وقـد عقدنـا هذا الفصل للتحقيق حول أحاديث يروونهـا في فضل
أبي بكر، أو الشيخين، أو الصحابة قاطبةً، فحاول بعضهم أن يعارض بها
الاَحاديث الواردة في الآية المباركة(1) ونظائرها.
1 ـ حديثُ الاقتداء بالشيخين:
ذكر هذا الحديث في هذا المقام: الآلوسي في تفسيره روح المعاني.
وقد سبقه في الاستدلال به في مباحث الاِمامة عدّة من أعلام القوم:
كالقاضي عضد الدين الاِيجي في المواقف، وشارحه الشريف الجرجاني في
شرح المواقف، والسعد التفتازاني في شرح المقاصد، وابن تيميّة في منهاج
السُنّة، وابن حجر المكّي في الصواعق المحرقة، وولي الله الدهلوي في
كما تجد الاستدلال به في مسألة انعقاد الاِجماع بأبي بكر وعمر، في
كثيرٍ من كتب علم أُصول الفقه، نذكر منها: المختصر لابن الحاجب وشرحه،
والمنهاج للبيضاوي وشروحه، ومسلّم الثبوت للقاضي البهاري وشرحه...
هـذا، وقد ظهر لنا ـ لدى التحقيق ـ أنّ الشهاب الآلوسي إنّما ينتحل
في هذه المباحث مطالب عبـد العزيز الدهلوي في كتاب التحفة الاثنا
عشرية(1)، الذي اختصر ترجمته محمود شكري الآلوسي، ونشره بعنوان
مختصر التحفة الاثني عشرية.
التحقيق في أسانيده:
وعلى كلّ حالٍ، فقد اقتضى استدلال بعضهم بهذا الحديث في هذا
المقام لغـرض المعارضـة، أن نتكلّـم حوله ببعض التفصيل، ليتبيّن حالـه
فلا يعارَض به شيء من أدلّة أصحابنا في مختلف المجالات، فنقول:
هذا الحديث ممّا أعرض عنه البخاري ومسلم، ولم يخرجه من
أرباب السنن سوى الترمذي وابن ماجة، وأخرجه أحمد في مسنده
والحاكم في المستدرك، ولم يرووه إلاّ عن حذيفة وابن مسعود.
* فرووه عـن حذيفـة بن اليمـان لكنْ بأسانيـد ينتهي جلّهـا إلـى:
«عبـد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة»(2).=
* و«عبـد الملك بن عمير» رجل مدلّس، ضعيف جدّاً، كثير الغلط،
مضطرب الحديث جدّاً، كما في كتب الرجال:
فقد قال أحمد: «مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته، ما أرى له
خمسمائة حديث وقد غلط في كثير منها».
وقال إسحاق بن منصور: «ضعّفه أحمد جدّاً» وعن أحمد أيضاً:
«ضعيف يغلط».
وقال ابن معين: «مخلّط».
وقال أبو حاتم: «ليس بحافظ، تغيّر حفظه» وقال: «لم يوصف
بالحفظ».
وقال ابن خراش: «كان شعبة لا يرضاه».
وقال الذهبي: «وأمّا ابن الجوزي، فذكره فحكى الجرح وما ذكر
التوثيق».
وقال السمعاني وابن حجر: «كان مدلّساً»(1).
ومن مساوىَ هذا الرجل: أنّه ذبح رسول الاِمام الحسين السبط الشهيد
عليه السلام إلى أهل الكوفة، فإنّه لمّا رُمي بأمرٍ من ابن زياد من فوق القصر
وبقي به رمق، أتاه عبـد الملك بن عمير فذبحه، فلّما عيب عليه ذلك قال:
إنّما أردت أن أُريحه(2).
* ثمّ إنّ «عبـد الملك بن عمير» لم يسمع الحديث من «ربعي بن
* ثمّ قال المناوي «لكن له شاهد».
قلـت:
إن أُريد حديث ابن مسعود، كما هو صريح الحاكم والمناوي،
فستعرف ما فيه. وإنْ أُريد حديث حذيفة بسندٍ آخر عن ربعي، فهو ما رواه
الترمذي عن «سالم بن العلاء المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن
حراش، عن حذيفة..»(2).
قلت:
مداره على «سالم بن العلاء المرادي» وقد ضعّفه ابن معين والنسائي
وابن الجارود وابن حزم والذهبي وابن حجر وغيرهم(3).
