السيّد علي الشهرستاني
إنّ السُنّة النبوية المباركة هي المصدر الثاني في التشريع الاِسلامي بعد
الكتاب العزيز، وبما أنّ عماد السُنّة النبوية هو الحديث النبوي الشريف،
فلا بدّ من تناوله بشيء من الاِيضاح والتفصيل.
فعلم الحديث من العلوم الاَساسيّة والمهمّة في فهم الشريعة الاِسلاميّة
واستنباط أحكامها.
وقد يتصوّر بعضهم خطأً حينما يسمع بمصطلح «علم الحديث» أو
«حديث رسول الله» أنّه يدور حول بيان الفرائض والسنن التي أتى بها
فمصطلح «علم الحديث» إذاً عامٌّ وشامل لمجالات شتّى، والبحث
عنه يستدعي دراسة عدّة جوانب أساسيّة، هي:
1 ـ تاريخ الحديث.
2 ـ رواة الحديث.
3 ـ دراية الحديث.
4 ـ فقه الحديث.
ونعني بتاريخ الحديث: بيان ما مرّ على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من
أدوار، من قبل البعثة إلى تدوينه في العهد المرواني، مع الاِشارة إلى جذور
منع التدوين، والاَفكار السائدة عند العرب في الجاهليّة وصدر الاِسلام.
وبرواة الحديث: البحث عن رواة الحديث ورجالـه جرحاً وتعديلاً،
وهو ما يسمّى اليوم بـ: «علم رجال الحديث».
وبدراية الحديث: البحث عن الحديث ـ كوحدة متكاملة ـ سنداً
ومتناً، لمعرفة مكانة الحديث صحّة وسقماً، مع معرفة كيفيّة تحمّل الرواية
وآداب نقل الحديث؛ أي أنّ البحث عنه يكون كبروياً، لا صغروياً كما في
كتب رجال الحديث، ويسمّى هذا عند بعضهم بـ: «مصطلح الحديث»
وعند بعضهم الآخر: «أصول الحديث»، وعند ثالث: «علم الحديث».
وبفقه الحديث: البحث عن وجوه التورية والتأويل في كلام الرسول
وأئمّة المسلمين، لقول الصادق عليه السلام: «لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتّى
ونحن تركنا دراسة الجانبين الثاني والثالث لكثرة ما كتب فيهما، وبقي
علينا أن ندرس الجانبين الاَوّل والاَخير، فعنايتنا بهما نظراً للحاجة الماسّة
إليهما، وقد قدّمنا البحث عن تاريخ الحديث لاَنّه يوضح لنا الملابسات التي
واكبت السُنّة النبويّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وذلك نظراً للحاجة لها، وجعلناه
في بابين:
الباب الاَوّل: عصر التأصيل.
الباب الثاني: عصر التدوين.
ونعني بعصر التأصيل: هو عصر بناء الاَُسس والمفاهيم عموماً، وفي
المرحلة الانتقاليّة ـ من الجاهليّة إلى آخر عهد الخلافة الراشدة ـ على وجه
الخصوص كي نقف على رواسب الجاهليّة في التراث الاِسلامي وما أتت به
بعض المدوّنات الاِسلاميّة من أحاديث طبقاً للمصالح والاَهواء؛ لمعرفتنا
بأنّ بعض العرب كان لا يؤمن بما أتى به النبيّ ولا يعتقد بمكانته صلى الله عليه وآله وسلم
وأنّه أُرسل من قبل ربّ العالمين، أو يؤمن بذلك إيماناً ناقصاً على غير
الوجه الذي أراده الله، فترى هؤلاء يتعاملون مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونصوصه من
منطلَق أنّه بشر عاديّ يقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا!!
وفي المقابل نرى إيمانهـم بأُصول عرفوها في الجاهليّة وراحوا
يسعون لتحكيمها من خلال بعض المواقف والمفاهيم الحديثيّة، كالقوميّة
العربية والعناية المتزايدة بالاَنساب وغيرها من أفكار العصر الجاهلي.
