صلةقبل

من ذخائر التراث


( 354 )

( 355 )
رسالة
في تحقيق حال

أبان بن عثمان

تأليف
السيد محمد باقر محمد نقي الموسوي الشفتي الجيلاني
1175 ـ 1260 هجرية
تحقيق
السيد عبدالكريم محمد الموسوي


( 356 )

( 357 )
مقدّمة التحقيق:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الاَوّل بلا أوّلٍ كان قبله، والآخر بلا آخرٍ يكون بعده، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين، والصلاة والسلام على خاتم الاَنبياء وسيّد المرسلين، وحبيب إله العالمين، البشير النذير، والسراج المنير، أبي القاسم محمّـد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
إنّ علم الرجال علم اقتضته الظروف الطارئة على الاَُمّة الاِسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد كان أعداء الاِسلام من اليهود والنصارى والمنافقين والمستسلمة منهم يتربّصون للانقضاض على الاِسلام وتفتيته من الداخل، بعد أن فشلوا في مواجهته وجهاً لوجه في ساحات الحرب وأرض الواقع.
وقد مهّدت لهم الاَحداث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفرصة لذلك، ولاَسبابٍ عديدة؛ منها توسّع رقعة العالم الاِسلامي ليشمل شبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد فارس وبلاد الاَندلس والسند إلى حدود الصين وأجزاء أُخرى، إضافة إلى أنّ اختلاف الاَُمّة الاِسلامية حول قضايا كثيرة أدّى إلى نشوء طائفة من المنتفعين ووعّاظ السلاطين، الّذين كانوا لا يألون
( 358 )
جهداً، ولا يدّخرون وسعاً لتحريف وتزوير كلام وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاَغراض دنيويّة، ومنافع فرديّة.
كما إنّ منع كتابة أحاديث الرسول قرابة قرن ونصف، ثمّ اندفاع العالم الاِسلامي فجأة على كتابتها، أوجد أرضيّة ملائمة لهؤلاء إلى بثّ سمومهم في جسد الاَُمّة الاِسلامية عن طريق الوضع والكذب والدسّ، وفسح المجال للاَحبار والرهبان للتحدّث عن خرافات وبدع وأساطير لا يصدّق بها إلاّ السُذّج من الناس.
إنّ مَـنْ يراجع تاريخ البعثـة النبويّـة، ويدقّق النظر في حياة الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته منذ بعثته إلى وفاته، والتي كانت مليئة بالجهاد والغزوات والحروب، وعقد المواثيق مع القبائل ورؤساء البلاد، إضافة إلى الدعوة للاِسلام، وتبليغ الاَحكام الشرعيّة، والقيام بأعباء الرسالة؛ يقف على أنّ الزمن الذي عاشه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتحدّث فيه هو أقلّ بكثير من أن يسعه للتحدّث بهذه الاَراجيف والاَباطيل، بل لا يبلغ لبيان معشارها.
وقـد أدركت كـلّ المذاهب والفرق الاِسلاميـة هذه الحقيقـة المُـرّة، ألا وهي الكذب والدسّ والوضع على رسول الله 9، فشمّر علماؤهم عن ساعد الجدّ والعمل لتصحيح ما ارتكبته الاَيدي الاَثيمة، وتنقية أحاديث الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم من شوائب الوضع والدسّ والكذب من بين آلاف، بل عشرات الآلاف من الاَحاديث.
إنّ أصحاب الصحاح والسُنن ـ وهي الكتب المعتبرة عند أبناء العامّة ـ صرّحوا بأنّهم انتقوا أحاديثهم من بين آلاف الاَحاديث الموجودة.
فهذا صحيح البخاري يحتوي على ألفين وسبعمائة وواحد وستّين
( 359 )
حديثاً خالصاً غير مكرّر، اختارها من زهاء ستّمائة ألف حديث(1).
وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أُصول دون المكرّرات، صنّفه من بين ثلاثمائة ألف حديث(2).
وفي سنن أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث، انتخبها من بين خمسمائة ألف حديث(3).
وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، انتخبها من بين سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث(4).
هـذا بحسب مبانيهـم ومسالكهـم في انتقاء الحديث وانتخابه، إلاّ أنّه ـ مع ذلك كلّه ـ لم تخلُ الكتب الموصوفة بالصحّة من الاَباطيل والموضوعات والاَكاذيب، لكنّ تفصيل ذلك وشرحه موكول إلى محلّه.
وقد دوّن العلاّمة الاَميني ـ قدّس الله نفسه الزكية ـ فصلاً مطوّلاً، ذكر فيه سلسلة الكذّابين والوضّاعين، والّذين وضعوا الحديث حسبةً، والنسخ الموضوعة للكذّابين، وسلسلة الموضوعات عن الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وسلسلة الموضوعات في الخلافة وغيرها إذ أعطى الموضوع حقّه ـ ولم يكن بصدد استيعابه وتحقيقه بصورة كاملة ـ فجزاه الله عن الاِسلام خير الجزاء(5).
أمّا بالنسبة إلى الشيعة فقد عُنوا بعلم الرجال عناية بالغة، حتّى عُدّ من العلوم الرئيسيّة لكلّ مـن أراد الاستنباط واستخراج الاَحكام الشرعيّـة؛ إذ
____________
(1) إرشاد الساري 1|28، صفة الصفوة 4|143.
(2) المنتظم 5|32، طبقات الحفّاظ 2|151 ـ 157، شرح صحيح مسلم 1|32.
(3) المنتظم 5|97، طبقات الحفّاظ 2|154، تاريخ بغداد 9|57.
(4) طبقات الحفّاظ 2|17.
(5) الغدير 5|208 ـ 378.

