طريقة الشيخ في التعامل مع الاَخبار في
كتاب « التهذيب »

لاَجل معرفة دور الشيخ في الحديث الشريف وعلومه من خلال هذه اللمحات في تراثه الحديثي فضلاً عمّا سيأتي في فصول البحثاللاحقة، كان من الضروري الوقوف على الطريقة التي سلكها في هذا الكتاب، الذي جعله شرحاً لكتاب المقنعة في الفقة لاَُستاذه الشيخ المفيد، والكيفية التي تعامل بها مع ما جمعه فيه من الاَخبار الكثيرة وذلك بحسب الخطوات التالية:
1 ـ الاقتصار على أيراد شرح ما تضمّنه كتاب المقنعة من المسائل الفقهية، باعتبار أنّه شافٍ كافٍ في بابه مع خلوه من الحشو والاِطالة.
2 ـ ترك ما ورد في أوّل المقنعة من المباحث الاِعتقادية، كالتوحيد والعدل والنبوة والاِمامة، والدخول بكتاب الطهارة رأساً؛ تحقيقاً لغرضه المذكور سابقاً وهو رفع التضاد والاختلاف والتباين الحاصل في جملة من أحاديث الفروع، وأمّا بالنسبة إلى الاَُصول فهو لا يحتاج إليها أصلاً لثبوت أدلتها على نحو التواتر.
3 ـ أنْ يعنون أبواب التهذيب على وفق ما عنونه الشيخ المفيد من أبواب في المقنعة.
4 ـ أنْ يورد مسائل المقنعة مسألة بعد أُخرى.
5 ـ أنْ يستدلّ على كلّ مسألة بالظواهر والاَدلة المفضية إلى العلم، كالآتي:

( 260 )
أ ـ الاستدلال بالقرآن الكريم، ويكون من وجوه خمسة، وهي:
1 ـ من ظاهره.
2 ـ أو صريحه.
3 ـ أو فحواه.
4 ـ أو دليله.
5 ـ أو معناه.
ب ـ الاستدلال بالسُنّة المطهّرة المقطوعة بها ويكون من وجهين، وهما:
1 ـ من الاَخبار المتواترة.
2 ـ أو المقترنة بالقرائن الدالّة على صحّتها.
جـ ـ الاستدلال بالاِجماع، ويكون من وجهين.
1 ـ إمّا بإجماع المسلمين.
2 ـ أو بإجماع الشيعة.
وهذان الوجهان يرجعان في الحقيقة إلى وجه واحد كما سنبيّنه في الحديث عن الاستبصار.
6 ـ ان يذكر طائفة من أحاديث الاِمامية المتّفقة الواردة في حكم المسألة المبحوثة.
7 ـ ان يذكر طائفة أُخرى من أحاديث الاِمامية المضادّة أو المختلفة مع أحاديث الطائفة الاَُولى، أي: ايراد المتّفق من روايات الشيعة أولاً، ثمّ المختلف فيه ثانياً.
8 ـ ذكر بعض الاَخبار العامّية الواردة في المسألة المبحوثة ذاتها مع بيان قيمة تلك الاَخبار وحقيقتها.

( 261 )
9 ـ التّصـدي لبيـان وجـه التعـارض والتنـافي والتضـاد والتبـاين بين ما أورده من مجموع الاَخبار في كلّ مسألة، وذلك عن طريق:
أ ـ إمّا بتأويل يجمع بينها، مع تأييد ذلك التأويل بما يناسبه من الاَحاديث بحيث تتضمن الاَحاديث المؤيدة للتأويل، إمّا صريح معناه، أو فحواه، وبهذا يكون الشيخ عاملاً على الفتيا والتأويل بالاَثر.
ب ـ وإمّا بحمل ذلك التعارض والتنافي ، والتضاد والتباين على الظاهر لا الحقيقة والواقع ، لعدم تكافؤ الأخبار الموصوفة بذلك، وبالتالي تمكن الشيخ م إزالة الوصف المذكور بذكر وجه الفساد فيها ، إمّا من ضعف إسنادها ، أو من عمل الفقهاء المتقدّمين بخلاف متضمّنها.
10 ـ اللجوء إلى دلالة الاَصل، والعمل بالخبر الموافق لتلك الدلالة، وترك العمل بما خالفها من الاَخبار، وذلك في حالتين، وهما:
أ ـ في حالة اتّفاق الخبرين على وجه لا ترجيح لاَحدهما على الآخر.
ب ـ إذا كان حكم المسألة المبحوثة لا نصّ فيه على التعيين.
وهذه الخطوات التي أشار إليها الشيخ في أول التهذيب(1)، قد وفى بها في اكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة، كما صرّح بذلك في مشيخته (2)
لكنّه عدل عن بعض تلك الخطوات فيما بعد كتاب الطهارة، وذلك بالاقتصار على إيراد أحاديث الاِمامية المتّفق عليها والمختلف فيها في كلّ مسألة والتوفيق بينها بنحو ما تقدّم من شروط وترك إيراد أخبار العامّة إلاّ لمناسبة يقتضيها الحال ـ كما سنبيّنه في الفصول اللاحقة ـ مع الاحتفاظ بكامل الخطوات السابقة، إلاّ أنّه لم يتقيّد بما تضمّنه كتاب المقنعة.

