السيّد علي الحسيني الميلاني
قوله تعالى: (إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين
يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولّ الله
ورسوله والّذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون)(1).
قال السيّد طاب ثراه:
«ألم يجعل لهم الولاية العامّة؟! ألم يقصرها بعد الرسول عليهم؟!
فاقرأ: (إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة
ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولّ الله ورسوله والّذين آمنوا فإنّ
حزب الله هم الغالبون)».
وقال في الهامش:
«أجمع المفسّرون ـ كما اعترف به القوشجي، وهو من أئمّة
الاَشاعرة، في مبحث الاِمامة من شرح التجريد ـ على أنّ هذه الآية إنّما
نزلت في عليّ، حين تصدّق راكعاً في الصلاة.
وأخرج النسائي في صحيحه نزولها في عليّ، عن عبد الله بن سلام.
وأخرج نزولها فيه أيضاً صاحب الجمع بين الصحاح الستّة، في
تفسير سورة المائدة.
وأخرج الثعلبي في تفسيره الكبير نزولها في أمير المؤمنين، كما
سنوضّحه عند إيرادها».
فقيل:
قول المؤلّف: «أجمع المفسّرون ... على أنّ هذه الآية إنّما نزلت
في علي...»، من جنس قول سلفه ابن المطهّر الحلّي في منهاج الكرامة،
والردّ عليه هو ما ردّ به شيخ الاِسلام ابن تيميّة على ابن المطهّر في منهاج
السُنّة النبوية4|3 ـ 9، فقد قال ـ رحمه الله ـ من جملة ردّه:
قوله: أجمعوا أنّها نزلت في عليّ.
من أعظم الدعاوي الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم
تنزل في علي بخصوصه، وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة، وأجمع
أهل العلم بالحديث على أنّ القصّة المروية في ذلك من الكذب الموضوع.
وأمّا ما ينقله من تفسير الثعلبي، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أنّ
الثعلبي روى طائفة من الاَحاديث الموضوعات، كالحديث الذي يرويه في
وأمّا أهل العلم الكبار، أهل التفسير، مثل تفسير محمد بن جرير
الطبري، وبقيّ بن مخلد، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد الرحمن بن
إبراهيم دُحيم، وأمثالهم، فلم يذكروا بها مثل هذه الموضوعات، دع من هو
أعلم منهم، مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ولا تذكر مثل
هذه عن ابن حميد، ولا عبد الرزّاق ـ مع أنّ عبد الرزّاق كان يميل إلى
التشيّع، ويروي كثيراً من فضائل علي، وإنْ كانت ضعيفة، لكنّه أجلُّ قدراً
من أن يروي مثل هذا الكذب الظاهر ـ.
وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أن لا يجوز الاستدلال بمجرّد
خبر يرويه الواحد من جنس الثعلبي، والنقّاش، والواحدي، وأمثال هؤلاء
المفسّرين، لكثرة ما يرويه من الحديث، ويكون ضعيفاً، بل موضوعاً.
وإنّما المقصود هنا بيان افتراء هذا المصنّف وكثرة جهله حيث قال:
قد أجمعوا أنّها نزلت في عليّ، فياليت شعري من نقل هذا الاِجماع من
أهل العلم العالمين بالاِجماع في مثل هذه الاَُمور؟! فإنّ نقل الاِجماع في
مثل هذا لا يقبل من غير أهل العلم بالمنقولات وما فيها من إجماع
هذا، وقد ذكر الواحدي هذا الحديث من رواية محمّد بن مروان
السـدّي، عـن محـمّد بـن السـائب عن أبي صـالح، عن ابن عبّاس، عن
عبد الله بن سلام.
أمّا أبو صالح باذام أو باذان:
فقد قال ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس
بشيء.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال ابن عديّ: عامّة ما يرويه تفسير، وما أقلّ ما له من المسند،
وفي ذلك التفسير ما لم يتابعه عليه أهل التفسير، ولم أعلم أحداً من
المتقدّمين رضيه.
وقال ابن حبّان: يحدّث عن ابن عبّاس ولم يسمع منه.
وأمّا محمد بن السائب الكلبي، فنكتفي هنا بما قاله عنه أبو حاتم
الرازي حيث قال: الناس مجمعون على ترك حديثه، هو ذاهب الحديث،
لا يشتغل به.
وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.
وقال ابن حبّان: وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الاِغراق
في وصفه، روى عن أبي صالح التفسير، وأبو صالح لم يسمع من ابن
عبّاس، لا يحلّ الاحتجاج به.
وقال الساجي: متروك الحديث، وكان ضعيفاً جدّاً، لفرطه في
التشيّع، وقد اتّفق ثقات أهل النقل على ذمّه وترك الرواية عنه في الاَحكام
والفروع.
قلت: ومن أراد الاستزادة من الكلام على محمّد بن السائب فليراجع
تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، فقد جمع فأوعى.
وأمّا محمّد بن مروان السدّي، قال عبد السلام بن حازم عن جرير بن
عبد الحميد: كذّاب.
وقال ابن معين: ليس بثقة.
وقال ابن نمير: ليس بشيء.
وقال صالح بن محمّد: كان ضعيفاً، وكان يضع.
وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، متروك الحديث، لا يكتب حديثه
ألبتّة».
أقول:
اعلم أنّ السيّد ـ رحمه الله ـ سيتعرّض للاستدلال بهذه الآية المباركة
في المراجعة رقم 40 فما بعد، وهو ما أشار إليه بقوله: «كما سنوضّحه عند
إيرادها».
وقد ذكر هناك أسماء عدّةٍ من الاَئمّة الرواة لحديث نزول الآية في
الاِمام أمير المؤمنين عليه السلام، وبيّن وجه الاستدلال بها على إمامته
وولايته العامّة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بصورةٍ مفصّلة...
أمّا هنا، فاكتفى بما يلي:
أوّلاً: إجماع المفسّرين.
وذكر اعتراف القوشجي بقيام الاِجماع على نزول الآية في قضية
تصدّق الاِمام في الصلاة، في كتابه المعروف شرح التجريد.
والقوشجي هو: علاء الدين علي بن محمّد الحنفي السمرقندي،
المتوفّى سنة 879.
قال قاضي القضاة الشوكاني بترجمته:
«علي بن محمّد القوشجي. بفتح القاف وسكون الواو وفتح الشين
المعجمة بعدها جيم وياء النسبة، ومعنى هذا اللفظ بالعربية: حافظ البازي،
وكان أبوه من خدام ملك ما وراء النهر يحفظ البازي.
قرأ على علماء سمرقند ثم رحل إلى الروم، وقرأ على القاضي زاده
الرومي ثم رحل إلى بلاد كرمان فقرأ على علمائها وسود هنالك شرحه
للتجريد... ولما قدم قسطنطيّنية أوّل قدمة تلقّاه علماؤها... وله تصانيف
منها شرح التجريد الذي تقدّمت الاِشارة إليه وهو شرح عظيم سائر في
الاَقطار كثير الفوائد... وهو من مشاهير العلماء»(1)
وذكر شرحه على التجريد في كشف الظنون، حيث قال تحت عنوان
تجريد الكلام:
«وهو كتاب مشهور اعتنى عليه الفحول، وتكلّموا فيه بالردّ والقبول،
لـه شـروح كثيرة وحـواش عليها» إلى أن قال: «ثمّ شرح المولى المحقّق
علاء الدين علي بن محمّد الشهير بقوشجي ـ المتوفّى سنة 879 ـ شرحاً
وهذه عبارة القوشجي في نزول الآية المباركة:
وبيان دلالتها على الامامة لاَمير المؤمنين:
«بيان ذلك: انها نزلت باتفاق المفسّرين في حقّ عليّ بن أبي طالب
حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته...» ثمّ إنّه ـ وإن حاول
المناقشة في الاستدلال ـ لم ينكر اتّفاق المفسّرين على نزولها في الاِمام
عليه السلام، فراجع(2).
أقول:
وممّن اعترف من أئمة أهل السُنّة الاَعلام بإجماع المفسّرين واتّفاقهم
على نزول الآية المباركة في أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام:
1 ـ القاضي عضد الدين الاِيجي(3)، المتوفّى سنة 657، في كتابه
الدرر الكامنة 2|323، البدر الطالع 1|326، شذرات الذهب 6|174،
طبقات الشافعية ـ للاَسنوي ـ 2|179، بغية الوعاة: 296.
«وأجمع أئمّة التفسير أنّ المراد عليّ»(2).
