السيّـد علي حسـن مطر
المتعدّي لغة:
المتعدّي في اللغة: اسم فاعل من الفعل «تعدّى» بمعنى «تجاوز».
قال ابن منظور: عدا الاَمر يعدوه وتعدّاه كلاهما: تجاوزه.. وقوله
[تعالى]: (فلا تَعْتَدوها)(1)، أي: فلا تجاوزوها إلى غيرها(2).
المتعدّي اصطلاحاً:
قبل أن يستقرّ استعمال لفظ (المتعدّي) عنواناً للمعنى الاصطلاحي
النحوي، عبّر سيبويه (ت 180 هـ) والمبرّد (ت 285 هـ) عنه بـ: «الفعل
الذي يتعدّى الفاعل إلى المفعول»(3)، واستعمل المبرّد أيضاً عنوان
ب ـ المقتضب، المبرد، تحقيق محمّـد عبـد الخالق عضيمة، 3|91.
واستعمل الفرّاء (ت 207 هـ) وابن خالويه (ت 370 هـ) عنوان
(الواقع)(2).
واستعمل ابن السرّاج (ت 316 هـ) عنوان (المتعدّي)(3) وعنوان
(الواصل)(4).
واستعمل بعض النحاة عنوان (المجاوز)(5).
ولعلّ أوّل من عرّف المتعدّي هو ابن السرّاج (ت 316 هـ) بقوله: إنّه
الفعل الذي «يلاقي شيئاً ويؤثّر فيه»(6).
ثمَّ عرّفه أبو علي الفارسي (ت 377 هـ) بأنّه: «ما نصب مفعولاً
به»(7).
وممّن تابعه على هذا التعريف أبو موسى الجُزولي (ت 607 هـ)(8)،
ب ـ الحجّة في القراءات السبع، ابن خالويه، تحقيق عبـد العال سالم مكرم،
ص159، 240.
ب ـ شرح اللمحة البدريّة، ابن هشام، تحقيق هادي نهر، 2|50.
ج ـ شرح ابن عقيل على الاَلفية، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، 1|534.=
وممّا قيل في شرحه: «أنّ الذي يقال فيه متعدٍّ بإطلاق هو ما اجتمع
فيه في الاسم المتعدّى إليه شيئان: أن يكون منصوباً، وأن يكون مفعولاً به،
فإن كان منصوباً ولم يكن مفعولاً به، نحو: قام زيدٌ قياماً... لم يقل فيه
متعدٍّ بإطلاق ولكن بتقييد، فيقال: متعدٍّ إلى المصدر... وكذلك إذا كان
الاسم المتعدّى إليه مفعولاً ولم يكن منصوباً، نحو: مررت بزيد... لم يقل
فيه متعدٍّ بإطلاق، ولكن يقال فيه متعدٍّ بتقييد، فيقال: متعدٍّ بحرف جرّ»(3).
وإنّما قيّد المفعول بأنّه مفعول به لاِخراج بقيّة المفاعيل؛ فإنّها تنتصب
بكلّ من المتعدّي واللازم، فلا يكون انتصابها بالفعل دليلاً على تعدّيه، قال
الجرجاني: «فالمفعول به خاصّ؛ لاَنّه لا يكون للفعل اللازم، نحو: خرج
زيد، وإنّما يكون للفعل المتعدّي، نحو: ضربت زيداً»(4).
وعرّفه ابن الخشّاب (ت 516 هـ) بأنّه: «ما تجاوز الفاعل إلى
المفعول به»(5) مصرّحاً بأنّه يريد بذلك تعريف الفعل المتعدّي بنفسه (بلا
واسطة)؛ لئلاّ يشكل عليه بأنّ الاَفعال اللازمة تتجاوز فاعلها إلى المفعول به
بواسطة الحرف.
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله: الفعل «المتعدّي ما كان له
وعرّفه ابن عقيل (ت 672 هـ) بأنّه: الفعل «الذي يصل إلى مفعوله
بغير حرف الجرّ»(2)، محترزاً بعبارة «بغير حرف الجرّ» من دخول ما يتعدّى
من الاَفعال اللازمة إلى المفعول بواسطة الحرف، نحو: ذهبَ به، وغضبَ
عليه.
