صلةقبل


قولـه تعالـى: (اهدنـا الصراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهـم)(1).

قال السيّـد رحمـه الله:
«أليسوا من الّذين أنعم الله عليهم، وأشار في السبع المثاني والقرآن العظيم إليهم فقال: (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهم)؟!».

فقال في الهامش:
«أخرج الثعلبي في تفسير الفاتحة من تفسيره الكبير، عن أبي بريدة: إنّ الصراط المستقيم هو صراط محمّـد وآله.
وعن تفسير وكيع بن الجرّاح، عن سفيان الثوري، عن السدّي، عن أسباط ومجاهد، عن ابن عبّـاس، في قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) قال: قولوا: أرشدنا إلى حبّ محمّـد وأهل بيته».

اقـول :
وأخرج الحافظ الحاكم الحسكاني كلا الخبرين بإسناده، حيث قال:
«أخبرنـا الحاكـم الوالد أبو محمّـد عبـد الله بن أحمد، قال: حدّثنـا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ ببغداد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني حامد بن سهل، قال: حدّثني عبـد الله بن محمّـد العجلي، قال:
____________
(1) سورة الفاتحة 1: 6 و7.

( 23 )
حدّثنا إبراهيم، قال: حدّثنا أبو جابر، عن مسلم بن حيّان:
عن أبي بريـدة، في قول الله تعالى: (اهدنـا الصراط المستقيم) قال: صراط محمّـد وآله.
أخبرنا عقيل بن الحسين النسوي، قال: حدّثنا علي بن الحسين بن فيـدة الفسوي، قـال: حدّثنـا أبـو بكـر محمّـد بن عبـد الله، قال: حدّثنـا أبو أحمد محمّـد بن عبيد ببغداد، قال: حدّثنا عبـد الله بن أبي الدنيا، قال: حدّثنا وكيع بن الجرّاح، قال: حدّثنا سفيان الثوري، عن السدّي، عن أسباط ومجاهد:
عن ابن عبّـاس، في قول الله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) قال: يقول: قولوا معاشر العباد: أرشدنا إلى حبّ النبيّ وأهل بيته»(1).
وكذلك رواه غير واحدٍ من أصحابنا، قال الحافظ ابن شهرآشوب السروي، المتوفّى سنة 588: «ومن تفسير وكيع بن الجرّاح، عن سفيان الثوري، عن السدّي، عن أسباط ومجاهد، عن عبـد الله بن عبّـاس، في قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) قال: قولوا معاشر العباد: أرشدنا إلى حبّ النبيّ وأهل بيته.
تفسير الثعلبي، وكتاب ابن شاهين: عن رجاله، عن مسلم بن حيّان، عن بريدة، في قول الله (اهدنا الصراط المستقيم) قال: صراط محمّـد وآلـه»(2).
وهذا تفسير أئمّة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام(3).

____________
(1) شواهد التنزيل إلى قواعد التفضيل 1|74 ـ 75.
(2) مناقب آل أبي طالب 3|73، ط إيران؛ وفيه: «عن بريدة» والظاهر أنّه الصحيح.
(3) وهو في شواهد التنزيل 1|76.

( 24 )
وإلى هنـا، فالتفسير عن أئمّـة أهل البيت عليهـم الصلاة والسلام، وابن عبّـاس وبريدة بن الحصيب.
وروى الحافظ الحسكاني عن عدّة من الصحابة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ عليّاً هو «الصراط المستقيم»، ومن ذلك ما رواه بسنده عن الحافظ ابن أبي حاتم، قال: «حدّثنا هارون بن إسحاق، قال: حدّثني عبـدة بن سليمان، قال: حدّثنا كامل بن العلاء، قال: حدّثنا حبيب ابن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير:
عـن ابن عبّـاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لعليّ بن أبي طالب: أنت الطريق الواضح، وأنت الصراط المستقيم، وأنت يعسوب المؤمنين»(1).
هذا، ولا يخفى أنّ «عبـد الرحمن بن أبي حاتم الرازي» من كبار أئمّـة القوم في الحديث والتفسير والرجال؛ قال الذهبي: «قال أبو يعلى الخليلي: أخذ أبو محمّـد علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، صنّف في الفقه، وفي اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الاَمصار، قال: وكان زاهداً، يعدّ من الاَبدال».
وذكر الذهبي عن أبي الحسن الرازي الخطيب: «سمعت عبّـاس بن أحمد يقول: بلغني أنّ أبا حاتم قال: ومن يقوى على عبادة عبـد الرحمن! لا أعرف لعبـد الرحمن ذنباً».
وقال الذهبي ـ في ذكر كتبه ـ: «وله تفسير كبير، في عدّة مجلّدات، عامّته آثار بأسانيده، من أحسن التفاسير»(2).