( 360 )
يجب على كلّ مجتهد الاِلمام الكامل والتبحّر في هذا العلم ليتمكّن من تمييز الرواية الصحيحة من الرواية السقيمة عن طريق دراسة أحوال رجال سند الحديث واحداً واحداً ليعطي حكمه النهائي بعد هذه الدراسة المعمّقة حول الحديث من ناحية قبوله أو رفضه.
إنّ شدّة الحاجة إلى هذا العلم، حدا بعلماء الشيعة إلى تدوين المؤلّفات الكثيرة حول هذا العلم ـ يمتدّ تاريخها من القرن الاَوّل الهجري حتّى يومنا هذا ـ فقد دوّنوا في القرون الاَربعة الاَُولى: رجال عبيد الله بن أبي رافع ورجال ابن جبيلة ورجال ابن فضال ورجال ابن محبوب، ولكن هذه المدوّنات قد فقدت ـ مع الاَسف الشديد ـ لتحرم الاَُمّة من تراث ثمين هي بأمسّ الحاجة إليه.
وفي أوائل القرن الخامس دوّنت الاَُصول الرجالية الاَربعة المعتمدة عند الشيعة وهي: اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) والفهرست والرجال للشيخ الطوسي وكتاب الرجال للنجاشي.
وفي القرن السادس أُلّف فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنّفيهم للشيخ منتجب الدين ومعالم العلماء لابن شهرآشوب.
وفي القرن السابع ألّف السيّد ابن طاووس الحلّي كتابه حلّ الاِشكال وقد تبعه تلميذاه العلاّمة الحلّي في الخلاصة، وابن داود في الرجال.
وهكذا استمرّ المتأخّرون على نهج أسلافهم، وهكذا فعل الشيخ الشهيد الاَوّل المتوفّى سنة 786 هـ ومن بعده السيّد علي بن عبـد الحميد النيلي المتوفّى سنة 841 هـ في رجاله، ثمّ صاحب المعالم في التحرير الطاووسي، فقـد أضاف كلّ منهـم أسماء علماء عصره إلى قائمـة الرواة السابقين، حتّى وصلت جهودهم الحثيثة ودأبهم المتواصل إلى علمائنا في
( 361 )
الوقت الحاضر ليكملوا مسيرة سلفهم الصالح، فكانوا خير خلف لخير سلف، فجزى الله علماءنا الاَبرار الماضين منهم والحاضرين العاملين خير الجزاء وأفضل الجزاء على خدمتهم الكبيرة لمذهب أهل البيت عليهم السلام إذ كانوا بحقّ الحاملين لعلوم أهل البيت عليهم السلام، المتحمّلين لاَحاديثهم، والمدافعين عنهم أمام الهجمات الصفراء لذوي النفوس الضعيفة الّذين يحملون حقد أجدادهم منذ صدر الاِسلام جيلاً بعد جيل وحتّى يومنا هذا على الاِسلام المحمّدي الاَصيل وعلى حملته الاَوفياء.

* * *

( 362 )

ترجمة المؤلّف(1)
نسبـه:
هو السيّد محمّد باقر ـ الشهير بحجّة الاِسلام ـ ابن السيّد محمّد نقي(2) ابن محمّـد زكي بن محمّـد تقي بن شاه قاسم بن أمير أشرف بن شاه قاسم ابن شاه هدايت بن أمير هاشم بن السلطان السيّـد علي القاضي بن السيّد علي بن محمّـد بن علي بن محمّـد بن موسى بن جعفر بن إسماعيل بن أحمد بن محمّـد بن أحمد بن محمّـد بن أبي القاسم بن حمزة بن الاِمام موسى الكاظم عليه السلام(3)، من فحول علماء الاِمامية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ومن كبار زعماء الدين وأعلام الطائفة.

____________
(1) اعتمدنا في إعداد وكتابة هذه الترجمة على المصادر التالية:
طبقات أعلام الشيعـة المسمّى الكرام البـررة في أعلام القـرن الثالث بعـد العشرة ـ للعلاّمة آقا بزرك الطهراني ـ 2|192 ـ 196 من القسم الاَوّل، روضات الجنّات 2|96 ـ 102، نجوم السماء 1|63، الفوائد الرضوية: 426 ـ 429، أعيان الشيعة 9|188، الروضة البهية: 20.
ترجم له عليه السلام أيضاً في المصادر التالية: تكملة أمل الآمل للسيّد حسن الصدر، قصص العلماء لمحمّـد بن سليمان التنكابني، تاريخ أصفهان لحسن خان الجابري، مظاهر الآثار لمحمّـد حسن شريعتمدار، ومعارف الرجال، فمن أراد التوسّع فليرجع إليها.
(2) في هامش الكرام البررة: «صرّح في بعض المؤلّفات أنّه ابن محمّـد تقي ـ بالتاء ـ والصحيح نقي ـ بالنون ـ».
(3) في هامش الكرام البررة: «وجدت نسبه كذلك بخطّه الشريف على نسخة الاَصل من كتابه مطالع الاَنوار وعليه أيضاً تقريظ أُستاذه الشيخ الاَكبر كاشف الغطاء بخطّه».

( 363 )

ولادتـه ونشأتـه:
«ولد في سنة 1175 هـ في قرية من قرى رشت من نواحي طارم العليا، يقال لها: (چزره)، بينها وبين شفت ـ بشين معجمة مفتوحة وفاء ساكنة ومثنّاة فوقيّة ـ قرب عشرة فراسخ، وانتقل إلى «شفت» وهو ابن سبع سنين كما ذكره الشيخ جواد الطارمي»(1).
«شفت» قرية من قرى رشت، ورشت قصبة من قصبات جيلان، وجيلان اسم للقطر.
قال الحموي في معجم البلدان: «جيلان ـ بالكسر ـ اسم لبلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان، والعجم يقولون: گيلان، وقد نسب إليها مَن لا يحصى من أهل العلم في كلّ فنّ، وعلى الخصوص في الفقه...»(2).
وقد ذكر الجابري حسن خان في تاريخ أصفهان: «إنّ ولادته كانت سنة 1180 هـ»(3).
ويؤيّد ذلك ما ذكره السيّد الخوانساري في روضات الجنّات: «من أنّه ورد أرض العراق في حدود سبع وتسعين ومائة أو قريباً من ذلك وهو ابن ستّ أو سبع عشرة سنة»(4).
ولكن العلاّمة الطهراني قال: «رأيت في مكتبة الشيخ عبـد الحسين الطهراني بكربلاء مجموعة من إجازاته الصادرة إلى تلاميذه فاستفدت منها
____________
(1) الكرام البررة 2|193 من القسم الاَوّل.
(2) معجم البلدان 2|201.
(3) حكاه عنه العلاّمة آقا بزرك في الكرام البررة 2|193 من القسم الاَوّل.
(4) روضات الجنّات 2|96 ـ 102.