____________
(1) تهذيب الاحكام 1: 3 ـ 4، من المقدمة.
(2) تهذيب الاَحكام 10|2، من المشيخة.

( 262 )
ثمّ أضاف لهذه الخطوة الجديدة، خطوة أُخرى، وهي إيراد جملة من الاَحاديث التي لم يوردها عند التعرّض لمسائل المقنعة في الاَبواب التي فـرغ منها، فألحقها بها في أبواب خاصّة تعرف بأبواب الزيادات، وهذا هو ما صرّح به الشيخ فقال بعد وصف الخطوة الجديدة الاَُولى: «ثمّ رأينا أن استيفاء ما يتعلّق بهذا المنهاج أولى من الاِطناب في غيره، فرجعنا وأوردنا من الزيادات ما كنّا أخللنا به»(1).
ومن هنا قال السيّد محسن الاَمين بعد نقله عبارة المشيخة: «فهو إذن قد عدل عن منهاج بحثه في الاَساسين معاً، فلم يتقيّد بما تضمّنته المقنعة، واقتصر على أحاديث أصحابنا، والدافع له إلى هذا العدول ـ حسب تصريحه ـ هو تلك الغاية الكلامية.
وفي الحقيقة أن هذه الغاية هي التي تحكّمت في هذا الكتاب وجعلته الوحيد من نوعه في أُسلوبه ومنهـاجه، فجـاء بـآراء فـي الجـمع والتأويـل لا يزال أكثرها معمولاً بها عند المجتهدين»(2).
وفي اختتام هذه اللمحة بخصوص التهذيب نود الاِشارة السريعة إلى مسلك الشيخ فيه ـ وفي الاستبصار كذلك ـ من جهة الاِسناد؛ لما في ذلك من إشكال متهافت قد أثاره بعضهم كما سيوافيك، فنقول:
سلك الشيخ الطوسي في منهجه السندي في كتابيه التهذيب والاستبصار تارة مسلك ثقة الاِسلام الكليني في الكافي بذكر سلسلة السند كاملة كما في الاجزاء الاَُولى من التهذيب، وأُخرى مسلك الشيخ الصدوق في كتابه الفقية، وذلك بحذف صدر السند والابتداء بمن نقل الحديث من

____________
(1) تهذيب الاَحكام 10|4، من المشيخة.
(2) أعيان الشيعة 9|162.

( 263 )
كتابه أو أصله، مع الاستدراك في آخر الكتابين بمشيخة تبيّن طرقه إلى أُولئك المصنّفين، وعلى غرار ما فعله الشيخ الصدوق في آخر الفقيه.
هذا، وقد أورد صاحب كتاب الكليني والكافي إشكالاً في المقام، فقال عن طريقة الشيخ في المشيخة، بأنّ الشيخ: «في موارد كثيرة يجمل في القول ممّا لا يقضي [بما لا يقتضي] الحصر ولا يفيده، فقد عبّر عن ذلك بقوله: (ومن جملة ما رويته أو ذكرته عن فلان.. فقد رويته عن..).
فإنّ كلمة (جملة) في بعض المرويات ممّا لا يفيد الحصر»(1).
ولازم هذا الاِشكال، هو حصول الجهل بالطريق إلى مرويات الشيخ عمّن ذكر له طريقاً مجملاً، ولهذا تراه قدّم حلولاً لرفع الجهل المذكور، كمراجعة فهرست الشيخ، أو رجال الشيخ، أو مشيخة الصدوق، أو أسانيد الكافي(2)!
ولولا مساس هذا الاِشكال بدور الشيخ في الحديث الشريف وبراعته في بيان طرقه إلى مرويّاته، لما تعرضنا لجوابه أصلاً، وما نقوله في جوابه:
إنّه بغض النظر عمّا في حلوله المقترحة لدفع لوازم الاِشكال من أخطاء(3)، فإنّ الاِشكال ذاته مبالغ فيه، زيادة على خطئه في نفسه.

____________
(1) الكليني والكافي ـ الشيخ عبد الرسول الغفار ـ: 425، مؤسسة النشر الاِسلامي، قم|1416 هـ.
(2) الكليني والكافي: 425.
(3) لاقتباسه تلك الحلول من فكرة تعويض الاَسانيد، التي لم تكن فكرة واضحة الاَبعـاد أو منتظمة الخطوات في دائـرة التطـبيق، إلى أن اضـطلع السيّد الشهيد الصدر قدس سره بصياغة تلك الفكرة وتحويلها إلى نظرية قائمة على أُصول مدروسة ومنقّحة في معظم وجوهها تقريباً، فوفر قدس سره بنظريته تلك سبل تفادي الاَخطاء في التطبيقات السابقة لفكرة التعويض، ومن تلك الاَخطاء الاِحالة ـ كيفما اتّفق ـ إلى الكتب المذكورة.
وقد فصّلنا القول في دراسة تلك النظرية في كتاب نظرية الشهيد الصدر في تعويض الاَسانيد، الذي سيشق طريقه بإذنه تعالى إلى إحدى المطابع عمّا قريب.

( 264 )
أمّا وجه المبالغة فيه، فواضح لمن تتبّع المشيختين إذ لم ترد فيهما كلمة (جملة) في موارد كثيرة كما قال، وإنّما ذكرها الشيخ في بعض طرقه إلى خمسة أشخاص فقط ولا سادس لهم أبداً، كما سنوضحه بعد قليل.
وأمّا وجه الخطأ، فيتبين من خلال عدم اكتفاء الشيخ بما ذكره من الطرق المجملة إلى مروياته عن الاشخاص الخمسة الذين سنذكرهم، وإنّما أضاف إليها طرقاً مفصله إليهم جميعاً، وبلفظ صريح دالّ على دخول مروياتهم في التهذيب والاستبصار كافة في عموم قوله: «وما ذكرته عن فلان...» المذكور في سائر طرقه الجديدة إليهم.
وفي ما يأتي إشارة سريعة إلى طرقه إليهم في الطائفتين المذكورتين.
1 ـ قال الشيخ: «ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمّد بن عيسى...»(1).
وفي مورد آخر: «وما ذكرته عن أحمد بن محمّد بن عيسى الذي أخذته من نوادره...»(2).
ولا يضرّ تخصيص الطريق بكتاب النوادر على معرفة طريق الشيخ إلى ما رواه عنه من غير الكتاب المذكور لما سيأتي قريباً ومن المشيخة نفسها.
2 ـ وقال الشيخ: «ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمّد بن خالد....»(3).