____________
(1) شواهد التنزيل 1|75 ـ 76.
(2) سير أعلام النبلاء 13|264 و265.

( 25 )
قلـت:
وقد أثنى ابن تيميّة على تفسير ابن أبي حاتم، حيث ذكره في عداد التفاسير المعتبرة المقبولة فقال:
«أهل العلـم الكبـار أهل التفسير، مثل الطبـري، وبقيّ بن مخلّد، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأمثالهم، لم يذكروا الموضوعات».
وقال عن الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر وجماعة: «الّذين لهم في الاِسلام لسان صدق، وتفاسيرهم متضمّنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير»(1)؟.
وروى الحافظ الحسكاني بأسانيد فيها جمع من الاَئمّة الاَعلام ـ كعبـدالرزّاق بن همّام، والثوري، والمطيّن، والحاكم النيسابوري ـ عن حذيفة بن اليمان، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «وإن تولّوا عليّاً تجدوه هادياً مهدياً يسلك بكم الطريق المستقيم».
وقال الحاكم الحسكاني الحافظ:
«حدّثني أبو عثمان الزعفراني، قال: أخبرنا أبو عمرو السناني، قال: أخبرنا أبو الحسن المخلّدي، قال: حدّثنا يونس بن عبـد الاَعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبـد الرحمن بن زيد بن أسلم:
عن أبيه، في قول الله تعالى: (صراط الّذين أنعمت عليهم) قال: النبيّ ومن معه، وعليّ بن أبي طالب وشيعته»(2).
وهذا صحيح على أُصولهم:

____________
(1) منهاج السُنّة 7|13 وص 178 ـ 179.
(2) شواهد التنزيل 1|85.

( 26 )
فأمّا «أبو عثمان الزعفراني» فهو: سعيد بن محمّـد بن أحمد البحيري، ذكره الحافظ السمعاني ـ بعد أن ترجم لاَبيه وجدّه ـ فقال:
«كان شيخاً، جليلاً، ثقة، صدوقاً، من بيت التزكية، رحل إلى العراق والحجاز، وأدرك الاَسانيد العالية، وعمّر العمر الطويل، حتّى حدّث بالكثير وأملى. سمع بنيسابور أبا عمرو محمّـد بن أحمد بن حمدان الحيري... ووفاته في ربيع الآخر سنة 451»(1).
وترجم له أبو الحسن عبـد الغافر النيسابوري فقال: «أبو عثمان البحيري، سعيد بن محمّـد... شيخ كبير ثقة، من بيت التزكية والعدالة، وقد ذكر الحاكم بيته وأسلافه في التاريخ. وهذا أبو عثمان من وجوه أهل البيت، من جملة المتصوّفة، سمع الكثير بخراسان والعراق...
قال أبو الحسن: ولدت بعد وفاته بخمسة أيّام، ليلة الثامن من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين»(2).
وأمّا «أبو عمرو السناني» فقد ترجم له الحافظ السمعاني كذلك، حيث قال:
«أبو عمرو محمّـد بن أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري، من الثقات الاَثبات، سمع أبا يعلى الموصلي والحسن بن سفيان والبغوي والباغندي، وغيرهم. روى عنه: الحاكم أبو عبـد الله الحافظ، وأبو نعيم الاَصبهاني. وآخر من روى عنه: أبو سعد الكنجرودي، توفّي في سنة 380»(3).