( 364 )
بعض تواريخه، منها أنّه هاجر إلى العراق لطلب العلم في سنة 1192 هـ وهو ابن سبع عشرة سنة، فتكون ولادته كما ذكرناه ـ 1175 هـ ـ لا في 1180 هـ كما ذكره الجابري في تاريخ أصفهان»(1).
هجرتـه وسيرته وزعامته الدينية:
«هاجر إلى العراق لطلب العلم في سنة 1192 هـ وهو ابن سبع عشرة سنة، فحضر في كربلاء على الاَُستاذ الاَكبر محمّـد باقر البهبهاني أوّلاً، ثمّ على السيّد علي صاحب الرياض.
ثـمّ تشرّف إلـى النجف، وكان وروده إليهـا في سنـة تشرّف المير عبـد الباقي إلى النجف، في سفرته التي استجازه بحر العلوم فيها، وتاريخ تلك الاِجازة شعبان 1193 هـ.
حضـر المترجـم علـى [أشهـر علماء عصـره، منهـم:] السيّـد مهدي بحر العلوم، والشيخ الاَكبر جعفر كاشف الغطاء.
ثمّ سافر إلى الكاظميّة فحضر على السيّد محسن الاَعرجي، إذ قرأ عليه القضاء والشهادات.
ولمّا حلّت سنة 1200 هـ ـ وقد تمّ بها على المترجم في العراق ثمان سنين بلغ فيها درجة سامية ومكانة عالية ـ سافر إلى قم أيّام زعامة العلم المحقّق الميرزا أبي القاسم القمّي، مؤلّف القوانين فتتلمذ عليه مدّة.
ثمّ سافر إلى كاشان فحضر على عالمها الفذّ [الفقيه] الاَخلاقي الشهير المولى مهدي النراقي، مؤلّف جامع السعادات.

____________
(1) الكرام البررة 2|193 من القسم الاَوّل.

( 365 )
وفي سنة 1206 هـ نزل أصفهان وعزم على السكنى بها، فاجتمع عليه طلاّب العلم الاَفاضل حتّى عرف في وسطه، وتألّق نجمه، وطبّق ذكرُه نوادي العلم بها ـ وما أكثرها وأعظمها يومذاك ـ ولم يزل اسمه على مرّ الزمن يزداد ذيوعاً وشيوعاً حتّى احتلّ مركزاً عظيماً وحصّل رئاسة عامّة، ومرجعية كبرى، وزعامة عظمى»(1).
وكان فقيراً لا يملك شروى نقير، ولم يكن لديه من الكتب إلاّ مجلّداً واحداً من المدارك، وليس له شيء من الاَموال إلاّ منديلاً واحداً لمحلّ الخبز، وسكن في مدرسة السلطان المفتوح بابه إلى چهارباغ العبّاسي المعروفة في أصفهان بمدرسة «چهارباغ»، واجتمع الطلاّب والمشتغلون عنده للتحصيل والتعلّم، حتّى عرف في الاَوساط العلمية.
«وكانت بينه وبين العالم الزعيم الحاجّ محمّـد إبراهيم الكلباسي(2) صلة متينة، وصداقة تامّة من بدء أمرهما، فقد كانا زميلين كريمين في النجف تجمع بينهما معاهد العلم، وشاء الله أن تنمو هذه المودّة شيئاً
____________
(1) الكرام البررة 2|193 ـ 194 من القسم الاَوّل.
(2) «هو الشيخ الحاجّ محمّـد إبراهيم بن محمّـد حسن الخراساني الكاخي الاَصفهاني الكلباسي، من أعاظم علماء عصره المشاهير، ولد في ربيع الآخر 1180 هـ، هاجر إلى العراق، فأدرك الوحيد البهبهاني والسيّد مهدي بحر العلوم والشيخ كاشف الغطاء ومؤلّف الرياض والمقدّس الكاظمي، وحضر عليهم مدّة طويلة.
ثمّ رجع إلى إيران، فحلّ في بلدة قم، واشتغل بها على المحقّق القمّي، ثمّ سافر إلى كاشان، فحضر على عالمها الشهير النراقـي، ثمّ عاد إلى أصفهان، فحفّت بـه طبقاتها، وألْقت إليه الرئاسة أزمّتها... وكان يؤمّ الناس في مسجد الحكيم، ويرقى المنبر بعد الصلاة ويعظ الحضور، وكان في غاية التواضع، وحسن الخلق، وسلامة النفس، وكانت بينه وبين الحجّة الكبير (المترجم) صلة وثيقة لم تخلّ بها زعامة كلّ منهما ومرجعيّته، توفّي ـ عليه الرحمة ـ في 8 جمادى الاَُولى سنة 1261 هـ». الكرام البررة 2|14 من القسم الاَوّل.

( 366 )
فشيئاً، ويبلغ كلّ منهما في الزعامة مبلغاً لم يكن يحدث له في البال، وأن يسكنا معاً بلدة أصفهان، ويتزعّما بها في وقتٍ واحدٍ، ولم تكن الرئاسة لتكدّر صفو ذلك الودّ الخالص، أو تؤثّر مثقال ذرّة، فكلّما زادت سطوة أحدهما زاد اتّصالاً ورغبة بصاحبه، وقد بلغت زعامة المترجم مبلغاً عظيماً، فكان يقيم الحدود الشرعيّة ويجريها بيده أو يد مَن يأمره بلا خشية ولا خوف، وقد أحصى بعضهم عدد المجرمين الذي لاقوا حتفهم على يديه طبقاً للآداب الشرعيّة...»(1).
عبادتـه وخشوعـه:
قال الشيخ عبّـاس القمّي نقلاً عن كتاب تكملة أمل الآمل: «حجّة الاِسلام السيّـد محمّـد باقـر كان عالمـاً ربّانيـاً روحانيّـاً ممّـن عرف حلال آل محمّـد صلى الله عليه السلام وحرامهم وسيّد أحكامهم، وخالف هواه، واتّبع أمر مولاه، كان دائم المراقبة لربّه، لا يشغله شيء عن الحضور والمراقبة»(2).
وقال: «حدّثني والدي رحمه الله أنّ آماق عين السيّد كانت مجروحة من كثرة بكائه في تهجّده.
وحدّثني بعض خواصّه، قال: خرجت معه إلى بعض قراه فبتنا في الطريق، فقال لي: ألا تنام؟! فأخذت مضجعي فظنّ أنّي نمت، فقام يصلّي، فوالله إنّي رأيت فرائصه وأعضاءه ترتعد بحيث كان يكرّر الكلمة مراراً من شدّة حركة فكّيه وأعضائه حتّى ينطق بها صحيحة.
وحدّثني بعض الاَجلّة الثقات، قال: كان من شدّة حضور قلبه بين
____________
(1) الكرام البررة 2|194 من القسم الاَوّل.
(2) الفوائد الرضوية: 429.

( 367 )
يدي ربّه ترتعد فرائصه، وتجري دموعه بمجرّد أن يخلو مجلسه من الناس، قال: حتّى أنّي رأيت جريان دموعه مقارنة لآخر خارج من المجلس بلا فاصلة»(1).