____________
(1) مشيخة التهذيب 10|42 وص 72، ومشيخة الاستبصار 4|305 وص 316.
(2) مشيخة التهذيب 10|74، ومشيخة الاستبصار 4|319.
(3) مشيخة التهذيب 10|43 ـ 44، ومشيخة الاستبصار 4|305 ـ 306، مع وصفه بالبرقي.

( 265 )
وفي مورد آخر: «وما ذكرته عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي...»(1)
وأحمد بن محمّد بن خالد هو نفسه أحمد بن أبي عبد الله البرقي بلا خلاف.
هذا، وقد قال الشيخ أيضاً: «ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمّد...»(2).
وقال في مورد آخر: «ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمّد...»(3).
ومن مراجعة الطريقين بدقّة يعلم بأنّ المراد بالاَوّل هو أحمد بن محمّد بن عيسى الاَشعري، وبالثاني هو البرقي، وذلك بالنظر إلى الطرق الاَخرى التي وقع فيها الاَشعري والبرقي ومقارنتهما مع هذين الطريقين، ولولا خشية الاِطالة لبيّنا ذلك تفصيلاً.
وبالجملة، فإنّ للشيخ أكثر من طريق واحد إلى روايات الاَشعري والبرقي وإن ذكرنا بعضها، لاَنّه إذا ما أجمل الطريق إلى أي منها عطف عليه مباشرة طريقاً آخر يأخذ حكم الاجمال أيضاً لقوله بعد نهاية الطريق بما يشعر بالاِجمال، كعطفه كما لو عطف على الطريق عبارة: وأخبرني به أيضاً فلان عن فلان، وهكذا.
ومن كلّ هذا يتبيّن أنّ الشيخ لم يدع جملة من رواياته عن الاَشعري بلا طريق، إلاّ أنّه أحبّ أن يذكر أكثرها لاختصاص كلّ منها بطائفة من الروايات، ولهذا ورد التعبير عنها مجملاً.

____________
(1) مشيخة التهذيب 10|85، ومشيخة الاستبصار 4|331.
(2) مشيخة التهذيب 10|73، ومشيخة الاستبصار 4|317.
(3) مشيخة التهذيب 10|74، ومشيخة الاستبصار 4|318 ـ 319.

( 266 )
بل حتّى لو احتُمل تخلّف شيءٍ منها على الرغم من تراكم عبارات الاِجمال في طرقه إلـى الاَشـعري في المشـيخة، فإنّ في نظـرية التعـويض ما يقضي على مثل هذا الاحتمال قضاءً مبرماً كما فصّلناه في محله.
وأمّا عن البرقي فقد ذكرنا طريق الشيخ العامّ إلى جميع رواياته.
3 ـ وقال الشيخ: «ومن جملة ما ذكرناه عن الفضل بن شاذان...»(1).
وفي مورد آخر: «وما ذكرته عن الفضل بن شاذان...»(2).
4 ـ وقال الشيخ: «ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب...»(3).
وفي مورد آخر: «وما ذكرته عن الحسن بن محبوب ما آخذته من كتبه ومصنّفاته، فقد أخبرني بها...»(4).
5 ـ وقال الشيخ: «ومن جملة ما رويته عن الحسين بن سعيد والحسن بن محبوب...»(5).
وفي مورد آخر: «وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسين بن سعيد...»(6).
وعبّر عن هذا المورد في الاستبصار بلفظ: «وما ذكرته عن الحسين بن سعيد...»(7)، وقد ذكرنا آنفاً طريقه العامّ الى روايات الحسن بن محبوب.

____________
(1) مشيخة التهذيب 10|47، ومشيخة الاستبصار 4|306 ـ 307.
(2) مشيخة التهذيب 10|86، ومشيخة الاستبصار 4|333.
(3) مشيخة التهذيب 10|52، ومشيخة الاستبصار 4|307.
(4) مشيخة التهذيب 10|56، ومشيخة الاستبصار 4|310.
(5) مشيخة التهذيب 10|73، ومشيخة الاستبصار 4|319.
(6) مشيخة التهذيب 10|63.
(7) مشيخة الاستبصار 4|312.

( 267 )
وهذا هو مجموع ما عبّر عنه الشيخ من الطرق بلفظ مجمل في مشيختي الكتابين، وقد اتّضح للعيان أنّه لا جهل بمعرفة طرقه إلى المذكورين، وأنّ التسرع في الاقتباس وعدم تتبّع ما في المشيختين هو السبب وراء ذلك الاِشكال العقيم.
وأمّا «الاِستبصار»:
فهو من كتب الحديث المشهورة عند الاِماميّة، ورابع الاَُصول الاَربعة المتميّزة في ضبط الحديث وصحّته عندهم، ورمزه المشهور في كتب الحديث والفقه وغيرها (بص)، ألّفه الشيخ الطوسي قدس سره بعد كتابيه تهذيب الاَحكام والنهاية، وذكره الشيخ نفسه في قائمة مؤلّفاته في كتابه الفهرست، فقال: «.. وله ـ يعني نفسه الشريفة ـ كتاب الاستبصار فيما اختلف من الاَخبار، وهو يشتمل على عدّة كتب تهذيب الاَحكام..»(1).
وهذا الكلام محمول على التغليب، إذ لا وجود لكتاب الزيارات ضمن كتب الاستبصار التي ابتدأت ـ ككتب التهذيب ـ بكتاب الطهارة، وانتهت بكتاب الدّيات، وبهذا يكون مجموع كتب الاستبصار اثنين وعشرين كتاباً، بفارق كتاب واحد عن كتب التهذيب، وهو كتاب الزيارات الذي لم يتعرض الشيخ إلى أي باب من أبوابه في الاستبصار.
وأمّا عن عِدّة أبواب وأحاديث الاستبصار فقد حصرها الشيخ بتسعمائة وخمسة وعشرين باباً، وخمسة الاف وخمسمائة وأحد عشر حديثاً، ثمّ قال: «حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقصان»(2).