والبحث في هذا الباب يستدعي النظر في خمس مراحل، هي:
1 ـ العرب وحديث محمّـد بن عبـد الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة.
3 ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فترة الخلافة الراشدة.
أ ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عهد أبي بكر 11 ـ 13 هـ.
ب ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله في عهد عمر بن الخطّاب 13 ـ 23 هـ.
ج ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عهد عثمان بن عفّان 23 ـ 35 هـ.
د ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عهد عليّ بن أبي طالب 35 ـ 40 هـ.
4 ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العهد الاَُموي 40 ـ 63 هـ.
5 ـ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العهد المرواني 64 ـ 132 هـ.
ولكنّنا قبل التفصيل في الاَمر لا بدّ لنا من إلقاء الضوء على حالة شبه
الجزيرة العربيّة والعرب قبل الاِسلام، وكيفيّة تأصيل المفاهيم عندهم، كما
لا بدّ لنا من بيان حدود شبه الجزيرة العربيّة جغرافياً، مع نبذة من تاريخ
عرب الجزيرة قبل الاِسلام؛ إذ أنّ في معرفة الحالة الاجتماعيّة والوقوف
على العقائد الموروثة، وما حملته العرب معها إلى العصور اللاحقة من تاريخ
المسلمين توضيح الكثير من الحقائق الكامنة، لاَنّ كلّ فكر جديد، يدخل
على أُمّة من الاَمّم أو شعب من الشعوب لا ينفكّ في نهاية المطاف بحالٍ
من الاَحوال عن التأثّر ـ على صعيد التطبيق الخارجي ـ بما يحمله ذلك
الشعب من خلفيّات ثقافيّة وموروثٍ فكري، فإنّ شرح وتفسير مثل ذلك
الموروث يساعدنا على تفهّم جذور حقائق كثيرة في تاريخ الاِسلام على
نحو العموم، والتشريع الاِسلامي على وجه الخصوص، ومثله الحال بالنسبة
إلى المذاهب والعقائد والآراء والاتّجاهات في الاَزمان اللاحقة؛ فقد أثّرت
هي الاَُخرى على الحديث، فالبحث عن هذه الاَُمور يساعدنا في فهم مكانة
شبه الجزيرة العربيّة جغرافياً:
سُمّيت شبه الجزيرة العربيّة بهذا الاسم، لاِحاطة الماء بها من ثلاث
جهات، من الشرق بمياه الخليج، ومن الغرب بالبحر الاَحمر، ومن
الجنوب بالمحيط الهندي وخليج عدن.
شبه الجزيرة العربيّة والحضارات المجاورة:
كان السومريّون والاَكديّون والبابليّون والآشوريّون من الحضارات
القديمة الّتي استقرّت في شمال شبه الجزيرة العربيّة (العراق) ومنذ خمسة
آلاف سنة قبل الميلاد.
قال جرجي زيدان عن ثقافة البابليّين: عثر المنقّبون على قرميدة بابليّة
عليها كتابة مسماريّة فيها قائمة بأسماء ملوك بابل منذ أكثر من ستّين
قرناً...
إلى أن يقول: ومن جملة أُولئك الملوك ملك اسمه (شرجينيا) كان
محبّاً للعلم راغباً في العمارة، أنشأ مكتبة في «وركاء»... مملوءة بالكتب
اللغويّة والفلكيّة والشرعيّة والاَدبيّة وغيرها، ثمّ نسخت بعد إنشائها بخمسة
وأمّا حضارة بلاد الشام، فكانت هي الاَُخرى عريقة ترجع إلى ثلاثة
آلاف سنة قبل الميلاد، فممّا أسّسته الدولة الفينيقيّة في القرن الخامس
والعشرين ق. م مدينة جبيل، كما بنت مدينة بيروت (بيريت) في القرن
الثاني والعشرين ق. م.