2 ـ الشريف الجرجاني(3)، المتوفّى سنة 618، فقد قال بشرح
المواقف(4):
«وقد أجمع أئمّة التفسير على أنّ المراد بـ: (الّذين يقيمون
الصلاة) إلى قوله تعالى: (وهم راكعون) عليّ، فإنّه كان في الصلاة
راكعاً، فسأله سائل فأعطاه خاتمه، فنزلت الآية»(5).
3 ـ سعد الدين التفتازاني(6) المتوفّى سنة 397، فقد قال في شرح
وقال الشوكاني بترجمة الاِيجي: «له: المواقف في علم الكلام ومقدّماته، وهو
كتاب يقصر عنه الوصف، لا يستغني عنه من رام تحقيق الفنّ».
ولاحظ أيضاً كلمات الشريف الجرجاني في وصف المواقف في مقدّمة شرحه.
انظر: الضوء اللامع 5|328، البدر الطالع 1|488، الفوائد البهية: 125، بغية
الوعاة: 351، مفتاح السعادة 1|167، وغيرها.
«نزلت باتّفاق المفسّرين في عليّ بن أبي طالب ـ رضي
الله عنه ـ حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته».
ثانياً: الاَخبار.
فأشار إلى رواية النسائي في صحيحه، ورواية صاحب الجمع
بين«الصحاح الستّة، ورواية الثعلبي في تفسيره.
أقول:
رواية النسائي هي ـ كما في جامع الاَُصول عن رزين، وهو صاحب الجمع
بين الصحاح الستّة ـ:
«عبد الله بن سلام ـ رضي الله عنه ـ قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه
[وآله] وسلّم ورهط من قومي، فقلنا: إنّ قومنا حادّونا، لمّا صدّقنا
اللهٍ
وكذا قال السيوطي وابن العماد والشوكاني وأضاف: «وبالجملة، فصاحب
الترجمة متفرّد بعلومه في القرن الثامن، لم يكن له في أهله نظير فيها، وله من
الحظ والشهرة والصيت في أهل عصره فمن بعدهم ما لا يلحق به غيره، ومصنّفاته
قد طارت في حياته إلى جميع البلدان، وتنافس الناس في تحصيلها...» البدر
الطالع 2|303، بغية الوعاة: 391، شذرات الذهب 6|319.
و«رزين» هو: رزين بن معاوية العبدري، المتوفّى سنة 535 كما في
سير أعلام النبلاء، وقد وصفه بـ: «الاِمام المحدّث الشهير»(2).
وقال ابن الاَثير: «وتلاهم آخراً أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري
السرقسطي، فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطّأ لمالك وجامع أبي
عيسى الترمذي وسنن أبي داود السجستاني وسنن أبي عبد الرحمن
النسائي، رحمة الله عليهم. ورتّب كتابه على الاَبواب دون المسانيد».
قال: «وأمّا الاَحاديث التي وجدتها في كتاب رزين ـ رحمه الله ـ ولم
أجدها في الاَُصول، فإنّني كتبتها نقلاً من كتابه على حالها في مواضعها
المختصّة بها، وتركتها بغير علامة، وأخليت لذكر اسم من أخرجها موضعاً،
لعلّي أتتبّع نسخاً أُخرى لهذه الاَُصول وأعثر عليها، فأُثبت اسم من
أخرجها»(3).
وأشار السيّد إلى رواية الثعلبي في تفسيره.
وقد ترجمنا للثعلبي في البحوث السابقة. وتفسيره فيه الغثُّ
والسمين كأيّ مؤلَّف آخر، حتّى ما سمّي من الكتب بالصحاح!!
* لكنّ خبـر نـزول الآيـة المبـاركة في شأن أمير المؤمنين عليه
السـلام لا ينحصر بما عند الثعلبي أو الواحدي أو غيرهما من المفسّرين
الّذين طعن فيهم إمام النواصب ابن تيميّة الحرّاني، بل جاء بأسانيد معتبرة
كثيرة اضطرّ بعض أتباع ابن تيميّة إلى الاعتراف بصحّتها...
* وحتّى إنّ ابن كثير الذي أورد بتفسير الآية جملةً من الروايات،
وطعن في بعضها، قال بعد واحدٍ منها: «هذا إسناد لا يقدح به».