* وعن عبد الله بن مسعود عند الترمذي والحاكم، وهو بسندٍ واحدٍ،
عن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن جدّه،
عن أبي الزعراء، عن عبـد الله بن مسعود(4).
وإبراهيم، وأبوه، وجدّه، مقدوحون مجروحون جدّاً:
* أمّا «إبراهيم»:
فقد قال الذهبي: «ليّنـه أبو زرعة، وتركه أبو حاتم»(1).
وحكى ابن حجر ذلك عن ابن أبي حاتم وأقرّه(2).
وقال العقيلي: «عن مطيّن: كان ابن نمير لا يرضاه ويضعّفه، وقال:
روى أحاديث مناكير»، قال العقيلي: «ولم يكن إبراهيم هذا بقيّـم
الحديث»(3).
* وأمّا «إسماعيل».
فقد قال الدارقطني والاَزدي وغيرهما: «متروك»(4).
* وأمّا «يحيى بن سلمة» فقد كان أسوأ حالاً منهما:
فقد قال الترمذي: «يضعّف في الحديث»(5).
وقال المقدسي: «ضعّفه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي،
وقال البخاري: في حديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الترمذي:
ضعيف»(6).
وقال الذهبي: «ضعيف»(7).
وقال ابن حجر: «ذكره ابن حبّان أيضاً في الضعفاء فقال: منكر
أقـول:
هذه عمدة أسانيد هذا الحديث.
وقد روي في بعض الكتب عن غير حذيفة وابن مسعود، مع
التنصيص على ضعفه وسقوطه؛ فرواه الهيثمي عن الطبراني، عن أبي
الدرداء، فقال: «وفيه من لم أعرفهم»(2).
ورواه الذهبي عن عبـد الله بن عمر ونصّ على سقوطه بما لا حاجة
إلى نقله، فراجع(3).
كلمات الاَئمّـة في بطلانـه:
ولهذا... فقد نصّ كبار الاَئمّة الاَعلام على سقوط هذا الحديث:
فقد أعلّه أبو حاتم الرازي، المتوفّى سنة 277، كما ذكر المناوي(4)،
وأبو حاتم إمام عصره والمرجوع إليه في مشكلات الحديث، وهو من أقران
البخاري ومسلم.. كما ذكروا بترجمته.
وقال الترمذي ـ بعد أنْ أخرجه من حديث ابن مسعود ـ: «هذا حديث
غريب مـن هذا الوجـه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلاّ من حديث
وقـال الاِمـام الحـافظ الكبيـر أبـو بكـر البـزّار، المتوفّى سنـة 279:
«لا يصحّ»، كما ذكر المناوي(2).
وقال أبو جعفر العقيلي، المتوفّى سنة 322، وهو الاِمام الكبير في
الجرح والتعديل: «حديث منكَر لا أصل له من حديث مالك»(3).
وقال الحافظ الشهير ابن حزم الاَندلسي، المتوفّى سنة 475: «أمّا
الرواية: اقتدوا باللذين من بعدي... فحديث لا يصحّ..»(4).
وقال أيضاً: «ولو أنّنا نستجيز التدليس... لاحتججنا بما روي:
اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. ولكنّه لم يصحّ، ويعيذنا الله من
الاحتجاج بما لا يصحّ»(5).
وقال الاِمام العلاّمة قاضي القضاة برهان الدين العبري الفرغاني،
المتوفّى سنة 743: «إنّ الحديث موضوع»(6).
وقال الحافظ الذهبي، المتوفّى سنة 748، ببطلانه وسقوطه في
مواضع من كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال، كما أنّه تعقّب الحاكم في
تصحيحه وقال: «قلت: سنده واه جدّاً»(7).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة 852، في لسان
هذا، وقد عرفت تضعيف الحافظ الهيثمي الحديث برواية الطبراني،
وأنّ العلاّمة المناوي ضعّفه في فيض القدير.
وأورده ابن درويش الحوت، المتوفّى سنة 1276 في كتاب أسنى
المطالب فذكر أنّ: أبا حاتم أعلّه، وقال البزار ـ كابن حزم ـ: لا يصحّ...،
وقال الهيثمي: سندها واه(2).
أقـول:
ولنكتفِ بهذا المقدار للدلالة على سقوط هذا الحديث الذي وضعوه
في فضل الشيخين، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى رسالتنا فيه(3)... وبالله
التوفيق.