قال الدكتور محمّـد أسعد طلس في معرض حديثه عن الدولة
الفينيقيّة: وكانت بلادهم ممتدّة ومملكتهم على جانب عظيم من المعرفة
والتفوّق في العلوم والآداب والصناعة، أمّا العلوم والآداب فقد ضربوا فيها
بسهم عظيم ووضعوا الحروف الهجائيّة واختصروها إلى اثنين وعشرين
حرفاً بعد أن كانت عند البابليّين والمصريّين تُعدّ بالمئات...
إلى أن يقول: وقد عرف هؤلاء بفنون التجارة البحرية والحدادة
والنجارة وبخاصّة نجارة السفن والاَساطيل، وإنّهم كانوا يهتدون في
أسفارهم بالنجوم والكواكب لبراعتهم في علمي الفلك والنجوم(2).
وأمّا حضارة جنوب شبه الجزيرة، فتتمثّل بحضارة الدولة المُعينيّة في
اليمن، التي ذهب البروفسور أدوارد كلاسر Glasser إلى أنّها كانت في الاَلف
الثالث قبل الميلاد، وذهـب جوزيف هاليفي Haievy ومولر Muller
وشبرنجر Sprenger إلى أنّها كانت في أواخر الاَلف الثاني وأوائل الاَلف
ومن الدول التي حكمت جنوب شبه الجزيرة الدولة السبئيّة
والحميرية، فكانت هذه الدول على جانب عظيم من الرقيّ الصناعيّ
والزراعيّ والعمرانيّ والثقافيّ، وقد كانت كتاباتهم على الطريقة الحلزونيّة
Boustro Phedon أي أنّها تبدأ من اليمين إلى الشمال، فإذا انتهى الكاتب
من السطر الاَوّل وأراد كتابة السطر الثاني كتب من الشمال إلى اليمين،
وهكذا دواليك، وقد عثر على طائفة من الكتابات الحلزونيّة المنقوشة على
الحجارة والطين أو الجصّ، وهي ما تزال موضع دراسة العلماء
الاَخصّائيّين، وأشهر مآثرهم (سد مأرب) الدالّ على براعتهم بعلم الهندسة
وتنظيم الريّ وحسن الاستفادة من مياه الاَمطار(3).
وأمّا حضارة وادي النيل، فهي الاَُخرى من أقدم وأعرق الحضارات
المجاورة لشبه الجزيرة العربيّة، وقد استقرّت هذه الحضارة في وادي النيل
من أواسط الاَلف الخامس قبل الميلاد، وكانت على جانب عظيم من الرّقي
والتحضّر في العلم والعمران والزراعة، وقد بقي من مآثرهم العمرانيّة
الاَهرامات وأبو الهول وغيره، وهي حضارة غنيّة عن التعريف.
كان هذا استعراضاً إجماليّاً للحضارات القديمة الّتي أحاطت شبه
الجزيرة العربية، جئنا به للتمييز بين الوضع داخل الجزيرة وخارجها، إذ
الثابت جغرافياً أنّ أرض الجزيرة أرض صحراوية قاحلة ليس فيها ماء ولا
وتظهر شدّة الجفاف من خلال التنازع على شرف سقاية الحاج، قال
سبحانه: (أَجَعَلتُم سِقايَةَ الحَاجِّ وعِمارَةَ المَسجِدِ الحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ
وَاليومِ الآخِرِ)(4) وهذه البيئة الجغرافيّة والظروف الاجتماعيّة، هي الّتي
جعلت الجزيرة العربيّة بمأمن من مطامع الدولتين العظيمتين آنذاك (الروم
والفرس)، كما جعلت هذه الاَرض أرضاً آمنة يلجأ إليها أعداء الروم
والفرس، فقد هاجر إليها أوّلاً يهود فلسطين، فسكنوا يثرب، وهاجرت
بعدهم قبائل الاَوس والخزرج من اليمن فسكنوا فدك وتيماء، فبدأ
الوافدون من الحضارات المجاورة في تطوير الزراعة وإحكام أسسها،
وكيفيّة تنظيم الرّي والاستفادة من الاَمطار عند عرب شبة الجزيرة، لما
وعلى كلّ حال فإنّ حالة الجفاف، والطبيعة الصحراوية، كانت من
جملة الاَسباب التي جعلت سكان الجزيرة في تقاتل وتنازع مستمرّ، فكانوا
يسفكون الدماء (من غارات مشنونة وأرحام مقطوعة) من أجل توفير
العيش الرغيد، وإذا لم يجدوا النهب المراد عند الاَعداء أغاروا على
الاَصدقاء وحتّى على الاَُخوة، وقد وصفهم القطاميّ بشعره، فقال:
ووصفهم الاِمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة بقوله:
«... وأطباق جهل من بنات مووَُدة، وأصنام معبودة، وأرحام
مقطوعة، وغارات مشنونة...»(1).