جملة من أحواله ومكارم أخلاقه:
كان أزهد أهل زمانه وأعبدهم وأسخاهـم، فلذا أقبلت إليه الدنيا حتّى انتهت إليه الرئاسة الدينيّة والدنيويّة، وملك أموالاً كثيرة من النقود والعروض والعقار والقرى والدور الكثيرة في محلّة «بيدآباد».
وكانت له أموال كثيرة جناها من التجارة بين مدينتي رشت وأصفهان.
وكان يساعد الطلاّب ويعطي كلّ واحد منهم بقدر مؤنته بل أزيد، ويعطي الفقراء بل الاَغنياء والرؤساء كثيراً، ويقرض أبناء السلطان ووزرائهم.
وبالجملة: صار من المتموّلين والاَغنياء، بل لم يوجد في زمانه أحد بسعته وغناه وتموّله، وكلّ المحتاجين يرجعون إليه ولا يحرمهم، بل يعطي كلاًّ منهم على حسب حاجته وقلّ من يخيب عن بابه.
وفي عيد الغدير كان تجّار أصفهان يأتون لتهنئته محمّلين بالهدايا والاَموال، فكان يوزّعها على الفقراء والمحتاجين.
وكان للمترجم دكّانان خاصّان للفقراء؛ واحدٌ للخبز والآخر للّحم، وكانت جماعة كبيرة تعمل عند هذا العالم الجليل.
أمّا في الصلاة فكان يصلّي خلفه الآلاف من المصلّين.
وكان له في كلّ أُسبوع يوم للمرافعة والمحاكمة والبتّ في الدعاوي المقدّمة إليه في مجلس مهيب، يحضره عامّة الناس من جميع الطبقات،
____________
(1) الفوائد الرضوية: 429.

( 368 )
وكان من العظمـة والاَُبّهة أنّـه يستمرّ مـن الصباح إلـى المساء بدون انقطاع مـا عدا أوقات الصلاة.

آثاره الخالـدة:
ومن آثاره الخالدة تحديداته للمطاف بمكّة المعظّمة لمّا حجّ سنة 1230 هـ.
كما أنّ له آثاراً عمرانية فخمة، فقد بنى مسجداً في محلّة بيدآباد التي كان يسكنها ـ وهي من محال أصفهان ـ أنفق عليه ما يقرب من مائة ألف دينار شرعي من أمواله الخاصّة، وذلك في سنة 1245 هـ، ومال بقبلته إلى يمين قبلة سائر المساجد يسيراً، وجعل له مدارس وحجرات للطلبة، وأسّس أساساً لم يعهد مثله من أحد من العلماء والمجتهدين، وبنى بجنبه مقبرة لنفسه، واتّفق أن حقّق الله تعالى رجاه فدفن بعد ثلاثة أيّام من وفاته في تلك المقبرة، وهي موجودة إلى الآن.

مشايخه وأساتذته:
قرأ على جمٍّ غفيرٍ من علماء عصره وعظمائهم، ندرجهم في ما يلي مع ترجمة مختصرة لكلّ واحدٍ منهم:
1 ـ الاَُستاذ الاَكبر محمّـد باقر البهبهاني ـ الشهير بالوحيد ـ ابن المولى محمّـد أكمل الاَصفهاني.
مجاهد كبير، ومؤسّس محقّق، وأشهر مشاهير علماء الاِمامية وأجلّهم في عصره.
ولد بأصفهان في سنة 1118 هـ أو 1117 أو 1116، ونشأ بها، ثمّ
( 369 )
انتقل إلى بهبهان مع والده، واشتغل بها ردحاً من الزمن، ثمّ هاجر إلى كربلاء فجاورها وحضر على أركان الملّة، وأقطاب الشريعة، وفحول العلماء، منهم السيّد صدر الدين الرضوي ووالده.
توفّي الشيخ في الحائر الشريف في سنة 1205 هـ، ودفن في رواق حرم الاِمام الحسين عليه السلام ممّا يلي أرجل الشهداء.
له تصانيف جليلة قاربت الستّين كتاباً ورسالةً منها: شرح المفاتيح، وحاشية المدارك وتعليقة على الرجال الكبير للميرزا محمّـد، والفوائد الحائرية، ورسائل في: القياس والاَُصول الخمسة والمعاملات...(1).
2 ـ السيّـد علي بن السيّـد محمّـد علي بن أبـي المعالي الصغير بن أبي المعالي الكبير ـ أخ السيّـد عبـد الكريم جدّ بحر العلوم ـ الطباطبائي الحائري.
ولد في الكاظمية في 12 ربيع الاَوّل من سنة 1161 هـ، وتوفّي سنة 1231 هـ، وجاء في تاريخ وفاته: «بموت علي مات علم محمّـد»، ودفن في الرواق الشريف ممّا يلي مقابر الشهداء مع الآقا البهبهاني في صندوق واحد يزار.
تخرّج عليه علماء أعلام، وفقهاء عظام، صاروا من أكابر المراجع في الاِسلام، كصاحب المقاييس وصاحب المطالع ـ المترجم ـ وصاحب مفتاح الكرامة وغيرهم.
من تصانيفه: رياض المسائل، رسالة حجيّة الشهرة، شرح صلاة المفاتيح...(2).

____________
(1) الكرام البررة 2|171 رقم 360 من القسم الاَوّل.
(2) أعيان الشيعة 8|314.

( 370 )
3 ـ السيّد مهدي بحر العلوم، ويقال محمّـد مهدي ابن السيّد مرتضى ابن السيّد محمّـد الحسني البروجردي المعروف ببحر العلوم الطباطبائي، مـن نسل إبراهيم الملقب «طباطبا» من ذرّيّة الحسن المثنّى.
وهو الاِمام العلاّمة، رئيس الاِمامية، وشيخ مشايخهم في عصره.
ولد بكربلاء ليلة الجمعة في شوّال سنة 1155 هـ، وتوفّي بالنجف الغروي سنة 1212 هـ، ودفن قريباً من قبر الشيخ الطوسي، وقبره مشهور.
من تصانيفه: المصابيح في الفقه، ثلاثة مجلّدات، الفوائد في الاَُصول، مشكاة الهداية، الرجال، الدرّة النجفيّة وهي أُرجوزة مشهورة في الفقه، رسالة في العصير العنبي، وغيرها(1).
4 ـ الشيخ الاَكبر جعفر كاشف الغطاء، وهو شيخ الطائفة وزعيم الاِمامية، ومرجعها الاَعلى في عصره، ومن فطاحل فقهاء الشيعة.
ولد في النجف الاَشرف سنة 1156 هـ، ونشأ مجبولاً على حبّ العلم والفضل، حضر برهة من الزمن على والده، ثمّ الشيخ محمّـد تقي الدورقي والسيّد صادق الفحّام والشيخ محمّـد مهدي الفتوني والآقا محمّـد الوحيد البهبهاني، وحضر على السيّد مهدي بحر العلوم ما يقرب من ستّة أشهر لاَجل اليمن والبركة..
من تصانيفه: كشف الغطاء عن خفيّات مبهمات الشريعة الغرّاء، وهو الذي اشتهر بـه، ولقّبت بعده ذرّيّته به، مناسك الحجّ، غاية المأمول في علم الاَُصول، رسالته العملية بغية الطالب، والحقّ المبين.
توفّي الشيخ الاَكبر في النجف الاَشرف يوم الاَربعاء 22 رجب من
____________
(1) أعيان الشيعة 10|158.