2 ـ حديث الاقتداء بالصحابة:
وهو المعروف بحديث: «أصحابي كالنجوم...».
وقد ذكره في هذا المقام للمعارضة: ابن تيميّة، وابن روزبهان،
كلاهما في الردّ على استدلال العلاّمة الحلّي بحديثنا في كتابيه منهاج
الكرامة ونهج الحقّ، وقد تقدّم كلامهما(4).
كما أنّ الشيخ عبـد العزيز الدهلوي صاحب كتاب التحفة الاثنا عشرية
عارض به حديث «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي»
في مباحث الاِمامة في تعليقته على كتابه المذكور(1).
وقد ذكر الاَُصوليّون حديث النجوم في مباحث سُنّة الصحابي،
ومباحث الاِجماع، من كتبهم في أُصول الفقه، في مقابلة حديث: «اقتدوا
باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وحديث: «عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء
الراشدين من بعدي»(2).
التحقيق في أسانيده:
والحقيقة: إنّ كلّ تلك الاَحاديث ساقطة، سنداً.
أمّا الحديث: اقتدوا باللذين... فقد عرفت حاله.
وأمّا الحديث: عليكم بسُنتّي وسُنّة الخلفاء الراشدين... فراجع
رسالتنا فيه(3).
والكلام الآن في حديث: أصحابي كالنجوم...
وهو حديث غير مخرّج في شيء من الصحاح والسنن والمسانيد
وإليك كلام الحافظ ابن حجر في هذا الحديث:
«حديث: أصحابي كالنجوم فبأيّهم اقتديتم اهتديتم.
الدارقطني في المؤتلف من رواية سلام بن سليم، عن الحارث بن
غصين، عن الاَعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعاً.
وسلام ضعيف.
وأخرجه في غرائب مالك من طريق حميد بن زيد، عن مالك، عن
جعفر بن محمّـد، عن أبيه، عن جابر ـ في أثناء حديث ـ وفيه: فبأيّ قول
أصحابي أخذتم اهتديتم، إنّما مثل أصحابي مثل النجوم، من أخذ بنجم
منها اهتدى.
قال: لا يثبت عن مالك، ورواته دون مالك مجهولون.
ورواه عبـد بن حميد، والدارقطني في الفضائل من حديث حمزة
الجزري، عن نافع، عن ابن عمر.
وحمزة اتّهموه بالوضع.
ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي هريرة.
وفيه جعفر بن عبـد الواحد الهاشمي، وقد كذّبوه.
ورواه ابن طاهر من رواية بشر بن الحسن، عن الزبيري، عن أنس.
وبشر كان متّهماً أيضاً.
وأخرجه البيهقي في المدخل من رواية جويبر، عن الضحّاك، عن
ابن عبّـاس.
وجويبر متروك.
ومن رواية جويبر عن جوّاب بن عبيد الله، مرفوعاً.
وهو مرسَل.
قال البيهقي: هذا المتن مشهور، وأسانيده كلّها ضعيفة.
وروى في المدخل أيضاً عن ابن عمر...
وفي إسناده: عبـد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك»(1).
وقال المناوي في فيض القدير بشرحه:
«السجزي في الاِبانة عن أُصول الديانة، وابن عساكر في التاريخ عن
عمر بن الخطّاب.
قال ابن الجوزي في العلل: هذا لا يصحّ.
وفي الميزان: هذا الحديث باطل.
وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث غريب، سئل عنه البزّار
فقال: لا يصحّ هذا الكلام عن النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم.
وقال الكمال ابن أبي شريف: كلام شيخنا ـ يعني ابن حجر ـ يقتضي
أنّه مضطرب.
وأقول: ظاهر صنيع المصنّف أن ابن عساكر خرّجه ساكتاً عليه،
والاَمر بخلافه؛ فإنّه تعقّبه بقوله: قال ابن سعد: زيد العمي أبو الحواري،
كان ضعيفاً في الحديث، وقال ابن عديّ: عامّة ما يرويه ومن يروي عنه
ضعفاء.
ورواه عن عمر أيضاً البيهقي، قال الذهبي: وإسناده واه»(2).
كلمات الاَئمّـة في بطلانـه:
ولمّا كانت طرق هذا الحديث كلّها ساقطة، فقد اتّفق الاَئمّة على
بطلانه، ومنهم من نصّ على كونه موضوعاً، فبالاِضافة إلى الاَئمّة الاَعلام
المنقولة آراؤهم فيه:
فقد نصّ أحمد بن حنبل على أنّه حديث غير صحيح(1).