____________
(1) الفهرست: 160 رقم 699.
(2) الاستبصار فيما اختلف من الاَخبار ـ للشيخ الطوسي ـ 4|335، في آخر مشيخة الكتاب.

( 268 )
ولكن في المطبوع بتحقيق السيّد حسن الخرسان تسعمائة وثلاثين باباً، وخمسـة الاف وخمسمائة وثمانية وخمسين حديثاً، وهذا يزيد عـلى ما ذكره الشيخ بخمسة أبواب وسبعة وأربعين حديثاً.
وقد برّر السيّد المحقّق زيادة الاَحاديث بالمكررات سنداً ومتناً، أو بسند آخر، ولكنّه لم يلتفت إلى تفاوت الاَبواب، ولعلّه من جهة جعل النسّاخ الباب الواحد بابين، كما لو افترضنا مثلاً كون باب كراهية لحم الغراب، وباب كراهية لحم الخطاف، كانتا في الاَصل واحدة بعنوان: باب كراهية لحم الغراب ولحم الخطاف. وهكذا.
على أنّه لا أثر لهذا التفاوت بعد تطابق عدد الاَحاديث الموجودة مع إحصاء الشيخ لها عند حذف المكرر منها.
وجدير بالذكر، هو أنّ أغلب أحاديث الاستبصار قد أخذها الشيخ من كتابه التهذيب، لا جميعها؛ لذا فإنّ القول: بانه قطعة من التهذيب لا غير، اقتطعها منه مجرِّداً بها أخباره المختلفة والمتعارضة وترتيبها على أبواب الفقه في الاستبصار، محمول على التغليب؛ لاَنّا وجدنا جملة يسيرة من الاَحاديث في الاستبصار لم يذكرها الشيخ في التهذيب أصلاً.
وكيف يكون قطعة لا غير من التهذيب مع اختلاف منهج الشيخ في الكتابين، وحصول التفاوت اليسير بينهما في صياغة التأويل لجملة من أخبارهما المشتركة، مع الفرق الضئيل بينهما فى المشيختين.
ومع هذا سوف لن نقف عنده طويلاً إلاّ بمقدار ما لم نقدر على ذكره في دراسة التهذيب الذي يُعدّ في الواقع أصلاً لكتاب الاستبصار.
لقد امتاز كتاب الاستبصار عن غيره من كتب الحديث الاِمامية بانفراده بجملة من المميّزات، لم يشركه في أغلبها كتاب آخر سوى التهذيب.

( 269 )
ومن بين تلك المميّزات الظاهرة ابتداءً من مقدمته: امتزاج علم رواية الحديث مع علم درايته، وكذلك تخصّصه بجمع الاَحاديث المختلفة والمتعارضة مع صبّ كلّ الطاقات العلمية في سبيل ايضاح حقيقة تلك الاَخبار، ومقدار صحّتها عبر دراستها ونقدها وبيان الوجه في اختلافها وتعارضها وكيفية الجمع بينها وترجيح بعضها على بعض بشاهد النقل أو الاعتبار.
اذاً هو ليس من قبيل أكثر كتب الحديث عند الفريقين التي اقتصرت على رواية الحديث وتصنيفه وتدوينه.
وهذا لا يعني سلب الاِسهامات الكبيرة التي قدّمها المحدّثون الكبار لخدمة الحديث الشريف من أمثال ثقة الاِسلام الكليني (ت 329هـ) الذي استطاع ـ بعد عشرين عاماً من العمل الدؤوّب ـ أن ينقل الحديث الصحيح وما رآه مقارباً إليه من دور اختلاطه بالآف الاَحاديث الضعيفة والموضوعة إلى دور الفصل والتنسيق والتصنيف والترتيب على أبواب أُصول الشريعة وأحكامها كافة.
ومن هنا، كانت فتاوى الصدوق المنتزعة من نصوص الاَخبار التي كان يراها صحيحة وحجّة بينه وبين الله عزّ وجلّ ـ كما في كتابه الفقيه ـ موجودة بالنصّ أو المضمون في كتاب الكافي.
وما نعنيه هو أنّ الشيخ الطوسي كان الحدّ الفاصل بين طور النظرية في مجال الحديث المختلف والمتعارض وبين طور التطبيق، كما كان ثقة الاِسلام من قبل حدّاً فاصلاً بين بعثرة الصحيح وجمعه بحسب وسعه وطاقته.
وهذا هو ما صرح به الشيخ الطوسي في مقدمة الاستبصار، فقال معبّراً
( 270 )
عمّا بذله من جهد فيه، بقوله: «لم يسبق إلى هذا المعنى أحد من شيوخ أصحابنا المصنّفين في الاَخبار والفقه في الحلال والحرام»(1).
وسوف نسلّط الضوء على هذه الحقيقة تحت عنوان:
كيفية التعامل مع الاَخبار في «الاستبصار»:
تعامل الشيخ مع ما جمعه من أخبار كتابه الاستبصار على أساس الابتداء في كلّ باب من أبوابه بما يعتمده من الحديث في الفتيا، ومن ثمّ التعقيب على تلك الاَحاديث المعتمدة بما يخالفها أو يناقضها من الاَخبار، مميّزاً بينهما بعبارة واضحة جليّة.
ثمّ بيان وجه الجمع بين ما اعتمده وما اختلف أو تناقض معه(2)، مع العناية الفائقة بوجوه ترجيح الاَحاديث بعضها على بعض، ممّا حمله ذلك على النظر في الاَخبار الكثيرة على أساس حصرها بثلاثة أصناف(3).
أصناف الخبر عند الشيخ:
الخبر عند الشيخ الطوسي ـ كما ذكرنا ـ على ثلاثة أصناف، وهي:

الصنف الاَوّل: الاَخبار المتواترة.
وهي ما بلغت رواتها في الكثرة مبلغاً أحالت العادة اتّفاقهم على
____________
(1) الاستبصار 1|3، من المقدّمة.
(2) عقدنا فصلاً في هذا البحث بعنوان «طرق الجمع بين الاَخبار» وسيأتي بعد الحديث عن كتابي الغيبة، والاَمالي.
(3) سـيأتي الكـثير مـن تطـبيقات مـا سـنذكره مـن تلك الاَصناف في فصول البحث لا سيّما الرابع منها وهو بعنوان: «الاستدلالات والاحتجاجات».

( 271 )
الكذب، بحيث تتحقق تلك الكثرة في جميع طبقات السند وصولاً إلى المعصوم عليه السلام .
وهي تكون موجبة للعلم القطعي بالصدور، وموجبة للعمل أيضاً من غير إضافة شيء إليها؛ لكونها حجّة في نفسها، والاَساس المتين المعتمد في أُصول الشريعة وأحكامها.
ونظرة واحدة إلى ما ذكره الشيخ في أوائل كتاب الاستبصار تعطي انطباعاً كافياً على اعتماد الشيخ في فتاويه على هذا الصنف من الاَخبار أولاً بأول، وتزداد تلك القناعة عند مقارنة ما ذكره الشيخ من الاَخبار المعتمدة في الفتوى مع أحاديث أبواب الكافي التي تضمّنت نصّ أو مضمون ما ذكره الشيخ، إذ سيجد في تلك الاَبواب ما يقطع العذر حيث اشتبكت الطرق وتعددت، وبلغ الرواة من الكثرة مبلغ التواتر في نقل مضامين أغلب الاَبواب.
الصنف الثاني: الاَخبار المحتفة بقرينة قطعية توجب العلم.
والقرائن القطعية على نحوين:
إذ تارة تكون دالّة على القطع بصدور الخبر عن المعصوم عليه السلام ، فيكون الخبر صحيحاً في نفسه.
وأُخرى دالّة على صحّة مضمون الخبر، وإن احتمل عدم الصدور.
والشيخ لم يذكر شيئاً عن النحو الاَوّل لكنّه ذكره في كتابه العدّة في أُصول الفقه ـ كما سيأتي في محلّه ـ؛ لانحصار العلم بتلك القرائن بأصحاب المعصوم عليه السلام غالباً، بل اكتفى ببيان أنواع النحو الثاني من القرائن القطعية الدالّة على صحّة متضمن الخبر.

( 272 )
على أنّ بعض تلك القرائن ـ كموافقة الخبر للاِجماع ـ كاشفة عن احتمال كون الاَصل هو القطع بالصدور، ولكن لسبب ما، لم يصل العلم بهذا القطع الى الشيخ، بل وصلت آثاره إليه أعني الاِجماع على العمل بمضمون ذلك الخبر، والاِجماع يكشف ـ بدوره ـ عن صحّة ما تضمّنه الخبر، وإن احتمل عدم صدوره.
فهاهنا أمران: خبرٌ، وإجماع، وبما أنّ مضمون الخبر متطابق مع الاِجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام .فإنّه إذا احتملنا كون الاَصل في الاِجماع هو ذلك الخبر بعينه وقويَ ذلك الاحتمال بقرينة ما، فسيكون الخبر قطعي الصدور.
واذا احتملنا كون الاَصل غيره، فسيكون ظني الصدور، ولكن لنكتة الموافقة وجب العمل بالمضمون، وهذا لا يضرّ حتى مع احتمال كون الخبر موضوعاً، لاَنّ العمل في الواقع إنّما هو عمل بالقرينة ـ وهي الاِجماع ـ وليس بالخبر.
وقد نبّه الشـيخ على هـذا في كتاب العـدّة في أُصـول الفقة، فقال: «... إن كانت هناك قرينة تدلّ على صحّة ذلك ـ يعني: صحّة ما تضمّنه الخبر ـ كان الاعتبار بالقرينة»(1).
وعلى أية حال، فإنّ النحو الثاني من القرائن القطعية الموجبة للعلم، تخرج الخبر ـ غير المتواتر ـ المطابق لها عن خبر الآحاد، وتلحقه من جهة العمل بالمتواتر، وعلى هذا تكون موجبة للعمل به كما أوجبت العلم بمضمونه.

____________
(1) العدّة في أُصول الفقه 1|126، من الفصل الرابع.

( 273 )
وهذه القرائن على خمسة أنواع وهي:
القرينة الاَُولى: المطابقة مع القرآن الكريم.
والتطابق في هذه القرينة يكون من أربعة وجوه، وهي:
الوجه الاَوّل: مطابقة الخبر مع ظاهر القرآن الكريم، وهذا الوجه من المطابقة دالّ عند الشيخ بالاَولوية على سلامة الاحتجاج بظواهر القرآن الكريم في مجال الحكم الشرعي مطلقاً، ما لم يرد دليل قاطع على العمل بخلاف ذلك الظاهر، خلافاً لما قد يزعم من أنّ احتجاج الشيخ بذلك كان فيما دون الوجوب، ونحو هذا من الكلام الذي صرح الشيخ بخلافه.
الوجه الثاني: المطابقة مع عموم القرآن الكريم.
الوجه الثالث: المطابقة مع دليل خطابه.
الوجه الرابع: المطابقة مع فحواه.
القرينة الثانية: المطابقة مع السُنّة المقطوع بها.
والتطابق في هذه القرينة يكون من أربعة وجوه أيضاً، وهي:
الوجه الاَول: مطابقة الخبر مع صريح السُنّة المقطوع بها.
الوجه الثاني: المطابقة مع عمومها.
الوجه الثالث: المطابقة مع دليلها.
الوجه الرابع: المطابقة مع فحواها.