( 371 )
سنة 1228 هـ، ودفن بمقبرته الخاصّة الشهيرة قرب داره(1).
5 ـ السيّد محسن الاَعرجي ابن الحسن بن مرتضى الكاظمي، المعروف بالمحقّق البغـدادي، صاحب المحصول والوسائل (1130 ـ 1227 هـ).
عالم فقيه أُصولي محقّق مدقّق، مؤلّفاته مشهورة، وعباراته في غاية الفصاحة والبلاغة... تتلمذ على بحر العلوم، وشارك كاشف الغطاء في الدرس.
اشتغل بالتجارة إلى حدود الاَربعين من عمره، ثمّ هاجر إلى النجف للتحصيل إلى زمان الطاعون الجارف، وتفرّق أهل النجف سنة 1186 هـ، ثمّ عاد إلى النجف(2).
6 ـ المحقّق الميرزا أبو القاسم القمّي الجيلاني الشفتي، من أركان الدين وكبار المؤسّسين ومن مشاهير محقّقي الاِمامية.
ولد في مدينة جابلاق من أعمال رشت في سنة 1151 هـ، فاشتغل على أبيه في علوم الاَدب، ثمّ انتقل إلى خوانسار، فدرس بها الفقه والاَُصول على العلاّمة السيّد حسين الخوانساري ـ جدّ مؤلّف روضات الجنّات ـ ثمّ هاجر إلى العراق، ونزل كربلاء، ودرس على الوحيد البهبهاني، والشيخ محمّـد مهدي الفتوني العاملي، والشيخ محمّـد باقر الهزارجريبي، ثمّ عاد إلى بلاده، وانتقل بين مدن جابلاق وقلعة بانو وأصفهان وشيراز، ثمّ استقرّ في مدينة قـم المقدّسة، وعكف على التدريس والتصنيف حتّى أصبح من كبار المحقّقين، وأعاظم الفقهاء المتبحّرين.

____________
(1) الكرام البررة 2|248 رقم 506 من القسم الاَوّل.
(2) أعيان الشيعة 9|46.

( 372 )
له مصنّفات قيّمة منها: القوانين المحكمة في الاَُصول، جامع الشتات في أجوبة السؤالات، الغنائم، المناهج، وغيرها.
توفّي قدس سره في سنة 1231 هـ في مدينة قمّ المقدّسة ودفن في مقبرتها المشهورة بـ: «شيخون»(1).
7 ـ الشيخ مهدي النراقي.
العالم الورع، والفاضل الجامع، قدوة خير أهل العلم بفهمه الاِشراقي، مولانا مهدي بن أبي ذرّ الكاشاني النراقي، نسبة إلى مسقط رأسه نراق ـ التي هي على وزن عراق ـ من أتباع بلدة كاشان، كان من أركان علمائنا المتأخّرين، وأعيان فضلائنا المتبحّرين، مصنّفاً في أكثر فنون العلم، مسلَّماً له في الفقه والحكمة والاَُصول.
وفي الروضة البهيّة في الطرق الشفيعيّة: وبعد فراغه من التحصيل توطّن كاشان، وكانت خالية من العلماء، وببركة أنفاسه صارت مملوءة بالعلماء الفضلاء، وصار مرجعاً، وبرز في مجلس درسه جمع من العلماء الاَعلام، توفّي سنة 1209 هـ.
من تصانيفه: جامع السعادات في الاَخلاق، معتمد الشيعة في أحكام الشريعة، لوامع الاَحكام في فقه شريعة الاِسلام، التحفة الرضويّة في المسائل الدينيّة، وغيرها(2).
8 ـ الشيخ سليمـان بن معتوق العاملـي الكاظمـي، المتوفّى سنة 1227 هـ.
كان في جبـل عامـل، من تلاميذ السيّد محمّـد بن إبراهيم الموسوي
____________
(1) الكرام البررة 2|52 رقم 113 من القسم الاَوّل.
(2) أعيان الشيعة 10|143.

( 373 )
ـ جدّ آل شرف الدين ـ والمجازين منه في الرواية، ولمّا حدثت فتنة أحمد الجزّار في سنة 1197 هـ هرب إلى العراق مع السيّد صالح ابن أُستاذه، وسكن الكاظمية، ولاقى المحدّث يوسف البحراني في كربلاء، فاستجازه وتحمّل عنه طرقاً، وله الرواية من غيره كالميرزا أبي القاسم القمّي صاحب القوانين وغيره.
برز ذكره في الكاظمية، وصار من أجلاّء فقهائها، وأفاضل مراجعها، وتخرّج عليـه جماعـة من الاَعاظـم، منهـم السيّـد عبـد الله شبّر، والسيّـد صدر الدين الموسوي، والسيّـد محسن الاَعرجي، وغيرهم(1).

تلامذتـه:
تتلمذ على يده وروى عنه إجازة جماعة كبيرة جدّاً، منهم:
1 ـ الحاجّ محمّـد باقر الخوانساري، صاحب روضات الجنّات.
2 ـ الحاجّ محمّـد إبراهيم الاَصفهاني القزويني.
3 ـ الميرزا محمّـد الرضوي.
4 ـ السيّد فضل الاسترآبادي.
5 ـ المولى محمّـد علي المحلاّتي.
6 ـ المولى محمّـد صالح الاسترآبادي.
7 ـ المولى محمّـد صالح النخجواني.
8 ـ الشيخ علي النخجواني.
9 ـ السيّد محمّـد تقي الزنجاني.
10 ـ الحاجّ عبـد الباقي الكاشاني.

