أحسن الفوائـد
في أحوال المَساعد(*)
السيّـد محمّـد جواد الشبيري
البحث الأول : في أوصافهم
البحث الثاني : في اجتماع هذه الأوصاف بعضها مع بعض
البحث الثالث : في وحدة المسمى بسعدة بن صدقة ، وتعدده
البحث الرابع : في اتحاد مسعدة بن صدقة مع مسعدة بن اليسع
البحث الخامس : في اتحاد مسعدة بن زياد مع مسعدة بن اليسع
البحث السادس : في اتحاد مسعدة بن صدقة ومسعدة بن زياد
القرينة الأولى :
القرينة الثانية :
القرينة الثالثة :
القرينة الرابعة :
القرينة الخامسة :
القرينة السادسة :
الخاتمة :
المصادر والمراجع :
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وسلام على عباده الّذين اصطفى، محمّد وعترته أئمّة
الهدى، واللعن على أعدائهم إلى يوم اللقا.
أمّـا بعـد:

فهذه رسالة وضعتها في البحث عن مسعدة ومن يسمّى به في
الاَسناد، وقد بحثنا فيها عن اتّحاد بعض من يسمّى بمسعدة مع بعض،
وهذا أمر جدير بالبحث خصوصاً مع توثيق بعض هؤلاء ـ وهو مسعدة بن
زياد ـ صريحاً، وعدم توثيق غيره من العناوين، فنقول:

المعروف باسم مسعدة في كتب الرجال أربعة: مسعدة بن صدقة،
مسعدة بن زياد، مسعدة بن اليسع، ومسعدة بن الفرج؛ وقد عدّهم البرقي
____________
(*) هذه الرسالة هي إحدى الرسائل التي صنّفتها في أحوال الرواة وتوحيد المختلفات
وتمييز المشتركات منهم في مركز البحوث الكمبيوترية للعلوم الاِسلامية.
( 181 )
في أصحاب الصادق عليه السلام من رجالـه
(1).

وقد عدّ الشيخ في أصحاب الصادق عليه السلام من رجالـه
(2): مسعدة بن
اليسع البصري، ومسعدة بن صدقة العبسي البصري أبا محمّـد، ومسعدة بن
زياد الكوفي، وليس بين عناوينهم ترجمة غيرهم.

وقد عـدّ الشيخ الطوسي مسعدة بن صدقـة في أصحاب الباقر عليه السلام
قائلاً: عامّي، وذكر بعده مسعدة بن زياد
(3).

وقد ترجم النجاشي في رجاله لمسعدة بن صدقة العبدي وقال: يكنّى
أبا محمّـد، قاله ابن فضّال، وقيل: يكنّى أبا بشر، روى عن أبي عبـد الله
وأبي الحسن عليهما السلام ، له كتب منها كتاب خُطب أمير المؤمنين عليه السلام ؛ ثمّ قال:
«مسعدة بن زياد الربعي، ثقة، عين، روى عن أبي عبـد الله عليه السلام ، له كتاب
في الحلال والحرام، مبوّب».

ثمّ ترجم لمسعدة بن اليسع ولمسعدة بن الفرج الربعي
(4)، وقد جعل
راوي هؤلاء الاَربعة عبـد الله بن جعفر ـ الحميري ـ، عن هارون بن مسلم،
عنهم.

وقد ترجم لهم الشيخ الطوسي أيضاً في فهرسته ناسباً إلى كلّ منهم
كتاباً، وراوي الجميع هنا أيضاً هو عبـد الله بن جعفر الحميري، عن هارون
ابن مسلم، عنهم؛ وقد وصف مسعدة بن الفرج بالربعي
(5).
____________
(1) رجال البرقي: 38.
(2) رجال الشيخ: 306 رقم 4520 ـ 4522، وفي الطبعة القديمة: 314 رقم 545 ـ
547.
(3) رجال الشيخ: 146 رقم 1609 ـ 1610، وفي الطبعة القديمة: 137 رقم 40 ـ 41.
(4) رجال النجاشي: 415 ـ 416 رقم 1109 ـ 1011.
(5) الفهرست: 167 رقم 732 ـ 735.
( 182 )

وقد ورد ذكر كتاب مسعدة بن زياد الربعي في رسالة أبي غالب
الزراري
(1) أيضاً، وراويه هو هارون بن مسلم، وقد ورد مسعدة بن صدقة
في رجال الكشّي وقال: بتري
(2).

وفي مشيخة الفقيه
(3): وما كان فيه عن مسعدة بن صدقة فقد رويته
عن أبي رضي الله عنه ، عن عبـد الله بن جعفر الحميري، عن هارون بن مسلم، عن
مسعدة بن صدقة الربعي.

وقال
(4)،لا: ومـا كان فيه عن مسعدة بن زياد فقد رويته عن أبي
ومحمّـد بن الحسن ـ رضي الله عنهما ـ، عن سعد بن عبـد الله والحميري،
عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد.

هذا ما وقفت عليه من عبارات الاَصحاب حول هؤلاء الاَربعة، وهناك
رجال آخـرون من أصحـاب الصادق عليه السلام بهـذا الاسم ليسوا بأرباب كتب
ولا مشهورين فلم نتعرّض لهم.

كما أنّ مسعدة بن الفرج الربعي غير مذكور في الاِسناد في موضع،
فلا نطيل الكلام بالبحث عنه، ولنقتصر على الثلاثة: مسعدة بن صدقة،
مسعدة بن زياد، ومسعدة بن اليسع.

وتنقيح الكلام حول هؤلاء يتم ضمن بحوث:
____________
(1) رسالة أبي غالب الزراري: 183 رقم 120.
(2) رجال الكشّي: 390 رقم 733، وقد عدّ فيه جماعة من رجال العامّة فقال: فأمّا
مسعدة بن صدقة بتري (فبتري ظ).
(3) مشيخة الفقيه: 440.
(4) مشيخة الفقيه: 529.
( 183 )
البحث الاَوّل
في أوصافهم

تقدّم عن النجاشي ورسالة أبي غالب الزراري وصف مسعدة بن زياد
بالربعي، وهذا الوصف ورد في أمالي الشيخ الطوسي
(1) أيضاً وفي كتاب
محاسبة النفس
(2) للسيّد ابن طاووس ما نصّه: رأيت في كتاب مسعدة بن
زياد الربعي من أُصول الشيعة.