وقوله «... وأنتم معشر العرب على شرِّ دينِ، وفي شرِّ دارٍ، منيخون
بين حجارة خشن، وحيّات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب،
وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الاَصنام فيكم منصوبة والآثام بكم
معصوبة...»(2).
وقالت الزهراء عنهم في خطبة طويلة، منها:
«تشربون الطرق(3) وتقتاتون الورق(4)، أذلّة خاسئين (تخافون أن
وجاء في كلام جعفر بن أبي طالب وهو يصف العرب قبل الاِسلام
لملك الحبشة قوله: «... كنّا قوماً أهل جاهليّة نعبد الاَصنام، ونأكل الميتة،
ونأتي الفواحش، ونقطع الاَرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا
الضعيف...» إلى أن يقول وهو يصف دور الرسول في تغيير هذه الاَُمّة
الجاهليّة: «... وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الاَمانة، وصلة الرحم،
وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول
الزور، وأكل مال اليتيم...»(3).
هذه هي حالة شبه الجزيرة، والقاطنين فيها، ومن أراد المزيد
فليراجع كلمات الاِمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة وخطبة السيّدة فاطمة
الزهراء عليها السلام، ونصوصٍ كثيرة في تاريخ الاِسلام.
من كلّ هذا نعرف أنّ عرب الجزيرة لم تكن الظروف مؤاتيةً لهم، ولا
عندهم دين واحد وقيادة موحّدة تؤهّلهم لقيادة العالم، بل كان غالب همّهم
البحث عن موارد العيش وسدّ الجوع.
وقد كانت الزعامات متعدّدة بين القبائل، إذ كلّ قبيلة كانت ترئِّس
عليها رئيساً يعتبرونه حاكماً مطلقاً لا سلطان لغيره عليهم، فلذلك كثرت
النزاعات والحروب وتولد ما يسمى بـ (ايام العرب) في الجاهلية.
وهذه الحالة المتفكّكة في المجتمع امتزجت بين الزعامة والديانة
فولّدت حالة تعدّد الاَصنام المعبودة، فكانت كلب تتّخذ «وَدّاً»، وكان
«سواع» لهذيل، و«يغوث» لمذحج وقبائل من اليمن، و«يعوق» لهمدان،
و«نسر» لذي الكلاع بأرض حمير، وكان «اللات» لثقيف، و«العزّى»
لقريش وجميع بني كنانة وقوم من بني سليم، و«مناة» للاَوس والخزرج
وغسّان، و«هبل» أعظم الاَصنام عندهم، وكان على ظهر الكعبة، و«إساف»
و«نائلة» على الصفا والمروة، وكان لبني ملكان من كنانة صنم يقال له:
«سعد» و...
وقد صرّح القرآن بهذه الحالة منتقداً لها بمثل قوله: (وقالوا لا تذرُنَّ
آلهتكم ولا تذرُنَّ وَدّاً ولا سُواعاً ولا يغوثَ ويعوقَ ونَسْراً)(1).