____________
(1) الاَنساب 1|290 «البحيري».
(2) المنتخب من السياق في تاريخ نيسابور: 729.
(3) الاَنساب 2|298 «الحيري».

( 27 )
وقال الذهبي بترجمته: «الاِمام المحدّث الثقة، النحوي البارع، الزاهد العابد، مسند خراسان: أبو عمرو محمّـد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري... ومناقبه جمّة. رحمه الله»
ثمّ ذكر مشايخه والرواة عنه، وطرفاً من ترجمة الحاكم له، وتنصيصه على أنّ سماعاته صحيحة... ثمّ قال الذهبي: «وقال الحافظ محمّـد بن طاهر المقدسي: كان يتشيّع. قلت: تشيّعه خفيف كالحاكم. وقع لي جملة من عواليه، وخرّجت من طريقه كثيراً»(1).
وأمّا «أبو الحسن المخلّدي» فهو: محمّـد بن عبـد الله بن محمّـد بن مخلّد الهروي المخلّدي النيسابوري، ذكره الحافظ السمعاني فقال: «يروي عن أبي طاهر ابن السرّاج، وأبي الربيع ابن أخي رشدين، وأحمد بن سعيد الهمذاني، وطبقتهـم. روى عنـه: أبو عمرو الحيري، وأبو بكر بن علي، وأبو حفص ابن حمدان، وغيرهم»(2).
وأمّا «يونس بن عبد الاَعلى» فمن رجال مسلم والنسائي وابن ماجة. وممّـن حدّث عنـه مـن الاَعلام: أبو حاتـم، وأبو زرعـة، وابن خزيمـة، وأبو عوانة، والطحاوي...
وصفه الذهبي بـ: «الاِمام، شيخ الاِسلام» وقال: «كان كبير المعدّلين والعلمـاء في زمانـه بمصر» فنقل ثقته عن النسائي وأبي حاتم وغيرهما. وقال: «بين مشايخنـا وبينـه خمسة أنفس ولقد كان قرّة عين، مقدّماً في العلم والخير والثقة»(3).

____________
(1) سير أعلام النبلاء 16|356 ـ 358، وأرّخ وفاته نقلاً عن الحاكم بسنة 376.
(2) الاَنساب 5|227 «المخلّدي».
(3) سير أعلام النبلاء 12|348.

( 28 )
وقال الحافظ : « ثقة »(1)
وأمّا «ابن وهب» فهو: عبـد الله بن وهب، من رجال الصحاح الستّة، وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: «صدوق، صالح الحديث»، وأطنب الذهبي في ترجمته من السير(2).
وأمّا «عبـد الرحمن بن زيد بن أسلم» فهو ـ وإن ضعّفه بعضهم ـ من رجال كتابي الترمذي وابن ماجة، وهما من الصحاح الستّة.
وأمّا «زيد بن أسلم» فهو من رجال الصحاح الستّة، وقال الذهبي: «لزيد تفسير، رواه عنه ابنه عبـد الرحمن، وكان من العلماء العاملين. أرّخ ابنه وفاته في ذي الحجّة سنة 136»(3).

تنبيـه:
إنّه يكفي دليلاً على صحّة هذه الاَحاديث وتماميّة استدلال السيّـد بها سكوت بعض المفترين على ذلك، وعليه فلا مناصّ له من الاِقرار بالضلال، والعودة إلى طريق النبيّ والآل، والله الهادي في المبدأ والمآل.

* * *


____________
(1) تقريب التهذيب 2|385.
(2) سير أعلام النبلاء 9|223 ـ 234.
(3) سير أعلام النبلاء 5|316.

( 29 )
قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأُولـئك مع الّذين أنعم الله عليهم... )(1).

قال السيّـد رحمـه الله:
«وقال: (ومن يطع الله والرسول فأُولـئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين)».

فقال في الهامش:
«أئمّـة أهـل البيت مـن سادات الصـدّيقين والشهـداء والصالحيـن بـلا كلام».

فقيل:
«لا نزاع في أنّ أئمّـة أهل البيت من الّذين أنعم الله عليهم، ولا في أنّهم من سادات الصدّيقين والشهداء والصالحين، فقد يكون الاِنسان متّصفاً بكلّ هذه الصفات وليس من أهل الولاية العامّة.
والّذين أنعم الله عليهم ليسوا أهل البيت فقط، بل كلّ من أطاع الله ورسوله، والله تعالى يقول: (ومن يطع الله والرسول فأُولـئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أُولئك رفيقاً).

____________
(1) سورة النساء 4: 69.

( 30 )
أمّا قول المؤلّف: أئمّـة أهل البيت من سادات الصدّيقين والشهداء والصالحيـن بـلا كلام، فنحن ـ أعنـي أهل السُنّـة ـ مـع احتـرامنـا وحبّنـا لآل البيت وتنزيلنا لهم منزلتهم، نعتبر الكلام العاري عن الدليل دعوىً تحتاج إلى إثبات.
ولعلّه يريد أن يقابل ما استقرّ في عقول وقلوب الكافّة من كون الصدّيق هو أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ فأردف هذه الجملة بالعبارة السوقية (بلا كلام)، فهل هذا منطق علماء أو منطق أدعياء؟!».