وقد وُصِفَ مسـعدة بن زياد بالعبدي في التهـذيب 7|314 ح 1303
ـ وفيه كلام سيأتي في البحث السادس ـ وأمالي الشيخ الطوسي
(3)؛ وهذا لم
يرد في كتب الرجال.

وأمّا مسعدة بن صدقة فقد وصفته كتب الرجال بالعبسي تارة
وبالعبدي أُخرى، إلاّ أنّي لم أجد وصف ابن صدقة بالعبسي في سند،
ووجدت وصفه بالعبدي في سند واحد
(4)، والمتكرّر في الاِسناد وصفه
____________
(1) أمالي الشيخ: 543 ح 1165، مج 20 ح 1.
(2) محاسبة النفس: 14.
(3) أمالي الشيخ: 203 ح 346، مج 7 ح 48.
(4) أمالي الشيخ: 572 ح 1185، مج 22 ح 11، وفيه: رجاء بن يحيى بن سامان
العبرتائي الكاتب، قال: حدّثنا هارون بن مسلم بن سعدان الكاتب بسرّ من رأى
سنة أربعين ومائتين، قال: حدّثنا مسعدة بن صدقة العبدي، قال: سمعت أبا عبدالله
جعفر بن محمّـد عليهما السلام ...، لكن رواه في البحار 75|467 ح 16 وفيه: رجاء بن
يحيى عن هارون بن زياد، عن الصادق عليه السلام ، وفي السند خلل واضح، إذ أنّ ورود
كلمة «زياد» في السند محلّ تدقيق، فقد يشير إلى أنّ في أصل نسخة المجلسي من
أمالي الشيخ كان بدل مسعدة بن صدقة: مسعدة بن زياد، فتأمّل.
( 184 )
بالربعي
(1)، وهو لم يرد في كتب الرجال إلاّ في مشيخة الفقيه كما تقدّم،
والمشيخة معدودة في كتب الرجال.

فالموصوف بالعبدي اثنان: مسعدة بن صدقة ومسعدة بن زياد، كما
إنّهما يوصفان بالربعي أيضاً كمسعدة بن الفرج، فلذلك قد يشكل تعيين
المراد من مسعدة الربعي في سند في فضائل الاَشهر الثلاثة: 107 ح 101
بسنده عن هارون بن مسلم، عن مسعدة الربعي، عن الصادق جعفر بن
محمّـد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام ، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام في أوّل
يوم من شهر رمضان في مسجد الكوفة...

لكنّ الظاهر كون المراد منه هو مسعدة بن صدقة الربعي، إذ إنّ له
كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام ـ كما تقدّم عن النجاشي ـ وقد وردت
رواياته لخطبه عليه السلام في مصادر كثيرة
(2).
____________
(1) التهذيب 3|260 ح 729، 9|173 ح 706 ـ وهـو مأخـوذ مـن الفقيـه 4|182
ح 5413 من غير تصريح ـ، الفقيه 3|560 ح 4924، 4|186 ح 5427، علل
الشرائع: 557 ح 1، وص 566 ح 2، الخصال: 351 ح 27، وص 416 ح 7،
دلائل الاِمامة: 530 ح 505، قرب الاِسناد: 62 ح 198.
(2) قد صرّح في جملة من الروايات لمسعدة بن صدقة بخطب أمير المؤمنين عليه السلام أو
بكونها ممّا قاله عليه السلام على المنبر أو كان فيها خطابه عليه السلام بصيغة: «أيّها الناس»، فيشهد
ذلك على كونها من خطبه عليه السلام ، والظاهر أخذها من كتاب مسعدة بن صدقة في ذلك.
لاحظ: الكافي 1|60 ح 7، 2|219 ح 10، 5|4 ح 6، 8|63 ح 22،
الاَمالي ـ للصدوق ـ: مج 23 ح 5، علل الشرائع: 522 ح 6، كمال الدين: 302
ح 11، التوحيد: 48 ح 13، الاِرشاد ـ للمفيد ـ 1|290 ـ 291، شرح نهج البلاغة
ـ لابـن أبـي الحديد ـ 6|398، تفسير العيّـاشي 1|7 ح 16، وص 163 ح 5،
وص 242 ح 133، 2|9 ح 127، وص 282 ح 22، دلائل الاِمامة: 530 ح 505،
قرب الاِسناد: 12 ح 38، وص 55 ح 180، وص 76 ح 245، الاحتجاج 1|626،
الرجعة: 195.
=
( 185 )

وأمّا مسعدة بن اليسع فلم يذكر لقبه في كتبنا الرجالية، وقد ترجمت
له كتب العامّة بعنوان: مسعدة بن اليسع بن قيس الباهلي البصري،
مصرّحين بروايته عن الصادق عليه السلام
(1)، وقد وردت رواية هارون بن مسلم
عن مسعدة بن اليسع الباهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قرب الاِسناد: 159
ح 581.