وقال ابن حزم الاَندلسي: «هذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصحّ
قط»(2).
وقال ابن عبدالبرّ بعد أن رواه ببعض الطرق: «هذا إسناد لا يصحّ»(3).
وقال أبو حيّان: «حديث موضوع، لا يصحّ بوجهٍ عن رسول الله»(4).
وقال ابن قيّم الجوزية ـ بعد أن رواه بطرق ـ: «لا يثبت شيء منها»(5).
وقال ابن الهمّام الحنفي: «حديث لم يعرف»(6).
ونصّ الشهاب الخفاجي والقاضي البهاري على ضعفه(7).
وقال الشوكاني: «فيه مقال معروف»(8).
وأورده الاَلباني المعاصر في سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة(9).
ومن أراد المزيد فليرجع إلى رسالتنا فيه(1).
3 ـ لا أُوتينَّ بأحدٍ يفضّلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حدّ
المفتري:
وكما وضعوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حديث:
«اقتدوا باللذين من بعدي...» وحديث: «عليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء
الراشدين من بعدي» وحديث: «أصحابي كالنجوم...» وأمثالها، فقد
وضعوا على الاِمام أمير المؤمنين عليه السلام أشياء في حقّ الاَصحاب وفي
خصوص الشيخين، منها هذا الكلام الذي استند إليه ابن تيميّة في غير
موضعٍ من منهاج السُنّة من غير سندٍ ولا نقلٍ عن كتاب معتبرٍ عندهم، وإنّما
قال: «فـروي عنـه أنّـه قال: لا أُوتى بأحـدٍ يفضّلنـي علـى أبي بكر وعمر
إلاّ ضربته حدّ المفتري»(2).
«وعنـه أنّـه كان يقـول: لا أُوتى بأحـدٍ يفضّلني على أبي بكر وعمر
إلاّ جلدته حدّ المفتري»(3).
وقد أضاف هذه المرّة: «كان يقول» الظاهر في تكرّر هذا القول من
الاِمام عليه السلام واستمراره عليه.
التحقيق في سنده ومدلوله:
ولكنّنا لم نسمع أنّه جلد أحداً لتفضيله عليهما بالرغم من وجود
«وروي عـن سلمـان، وأبـي ذرّ، والمقـداد، وخبّـاب، وجابـر،
وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم: أنّ عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ
أوّل من أسلم، وفضّله هؤلاء على غيره»(1).
وفي الفصـل:
«اختلف المسلمون في من هو أفضل الناس بعد الاَنبياء، فذهب
بعض أهل السُنّة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة: إلى أنّ
أفضل الاَُمّة بعد رسول الله صلّى الله عليه [وآلـه] وسلّم: عليّ بن أبي طالب
ـ رضي الله عنه ـ.
وقد روينا هذا القول نصّاً عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وعن
جماعة من التابعين والفقهاء».
قال: «وروينا عن نحو عشرين مـن الصحابـة: أنّ أكرم الناس على
رسول الله صلّى الله عليه [وآلـه] وسلّـم عليّ بن أبي طالب والزبير بن
العوّام»(2).
وقال الذهبي:
«ليس تفضيل عليّ برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من
الصحابة والتابعين»(3).
هذا، وقد جاء في هامش منهاج السُنّة ما نصّه: «وجاء الاَثر ـ مع
أقـول:
وهذا نصّ ما جاء في الكتاب المذكور:
«حدّثنا عبـد الله، قال: حدّثني هديّة بن عبـد الوهّاب، قال: ثنا أحمد
ابن إدريس، قال: ثنا محمّـد بن طلحة، عن أبي عبيدة بن الحكم، عن
الحكم بن جحل، قال: سمعت عليّاً يقول: لا يُفضّلني أحد على أبي بكر
وعمر إلاّ جلدته حدّ المفتري»(2).
وهو من زيادات عبـد الله بن أحمد.
قال محقّقه في الهامش «إسناده ضعيف لاَجل أبي عبيدة بن الحكم».
قال: «ومحمّـد بن طلحة لم يتبيّن لي من هو؟...».
قلـت:
وما ذكرناه حول سنده ومعناه كافٍ في سقوطه، وأنّه موضوع قطعاً.
*
*