أقول:
هنا نقاط:
1 ـ إنّه لم يدّع السيّـد رحمه الله لاَهل البيت عليهم السلام منزلةً هي فوق ما هم عليه، وإنّما قال: «أئمّـة أهل البيت من سادات الصدّيقين...» مع أنّ اعتقادنا هو أنّهم هم «سادات الصدّيقين...» وليس غيرهـم على الاِطلاق، وقد جاء كلامه مسايرةً ومجاراةً للقوم، ولكنّ النواصب لا يعترفون لهم عليهم السلام حتّى بهذا القدر...!!
2 ـ ولعلّ مسايرة السيّـد رحمه الله كانت بالنظر إلى ما جاء في روايات القوم بتفسير الآية المباركة؛ كالخبر الذي رواه الحافظ الحاكم الحسكاني بإسناده عن أبي مسلم الكجّي(1)، عن القعنبي(2)، عن مالك(3)،
____________
(1) إبراهيم بن عبد الله، الشيخ الاِمام الحافظ المعمّر، شيخ العصر، المتوفّى سنة 292.
(2) عبـد الله بن مسلمة، الاِمام الثبت القدوة، شيخ الاِسلام، المتوفّى سنة 221.
(3) مالك بن أنس، صاحب المذهب، المتوفّى سنة 179.

( 31 )
عن سمي(1)، عن أبي صالح(2)، عن عبـد الله بن عبّـاس:
«في قوله تعالى: (ومن يطع الله) يعني في فرائضه (والرسول) في سننه، (فأُولئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النبيّين) يعني محمّـداً (والصدّيقين) يعني عليَّ بن أبي طالب ـ وكان أوّل من صدّق برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ (والشهداء) يعني عليَّ بن أبي طالب وجعفراً الطيّار وحمزة بن عبـد المطّلب والحسن والحسين، هؤلاء سادات الشهداء (والصالحين) يعني سلمان وأبا ذرّ وصهيباً وبلالاً وخبّاباً وعمّاراً...»(3).
إلاّ أنّ من الواضح عدم منافاة هذا الخبر وأمثاله لكون «أئمّـة أهل البيت» هم «سادات الصدّيقين...»، لاَنّ الجماعة المذكورين فيه هم من شيعة أئمّـة أهل البيت عليهم السلام، كما هو معلوم ومعروف.
3 ـ قد ذكر المفسّرون أنّ (الّذين أنعم الله) هم الاَقسام الاَربعة أنفسهم، فتكون (مـن) بيانيّة(4)، فالّذين أنعم الله ـ كما في الروايات المفسّرة للآية ـ هم: رسول الله، وعليّ، والحسنان عليهم الصلاة والسلام، ومن ذكر فيها من شيعتهم الاَبرار... وكلّ (من يطع الله ورسوله) في الفرائض والسنن فيكون من شيعتهم وفي رفقتهم (وحسن أُولئك رفيقاً * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً)(5).
4 ـ وعليّ وسائر أئمّة أهل البيت عليهم السلام أصحاب الولاية
____________
(1) مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، من رجال الستّة. تقريب التهذيب 1|333.
(2) ميزان البصري، مقبول. تقريب التهذيب 2|291.
(3) شواهد التنزيل 1|196.
(4) لاحظ منها: تفسير البيضاوي: 117، وتفسير الآلوسي 5|75.
(5) سورة النساء 4: 69 ـ 70.

( 32 )
العامّة، لاَنّ الله جعل عاقبة (من يطع الله ورسوله) أنْ يكون معهم، فالكون معهم هو رمز الهداية والفلاح، والفوز والنجاح. فهذا وجهٌ لدلالة الآية على الولاية العامّة لاَئمّـة أهل البيت.
ووجه آخر، هو: أنّ هذه الآية تفسير لقوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الّذين أنعمت عليهم) كما نصّ عليه القرطبي(1)، وقد تقدّم دلالة تلك الآية على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.
ووجه ثالث، هو: إنّ الله تعالى لمّا ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالاَعلى منهم وهم النبيّون، ثمّ ثنّى بالصدّيقين، ثمّ ذكر الشهداء، فالصالحين، وهذه الصفات الثلاثة مجتمعة في أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، ولا ريب في أنّ من اجتمعت فيه تلك الصفات مقدّم على الّذين وجدت فيهم وتفرّقت بينهم.
بـل قـال بعضهـم: إنّ المـراد فـي هـذه الآيـة هـو الشخـص الـواحـد الموصوف بها(2)، وليس إلاّ أمير المؤمنين، فهو المتعيّن للخلافة عن النبيّ صلّى الله عليه وآلـه وسلّم.
5 ـ ولعلّ ما تقدّم هو المقصود من قول أمير المؤمنين عليه السلام: «أنا عبـد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الاَكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب مفتري»(3).