وممّا ذكرنا يظهر وقوع سهو في طبعة الكافي 6|524 ح 2 ففيه:
بسنده عن أحمد بن أبي عبـد الله، عن بعض أصحابنا، عن ابن أُخت
____________
=
ولمسعدة بن صدقة روايات أُخرى لا يبعد كونها من خطب أمير المؤمنين عليه السلام ،
لاحظ: الكافي 1|54 ح 6، 5|534 ح 1، 6|43 ح 9، وص 220 ح 9، وص 323
ح 5، 8|239 ح 326، علل الشرائع: 463 ح 8، تفسير العيّاشي 1|102 ح 300،
2|17 ح 42، قرب الاِسناد: 73 ح 235.
وقـد وردت روايات كثيـرة أُخرى لمسعدة بن صدقة تنتهي إلى الاِمام عليّ عليه السلام
فلاحظ: الكافي 1|57 ح 17، 2|300 ح 1، وص 670 ح 5، 3|118 ح 6،
4|22 ح 1، وص 44 ح 1، وص 115 ح 2، وص 125 ح 2، وص 546 ح 29،
5|31 ح 2، وص 352 ح 1، 6|221 ح 1، 7|460 ح 1، التهـذيب 1|331
ح 968، 3|332 ح 1041، 4|281 ح 850، وص 299 ح 905، 6|147 ح 259،
9|162 ح 665، وص 173 ح 706، 10|81 ح 315، الفقيه 2|71 ح 1762،
3|292 ح 4048، تفسير القمّي 2|60، تفسير العيّاشي 1|13 ح 7، وص 384
ح 127، 2|17 ح 542، وص 203 ح 5، وص 223 ح 7، المحاسن: 585 ح 81،
تفسير فرات: 56 ح 14 وفيه: مسعدة، والمراد ابن صدقة، بقرينة ما في صفحة 364
ح 494 وغيرها، الحجّة على إيمان أبي طالب: 129، قرب الاِسناد: 1 ح 1، وص 10
ح 33، وص 11 ح 35، وص 12 ح 37، وص 13 ح 39، وص 45 ح 147،
وص 50 ح 161 ـ 163، وص 63 ح 201، وص 70 ح 225، وص 72 ح 233.
(1) التاريخ الكبير ـ للبخاري ـ 8|2029، الكامل في الضعفاء ـ لابن عديّ ـ 6|390
ح 254 = 1875، الجرح والتعديل ـ للرازي ـ 8|370 ح 1693، كتاب المجروحين
ـ لابن حبّان ـ 3|35 وقد صرّحت هذه الثلاثة بروايته عن جعفر بن محمّـد عليه السلام ،
انظر: هامش لسان الميزان 6|691.
( 186 )
الاَوزاعي، عن مسعدة بن اليسع، عن قيس الباهلي، عن أبي عبـد الله عليه السلام
أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يحبّ أن يستعط بدهن السمسم.

و«عن» قبل قيس مصحّف «بن» كما ورد في بعض مخطوطاته ونقله
عنه كذلك في الوسائل
(1).

وممّا يؤكّد تصحيف المطبوعة أنّ أحمد بن أبي عبـد الله البرقي قد
روى في مواضع من المحاسن عن بعض أصحابنا، عن ابن أُخت الاَوزاعي،
عن مسعدة بن اليسع، عن أبي عبـد الله عليه السلام
(2)، وقد صرّح في موضع منها
بمسعدة بن اليسع الباهلي
(3).

وقد وصفت بعض كتب العامّة مسعدة بن اليسع باليشكري كما سيأتي
في البحث الآتي.

وقبل أن نشرع في أدلّة اتّحاد بعض هؤلاء الثلاثة يجب أن نبحث عن
إمكان الاتّحاد وهو موقوف على البحث في أنّه هل يمكن اجتماع العبدي
مع الربعي مثلاً في النسب؟! وهكذا في سائر الاَوصاف، فقد عقدنا لتحقيق
ذلك البحث الآتي.
* * *
____________
(1) وسائل الشيعة 2|169 ح 1843 وقد نقله مصحّفاً كما في بحار الاَنوار 16|290
ح 154.
(2) المحاسن: 459 ح 399، وص 476، وص 570 ح 4 بزيادة: «رفعه» بعد
«بعض أصحابنا»، وص 576 ح 30.
(3) المحاسن: 491 ح 579.
( 187 )
البحث الثاني
في اجتماع هذه الاَوصاف بعضها مع بعض

قال السمعاني في الاَنساب 4|135: العبدي: ... هذه النسبة إلى
عبـد القيس في ربيعة بن نزار، والمنتسب إليه مخيّر بين أن يقول: عبدي أو
عبقسي
(1) .

وقال في 3|43: الرَبَعي: ... هذه النسبة إلى ربيعة بن نزار، وقلّما
يستعمل ذلك، لاَنّ ربيعة بن نزار شعب واسع فيه قبائل عظام وبطون
وأفخاذ استغني بالنسب إليها عن النسب إلى ربيعة
(2)...

فاجتماع العبدي والربعي واضح.

وأمّا العبسي، فهو منسوب إلى عبس بن بغيض من قيس عيلان، أو
إلى بهثه بن سليم من قيس عيلان أيضاً
(3)، أو إلى عبس بن هوازن من
الاَزد
(4)، فهذه النسب لا تجتمع مع الربعي.

أمّا الاَوّلان فلاَنّ قيس عيلان من ولد مضر ـ أخي ربيعة بن نزار ـ.

وأمّا الاَخير فلاَنّ الاَزد من قحطان، وربيعة من عدنان.
____________
(1) جمهرة النسب: 582، كتاب النسب ـ للقاسم بن سلاّم ـ: 346، المعارف: 92،
الاشتقاق: 17، جمهرة أنساب العرب: 297.
(2) انظر ما ورد في الهامش السابق.
(3) نهاية الاِرب: 312 ـ 313 رقم 1241 ـ 1242، النسب ـ للقاسم بن سلاّم ـ:
253 ـ 258 (وعنوان العبّاس بن مرداس في ص 255)، الطبقات ـ لخليفة بن
خيّـاط ـ: 100 رقم 335، وص 308 رقم 1407.
(4) الاَنساب ـ للسمعاني ـ 4|140، وفيه: «جماعة ينسبون إلى عبس مراد» ولم
أتحقّق من نسب هؤلاء، فلاحظ.
( 188 )

لكن ذكر أبو عبيد في كتابه النسب
(1) في عداد نسب بني عبس: فمن
قطيعة بن عبس: حذيفة بن حسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن اليمان.

وذكر أيضاً: ومنهم بنو رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن
قطيعة.

فقد يوهم ذلك اجتماع العبسي والربعي بكون الربعي منسوباً إلى
ربيعة بن عمرو بن اليمان أو ربيعة بن مازن.

لكن قد نبّه في مقدّمة قاموس الرجال ـ الفصل السادس ـ بأنّه «ليس
كلّ مسمّىً باسم من العرب قبيلة أو بطناً ينسب إليه» ولا تعلم القبائل
والبطون إلاّ من الكتب المختصّة بها وتصريح أرباب الفن بذلك، ولم نجد
من ذكر الربعي منسوباً إلى أحد هذين.