وقال الشلوبين (ت 645 هـ) في تعريفه: «المتعدّي ما نصب مفعولاً
به، أو اقتضاه بواسطـة، إلاّ أنّ ما نصبَ مفعولاً به يقال فيه: متعدٍّ مطلقاً،
وما اقتضاه بواسطة لا يقال فيه: متعدٍّ مطلقاً، وإنّما يقال فيه مقيّداً، فيقال:
متعدٍّ بحرف جرّ»(3).
ويلاحظ عليه: أنّ كلامه ظاهر في قسمة المتعدّي إلى متعدٍّ بنفسه
ومتعدٍّ بواسطة، وهذا مخالف لِما استقرّ عليه رأي النحاة من أنّ المتعدّي
بإطلاق يختصّ بما نصب المفعول به بنفسه وبلا واسطة.
وعرّفه ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) بأنّه: «مـا أنبأ لفظه عن
حلوله في حيّزٍ غير الفاعل»(4).
وتابعه عليه ابن يعيش (ت 643 هـ) وابن أبي الربيع الاَشبيلي (ت
668 هـ) مع اختلاف في العبارة، إذ قال الاَوّل: إنّه «ما يفتقر وجوده إلى
محلّ غير الفاعل»(1)، وقال الثاني: «ما يطلب بعد فاعله محلاًّ يقع به»(2).
وعرّفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بأنّه: «الذي لا يعقل إلاّ
بمتعلّق»(3)، أو «ما توقّف فهمه على متعلّق، أي: على أمر غير الفاعل...
فإنّ كلّ فعل لا بدّ له من فاعل... لكنّ نسبة الفعل إلى الفاعل بطريق
الصدور... ولا يقال في الاصطلاح: إنّه متعلّق به؛ فإنّ التعلّق: نسبة الفعل
إلى غير الفاعل... كـ (ضربَ)؛ فإنّ فهمه موقوف على تعقّل
المضروب... بخلاف الزمان والمكان والغاية... فإنّ مفهوم الفعل وتعقّله
بدون هذه الاَمور ممكن»(4).
وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بعلامته، فقال: «هو ما يصلح أن
يبنى منه اسم مفعول، ويصلح السؤال عنه بأيّ شيء وقع»(5).
وكذلك فعل ابن مالك (ت 672 هـ)، إذ قال: هو ما اقتضى اسماً
مصوغاً له باطراد اسم مفعول تام(6)، وقوله: «باطراد، احترز به من ممرور
ونحوه؛ فإنّه إن قيل؛ فللضرورة وليس مطرداً، [وقوله]: تامّ احترز به من
نحو مذهول عنه ومطموع فيه؛ فإنّ كلاًّ منهما اسم مفعول، لكنّه غير تامّ؛
وهناك تعريف آخر بالعلامة لابن مالك أيضاً ذكره في ألفيّته، وهو:
«ما جاز أن تتّصل به (هاء) ضمير لغير مصدر»(2)، وذلك في قوله:
علامةُ الفعل المعدّى أن تَصلها غيرِ مصدرٍ بهِ نحو عَمِل
«واحترز بهاءِ غير المصدر عن هاءِ المصدر؛ فإنّها تتّصل بالمتعدّي
واللازم»(3).
ولم يأتِ النحاة المتأخّرون بتعريف جديد للفعل (المتعدّي)، بل
كان كلّ منهم يأخذ بأحد هذه التعريفات التي عرضناها للمتقدّمين(4).
أ ـ شرح الألفية ، الأشموني (ت 900هـ) ، 1 | 195.
ب ـ شرح التصريح على التوضيح ، خالد الأزهري (ت 905هـ) ، 1 | 309.
ج ـ شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي (ت 972هـ) ، تحقيق محمّد
الطيّب الإبراهيم ، ص 134.