____________
(1) تفسير القرطبي 5|271.
(2) تفسير الرازي 10|171.
(3) أخرجه الحاكم وصحّحه على شرطهما في المستدرك على الصحيحين 3|112، وهو بسند صحيح عند ابن ماجة في سننه 1|44، وفي الخصائص ـ للنسائي ـ: 46، وله مصادر كثيرة.

( 33 )
وقال ابن تيميّة في معنى «الصدّيق»: «قد يراد به الكامل في الصدق، وقد يراد به الكامل في التصديق»(1).

قلـت:
وسواء كان المراد هذا أو ذاك فليس إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام.
ولـولا أنّ أبـا ذرّ الغفـاري ـ رضـي الله عنـه ـ من شيعتـه لَمـا قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حقّه: «ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من رجلٍ أصدق لهجة من أبي ذرّ»(2)، ولَما حسده عمر بن الخطّاب على ذلك(3).
6 ـ ومع ذلك كلّه، فلم يسمّ الجمهور بـ «الصدّيق» عليّاً ولا أبا ذرّ!! وجعلوه لقباً لاَبي بكر، مع اعترافهم بعدم ورود ذلك عن رسول الله فيه بسندٍ معتبر، فخالفوه صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّتين!!
ثمّ حاول بعضهم توجيه ذلك بأنّه لكون أبي بكر أوّل من آمن وصدّق برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا أوّل الكلام؛ فقد ثبت وتحقّق في محلّه أنّ أوّل من أسلم وصدّق هو: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وأمّـا أبو بكر فقـد جاء فـي الروايـة الصحيحـة عـن محمّـد بـن سعد بن أبي وقّاص: «قال: قلت لاَبي: أكان أبو بكر أوّلكـم إسلامـاً؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين»(4).

____________
(1) منهاج السُنّة 4|266.
(2) سنن الترمذي 5|628، مسند أحمد 1|163، المستدرك على الصحيحين 3|342 وصحّحه على شرط مسلم وأقرّه الذهبي، سنن ابن ماجة 1|55.
(3) سنن الترمذي 5|628.
(4) تاريخ الطبري 2|316.

( 34 )
7 ـ والكلام في أنّ الّذين يسمّون أنفسهم «أهل السُنّة» يحبّون ويحترمون آل البيت عليهم السلام طويل، وليس هذا موضعه، غير أنّا نقول لصاحب هذا الكلام:
أوّلاً: إنّ حبّ النبيّ والآل يقتضي الاِطاعة والاتّباع، قال الله تعالى: (قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله)(1).
وثانياً: كيف يمكن الجمع بين حبّ أهل البيت واحترامهم، وبين حبّ واحترام من ظلمهم بشتّى أنواع الظلم؟!
وثالثاً: هـل مـن الحبّ والاحترام قول بعضهم في استشهاد الاِمام السبط عليه السلام: «إنّ الحسين قتل بسيف جدّه»(2)؟!
وهـل مـن الحـبّ والاحتـرام قـول بـعضهـم فـي الاِمـام الصـادق عليـه السلام: «في نفسي منه شيء»(3)؟!
وكـذا قول بعضهم نحو ذلك في غيره من أئمة أهل البيت!!
وهـل مـن الحبّ والاحترام مـا تفوّه بـه ابن تيميّة في أمير المؤمنين وأهل البيت أجمعين، ممّا لا يطاق نقله؟!
أترى أنّ كتابه هو منهاج السُنّة كمـا سمّاه أو لا؟!!
الحقيقـة: إنّ «السُنّـة» التـي عليهـا هـؤلاء القـوم هـي السُنّـة الاَُمويّـة لا السُنّـة المحمّـديّـة!

____________
(1) سورة آل عمران 3|31.
(2) انظـر: فيض القديـر في شرح الجامع الصغير 1|205 حيث أورد هذا الكلام عن ابن العربي المالكي، والضوء اللامع 4|147 بترجمة ابن خلدون، حيث أورد هذا الكلام عنه بترجمته.
(3) الكاشف ـ للذهبي ـ 1|186 عن القطّان.

( 35 )
وهذا حال كلّ من ينكر مناقب أهل البيت ومقاماتهم، ومنهم هذا المتقوّل على السيّـد، والذي قال في بعض البحوث المتقدّمـة: «من أين الدليل على أنّ قول الباقر والصادق هنا صحي