نعم، إنّ هذه الحالة هي التي سمحت للقبائل بالاجتهاد في انتخاب
الاِله وجعل الصنم من خشب أو رخام أو تمر أو طين أو...
ويتجلّى موقف قريش ـ زعيمة العرب ـ من خلال المحاورة التي
دارت ـ بطلب من قريش ـ بين النبيّ وعمّه أبي طالب؛ إذ قال له: هؤلاء
سروات قومك يسألونك أن تكفّ عن شتم آلهتهم ويَدَعُوك وإلهك.
فقال رسول الله: أي عم، أَوَ لا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟!
كلمة يقولونها تدين لهم بها العرب ويملكون رقاب العجم؟!
فقال أبو جهل: ما هي؟ وأبيك لنعطينّكها وعشر أمثالها.
قال صلى الله عليه وآله وسلم : تقولون: «لا إله إلاّ الله»... فنفروا وتفرّقوا وقالوا: سل
أضف إلى ذلك أنّ خلوّ الجزيرة من حكومة مركزية مستقلّة جعلتهم
يعيشون حياة الفوضى وتحكيم القوانين القبليّة ومنطق القوّة وما تواضعوا
عليه من أعراف وتشريعات بدائيّة، غير منكرين وجود حالات أخلاقيّة
ومواضعات عرفيّة سليمة كإكرام الضيف، والنجدة، والاِقدام، والدفاع عن
المظلوم المتجلّي في حلف الفضول بأوضح صورة، لكنّ مجمل وضع
الجزيرة كان هو عدم المركزية، وتحكيم المفاهيم والقوانين الجاهليّة.
فالاَعراف القبليّة كانت الحاكمة في حياتهم لا التعاليم الدينيّة
الصحيحة، ولو لحظنا المجتمع آنذاك واعتقاداته لرأيناها متقسّمة بين
اليهودية والنصرانيّة المحرّفتين، وبين عبادة الاَصنام، وسائر ضروب
الاعتقادات المغلوطة، اللّهم إلاّ القلّة القليلة التي وصلتها بقايا دين الحنفيّة.
فنتج من هذا الخليط الفكريّ والثقافيّ أن نرى الغالبية الساحقة من
سكّان الجزيرة أُميّين لا يقرؤون ولا يكتبون؛ إذ لم يدعوا أبناءهم لتعلّم العلم
والكتابة، وإن كانوا يعلمون بشرفهما، حتّى أنّهم اعتبروا الرجل الكامل في
الجاهليّة من يعرف الكتابة ويحسن العوم والرمي(2)، وجاء وصفهم في
الكتاب العزيز بقوله تعالى: (هُوَ الذي بَعَثَ في الاَُمِّيينَ رَسولاً
مِنهُم)(3)، وقوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه
بيمينك إذاً لارتاب المبطلون)(4)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّا أُمّة أُمّيّة
وقال ابن قتيبة: كان الصحابة أُمّيّين لا يكتب منهم إلاّ الواحد
والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجّي(2).
وجاء في المعجم الصغير للطبراني ومجمع الزوائد للهيثمي: إنّ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل رسالة إلى قبيلة بكر بن وائل، فلم يجدوا قارئاً لها
في القبيلة كلّها، فأرسلوها إلى رجل من بني ضبيعة ليقرأها، فهم يسمّون
بني الكاتب(3)، لوجود من قرأ الكتاب فيها.
وعن عيسى بن عمر: قال لي ذو الرمّة: ارفع هذا الحرف، فقلت له:
أتكتب؟! فقال بيده على فيه: اكتم عليّ فإنّه عندنا عيب(4).
وقال ابن خلدون: إنّ الخطّ والكتابة من عداد الصنائع الاِنسانيّة، وإنّ
العرب كانوا بعيدين عنها، لاَنّهم كانوا بداة بعيدين عن الحضارة غير
محبّذين لها شأن الصنائع(5).
وقال الشيخ محمّـد أبو زهو: وأمّا بادية العرب فلم تكن تخطّ، بل
كانت ترى الخطّ وصمة عار، وسمة عيب، كما هو شأنها في سائر
الصناعات المدنيّة(6).