فالظاهر عدم اجتماع العبسي والربعي في النسب، ووقوع تصحيف
في عنوان مسعدة بن صدقة العبسي في رجال الشيخ، والصواب إمّا
العبدي، أو العبقسي، وكلاهما منسـوب إلى عبد القيس في ربيعة ـ كـما
تقدّم ـ، واللفظان ـ خصوصاً العبقسي ـ شبيهان بالعبسي كثيراً، فلا بعد في
تصحيف أحدهما إلى العبسي.

هذا، وقد ورد في تفسير فرات: 364 رقم 494 مسعدة بن صدقة
العيسي، والعيسي لم أجده في كتب الاَنساب، وهو أيضاً مصحّف العبقسي
أو العبدي.

أمّا الباهلي، فهو منسوب إلى باهلة من أعصر من قيس عيلان
(2)، فلا
____________
(1) النسب: 249.
(2) جمهرة النسب: 479، النسب ـ للقاسم بن سلاّم ـ: 251، المعارف: 80،
الاشتقاق: 269 وص 271، الطبقات ـ لخليفة بن خيّاط ـ: 94 رقم 302، نهاية
.
=
( 189 )
يجتمع مع الربعي في النسب، لكن عنون في الجرح والتعديل مسعدة بن
اليسـع بـن قيـس اليشـكري الباهلي بصري
(1)، ويشكر من ولد بكر بن
وائل بن قاسط بن هنب ـ وهذا أخو عبد القيس ـ وهم من بني ربيعة بن
نزار
(2)طن، فاليشكري يجتمع في النسب مع الربعي ولا يجتمع مع العبدي.

وأمّا اجتماع اليشكري والباهلي في عنوان مسعدة بن اليسع، فلعلّ
أحدهما بولاء العتق أو النزول أو سائر وجوه النسب.

فتحصّل من مجموع ما ذكرنا أنّه لا إشكال من جهة اللقب في إمكان
اتّحاد مسعدة بن زياد العبدي ـ أو الربعي ـ مع مسعدة بن صدقة الربعي ـ أو
العبدي ـ، كما لا إشكال في اتّحاد مسعدة بن اليسع مع من وصف بالربعي
وإنْ كان اجتماع ابن اليسع مع من وصف بالعبدي في النسب مشكل.
* * *
____________
=
الاِرب: 161 رقم 565، الاَنساب ـ للسمعاني ـ 1|275، جمهرة أنساب العرب:
244 وص 245.
(1) الجرح والتعديل 8|370 رقم 1693.
(2) جمهرة النسب: 486، النسب ـ للقاسم بن سلاّم ـ: 346، المعارف: 96،
الاشتقاق: 339، الطبقات ـ لخليفة بن خيّاط ـ: 112، وص 309، وص 343،
وص 358 رقم 1711.
( 190 )
البحث الثالث
في وحدة المسمّى بمسعدة بن صدقة، وتعدّده

قد مرّ مسعدة بن صدقة الذي هو من أصحاب الصادق عليه السلام ويروي
عنه هارون بن مسلم، وقد ذكر الشيخ في أصحاب الباقر عليه السلام في رجاله:
146 رقم 1609 = 40، مسعدة بن صدقة وقال: عاميٌّ، وقد جعله في
معجم الرجال 18|139 غير المتقدّم واستند في ذلك إلى وجوه:
الاَوّل: لم يُذكر في رجال الشيخ في باب أصحاب الصـادق عليه السلام
وفهرسته ورجال النجاشي كون مسعدة بن صدقة عامّياً.
الثاني: إنّ النجاشي ذكر مسعدة بن صدقة ـ شيخ هارون بن مسلم ـ
وقال: «روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام » واقتصاره على ذلك يدلّ
على أنّه لم يروِ عن الباقر عليه السلام .
الثالث: إنّ هارون بن مسلم روى عنه سعد بن عبد الله ـ المتوفّى
حدود 300 هـ ـ وعبد الله بن جعفر الحميري الذي هو في طبقة سعد وتبعد
روايتهما عن أصحاب الباقر عليه السلام بواسطة واحدة.

لكنّ هذه الوجوه غير تامّة.

إذ يرد على الوجه الاَوّل، أنّ عدم ذكر جميع خصوصيات الرجال
في ترجمتهم غير عزيز خصوصاً في رجال الشيخ فقد كثرت ترجمته لرجل
واحد في بابين أو أكثر وعدم ذكر جميع الخصوصيات في بعض التراجم
(1)
____________
(1) كما في سهل بن زياد، فوثّقه في باب أصحاب الهادي عليه السلام من رجاله، وسكت
عنه في باب أصحاب الجواد وباب أصحاب العسكري عليه السلام، بل ضعّفه في .
=
( 191 )
ومنشأ ذلك اختلاف مصادر الكتاب في المواضع كما حقّقناه في محلّه.

وأمّا الوجهان الاَخيران فلهما بحث مشترك، ولكلٍّ منهما بحث مستقلّ.

أمّا البحث المشترك، فيرد عليهما:

أوّلاً ـ نقضاً ـ: إنّ الشيخ الطوسي ذكر في أصحاب الباقر عليه السلام مسعدة
ابن زياد ـ بعد مسعدة بن صدقة، فعليه يجب أن يتعدّد مسعدة بن زياد
أيضاً، فإنّ النجاشي لم يذكر في ترجمة مسعدة بن زياد إلاّ أنّه روى عن
أبي عبـد الله عليه السلام ، فاقتصاره دليل على عدم كونه من أصحاب الباقر عليه السلام ،
وراوي مسعـدة بن زياد في الكتب هو هارون بن مسلم أيضاً ـ كما تقدّم ـ
مع أنّه قدس سره لا يقول بتعدّد مسعدة بن زياد.