____________
(1) الكرام البررة 2|612 من القسم الاَوّل.

( 374 )
11 ـ السيّد محمّـد علي الاَبرقوئي.
12 ـ المولى مرتضى قلي.
13 ـ المولى محمّـد رفيع الكيلاني، المعروف بشريعتمدار.
14 ـ المولى عبـد الوهّاب.
15 ـ الآقا محمّـد المجتهد.
كما تتلمذ عليه العشرات من الاَعلام لم نذكرهم روماً للاختصار.
مؤلّفاتـه العلميّـة:
له مؤلّفات قيّمة، ومصنّفات رائعة، وآثار جليلة خالدة، نذكر منها:
1 ـ مطالع الاَنوار في شرح شرائع الاِسلام:
لم يخرج منه غير مقاصد كتاب الصلاة إلى آخر أحكام الاَموات في خمسة مجلّدات، إلاّ أنّه مشتمل على أغلب قواعد الفقه وضوابطه الكلّيات، بل محتوٍ على معظم المسائل المتفرّقة من الطهارة إلى الديات، وأمّا تفصيله المقاصد في غاية التدقيق، وتذييله المطالب مع رعاية التحقيق، فهو ممّا بلغ مبلغاً ليس يصل إليه أفئدة أُولي الاَلباب.
2 ـ تحفة الاَبرار:
في آداب صلاة الليل ـ باللغة الفارسية ـ على غرار كتابه السابق فيما يقرب من عشرين ألف بيت بلغ فيه إلى أبواب التعقيب مشتملاً على فوائد مهمّة وفروع نادرة قلّما يوجد في شيء من كتب العمل للمقلّدين.
3 ـ القضاء والشهادات:
ألّفه أيّام اشتغاله على السيّد الاَعرجي في الكاظمية.

( 375 )
4 ـ الزهرة البارقة في أحوال المجاز والحقيقة:
تشتمل على جمٍّ غفيرٍ من المسائل الاَُصوليّة والعربيّة ومباحث الاَلفاظ والمبادىَ اللغوية في نحو من ثمانية آلاف بيت.
5 ـ جوابات المسائل:
في مجلّدين كبيرين تشتمل على رسائل متعدّدة في مسائل متبدّدة.
6 ـ رسالة في الاَوقاف:
وتحقيق بطلان الوقف على النفس خاصّة، أو في ضمن غيره.
7 ـ رسالة في حكم إقامة الحدود في زمن الغيبة:
وكان يذهب إلى وجوب ذلك على المجتهدين ويقوم بإجرائه بالمباشرة أو الاَمر، وقد قدّر عدد من قتلهم في سبيل ربّه تبارك وتعالى زمن رئاسته للدين بثمانين أو تسعين، وقيل: 120، دفنوا في المقبرة الواقعة قرب بيته، المعروفة بقبلة الدعاء.
8 ـ رسالة في حكم زيارة عاشوراء:
وأنّ صلاتها ركعتان لا أكثر، تفعلهما بعد الفراغ من اللعن والسلام والدعاء والسجدة.
9 ـ رسالة في أحكام الشكّ والسهو في الصلاة:
وهي رسالة كبيرة جدّاً، حسنة الوضع والتفريع، جعلها تتمّة لكتابه تحفة الاَبرار.
10 ـ رسالة في مناسك الحجّ وآدابها الواجبة والمستحبّة:
وهي أيضاً من أحسن ما كتب في هذا الشأن، وكان عليها عمل معظم حجّاج هذه الاَزمان.

( 376 )
11 ـ حاشية على شرح السيوطي على ألفية ابن مالك:
قال السيّد الاَمين العاملي: «رأيتها في النجف الاَشرف سنة 1352 هـ، فرغ من الجزء الاَوّل منها في رجب 1204 هـ، ألّفها في الكاظمية وهو مريض باحتراق البول».
وقال العلاّمة الطهراني: «ألّفها في بداية اشتغاله بطلب العلم، وصل فيها إلى باب التمييز، وقد سمّاها بـ: «الحلية اللامعة».
12 ـ في العقد على أُخت الزوجة المطلّقة.
13 ـ في قبول المرأة قول المرأة في عدم المانع لها من النكاح.
14 ـ في أنّه للولي أن يهب المدّة في العقد المنقطع.
15 ـ السؤال والجواب.
16 ـ رسالة في شرح بعض جوابات المسائل الصادرة عن أُستاذه
القمّي:
ألّفها بأمر أُستاذه.
17 ـ الرسائل الرجالية:
طبعت في عام 1314 هـ، تشتمل على اثنتين وعشرين رسالة في أحوال عشرين رجلاً من الرواة، كما يلي:
أ ـ رسالة في «تحقيق حال أبان بن عثمان» وتحقيق أحواله، وتحقيق أحوال أصحاب الاِجماع أيضاً، وهي رسالتنا هذه.
ب ـ رسالة في «تحقيق حال أبي بصير».
ج ـ رسالة في «تحقيق حال أحمد بن محمّـد بن عيسى».
د ـ رسالة في «تحقيق حال حسين بن خالد».

( 377 )
هـ ـ رسالة في «تحقيق حال سهل بن زياد».
و ـ رسالة في «تحقيق حال عبـد الحميد العطّار».
ز ـ رسالة في «تحقيق حال عمر بن يزيد».
ح ـ رسالة في «تحقيق حال محمّـد بن أحمد» الراوي عن العمركي.
ط ـ رسالة في «تحقيق حال محمّد بن خالد بن عبدالرحمن البرقي».
ي ـ رسالة في «تحقيق حال محمّـد بن عيسى اليقطيني».
ك ـ رسالة في «تحقيق حال معاوية بن شريح ومعاوية بن ميسرة وبيان اتّحادهما».
ل ـ رسالة في «تحقيق حال إبراهيم بن هاشم» والد المفسّر الشيخ الجليل علي بن إبراهيم الذي هو أُستاذ الشيخ الكليني.
م ـ رسالة في «تحقيق حال أحمد بن أبي عبـد الله بن خالد البرقي».
ن ـ رسالة في «تحقيق حال حمّاد بن عيسى».
س ـ رسالة في «تحقيق حال شهاب بن عبـد ربّه».
ع ـ رسالة في «المقصودين من عدّة الكليني».
ف ـ رسالة في «تحقيق حال ماجيلويه».
ص ـ رسالة في «تحقيق حال محمّـد بن إسماعيل» الواقع في صدر بعض أسانيد الكافي، فرغ منها سنة 1206 هـ، ثمّ كتب عليها حاشية سنة 1232 هـ.
ق ـ رسالة في «تحقيق حال محمّـد بن سنان».
ر ـ رسالة في «تحقيق حال محمّـد بن الفضيل».