* كما سكت على آخر، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم:
«حدّثنا أبو سعيد الاَشج، حدّثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الاَحول،
حدّثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدّق عليٌّ
بخاتمه وهو راكع، فنزلت (إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين
يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)»(1).
أقول:
«عبد الرحمن بن أبي حاتم» غنيٌّ عن التعريف(2).
و«أبو سعيد الاَشجّ» هو: عبد الله بن سعيد الكندي، ثقة، من رجال
الصحاح الستّة(3).
و«الفضل بن دكين» من رجالها كذلك، وهو ثقة ثبت، من كبار
و«موسى بن قيس الحضرمي» قال الحافظ: «يلقّب: عصفور الجنّة،
صدوق، رُمي بالتشيّع»(2).
و«سلمة بن كهيل» ثقة، من رجال الصحاح الستّة(3).
* وكان ممّا طعن فيه ابن كثير الحديث التالي:
«روى ابن مردويه، من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن
الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: كان علي بن أبي طالب قائماً يصلّي، فمرّ
سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت (إنّما وليّكم الله ورسوله)
الآية».
قال ابن كثير: «الضحّاك لم يلق ابن عبّاس».
قلت:
إذا كان هذا فقط هو المطعن فالاَمر سهل:
أمّا أوّلاً: فإنّه ـ وإن قال بعضهم: «لم يلق ابن عبّاس» ـ قد ورد
حديثه عنه في ثلاثة من الصحاح(4).
وأمّا ثانياً: فإنّه لو كانت روايته عن ابن عبّاس مرسلةً، فالواسطة
مـعلومة حتّى عنـد القـائل بإرسـالها، فقـد رووا عن شـعبة، قال: «حدّثني
عبد الملك بن ميسرة، قال: الضحّاك لم يلق ابن عبّاس، إنّما لقي سعيد بن
وعليه، فرواياته عن ابن عبّاس في التفسير مسندة غير مرسلة، إذ
كلّها بواسطة «سعيد بن جبير» الثقة الثبت بالاتّفاق، غير إنّه كان لا يذكر
الواسطة لدى النقل تحفّظاً على سعيد، لكونه مشرّداً مطارداً من قبل جلاوزة
الحجّاج الثقفي، وتحفّظاً على نفسه أيضاً، لكونه قصد سعيداً في الريّ
للاَخذ عنه، وجَعَلَ يروي ما أخذه عنه وينشر رواياته بين الناس، لا سيّما
مثل هذا الخبر الذي يُعَدّ من جلائل مناقب أمير المؤمنين عليه الصلاة
والسلام.
هذا، واعلم أنّ «ابن سنان» الراوي عن «الضحّاك» هو ـ بقرينة
الراوي والمروي عنه ـ : «سعيد بن سنان البرجمي الكوفي، نزيل الريّ»
قال الحافظ: «صدوق له أوهام» وعلّم عليه علامة: مسلم، وأبي داود،
والترمذي، والنسائي، وابن ماجة(2).
ولا أستبعد أن يكون «ابن سنان» هذا أيضاً من المشّردين اللاجئين
إلى الريّ خوفاً من الحجّاج، وأن يكون إسقاط اسم «سعيد بن جبير»
منه.. والله العالم.
وكيف كان، فالرواية من الاَسانيد المعتبرة الواردة في الباب.
فما بال أتباع ابن تيميّة يتغافلون عن هذه الاَحاديث المعتبرة حتّى
عند تلميذه ابن كثير الدمشقي؟!
وما بالهم يتغافلون ـ خاصّة ـ عمّا رواه ابن أبي حاتم الذي ذكره ابن
تيميّة ـ في نفس كلامه الذي اعتمده مقلّده المفتري ـ في عداد «أهل العلم
بل لقد عرفت أنّ المفسّرين مجمعون على نزول الآية المباركة في
أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّ كبار أئمّة القوم معترفون بهذا الاِجماع،
وإنكاره من ابن تيميّة ومن على شاكلته «من أعظم الدعاوي الكاذبة».
وسيأتي تفصيل الكلام على الآية المباركة، من الجهات المختلفة،
في المراجعة رقم 40، فانتظر، وبالله التوفيق.
قال السيّد:
«ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً، مشروطة
بالاهتداء إلى ولايتهم، إذ يقول: (وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل
صالحاً ثمّ اهتدى)؟!».