وقال بطرس البستاني في أُدباء العرب: غلبت الاَُمّيّة على العرب في
جاهليّتهم، ولا سيّما عرب البادية، لاَنّ حياتهم الفطرية في حدودها
ولم يحرم عرب الشمال فنّ الكتابة ـ على شيوع الاَُمّية فيهم ـ فإنّ
النصارى في العراق والجزيرة علّموا جيرانهم الخطّ المعروف بالجَزْم(2)،
ولـه صلة بالآرامـي النبطـي، فكانت الكتابـة العربيّة في الاَنبار والحـيرة ومـا
جاورهمـا.
وكذلك النصارى الاَنباط في فلسطين الثالثة علّموا من جاورهم من
عرب الشام الخطّ النسخي الجليل المتفرّع من الجزم.
وتعلّم بعض القرشيّين خطّ الجزم من نصارى الحيرة في رحلاتهم
التجارية إلى العراق، فحملوه إلى مكّة، فظهرت فيهم الكتابة قبل الاِسلام،
وظهرت أيضاً في يثرب، ولليهود يد في ذلك.
ولبثت الكتابة قاصرة في الجاهليّة لا يتعلّمها من العرب إلاّ أفراد من
أهل الحواضر، وإذا تعلّموها لا يبلغون فيها حدّ الاِحكام والاِتقان، ولا
وبقي العرب لاَوّل الاِسلام لا يجيدون الكتابة، ولا يسلمون من الغلط
في الاِملاء كما تدلّ المصاحف الّتي رسمها الصحابة بخطوطهم حتّى نزلوا
الكوفة والبصرة، واحتاجت الدولة إلى الكتابة، فعنوا بإتقانها، وكتبوا
بالخطّين النسخي والكوفي، ثمّ ترقّت الخطوط بعد الفتوح الكثيرة،
وتشعّبت فروعها في بغداد وإفريقيّة والاَندلس إلى أن بلغت حالتها
الحاضرة(1).
نعم، إنّ الكتابة لم تكن بالصورة المطلوبة عند عرب شبه الجزيرة،
بل كانت عند عرب أطراف الجزيرة والّذين يُساكنون الحضارات المجاورة.
قال الدكتور محمّـد عجاج الخطيب:... وأكثر الآثار التي تحمل
كتابات العرب كانت في الاَطراف الشماليّة للجزيرة العربيّة حيث كان
الاتّصال وثيقاً بالحضارة الفارسيّة والروميّة، وممّا يذكر أنّ عديّ بن زيد
العبادي (35 ق. هـ) حين نما وأينع طرحه أبوه في الكتّاب حتّى حذق
العربيّة، ثمّ دخل ديوان كسرى وهو أوّل من كتب بالعربيّة في ديوان
كسرى(2).
هذا، ونرى إلى جانب ذاك التفكّك الديني والثقافي والقيادي عند
العرب، وحدة الدين والقيادة عند الاَُمم المجاورة، والمتحضّرة آنذاك، ففي
ولمّا جاء الاِسلام، جاء بقول: (لا إله إلاّ الله، محمّـد رسول الله)،
هاتان الشهادتان اللتان كانتا لبّ اللباب المنجي للعرب من حالتهم
اللامتوازنة آنذاك، إذ أنّ الشهادة الاَُولى كانت تعني جمع العرب أوّلاً ـ ومن
ثمّ العالم ـ على اعتقاد واحد بوحدانية المعبود، والشهادة الثانية تعني إنهاء
حالة التعدّدية القيادية والمناحرات القبلية..
فالشهادتان تمثّلان العمودين الاَساسيين لتكوين مجتمع راقٍ يخضع
لقوانين الله سبحانه وتعالى؛ لتوحيدهم فكرياً على الله جل جلاله، وسياسياً
واجتماعياً على محمد بن عبدالله.