وثانياً ـ حلاًّ ـ: إنّ هذين الوجهين لو تمّا وأغمضنا عمّا سيجيء من
الاِشكال فيهما لَما كان دليلاً على التعدّد، بل دلالتهما على سهو الشيخ في
جعل مسعدة بن صدقة ومسعدة بن زياد من أصحاب الباقر عليه السلام أقرب
لرؤيته ـ مثلاً ـ في الاَسانيد المصحّفة ولم يلتفت إلى تصحيفها ـ كما
سيجيء إن شاء الله ـ.

إنْ قلت:

يجري أصالة عدم الخطأ في عدّ الشيخ إيّاهما في أصحاب الباقر عليه السلام
فيتمّ المطلوب.

قلت:

هذا الاَصل غير جارٍ، إذ يلزم منه القول بتعدّد مسعدة بن صدقة
____________
= الفهرست: 80 رقم 329، وص 145 رقم 612، والاستبصار 3|261 ح 13.
( 192 )
ومسعدة بن زياد ـ على الفرض ـ مع أنّ لازم تعدّد العنوانين وقوع خطأ
آخر في عدم ذكر أوصافهمـا في بابَي أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام بما
يرفع الاِبهام عنهما.

فأصل الخطأ ـ على الاِجمال ـ مسلّم إمّا في عدم ذكر المميّزات، أو في
عدّهما من أصحاب الباقر عليهما السلام ، فلا يجري الاَصل مع هذا العلم الاِجمالي.

هذا، مع أنّ مبنى جريان أصالة عدم الخطأ هو ندرة الخطأ، فلا يجري
في ما استلزم وقوع أمرٍ نادرٍ آخرَ مثله بل أندر، وتعدّد مسعدة بن صدقة أو
مسعدة بن زياد في عصرين متقاربين في أصحاب الحديث من رواة الاَئمّة
مع غرابة الاسم واسمَي الاَبوين لو لم يكن أندر من خطأ الشيخ قدس سره في عدّ
رجل من أصحاب الباقر عليه السلام لم يكن أكثر احتمالاً فلا مجال لاَصالة عدم
الخطأ أصلاً.

أمّا البحث المستقلّ للوجه الثاني، فيرد عليه أنّ عدم ذكر النجاشي
لكون مسعدة بن صدقة من أصحاب الباقر عليه السلام يمكن أن يكون لعدم عثوره
على ذلك فإنّه نادر جزماً
(1)، فغاية ما في النجاشي عدم حكمه بكونه من
أصحابه عليه السلام لا حكمه بعدمه.

مع أنّه يمكن أن يكون قد عثر على بعض الاَسانيد في ذلك، لكنّه
رآها مصحّفة
(2)، فالخلاف بينه وبين الشيخ إذاً إنّما يكون في استناد الشيخ
إلى أسانيد يراها النجاشي مصحّفة، فلا شهادة في ذلك على التعدّد أصلاً.
____________
(1) لم أجد ذلك في ما بأيدينا إلاّ في تفسير العيّاشي 1|13 ح 7، وص 384 ح 127.
(2) فإنّ المورد الثانـي المتقـدّم عـن تفسير العيّـاشي 1|384 ح 127، وفيـه: عن
أبـي جعفر محمّـد بن علي، رواه في بحار الاَنوار 6|312 ح 12 عن التفسير وفيه:
عن جعفر بن محمّـد، فيمكن وقوع هذا التصحيف في ما أشبهه أيضاً.
( 193 )

وأمّا الوجه الثالث، فيرد عليه أنّ صاحب معجم الرجال كان يقول
في ترجمة هارون بن مسلم بأنّه: روى عن بريد بن معاوية، وبريد هو من
أصحاب الباقر عليه السلام قطعاً وروايته عنه عليه السلام كثيرة، بخلاف مسعدة بن صدقة
الذي لو كان من أصحابه ورواته عليه السلام لكانت روايته عنه عليه السلام نادرة، فإذا قبل
رواية هارون بن مسلم عن بريد، فروايته عن مسعدة بن صدقة ـ وهو من
أصحاب الباقر عليه السلام ـ أَوْلى بالقبول.

وينبغي هنا أن نشير إلى أنّ الفاصل الزمني بين وفاة سعد بن عبـد الله
وبين وفاة الباقـر عليه السلام هـو 186 سنـة تقريباً، فإذا كان بينهما ثلاث وسائط
فلا يحتاج كلّ منهم إلى عمر أكثر من 82 سنة.

توضيحه: أنّه لو كان عمر سعد بن عبد الله 82 سنة لكانت ولادته في
سنة 218، فلو كان سنّه عند وفاة هارون بن مسلم عشرين سنة ـ وهذه
السنّ ممّا يصحّ أن يأخذ الرجل الحديث قبلها كاملاً ـ لكانت وفاة هارون
ابن مسلم سنة 238، ولو كان عمره أيضاً 82 سنة لكانت ولادته في سنة
156، ولو كان سنّه عند وفاة مسعدة بن صدقة عشرين سنة لكانت وفاة
مسعدة بن صدقة في سنة 176، فهو يصحّ أن يأخذ عن الباقر عليه السلام وسنّه
عشرون مع كون عمره أيضاً 82 سنة فقط.

فرواية سعد بن عبـد الله عن أصحاب الباقر عليه السلام ليست مستحيلة أو
ملحقة به.

نعم، لا ننكر بُعدها بالنظر إلى المعهود في الاِسناد، لكن لو قلنا
بكون واحد من السلسلة من المعمّرين لارتفع الاستبعاد بالمرّة.

إذا عرفت ذلك قلنا: قد اختار في معجم الرجال 19|230 في ترجمة
هارون بن مسلم كونه من المعمّرين، واستدلّ عليه بما حاصله: أنّ هارون
( 194 )
ابن مسلم يروي مكاتبة عن صاحب الدار عليه السلام ، وروى عن بريد بن معاوية
في الكافي 5|336 ح 1، 6|440 ح 5، 8|79 ح 35، وبريد بن معاوية
مات في حياة الصادق عليه السلام ، فلا بُدّ أن يكون عمر هارون بن مسلم قريباً
من مائة وثلاثين سنة، والله العالم. انتهى.