فقال في الهامش:
«قال ابن حجر في الفصل الاَوّل من الباب 11 من صواعقه ما هذا
لفظه: الآية الثامنة قوله تعالى: (وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل
صالحاً ثّم اهتدى) قال: قال ثابت البناني: اهتدى إلى ولاية أهل بيته،
صلّى الله عليه [وآله] وسلم.
قال: وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر أيضاً.
ثمّ روى ابن حجر أحاديث في نجاة من اهتدى إليهم عليه السلام.
وقد أشار بما نقله عن الباقر إلى قول الباقر عليه السلام للحارث بن
يحيى: يا حارث! ألا ترى كيف اشترط الله، ولم تنفع إنساناً التوبة ولا
الاِيمان ولا العمل الصالح حتّى يهتدي إلى ولايتنا.
ثمّ روى عليه السلام بسنده إلى جدّه أمير المؤمنين، قال: والله لو
تاب رجل وآمن وعمل صالحاً ولم يهتد إلى ولايتنا ومعرفة حقّنا ما أغنى
ذلك عنه شيئاً. انتهى.
وأخرج أبو نعيم الحافظ، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، عن
علي، نحوه.
وأخرج الحاكم عن كلٍّ من الباقر والصادق وثابت البناني وأنس بن
مالك، مثله».
فقيل:
«هذه الآية من سورة طـه، وهي مكّية، نزلت حيث لم يكن علي
رضي الله عنه قد تزوّج بفاطمة، ولم ينقل هذا الرأي عن غير ثابت البناني،
وعلى فرض صحّة النقل إلى ثابت البناني، فمن أدرانا أنّه يريد بـ «أهل بيته
صلّى الله عليه [وآله] وسلم» ما تريده الرافضة، من قصر مدلوله على أبناء
علي وفاطمة فحسب.
أمّا الاَحاديث التي رواها ابن حجر في صواعقه، فقد أشار إليها
المؤلّف إشارةً مجملة، وهي أحاديث هالكة لا يحتجّ بها، ومنها: ما أخرجه
الديلمي مرفوعاً: إنّما سمّيت ابنتي فاطمة لاَنّ الله فطمها ومحبّيها عن النار.
قال فيه ابن الجوزي: فيه محمّد بن زكريا الفلابي(1) وهو من عمله. وقال
ابن عراق: وفيه أيضاً: بشر بن إبراهيم الاَنصاري. وجاء من حديث علي:
قلت: يا رسول الله، لم سمّيت فاطمة؟ قال: إنّ الله فطمها وذرّيّتها عن النار
أقول:
إنّ «أهل البيت» بمقتضى الكتاب ـ كما في آية التطهير ـ هم: النبيّ
وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وكذا سائر الاَئمّة الاثني عشر، بمقتضى
حديث الثقلين وحديث السفينة، ومن هنا صرّح غير واحد من حفّاظ القوم
ـ بشرح الحديثين ـ بضرورة وجود من يكون منهم أهلاً للتمسّك به
والاهتداء والنجاة به في كلّ زمان.
فهذا ما دلّت عليه آيات الكتاب وأحاديث السُنّة النبويّة القطعيّة،
وليس شيئاً ترتئيه أو تريده الشيعة، كما أنّه ليس مقصوراً على أبناء علي
وفاطمة ـ أي الحسن والحسين ـ فحسب، كما جاء في كلام المفتري.
وحينئذٍ نقول: إنّ الله تعالى جعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل
صالحاً مشروطة بالاهتداء إلى ولاية أهل البيت، سواء كان أهل البيت كلّهم
أو بعضهم مـوجوديـن في عصـر المهتـدي إلى ولايـتهم أو لا، كـما في
زمـاننا إذ لا يوجد منهم إلاّ المهدي عليه السلام وهو غائب.
إنّ الاهتداء إلى ولاية أهل البيت كالاهتداء إلى الاِيمان برسالة النبيّ
صلّى الله عليه وآله وسلّم، من حيث إنّ الواجب على كلّ فرد مسلم هو
الاِيمان برسالته، وبكونه الاََوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، والاقتداء به في
جميع الاَحـوال، سـواء كان معاصراً له أو في زمان متأخّر.. إلى يـوم
القيامة.. فكذلك الاهتداء إلى ولاية أهل بيته، فإنّ معناه اتّخاذهم أئمّة من
بعده، وجعلهم القدوة في جميع الاَحوال، وفي كلّ الاَقوال والاَفعال...