( 378 )
ش ـ رسالة في «تحقيق حال إسحاق بن عمّار».
ت ـ «جواب مسألة في المنطق».
وفاتـه:
توفّي يوم الاَحد الثاني من ربيع الاَوّل ـ بمرض الاستسقاء ـ سنة ستّين بعد المائتين والاَلف، لكن العلاّمة الطهراني قال: «إنّه توفّي في الثاني من شهر ربيع الآخر سنة 1260 هـ كما رأيته بخطّ تلميذه العلاّمة السيّد محمّـد هاشم الچهارسوقي».
ولم يرَ مثل يوم وفاته يوم عظيم، إذ امتلاَت أزقّة البلد بأفواج الاَنام رجالاً ونساءً يبكون عليه بكاء الفاقد والده الرحيم، ومشفقه الكريم، وصلّى عليه في المسجد ولده الاَرشد، السيّد أسد الله.
وقد أُغلقت أبواب أسواق البلد أيّاماً متوالية بعد وفاته، ثمّ انتشر نعيه إلى سائر بلاد الاِسلام، فأقيم حقّ عزائه في جميع الاَطراف والاَكناف، ودارت نائحة مصيبته في أطراف العالم قريباً من سنة كاملة، وذلك لعظيم منّته وجزيل حقّه على قاطبة أهل الزمان.
وقد أنشد صاحب روضات الجنّات قصيدة طويلة في رثائه، مطلعها:

لـمـن الـعـزاء وهـذه الـزفـرات مـا هـي فـي الـزمـر * تـبـكـي الـسمـاء وفـي الاَرض الفـاسد بـه ظـهـر

إلى تمام ثمانين بيتاً تقريباً، ويقول في آخرها مؤرّخاً لوفاته:

وسـألـت طــبـعـي الـقـزم عــن تـاريـخ رحـلـتـه * فـجـرّ ذيـلـاً وقـال: الله أنـزلـه كـريـم الــمـسـتـقـرّ

كما رثاه الميرزا عبـد الرحيم الفسائي، الذي كان من الشعراء اللامعين
( 379 )
البارزين، بقصيدةٍ ـ بالفارسية ـ مطلعها:
كـهـف عـالـم حـجـّة الاِسـلام مـحـمـّـد * بـاقــر عـلـم وامــام خـاصّ وعــامّ
وقد رثاه أيضاً البروجردي بأُرجوزة مطلعها:
سـيـّدنـا الـسيـّد مـحـمـّـد بـاقـر * كـهـف الاَنــام ولــه مـفـاخــر

أولاده:
1 ـ السيّـد أسد الله (1227 ـ 1290 هـ).
2 ـ السيّـد محمّـد مهدي.
3 ـ السيّـد جعفر.
4 ـ السيّـد مؤمن.
5 ـ السيّـد أبو القاسم.
6 ـ السيّـد محمّـد علي.
7 ـ السيّـد زين العابدين.
وكلّهم علماء أجلاّء، وسادة فضلاء، انتهت إليهم الرئاسة العلمية بعد أبيهم في أصفهان، وقد تركنا الترجمة لهم دفعاً للاِطالة، ومن أراد ذلك فليراجع الكرام البررة في أعلام القرن الثالث بعد العشرة ونقباء البشر في أعلام القرن الرابع عشر.

مكانته العلميّة، وإطراء العلماء عليه:
قال العلاّمة المؤرّخ الطبيب الميرزا محمّد مهدي اللكهنوي الكشميري في كتابه نجوم السماء:

( 380 )
«... من المشايخ الكبار والمعروفين، كان صاحب قوّة قدسيّة، ومالك ملكات ملكيّة.
قال صاحب التذكرة: عرف بالفضل، والكمال، والاجتهاد، وعلوّ المنزلة، وجلالة القدر عن سائر المجتهدين العرب والعجم، نزل أصفهان وكان حاملاً للمعقول والمنقول، وجامعاً للفروع والاَُصول، ومرجعاً للعلماء الفحول، أذعن له سائر العلماء والمجتهدين في زمانه بالعلم والفضل والكمال...
وفضائله لا تعدّ ولا تحصى، إذ لم تحظَ مرجعيّة أحد من علماء الشيعة المتقدّمين والمتأخّرين بمثل ما حظيت مرجعيّته... وكان مهاباً من السلاطين حتّى لا يجرؤ أحدهم على مخالفته، كانت له الزعامة الدينيّة والدنيويّة.
كان معيناً للفقراء والمساكين، وقاضي حاجات المؤمنين، له أموال كثيرة موقوفة قربة إلى الله تعالى...»(1).
قال تلميذه السيّد محمّـد باقر الخوانساري في روضات الجنّات:
«العجب العجاب، وأنجب الاَنجاب... اجتمعت فيه مكارم أخلاق الاَنبياء العشرة الكاملة، وانتزع عنه من يوم خلقه الله سائر صفات الخلق غير العادلة، رأيته في العقل أفضل جميع أهل زمانه... ووجدته في الدين دانت له قاطبة حفّاظه وديّانه وخزّانه، بل إيمان الخلائق جزءاً من إيمانه، واعتقدته في العلم أفقه من تكلّم على حقيقة شيء من برهانه، وتفطّن إلى دقيقة فرع من أغصانه، ولقيته في الحلم أحلم من كظم الغيظ على الجاهلين
____________
(1) نجوم السماء 1|63.

( 381 )
بمنزلته ومكانه، وأحمل من حمل أعباء الخلائق بحسن خلقه وطيب لسانه، وألفيته في الجود معترفاً كلّ موجود بأنّه من رهائن إحسانه، بنفسه أو بماله أو بعلمه أو بشأنه...»(1).
وقال السيّد عبـد الكريم الجزي في تذكرة القبور:
« من أعاظم المجتهدين، وأكابر الفقهاء الاَُصوليّين، عالم زاهد، وفقيه جامع، ترجم حال هذا العلاّمة الكبير في كتب الرجال من الخاصّة والعامّة، في جلالة القدر، وارتفاع المقام، وعلوّ الهمّة، وسعة الصدر، والكرم والسخاء، والتصلّب في الاَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يصل إليه أحد من العلماء، كان يجري الحدود الشرعيّة بدون خوفٍ من السلطات الحاكمة...»(2).
وقال المحدّث الشيخ عبّـاس القمّي في هدية الاَحباب:
«حجّة الاِسلام يطلق بصورة خاصّة على السيّد الاَجلّ، وحيد الاَيّام، ومقتدى الاَنام، سيّد العلماء العظام... جلالة شأنه أكبر وأعظم من أن يعبّر عنها بهذه العبارات المختصرة، وذكروا كثيراً عن عبادته وخشوعه ومناجاته...»(3).
وقال أيضاً في الفوائد الرضويّة:
«سيّد العلماء الاَعلام، المدعوّ بحجّة الاِسلام، كان ـ عطّر الله مرقده ـ في جمعه الدنيا والآخرة مصداقاً لكلام جدّه الصادق عليه السلام: وقد يجمعها الله لاَقوام؛ وقد جمع الله فيه من الخصال النفسانيّة من العلم والفضل والتقوى
____________
(1) روضات الجنّات 2|96 ـ 102.
(2) تذكرة القبور ـ الطبعة الحجرية ـ: 193.
(3) هدية الاَحباب ـ الطبعة الحجرية ـ: 123.