( 274 )
القرينة الثالثة: مطابقة الخبر مع إجماع المسلمين.
القرينة الرابعة: مطابقة الخبر مع إجماع الاِمامية.
وبذكر هذه القرينة يعلم بأنّ المراد بالقرينة الثالثة هي هذه لا غير لدخول الاِمامية في هكذا إجماع حتماً، إذ لا عبرة بإجماع المخالف قطعاً، لا سيّما بعد ثبوت إجماعهم على مخالفة القرآن الكريم والسُنّة الثابتة، كإجماعهم مثلاً على تحريم المتعة، ووجوب غسل الرجلين في الوضوء لاِجل الحفاظ على سُنّة زيد أو عمر لا غير.
القرينة الخامسة: المطابقة مع العقل.
وتكون هذه المطابقة من وجهين، وهما:
الوجه الاَوّل: مطابقة الخبر مع الدليل العقلي.
الوجه الثاني: مطابقة الخبر مع مقتضى العقل.

الصنف الثالث: أخبار الآحاد.
وهي الاَخبار التي لم تصل إلى حدّ التواتر ولم تكن محتفة بقرينة قطعية أو ظنّية سواء كان الراوي واحداً أو أكثر، وسواء كانت مسندة أو لا.
ويقسّم هذا الصنف من الاَخبار ـ من جهة العمل بها أو عدمه ـ على نحوين من أخبار الآحاد، وهما:
النحو الاَوّل: أخبار الآحاد التي لم تعارض بغيرها.
وهذا النحو يجوز العمل به عند الشيخ؛ لانّه من الباب الذي عليه
( 275 )
الاِجماع في النقل، إلاّ أن تُعرف فتاواهم بخلافه، فيترك لاِجلها العمل به، على حدّ تعبيره قدس سره (1).
ويجدر التنبيه على أنّ مراد الشيخ بهذا النحو من الاَخبار هي الاَخبار الواردة من طريق رواة الاِمامية الاِثني عشرية دون سواهم من الرواة، وبشرط ثبوت وثاقتهم وضبطهم وعدم الطعن في روايتهم(2).
ومن هنا يعلم بأنّ خبر الواحد الذي رفضه الشيخ انما هو الخبر الذي لم يتّصف بما ذكرناه، كما لو كان طريقه عامّياً، أو إمامياً ولكن لم تثبت لديه وثاقة رواته، أو ثبتت ولكن له معارض أقوى، أو كانت الشهرة الفتوائية على خلافه، وغير ذلك من الاَُمور الاَُخرى.
النحو الثاني: أخبار الاحاد المتعارضة مع غيرها.
وجواز العمل أو عدمه بهذا النحو من الاَخبار، خاضع عند الشيخ لقواعد الترجيح بين المتعارضين، فإذا ما ثبتت بتلك القواعد رجاحة أحد الخبرين المتعارضين جوّز الشيخ العمل به دون الخبر الآخر.
وفي ما يأتي خلاصة لقواعد الترجيح التي صرّح بها في مقدّمة الاستبصار، وطبّقها على ما تعارض من أحاديث التهذيب والاستبصار.

____________
(1) راجع: الاستبصار 1|4، من المقدّمة.
(2) راجع: العدّة في أُصول الفقه 1|126، من الفصل الرابع.

( 276 )

قواعد الترجيح بين الاَخبار المتعارضة عند
الشيخ الطوسي قدس سره
ذكر الشيخ الطوسي في مقدمة الاستبصار جملة من القواعد التي اعتمدها في الترجيح بين الاَخبار المتعارضة في كتاب الاستبصار، كما اعتمدها أيضاً في كتابه التهذيب كما سيأتي في تطبيقاتها بفصل مستقلّ.
ومن خلال تلك القواعد يعلم دور الشيخ الطوسي في دراية الحديث، بل وسبقه إلى إدخالها حيّز التطبيق بشكل لم يسبقه إليه أحد.
وسوف نبسط تلك القواعد على النحو الآتي:
أولاً: الترجيح بقاعدة «عدالة الرواة».
هناك ثلاثة أحوال للخبرين المتعارضين عند الترجيح بينهما بموجب هذه القاعدة، وهي:
إمّا أنّ يكون رواة أحد الخبرين عدولاً والثاني أعدل أو العكس، أو يتساويان في العدالة، وهنا جوّز الشيخ العمل برواية الاَعدل، لكون الترجيح معه دون العدل.
وأمّا لو تحقّق التساوي في العدالة بين رواة الخبرين، فإنّ الترجيح سيكون بموجب القاعدة الثانية، وهي:

ثانياً: الترجيح بقاعدة «كثرة الرواة».
للخبرين المتعارضين المتساويين في عدالة رواتهما ثلاثة أحوال
( 277 )
بموجب هذه القاعدة لاَنّهما، إما أنّ يكون أحدهما كثير الرواة والثاني أكثر، أو العكس، أو يتساويان في الكثرة، وهنا جوّز الشيخ العمل برواية الاَكثر دون الكثير؛ للعلّة السابقة.
وأمّا مع التساوي فقد نقل الترجيح بينها إلى القاعدة الثالثة، وهي:
ثالثاً: الترجيح بقاعدة العدالة والكثرة:
ومن استخدام الطريقة نفسها في الترجيح، يعلم بالنتيجة أنّ للخبرين المتعارضين ثلاثة أحوال أيضاً، وهي:
إمّا أن يكون أحدهما راجحاً والآخر مرجوحاً، أو العكس، أو يتساويان،والعمل هنا يكون بأرجح الخبرين.
وأمّا عند تساويهما، فقد عمل الشيخ بالقاعدة الرابعة، وهي:
رابعاً: قاعدة «الجمع أوْلى من الطرح».
إذا تساوى الخبران المتعارضان عند الشيخ في عدالة الرواة وكثرتهم فيرجح بينهما بموجب هذه القاعدة على النحو الآتي:
1 ـ إذ عُمِلَ بالخبر (أ)، أمكن العمل بالخبر (ب) ولكن على وجه من الوجوه وضرب من التأويل.
2 ـ وإذا عُمِل بالخبر (ب)، وجب طرح الخبر (أ).
فهنا يرجّح الشيخ العمل بالخبر (أ) دون (ب) ؛لاِنّ العمل بالخبر (ب) موجباً لطرح الخبر (أ)، بينما العمل بالخبر (أ)، جامعاً للعمل بين الخبرين (أ) و (ب)، وهذا هو معنى القاعدة.

( 278 )

خامساً: الترجيح بـ «شاهد الاَخبار لتأويل المتعارضين».
وأُسلوب الترجيح وفق هذه القاعدة يكون بالصورة الاَُولى من القاعدة السابقة مع عكسها وإن اختلف عنه في طريقة الترجيح. وسوف نذكر الصورتين معاً وهما:
1 ـ إذا عُمِلَ بالخبر (أ)، أمكن العمل بالخبر (ب) ولكن على وجه من الوجوه وضرب من التأويل.
2 ـ وإذا عمل بالخبر (ب)، أمكن العمل بالخبر (أ)، ولكن على وجه من الوجوه وضرب من التأويل.
فهنا صورتان وفي كلّ منهما عمل بخبر وتأويل آخر، والصورتان متعارضتان بالفرض، وطريقة الترجيح بينهما تكون على أساس النظـر إلى ما يشهد من الاَخبار الاَُخر لتأويل (ب) و (أ) في الصورتين، أو لاَحدهما.
وبهذا الاَُسلوب يتمّ ترجيح العمل بالصورة التي يكون شاهد التأويل فيها أقوى من شاهد التأويل في الصورة الاَُخرى، وكذا ترجيح ما شهد لاَحدهما على ما لم يشهد، وبما أن الاحتمالات متعددة في الشواهد الخبرية للتأويل، إذ ربّما يتساوا الشاهدان في القوّة، وربّما لم يكن شاهد أصلاً لاَيٍّ منهما، وهنا يُلجأ إلى القاعدة السادسة في مسألة الخبرين المتعارضين، وهي:
سادساً: قاعدة «التخيير أوْلى من التساقط».
هذه القاعدة ليست من قواعد الترجيح بين الاَخبار، وإنّما يلجأ إليها عند تحكّم التعارض بين الخبرين حين يفقد كلّ منهما الصفات المرجّحة
( 279 )
على الآخر، وفيها اختلاف واسع بسبب ورود أخبار صحيحة أُخرى تفيد إرجاء الخبرين المتعارضين مع تعليل الاِرجاء المذكور بأنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات(1).
وبهذا اختلفت كلمات الاَعلام في تطبيق قاعدتي التخيير والاِرجاء في خصوص الخبرين المتعارضين، والاَصل في القاعدتين هو الاَخبار، ومن أخبار الاولى خبر: «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك»(2).
وللعلاّمة المجلسي رضي الله عنه كلام مختصر مهمّ بشأن القاعدتين(3)، ومّما يهوّن الاَمر، هو أنّ طرق الترجيح السابقة غالباً ما تؤدي إلى رفع الاختلاف والتعارض بين الاَخبار، ونادراً ما يصل الدور إلى التخيير أو الاِرجاء.
ومهما يكن فإنّ خلاصة هذه القاعدة، منوط بالنظر إلى التأويلين المذكورين في صورتي القاعدة السابقة.
فاذا لم يشهد لهما أيّ خبر، وكان التأويلان متقاربان فالعمل يكون بالتخيير بينهما، وإن كانا متباعدان من كلّ وجه وكان العمل بأحدهما موجباً لاسقاط الآخر عمل بالتخيير من باب التسليم.
وقد بيّن الشيخ قدس سره بأنّ العامل بأحد الخبرين تخييراً، وإن خالفه العامل الآخر بالخبر المضادّ، إلاّ إنّهما غير مخطئين، وإنّهما لم يتجاوزا حدّ الصواب.
أما أولاً: فللاَخبار الواردة في التخيير.
وأما ثانياً: فلاَنّه «إذا ورد الخبران المتعارضان وليس بين الطائفة
____________
(1) أُصول الكافي 1|67 ـ 68 ح 10 باب اختلاف الحديث، من كتاب فضل العلم.
(2) أصول الكافي 1|66 ذيل ح 7، باب اختلاف الحديث، من كتاب فضل العلم.
(3) انظر: مرآة العقول ـ العلاّمة المجلسي ـ 1|218 في شرح الحديث السابع مـن باب اختلاف الحديث.

