مجال لعدّهِ موجباً لترك القرآن وهجرانه.
وثانيتـهما: أنّـه كيـف سـاغ السـماح بالتحـديث عن بني إسـرائيل بلا حرج، مع وقوفنا على النواهي النبويّة المتكرّرة عن الاَخذ بأقوال أهل الكتاب؟!
فنحن لو تأمّلنا تحذير الله ورسوله وتخوّفه على الدين من دور بني إسـرائيل في الشريعة، وتأثّر الناس بهم في صدر الاِسلام، حتّى إنّهم كانوا يسألون اليهود في أحقّيّة اتّباع دين محمّـد وعدمه، فلو جمعنا كلّ هذه الحقائق لعرفنا حقائق أُخرى مهمّة في التشريع الاِسلامي.
ولا أدري كيف يمكن للمطالع أن يصدّق سماح الرسول بالتحديث عن بني إسرائيل، مع حظره المدّعى عن حديثه، وهو الصادق المصدّق؟!
بل كيف يجيز حرق حديثه ونراه لا يسمح بحرق التوراة والاِنجيل؟!

( 144 )
فلو كان الانكباب على كتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشغل الناس عن الاَخذ بالكتاب، فكذلك هو التحديث بأحاديث الرسول ـ مع احتمال فرض الانشغال به ـ فكيف يجوّزون التحديث ولا يجوّزون الكتابة؟!!
الرابعة: إنّ مرويّات المنع عن أبي هريرة تعارض ما رواه ـ هو ـ عن عبـدالله بن عمرو بن العـاص، وأنّه كـان أكثر حـديثاً منـه لاَنّه كـان يكـتب ما يسمع(1)
فلو صحّ رأيه ونقله الاَوّل(2) لصارت مرويّات عبـدالله بن عمرو بن العاص كلّها ساقطة عن الحجّيّة وباطلة؛ لعدم عمله بأَمر الرسول بعدم كتابتها، بل يلزم علينا وعلى أبي هريرة حرق مدوّنة عبـدالله بن عمرو وغيره لكونها منهيٌّ عنها، وبعد هذا فلا معنى لوجود مدوّنة لعبـدالله بن عمرو وغيره.
وإنْ صحّ رأيه ونقله الثاني، فالخبر الاَوّل سيكون باطلاً لمشروعيّة الكتابة عند المسلمين وسيرتهم العمليّة فيها؛ لكتابة عبـدالله بن عمرو وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وممّا يؤيّد صحّة الخبر الثاني ما جاء عن ابن نهيك وإشهاد أبي هريرة على صحّة ما نقله من كتابه، أو ما جاء عن همّام بن المنبّه من أنّه جمع أحاديث أبي هريرة في كتاب وسمّاه: الصحيفـة الصحيحـة؛ فهذه النصوص تخدش صحّة النقل الاَوّل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وترجّح وضعه بأخرة خدمةً للحكّام وتعليلاً لآرائهم وأفعالهم.
* * *

____________
(1) تقييد العلم: 82، جامع بيان العلم 1|70، مسند أحمد 2|248 و 403.
(2) أي المبحوث عنه هنا، وهو نهي رسول الله 6 عن الكتابة وسماحه بالتحديث.

( 145 )

* النصّ الثاني:
عن أبي هريرة، فلنا عليه تعليقتان:
الاَُولى: إنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّما أنا بشر» يدلّ على أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتقد بأنّ ليس لكلامه صلى الله عليه وآله وسلم الحجّيّة الشـرعيّة، بل هو بشر عاديّ يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا، وهذا المدّعى نفس مدّعى قريش ومقولتـها لعبـدالله بن عمرو بن العاص: «تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشر يتكلّم في الرضا والغضب؟!».
لكنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرتضي مقولة قريش ويقول لعبـد الله ابن عمـرو: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ ـ وأشار بيده إلى فيه ـ»(1) .
وهذا هو معنىً آخر لقوله تعالى : ( وما ينطق عـن الهوى * إنْ هو إلاّ وحي يوحى) وضّحناه في معنى الحديث، فرسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ في خبر عبـدالله بن عمرو بن العاص ـ لا يقبل دعوى قريش «إنّما أنا بشرٌ»، بل يصرّح بأنّ كلامه صحيح، وما خرج منه إلاّ حقّ، بخلاف ما جاء في خبر أبي هريرة من أنّ رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال بمقولة قريش واعترف بأنّه بشر عاديّ يخطىَ ويصيب، ومعناه أنّ ليس لكلامه من الحجّـيّة شيء!
وهذا كلام باطل لا يقبله أهل التحقيق ولا العقل السليم.
الثانية: إنّ الدعوة للتحديث وترك التدوين هي من أُصول سياسة
____________
(1) تقييد العلم: 80، جامع بيان العلم 1|71، مسند أحمد 2|162.

( 146 )
الشيخين كما ستعرف لاحقاً. فيسـتنتج من كلّ هذا أنّ أنصار الخليفة كانوا وراء هذا الخبر، كما قلنا سابقاً.
هـذا، مع أنّـنا أشـرنا ـ في ما سـلف ـ إلى أنّ هـذا الحـديث لـو صـحّ صـدوره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو غير صحيح الصدور ـ فإنّ رسول الله ى الله عليه صلى الله عليه وآله وسلم أمر فيه بإخراج الاَحاديث المدوّنة مع كتاب الله في كتاب واحد، لا نفي جواز ومشروعيّة تدوينه، بل فيه إشارة إلى أرجحيّة تدوين الاَحاديث النبويّـة.
فأمّا مـا جاء عـن كراهة بعض الصحابة للتـدوين، فليـس هو حجّـة علينا، ولا على غيرنا، بعدما عرفنا من عدم نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه، ويضاف إلى هذا ما قاله الدكتور مصطفى الاَعظمي: «إنّ كلّ مَن نُقل عنه كراهيّة العلم، فقد نُقل عنه عكس ذلك أيضاً، ما عدا شخص أو شخصين، وقد ثبتت كتابتهم أو الكتابة عنهم فقط».

* * *