( 382 )
والخشية والقوّة في الدين والسخاء والاهتمام بأُمور المسلمين والجاه العظيم، ونشر الشرائع والاَحكام، وتعظيم شعائر الاِسلام، وإجراء الحدود الاِلهيّة في الاَنام، والهيبة من قلوب السلاطين والحكّام، ما لم يجتمع في أحد من أقرانه، وكان يساعد الفقراء والمساكين وطلاّب العلوم الدينيّة»(1).
وقال أيضاً في الكنى والاَلقاب:
«... كان أمره في العلم والتحقيق والتدقيق والديانة والجلالة ومكارم الاَخلاق أشهر من أن يذكر، وأجلّ من أن يسطّر...»(2).
قال الميرزا محمّـد علي المدرّس في ريحانـة الاَدب:
«من عظماء علماء الاِمامية المتأخّرين، فقيه، أُصولي، أديب، نحوي، رجالي، كان من مشاهير زمانه في الفقه والاَُصول والرجال والدراية والعلوم الاَدبيّة وفنون العربية.
كان في الاَخلاق وحيد دهره، وعرف عنه حسن العبادة والمناجاة والسخاء والكرم، وإقامة الحدود، وأداء النوافل والمستحبّات»(3).
وقال العلاّمة في الكرام البررة في أعلام القرن الثالث بعد العشرة:
«من فحول علماء الاِمامية في هذا القرن ـ القرن الثالث عشر ـ ومن كبار زعماء الدين وأعلام الطائفة... وكان كثير الاهتمام لقضاء حوائج الناس، وإنجاز طلباتهم، ومساعدة أهل العلم والفقراء من الناس...»(4).
وقال العلاّمة السيّد محسن الاَمين العاملي في أعيان الشيعة:

____________
(1) الفوائد الرضوية: 426 ـ 429.
(2) الكنى والاَلقاب 2|155.
(3) ريحانة الاَدب 2|26.
(4) الكرام البررة 2|193 ـ 194.

( 383 )
«اجتمعت فيه من الخصال الحميدة من العلم والفضل والتقوى والسخاء والاهتمام بأُمور المسلمين والجاه العظيم، والسعي في نشر الشرائع والاَحكام، وتعظيم شعائر الاِسلام، وإقامة الحدود، والهيبة في قلوب السلاطين والحكّام، ما لم يجتمع في أحد من أقرانه»(1).
وقال إسماعيل باشا في هدية العارفين:
«السيّد محمّـد باقر بن السيّد محمّـد نقي... مجتهد الشيعة الاِمامية بأصبهان، سكن بلدة بيدآباد، وتوفّي بها سنة 1260 هـ»(2).
وقال الزركلي في الاَعلام:
«أُصولي من فقهاء إيران، يُنعت بـ: حجّة الاِسلام، مولده في إحدى قرى رشت، ووفاته بأصفهان، وأكثر إقامته في النجف»(3).
وقال عمر رضا كحالة في معجم المؤلّفين:
«فقيه، أُصولي، نحوي، مشارك في بعض العلوم، ولد في إحدى قرى رشت...»(4).
التعريف بنسخ الرسالة:
اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة على ثلاث نسخ مخطوطة، هي:
1 ـ النسخة الاَُولى: وهي المحفوظة في خزانة مخطوطات مكتبة مجلس الشورى الاِسلامي ضمن الرقم 2880 وهي تتكون من 24 صفحة،
____________
(1) أعيان الشيعة 9|188.
(2) هديّة العارفين 6|371.
(3) الاَعلام 6|49.
(4) معجم المؤلّفين 9|96.

( 384 )
كتبت ضمن مجموعة رسائل في الرجال للمؤلّف قدس سره متكوّنة من 411 صفحة، وكلّ صفحة تحتوي على 17 سطراً.
كتبها الشيخ محمّـد باقر الگلپايگاني، ومؤرّخة بتاريخ 1297 هـ، وقد كتبها نقلاً عن نسخة كُتبت في حياة المؤلّف، وتحتوي على أخطاء وسقوطات كثيرة.
وقد رمزت لها بالحرف «س».
2 ـ النسخة الثانية: وهي المحفوظة في خزانة مخطوطات مكتبة مجلس الشورى الاِسلامي أيضاً ضمن الرقم 64515، وهي تتكون من 15 صفحة من النوع الصغير، وكلّ صفحة تحتوي على 23 سطراً.
وقد رمزت لها بالحرف «م».
3 ـ النسخة الثالثة: وهي النسخة الحجرية المتداولة، وعدد صفحاتها 8 صفحات من الحجم الكبير.
وقد رمزت لها بالحرف «ج».

منهج التحقيق:
بعد استنساخ الرسالة قمت بمقابلتها مع جميع النسخ المذكورة، مع الاعتماد في مراجعة النصوص والروايات على مصادرها، وقد اعتمدت طريقة التلفيق بين نسخ الرسالة، آخذاً الصحيح الراجح في المتن مع الاِشارة في الهامش إلى الكلمات التي تفيد تغيير المعنى، وقد أعرضت عن الاِشارة إلى بعض الاَخطاء الاِملائية وما كان محرّفاً دفعاً للاِطالة.
علمـاً أنّ كلّ مـا بين قوسين ( ) بدون إشارة هو من بعض النسخ،
( 385 )
ومـا بين معقوفين [ ] هو إضافة من عندنا؛ لضرورة يقتضيها سياق العبارة.
وقد ذكرت في الهامش مصادر الروايات، مع الاِشارة إلى بعض التوضيحات اللازمة والمهمّة.

كلمـة أخيـرة:
وفي الختام أرجو أن أكون قد وفّقت في تحقيق هذه الرسالة القيّمة، وأرجو من العلماء والفضلاء وأساتذة التحقيق والباحثين والناقدين أن لا يبخلـوا عليّ بملاحظاتهـم القيّمـة، ونقدهم البنّاء، واستدراكاتهم المفيدة، لِما لها من أثر كبير في إظهار التحقيق بحلّة قشيبة زاهية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
عبـد الكريم محمّـد الموسوي
12 ذي الحجّـة الحرام|1414 هـ
قـم المقدّسة








( 386 )
صور الصفحة الاولى من نسخة « م »

( 387 )
صورة الصفحة الاخيرة من نسخة « م »

( 388 )
صورة الصفحة الاولى من نسخة « س »

( 389 )
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة « س »

( 390 )
صورة الصفحة الاولى من نسخة « ج »

( 391 )
صورة الصفحة الاخيرة من نسخة « ج »