فلو صحّت رواية هارون بن مسلم عـن بريد ـ المتوفّى في حياة
الصادق عليه السلام ـ لكانت ولادة هارون بن مسلم في حدود سنة 130 أو ما قبلها
فروايته عن أصحاب الباقر عليه السلام ـ المتوفّى سنة 114 ـ في غاية السهولة.

والتحقيق: إنّ جميع ما ذكرنا مبنيّ على ما تسلّمه في معجم الرجال
من رواية هارون بن مسلم عن بريد العجلي، وهي غير تامّة؛ فإنّها لم ترد
إلاّ في ثلاثة موارد أشار إليها في معجم الرجال وفي البصائر: 371 ح 11،
والجميع مصحّفة.

توضيحه: أنّ في الكافي 5|336 ح 1: علي بن محمّد، عن صالح
ابن أبي حمّاد، عن هارون بن مسلم، عن بريد بن معاوية...

وقد ورد في بعض النسخ ـ حكاه عنها سيّدنا
(1) دام ظلّه ـ: مروان بن
مسلم، وهو الظاهر، فقد روى مروان بن مسلم عن بريد بن معاوية في
جملة من الاَسانيد
(2).

لكن يشكل ذلك بأنّ طبقة صالح بن أبي حمّاد لا تتناسب مع الرواية
عن مروان بن مسلم مباشرة، وحلّ الاِشكال: أنّ الظاهر وقوع سقط في السند
____________
(1) المراد من «سيّدنا» هنا وفي جميع الموارد: سماحة آية الله الوالد مدّ ظلّه.
(2) الكافي 1|177 ح 4، التهذيب 7|399 ح 1596، كامل الزيارات: 19 ح 3، الرجعة:
177، رجال الكشّي: 314 رقم 568، التنزيل والتحريف ـ للسيّاري ـ (مخطوط)
سورة الجنّ 72: 16، لاحظ أيضاً: الكافي 7|235 ح 7 ـ عنه التهذيب 10|27 ح 86
من غير تصريح ـ ومثله في الفقيه 4|44 ح 5051 وعلل الشرائع: 546 ح 1.
( 195 )
بينهما، ولا يبعد كونه ابن فضّال، فقـد روى صالح بن أبي حمّاد عن ابن
فضّال في نفس المجلّد من الكافي 5|99 ح 2، وص 383 ح 1 و2 وفي
الكافي 2|350 ح 3، ورواية ابن فضّال عن مروان بن مسلم كثيرة جدّاً،
وقد أشار الشيخ في الفهرست في ترجمة مروان بن مسلم إلى رواية الحسن
ابن علي بن فضّال عنه بكتابه
(1).

فممّا ذكرنا يظهر أنّ في سند الكافي 8|79 ح 35: «الحسن بن علي
ابن فضّال، عن علي بن عقبة وثعلبة بن ميمون وغالب بن عثمان وهارون
ابن مسلم، عن بريد بن معاوية» تصحيفاً، والصواب: مروان بن مسلم.

يبقى مورد واحد ممّا مرّ عن معجم الرجال وهو ما في الكافي 6|
440 ح 5: «محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن
أسلم، عن هارون بن مسلم، عن بريد بن معاوية»، فقد حكى سيّدنا ـ دام
ظلّـه ـ هنا أيضاً عـن بعض النسخ: «مروان بـن مسلم»، وهو الاَظهر، فإنّه
يشهد عليه ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ أنّ الكليني روى عن هارون بن مسلم
بواسطة واحدة ـ وهو علي بن إبراهيم ـ في الاَغلب، فروايته عنه هنا بثلاث
وسائط غريبة جدّاً، وهارون بن مسلم في طبقة محمّد بن الحسين (بن أبي
الخطّاب) فروايته عنه بتوسّط محمّد بن أسلم غريبة.

نعم، لم نجد رواية محمّد بن أسلم عن مروان بن مسلم في غير هذا
السند، كما لم نجد روايته عن هارون بن مسلم في غيره، لكن روايته عن
مروان بن مسلم تساعدها الطبقة بخلاف روايته عن هارون بن مسلم.

وأمّا ما أشرنا إليه من سند البصائر: 371 ح 11 ـ وهو ما ورد بسنده
____________
(1) فهرست الشيخ: 169 رقم 740.
( 196 )
عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن هارون بن مسلم، عن بريد ـ فهو أيضاً
مصحّف؛ والصواب: مروان بن مسلم، كما نقله عنه في بحار الاَنوار
26|76 ح 31، وقد أورده في الكافي 1|177 ح 4 بسنده عن علي بن
يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، ويؤكّده أنّ علي بن يعقوب
الهاشمي يروي كتاب مروان بن مسلم، كما أشار إليه في رجال النجاشي:
419 رقم 1120، وقد روى عنه في مشيخة الفقيه 4|477.

فتحصّل أنّ هارون بن مسلم في جميع هذه الاَسانيد مصحّف مروان
ابن مسلم، وتشابه هارون ومروان بعد حذف ألفهما كما كان مرسوماً في
الخطوط القديمة لا تخفى على ذي مسكة، فليس هارون بن مسلم من رواة
بريد، ولم يثبت كونه راوياً عن أصحاب الباقر عليه السلام .

ولذلك نقول: إنّ في صحّة ما ذكره الشيخ من عدّ مسعدة بن صدقة
ومسعدة بن زياد في أصحاب الباقر عليه السلام تأمّلاً، خصوصاً مع ندرة رواية
مسعدة بن صدقة عن الباقر عليه السلام ، وكون بعضها مصحّفة ظاهراً، ويحتمل
ذلك في الباقي ـ كما تقدّم ـ.

وأمّا مسعدة بن زياد فلم نجد روايته عن الباقر عليه السلام في ما بأيدينا من
الكتب أصلاً، ولا يناسبها الطبقة أيضاً.