هذا، ونحن بإيضاحنا هذه الحالة المعيشيّة والاجتماعيّة والثقافيّة في
الجزيرة العربيّة، نتوخى إيقاف القارئ على عظمة الاِسلام الذي جعل منهم
خلال ربع قرن أُمّة تقود العالم وتحطّم أكبر دولتين آنذاك، كما رجونا أن
يتبيّن لنا خلال الدراسة أثر هذه الرواسب على التاريخ والتشريع الاِسلامي،
وخصوصاً على تاريخ الحديث وسُنّة رسول الله من بعده صلى الله عليه وآله وسلم .
تأثير اليهود على عرب الجزيرة:
عرفنا ـ على ضوء الصفحات السابقة ـ أنّ عرب شبه الجزيرة لم تكن
لهم مدنيّة راقية ولا ثقافة عالية، وأنّهم قد تأثّروا كثيراً بالوافدين كيهود
فلسطين و...، وكانوا يرجعون إليهم في كثير من الاَُمور لكونهم قادمين من
1 ـ وممّا جاء في هذا الاَمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا قبيلة كندة إلى
الاِسلام، فأبوا قبوله، فأخبرهم شخص أنّه سمع من اليهود أنّهم قالوا: إنّه
سوف يظهر نبي من الحرم قد أظلّ زمانه(1). وهذا الخبر دعاهم للتثبيت
أكثر في الاَمر، ثمّ قبوله.
2 ـ نجد قبيلة بكاملها تذهب إلى يهود فدك لتسألها عن قبول الاِسلام
أو ردّه(2).
جاء في الاِصابة: أنّ وفد الحيرة وكعب بن عدي أسلما على يدي
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولمّا توفّي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ارتابوا إلاّ كعباً فإنّه استدلّ
على إسلامه بقوله: إنّي خرجت أُريد المدينة فمررت براهب كنّا لا نقطع
أمراً دونَه.(3) .
4 ـ نقل ابن عباس عن حيّ من الاَنصار كانوا أهل وثن، أنّهم كانوا
يرون لليهود المجاورين لهم فضلاً عليهم في العلم، وكانوا يقتدون بكثير
من فعلهم(4).
إلى غير ذلك في النصوص الدالّة على اعتقاد عرب شبه الجزيرة قبل
الاِسلام باليهود. وأنّهم أهل الفضل والعلم وممَّن يرجع إليهم في أمر الحياة
الرسول وتخوّفه من اليهود:
حذّر الله ورسوله المؤمنين من اليهود في عدّة آيات من الذكر
الحكيم، وعدّهم القرآن أشدّ الناس عداوة للّذين آمنوا؛ فقال تعالى:
(لَتَجِدَنَّ أشَدَّ الناسِ عداوةً لِلَّذينَ آمنوا اليَهودَ والّذينَ أَشرَكوا...)(1)،
لاَنّه سبحانه كان مطّلعاً على نواياهم وسرائرهم وأنّهم هم الّذين يحرّفون
الكلم عن مواضعه، ولا يستقبحون الكذب والافتراء على الله ورسوله، في
حين أنّهم (يَعرِفونَهُ كما يَعرِفونَ أبناءَهُم وإنَّ فريقاً مِنهُم لَيَكتُمونَ الحَقَّ
وهُم يَعلَمونَ)(2).
وجاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه أمر زيد بن ثابت بتعلّم السريانيّة خوفاً من
اليهود، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لزيد: إنّي أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا عليّ أو
ينقصوا فتعلّم السريانيّة(3).
فالرسول الاَكرم جدّ في تعليم المؤمنين، وسعى لمحو الاَُمّيّة، لاَنّ في
توعية المؤمنين غاية الرقي والتعلّم، وقد نزل في ذلك قوله: (فَلَولا نَفَر
مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا في الدينِ وليُنذِروا قَومَهُم إذا رَجَعوا
إلَيهم لَعَلَّهُم يَحذَرون)(4).