( 280 )
إجماع على صحّة أحد الخبرين، ولا على إبطال الخبر الآخر، فكأنّه إجماع على صحّة الخبرين، وإذا كان الاِجماع على صحّتهما، كان العمل بهما جائزاً سائغاً»(1).
وفي ما يأتي مخطط شامل لما ذكرناه من أصناف الخبر عند الشيخ مع طريقته في علاج الاَخبار المتعارضة:

____________
(1) الاستبصار 1|5، من المقدّمة.

( 281 )
مخطط لطريقة الشيخ قدس سره في تصنيف الاخبار وعلاج التعارض

ــــــ ــــــ

( 282 )

وأمّا «كتاب الغيبة»:
فهو من كتب الحديث الجليلة التي قلّ نظيرها بين مؤلفات الاِمامية وهو، وإن كان موضوعه عقائدياً إلاّ أنّه أعتمد فيه الحديث بشكل مباشر في جميع أبوابه، ومن هنا صحّ اعتباره من كتب الحديث ايضاً.
وهذا الكتاب ألّفه الشيخ قدس سره في أواخر زعامته الدينية المطلقة ببغداد، وذلك عند أُفول نجم البويهيين وحلول ظلام السلاجقة الذين أحالوا دور العلم خراباً في عهده، وسوف يأتي الكلام عن هذا الكتاب في بيان دور الشيخ الطوسي قدس سره في المجال العقائدي إن شاء الله تعالى.

أما «الاَمالي»:
فهو كتاب حديثي ذكره الشيخ ضمن مؤلفاته في الفهرست، فقال: «...وله كتاب المجالس في الاخبار»(1)، وفي هذا الكتاب ـ المعبّر عنه أحياناً بالرمز (ما) لاجل الاِختصار ـ ستة وأربعون مجلساً من مجالس التحديث، أملاهـا الشيخ ـ في مدة ثلاث سنوات ـ على تلاميذه في مشهد أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الاَشرف، وقد ابتدأها في شهر ربيع الاَوّل من سنة (445 هـ)، وختمها في يوم الجمعة، السادس من شهر صفر، سنه (458 هـ)، وفي تلك المجالس (1537) حديثاً، رواها عن خمسة عشر شيخاً تقريباً، كابن الغضائري، وابن الصّلت الاَهوازي، وابن عبدون، وغيرهم، إلاّ أنّ أكـثر مـن روى له في تلك المجـالس هـو الشيخ المفيد، إذ أورد له
____________
(1) الفهرست: 161 رقم 699.

( 283 )
ما يزيد على أربعمائه حديث، زيادة على مشاركته في جميع ما رواه الشيخ بلفظ «عن جماعة» لتحديد مراده بهذا اللفظ في كتابه الفهرست(1).
وتعدّ أمالي الشيخ تحفة حديثية نادرة لما فيها من عيون الحكم، ونفاس الوعظ، وجواهر الاِرشاد، ومكارم الاَخلاق، اختارها من بين ثروته الحديثية الواسعة، لتكون خريدة فريدة في بابها، ومرآة صافية لما عليه نفس صاحبها.
كما اشتملت أيضاً على بعض القصّص والاَحداث التاريخية المهمّة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وعهد الصحابة، وكان هدفه منها تثبيت القلوب على الاِيمان والتقوى، ومعرفة الحقّ الذي جوبه بالحظر والتدوين الرسميين.
ولاَجل تحقيق هذه الغاية أكثر فأكثر فقد عني عناية واضحة في إيراد ما له صلة بحياة أهل البيت عليهم السلام ومكانتهم ومنزلتهم من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذ أورد بعض خطبهم عليهم السلام ، ووصاياهم، مع شيء من تاريخهم، وعطائهم الثرّ، مع التركيز على فضائلهم ومناقبهم وتواتر النصّ عليهم وتعينهم في المكان الذي اختارهم الله تعالى إليه، وجعله إليهم، وقد حظي أمير المؤمنين عليه السلام بالقسط الاَوفر من تلك الاَحاديث، ولعلّ في هذا ما يكشف محاولة الشيخ الجادّة في تطويق الباطل وتضييق الخناق عليه، بعد أن تفشى وباؤه في جسد الاَُمّة حتّى شلّ قدرتها على التفكير الصحيح، ولم يلبث
____________
(1) انظر: الفهرست ـ للشيخ الطوسي ـ ترجمة: إبراهيم بن هاشم ص 4 رقم 6، وأحمد بن الحسن الاِسفراييني ص 27 رقم 74، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ص 19 رقم 53، وأحمد بن محمّد بن خالد البرقي ص 21 رقم 55، وأحمد بن محمّد بن سيار ص 23 رقم 60، وجعفر بن محمّد بن قولويه ص 42 رقم 130، وعمر بن محمّد بن سالم البراء ص 114 رقم 494.

( 284 )
الاَمر هكذا، إلى أن سرى ذلك الداء الوخيم في عروق السلاجقة فحولوا بغداد إلى ظلام لا يطاق، حتّى اضطر الشيخ إلى مغادرتها متوجهاً إلى النجف الاَشرف، ليجعل من تلامذته هناك مشاعل نور تضيء الطريق.
هذا، وزيادة على ما في تلك الاَمالي من قيمة حديثية عالية، فإنّها تُعدّ ذات قيمة تفسيرية مهمّة، إذ كشفت بطريق الرواية عن مضامين ووجوه وأهداف وتفسير مائتين وسبع وثمانين آية من آيات القرآن الكريم فيما تتبّعناه.
وجدير بالذكر، أنّ الشيخ أخرج جملة وافرة من أحاديث أماليه عن رواة العامّة، وتحديداً: عن الصنف الرابع من رواتهم، وقد سبقت الاِشارة إلى تحليل موقفهم من نظائر تلك الروايات.
وبالجملة، فإنّ شيخنا الطوسي قد وفِّق في كتابه الاِمالي؛ إذ استطاع أن يرصد نوع الثقافة التي يحتاج إليها الناس وقتئذٍ، فغذاها بالحديث الشريف، واستطاع بكلّ جدارة أن يضرب على الوتر الحساس الذي تجنبه الكثير من المحدّثين في ذلك الحين.
للبحث صلة...