على أنّه لو فرض ضرورة وجودهم عند نزول الآية المباركة، فقد كان
رسول الله وعلي وفاطمة عليهم الصلاة والسلام موجودين في ذلك الوقت،
ولم يكن الاهتداء إلى ولايتهم مشروطاً بتزوّج علي من فاطمة، وبوجود
الحسنين، كما تبيّن ممّا ذكرنا.
و«ثابت البناني» لا يريد إلاّ هذا المعنى، وهو من رجال الصحاح الستّة،
وعن أحمد بن حنبل: «كان محدّثاً، من الثقات المأمونين، صحيح الحديث»(1).
ووصفه الذهبي بـ «الاِمام القدوة، شيخ الاِسلام»، قال: «وكان من
أئمّة العلم والعمل»(2).
وقال الحافظ ابن حجر: «ثقة عابد»(3).
هذا، والسند إليه صحيح:
قال الحافظ الحاكم الحسكاني: «أخبرنا أحمد بن محمّد بن أحمد
الفقيه، قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد بن جعفر، قال: حدّثنا موسى بن
هارون، قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدّثنا عمر بن
شاكر البصري، عن ثابت البناني، في قوله: (وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن
وعمل صالحاً ثمّ اهتدى)، قال: إلى ولاية أهل بيته»(4).
* فأمّا «الحاكم الحسكاني» فقد ترجمنا له في البحوث السابقة.
* وأمّا «أحمد بن محمّد بن أحمد الفقيه» فهو: أبو بكر التميمي
1 ـ قال الحافظ عبد الغافر الفارسي النيسابوري: «أحمد بن محمّد بن
أحمد بن عبد الله بن الحارث، الاِمام أبو بكر التميمي الاَصبهاني، المقرئ،
الاَديب، الفقيه، المحدّث، الديّن، الزاهد، الورع، الثقة، الاِمام بالحقيقة،
فريد عصره في طريقته وعلمه وورعه، لم يعهد مثله، ورد من أصبهان سنة
409، فحضر مجالس النظر وأعجب الكلّ حسن بيانه وسكونه وتفنّنه في
العلوم، وكان عارفاً بالحديث، كثير السماع، صحيح الاَُصول، فأخذ في
الرواية إلى آخر عمره مقيماً بنيسابور...
قرأت بخطّ الحسكاني ـ وكان من المكثرين عنه، المختصّين
بالاستفادة منه ـ أنّه قال: توفّي أبو الشيخ بأصبهان سنة 369 وهو ابن 97
سنة»(1)مخ.
2 ـ وقال الذهبي: «أحمد بن محمّد بن أحمد بن عبد الله بن الحرث
التميمي، أبو بكر الاَصبهاني، المقرىئ النحوي، سكن نيسابور، وتصدّر
للحديث ولاِقراء العربية. وروى عن أبي الشيخ وجماعة، وروى السنن عن
الدارقطني، توفّي في ربيع الاَوّل وله 81 سنة»(2).
3 ـ وقال ابن العماد كذلك(3).
* وأمّا «عبد الله بن محمّد بن جعفر» فهو : أبو الشيخ الاَصبهاني،
المتوفّى سنة 369:
1 ـ قال الخطيب البغدادي: «كان أبو الشيخ حافظاً ثبتاً متقناً»(1).
2 ـ وقال ابن مردويه: «ثقة مأمون»(2).
3 ـ وقال أبو نعيم: «كان أحد الاَعلام... وكان ثقة»(3).
4 ـ وقال الذهبي: «أبو الشيخ: الاِمام الحافظ الصادق...»(4).
* وأمّا «موسى بن هارون» فهو : موسى بن هارون بن عبد الله بن
مروان الحمّال، المتوفّى سنة 294:
1 ـ قال الخطيب: «كان ثقة حافظاً»(5).
2 ـ وقال الذهبي: «الاِمام الحافظ الكبير الحجّة الناقد، محدّث
العراق...»(6).
* وأمّا «إسماعيل بن موسى الفزاري» الكوفي، المتوفّى سنة 245:
1 ـ قال أبو حاتم: «صدوق»(7).
2 ـ وذكره ابن حبّان في الثقات(8).