وقوله: (يَرفَعِ اللهُ الّذينَ آمنوا مِنكُم والّذينَ أُوتُوا العِلمَ
دَرجاتٍ)(5).
وقوله: (فاسألوا أَهلَ الذِكرِ إنْ كُنتُم لا تَعلَمونَ)(1)، وغيرها من
الآيـات المباركة.
كما دلّت على ذلك سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وإرساله المبلّغين والمنذرين
إلى القبائل، فقد كانت كلّها بوادر في هذا السياق، وكذا النصوص الصادرة
عنه صلى الله عليه وآله وسلم في محبوبيّة العلم وذمّ الجهل وما لطالب العلم من الاَجر
والثواب، وتشجيعه صلى الله عليه وآله وسلم لمن يسأل عن العلم ودعوته للتفقّه في الدين،
بمثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين»(2).
وقوله: «الناس معادن، فخيارهم في الجاهليّة خيارهم في الاِسلام إذا
فقهوا»(3).
وقوله: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»(4).
وقوله: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات
شهيداً»(5).
وقوله: «من طلب علماً فأدركه كتب الله له كفلين من الاَجر، ومن
طلب علماً فلم يدركه كتب الله له كفلاً من الاَجر»(6)، وغيرها من
الاَحاديث الشريفة.
وجاء فـي الجامع لاَخلاق الرواي والسامع: أنّ وفد عبـد قيس أتوا
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : من الوفد؟ ـ أو: مَن القوم؟ ـ.
قالوا: من ربيعة.
قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى.
قالوا: إنّا نأتيك من شقّة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفّار
مُضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلاّ في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر من وراءنا
ندخل الجنّة، فقال...(1).
وفي صحيح البخاري وسنن الدارمي أنّ جماعة من الموَمنين جاؤوا
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كي يتعلّموا الفرائض والسُـنن، وبعـد فتـرة قـال لهـم رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم : ارجعوا إلى أهليكم فعلّموهم وصلّوا كما رأيتموني أُصلّي، وإذا
حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم، ثمّ ليوَمّكم أكبركم(2).
فترى روح التعلّم والتعليم تأخذ مأخذها البالغ من المسلمين، حتّى
أنّهم أخذوا يضربون آباط الاِبل للتعلّم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعليم قومهم
أُمور الدين والدنيا.
وعن أبي هارون العبدي، قال: كنّا إذا أتينا أبا سعيد الخدري قال:
مرحباً بوصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قلنا: وما وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا: إنّه سيأتي بعدي قوم يسألونكم
الحديث عنّي، فإذا جاؤوكم فالطفوا بهم وحدّثوهم(3).
وفي آخر: أوصانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نوسّع لكم في المجلس وأن
نفقّهكم، فإنّكم خلوفنا وأصل الحديث بعدنا(4).
وعن عطاء بن أبي رباح أنّه سمع ابن عبّاس يخبر أنّ رجلاً أصابه
فبهذا عرفنا أنّ الاِسلام دعا إلى السؤال وتعلّم العلم ولكن بقيت بقيّة
منهم لا يسألونه، بل كان يعجبهم أن يأتي القادم يستفهمه ليفهموا منه، وقد
أحصى بعض الكتّاب الآيات التي فيها كلمة (يسألونك) فرآها لا تتجاوز
ثلاثة عشر آية، لكنّ الّذي وجدناه في المعجم المفهرس لاَلفاظ القرآن
الكريم خمسة عشر آية(2) فيها لفظ (يسألونك).
هذا، وممّا كان يتخوّفه الرسول على أُمّته هو التغنّي بأمجاد الجاهليّة
وذكر أيّام العرب والعناية المتزايدة بالاَنساب وترجيح العربي على غيره
لقوميّته وعرقه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلاّ
بالتقوى»(3)، دفعاً للروح الجاهليّة، وترسيخاً لمفاهيم الاِسلام، ومعايير
الدين الحنيف، وتثقيفاً للمجتمع بالثقافة العالية.