فلا يبعد القـول بوقـوع خلل في مصدر كلام الشـيخ رضي الله عنه ، بأن يكون
ـ مثلاً ـ مسعدة بن زياد عن جعفر، في بعض المواضع، فحيث كان الغالب
التعبير عن الصادق عليه السلام بكنية أبي عبـد الله فالناسخ إذا رأى كلمة «جعفر»
سها وكتب بدله «أبي جعفر» فصار مسعدة بن زياد راوياً عن الباقر عليه السلام
فأخذه أرباب الرجال فعدّوه من أصحابه عليه السلام ، وسرى ذلك إلى رجال
الشيخ الطوسي، وكذلك الاَمر بالنسبة إلى مسعدة بن صدقة.
( 197 )

وكيف كان، فلا دليل على تعدّد مسعدة بن صدقة، بل هو واحد.

وفي الختام ينبغي الاِشارة إلى نكتة وهي أنّ مسعدة بن صدقة قد
وصفه الشيخ في أصحاب الباقر عليه السلام بالعامّية، لكن الكشّي قد ذكر في
رجاله أنّ مسعدة بن صدقة بتري
(1) والبتري في كلامه مقابل العامّي فقد عدّ
جماعة في نفس الموضع وذكر أنّهم عامّيون ومع ذلك وصف مسعدة بن
صدقة بالبترية، فقد يوهم ذلك تغاير مسعدة بن صدقة في رجال الشيخ
(باب أصحاب الباقر عليه السلام ) ورجال الكشّي.

لكنّ البترية كانت من فرق العامّة إذ صحّحوا خلافة المتقدّمين على
عليّ عليه السلام ، لكن كان اعتقادهم أنّ الاِمامة كانت في الاَصل لعليّ عليه السلام وهي
من الحقوق القابلة للتفويض! وقد فوّضها عليه السلام إلى من تقدّمه فصحّت
خلافة الثلاثة المتقدّمين عليـه، فباعتبار قولهم بأنّ الاِمامة كانت لعليّ عليه السلام
في أصل الشرع صحّ عدّهم في قبال العامّة أيضاً.

مع أنّ أصل دلالة التقابل على التباين محلّ إشكال، بل يصحّ ذلك إذا
كان بين العنوانين عموم وخصوص أيضاً؛ فافهم.

إذا عرفت ذلك نقول: كلمات علماء الرجال كالصريح في جعلهم
مسعدة بن صدقة ومسعدة بن زياد ومسعدة بن اليسع متغايرين، لكن هناك
وجوه ذكرت أو يمكن أن تذكر لاتّحاد هؤلاء أو بعضهم مع بعض،
سنذكرها تباعاً ونبحث أنّها هل تقاوم كلمات أئمّة الرجال أم لا؟
* * *
____________
(1) رجال الكشّي: 390 رقم 733.
( 198 )
البحث الرابع
في اتّحاد مسعدة بن صدقة مع مسعدة بن اليسع

قد يقال بأنّ مسعدة بن صدقة هو مسعدة بن صدقة بن اليسع، فيصحّ
اتّحاده مع مسعدة بن اليسع بوقوع اختصار في هذا العنوان والنسبة إلى الجدّ
فيه
(1).

وأمّا كون اليسع هو جدّ مسعدة بن صدقة فقد استدلّ عليه بما ورد
في الكافي 6|323 ح 5 بسنده عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة
ابن اليسع، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام : لا تدمنوا
أكل السمك، فإنّه يذيب الجسد.

ولعلّه متّحد في الاَصل مع ما ورد في المحاسن: 476 ح 487 عن
بـعض أصـحابنا، عـن ابـن أُخـت الاَوزاعـي، عـن مسـعدة بن اليسـع،
عـن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام : السمك الطري يذيب
اللحم.

فبالمقارنة بينه وبين نقل الكافي يظهر اتّحاد مسعدة بن صدقة مع
مسعدة بن اليسع، ويؤيّد اتّحادهما ما ورد في الكافي 2|652 ح 2 بسنده
عن مسعدة بن اليسع، قال: قلت لاَبي عبد الله جعفر بن محمّد عليه السلام : إنّي
والله لاَُحبّك... فقال: صدقت يا أبا بشر...

وقد تقدّم عن النجاشي في ترجمة مسعدة بن صدقة قولاً بتكنيته بأبي
____________
(1) لاحظ: معجم رجال الحديث 18|141.
( 199 )
بشر.

وهناك قرينـة ثالثـة على اتّحادهما، وهي وجود جهات مشتركة كثيرة
بينهما، كالرواية عن الصادق عليه السلام معبّراً عنه بجعفر بن محمّـد
(1) والرواية
عنه عليه السلام كراوٍ يروي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أمير المؤمنين عليه السلام
(2)
ورواية هارون بن مسلم عن كليهما.

هذه غاية الوجوه لاتّحاد ابن اليسع وابن صدقة.

وقد اعترض في معجم الرجال 18|141 على الوجه الاَوّل بأنّه لو
صحّت الرواية [أي ما في الكافي 6|323 ح 5] استكشف منها أنّ اليسع
جدّ مسعدة بن صدقة ولكنّها لا تنافي أن يكون له عمّ يسمّى بمسعدة،
فمسعدة بن صدقة يكون مغايراً لمسعدة بن اليسع.

والذي يهوّن الخطب أنّ الرواية لم تثبت صحّتها كما ذكرنا، ففي
بعض نسخ الكافي: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن
صدقة، عن ابن اليسع، عن أبي عبد الله عليه السلام .
أقـول:

احتمال وجود رجلين في عصر واحد في أصحاب الصادق عليه السلام
يصحّ أن يطلق عليهما عنوان مسعدة بن اليسع ـ مع غرابة مسعدة واليسع ـ
____________
(1) المحاسن: 491 ح 579، وسنذكر روايات مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام
بلفظ: جعفر بن محمّد، أو جعفر.
(2) وردت رواية مسعدة بن اليسع عن أبي عبـد الله عليه السلام منهياً السند إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
أو أمير المؤمنين عليه السلام في المحاسن: 459 ح 399، وح 476، وص 491 ح 579،
وص 570 ح 4، وص 576 ح 30، قرب الاِسناد: 159 ح 581، الكافي 6|524
ح 2، لاحظ أيضاً: 323 ح 5، وستأتي موارد مسعدة بن صدقة كذلك.
( 200 )
بعيد جدّاً جزماً، فما ذكره في معجم الرجال في صدر كلامه غير تامّ.

هذا، مع أنّ هذا الكلام بملاحظة سند الكافي 6|323 ح 5 فقط،
وأمّا لو أضفنا إليه سند المحاسن: 476 ح 478 ـ كما تقدّم في تقريب
الاستدلال للاتّحاد ـ فلا يكون هذا الكلام جواباً له كما هو واضح.

وأمّا ما نقله قدس سره عن بعض نسخ الكافي: «مسعدة بن صدقة عن ابن
اليسع» كالمطبوعة، فلا ريب في كونه مصحّفاً، إذ لم نجد عبارة «ابن
اليسع» في موضع أصلاً غير هذا السند على بعض النسخ، وهي عبارة غريبة
غير مشتملة على اسم الراوي، ولا تذكر ـ عادة ـ العبارات المبهمة إمّا اعتماداً
على تقدّم ذكرها موضّحة، أو لاشتهار رجل معيّن بالعنوان في عصره،
وهذان الوجهان لا يجريان في المقام بعد انحصار التعبير به في هذا المورد.

وبتقريب آخر: مسعدة بن صدقة يروي عن الصادق عليه السلام في جلّ
رواياته مباشرة
(1) فتوسّط عنوان غريب كابن اليسع بينهما في هذا السند في
غاية الغرابة، ففي النسخة المطبوعة تصحيف قطعاً، والاَظهر ما نقله في
الوسائل 25|77 ح 31234 عن الكافي بلفظ مسـعدة بن صـدقة بن اليسـع
ـ لولا ما سيأتي ـ.

فهذه القرائن في نفسها جيّدة لولا القرائن الكثيرة على تغاير الرجلين:
الاَُولى: عبارات أرباب الرجال التي هي كالمصرّحة في تغاير
العنوانين.
____________
(1) وردت روايته عنه عليه السلام بواسطة «رجل» في علل الشرائع 1|577، وفي دلائل
الاِمامة: مسعدة بن صدقة عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام ، وفي الكافي 1|383
ح 4: مسعدة عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام ، وقد توسّط عمّار بين مسعدة بن
صدقة وجعفر عليه السلام في التهذيب 1|331 ح 968، لكن رواه في 3|332 ح 1041
من دون توسّط «عمّار» في السند.
( 201 )
الثانية: إنّ مسعدة بن صدقة عبدي، ومسعدة بن اليسع باهلي
يشكري، واتّحاد الباهلي واليشكري مع العبدي في النسب غير صحيح كما
تقدّم، واحتمال كون أحدهما بالولاء وإن صحّح إمكان الاتّحاد لكن لا ينفي
قرينيّته للتغاير بعد عدم الاِشارة إلى ذلك في شيء من كتب الرجال من
العامّة والخاصّة.
الثالثة: إنّ صدقة اسم غريب، فحذفه من النسب خلاف قانون
الاختصار في الاَنساب، من حذف الاَسماء المشهورة وإبقاء الاَسماء الغريبة.
الرابعة: إنّ كتب العامّة ذكرت جدّ مسعدة بن اليسع ـ أي قيس ـ ومع
ذلك لم يذكروا أنّ نسبة مسعدة إلى اليسع من النسبة إلى الجدّ، ولم يذكر
ذلك في كتبنا الرجالية والاَسانيد أيضاً، فمن المعلوم أنّ أئمّة الرجال كانوا
يرون اليسع والداً لمسعدة لا جَدّاً له، فإنّ الاختصار في النسب في ترجمة
الرواة خلاف المتعارف، وإن تعارف ذلك في إطلاقات الاَسانيد.

فلا يصحّ بقبال هذه القرائن القوية الاعتماد على سند واحد ـ أي سند
الكافي 6|323 ح 5 ـ فمن القريب وقوع تصحيف فيه.

فيحـتمل أن يكـون الاَصـل في السـند: مسـعدة بـن صـدقة عـن أبي
عبـد الله عليه السلام ، فرأى ذلك بعض النسّاخ فذكر فـي هامشه «عن ابن اليسع»
أو «ابن اليسع» إشارة إلى ورود مضمون الخبر في المحاسن عن طريق
مسعدة بن اليسع فأدرج ذلك في المتن بتوهّم سقوطه منه.

ويحتمل أن يكون الاَصل: مسعدة عن أبي عبد الله عليه السلام ، ففسّر بعض
النسّاخ مسعدة بابن صدقة، لكثرة رواية هارون بن مسلم عنه، وفسّره بعض
آخر بابن اليسع، نظراً إلى ورود الخبر في المحاسن عنه، فجمع بينهما في
المتن من قبل النسّاخ المتأخّرين، فصار السند مشتملاً عليهما معاً.
( 202 )
لا يقال:

هذان الاحتمالان مخالفان للظاهر ويدفعهما الاَصل.
فإنّه يقال:

هذا صحيح، لكن بعد وجود قرائن كثيرة على التغاير لا محيص عن
الالتزام بأحدهما أو احتمال ثالث مثلهما كي لا نتورط في مخالفة للاَظهر أي
القرائن على التعدّد.

فعليه: فلا مجال هنا للاَصل كما هو واضح.

وأمّا تكنية ابن صدقة بأبي بشر ـ على قول في رجال النجاشي
(1) ـ
فلعلّه من باب الخلط بينه وبين ابن اليسع، وقد حكاها النجاشي بصيغة
«قيل» إشارة إلى ضعفها
(2).

ووجود ذاك القدر من الجهات المشتركة بينهما لا يكفي لاتّحادهما
في قبال القرائن القوّية على التعدّد، فالاَظهر تغاير مسعدة بن صدقة
ومسعدة بن اليسع.
* * *
____________
(1) رجال النجاشي: 415 رقم 1109.
(2) يمكن جعل ذلك من قرائن التغاير بأن يقال: مسعدة بن صدقة كان يُكنّى بأبي محمّد
ومسعدة بن اليسع كان يُكنّى بأبي بشر فيؤيّد ذلك تغايرهما بعد ندرة تعدّد الكنية
للرجل الواحد، فتأمّل.