بسم الله الرحمـن الرحيـم

نحمدك اللّهمّ على ما هديتنا إلى فصيح المقال، لاِفادة صحيح
الاَحوال، ونشكرك على ما حفظتنا من تفضيح حال الرجال، بإشاعة قبيح
الاَقوال.

ونصلّي على حبيبك النبيّ الذي قبلت لمحبّته ضعيف الاَعمال،
وعدّلت بشريعته عوج الاَديان غاية الاعتدال، وعلى آله الجارين على ذلك
المنوال، في جميع الاَقوال والاَفعال، صلاةً مترادفةً متواردةً على الاتّصال.

وبعـد:

فإنّي لمّا رأيتُ كلام الفاضل الشريف المجتبى، والسيّـد المنيف
المرتضى، أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي، الملقّب بـ: علم الهدى،
رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنّة مقرّه ومأواه، في بعض فوائده المكتوبة
لبيان عدم جواز الاعتماد على أكثر ما يستفاد من الروايات.

أعني قوله: إنّ أعظم الفقه وجمهوره، بل جميعه، لا يخلو سنده ممّن
( 184 )
يذهب مذهب الواقفة
(1) وإلى غلاة
(2) وخطّابية
(3) وإلى قمّيٍّ مشبّه مجبّر،
وإنّ القمّيين كلّهم أجمعين، من غير استثناء لاَحـد منهـم ـ إلاّ أبا جعفر بن
بابويه رحمه الله ـ بالاَمس كانوا مشبّهة مجبّرة، وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك...
إلى آخره
(4).

التزمتُ على نفسي تفتيش حال هؤلاء الاَعلام، لتحقيق هذا الكلام؛
لظهور كونه من الاَُمور العظام، فشرعتُ في تفحّص أحوالهم من كتب
علمائنا المعتمدين، وتتبّع مرويّاتهم في أُصول الدين؛ إذ كان ذلك أدلّ دليل
على الرشد والقبول، وأوضح سبيل إلى ما هو المأمول.

فرأيت ـ فـي مـا رأيتُ ـ صحّـة عقائـد كثيـر منهـم، سيّمـا رواة
الاَخبار، ودريت ـ في مـا دريت ـ كمال الوثوق بغفير منهم، بحسب أخبار
الاَئمّـة الاَخيار، كمـا سيظهر علـى مـن اجتنب الاعتساف، ولزم الاِنصاف.
____________
(1) الواقفة: هم الواقفـون على الاِمام موسى بن جعفر عليه السلام أنّه الاِمام القائم، ولم
يأتمّوا بعـده بإمام ولـم يتجاوزوه إلـى غيـره، وقـد قال بعضهـم ممّن ذكـر أنّه
حيّ: إنّ الرضـا عليه السلام ومـن قام بعده ليسوا بأئمّـة، ولكنّهـم خلفاؤه واحداً بعـد واحد
إلى أوان خروجه، وأنّ على الناس القبول منهم والانتهاء إلـى أمرهم.
انظر: فرق الشيعة: 81.
(2) الغلاة: هم الّذين قالوا: إنّ الاَئمّة عليهم السلام آلهة وإنّهم أنبياء وإنّهم رسل وإنّهم ملائكة،
وهم الذّين تكلّموا بالاَظلّة وفي التناسخ في الاَرواح، وهم أهل القول بالدور في
هذه الدار وإبطال القيامة والبعث والحساب.
انظر: فرق الشيعة: 36.
(3) الخطّابيـة: هـم أصحاب أبي الخطّاب محمّـد بن أبي زينب الاَجدع الاَسدي،
الذي ادّعى النبوّة ثمّ الرسالة ثمّ ادّعى أنّه من الملائكة وأنّه رسول الله إلى أهل
الاَرض والحجّة عليهم.
انظر: فرق الشيعة: 42.
(4) رسائل الشريف المرتضى 3|310.
( 185 )
فحينئذ عزمت على بيان ما ظهر لي من تلك الاَحوال، حتّى يتورّع
المتورّع عن أن ينسب إليهم مثل ذلك المقال، وإلاّ فكلام مَن مطلبه العناد
والجدال، لا يخلو أصلاً من القيل والقال، وكذا من لا يعرف الرجال بالحقّ
بل ينظر دائماً إلى من قال.

وإنّي بعد أن جزمت بوجوب هذا الاَمر، اجترأتُ بتحريره في ما
أُسطّر، (
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
(1).

فهاهنا مقدّمة وفصلان، ومن الله التوفيق وعليه التكلان:
____________
(1) سورة الكهف 18: 29.
( 186 )

أمّـا المقدّمـة:

ففي بيان ما يدلّ على أنّ نسبة ذلك المذهب إليهم إنّما نشأ من
المخـالفيـن؛ تهمـةً علـى العلمـاء المكرميـن، وافتـراءً علـى الاَئمّـة
المعصومين عليهم السلام .

وأنّ نقلهم تلك الاَخبار المتضمّنة ـ ظاهـراً ـ لذلك المذهب في كتبهم
ليس لكونهم معتقدين بها ومتديّنين بظواهرها، بل إمّا لوصولهم إلى محامل
وتأويلات صحيحة لها، أو لتورّعهم عن ردّ خبر منقول عن الاَئمّة عليهم السلام
بمحض عدم فهم المعنى.

قال الصدوق أبو جعفر بن بابويه رحمه الله في ديباجة كتاب توحيده: إنّ
الـذي دعاني إلى تأليف كتابـي هذا، أنّي وجدت قومـاً من المخالفين لنا
ينسبون عصابتنـا إلى القول بالتشبيـه والجبـر؛ لِمـا وجدوا في كتبهـم من
الاَخبار التي جهلوا تفسيرهـا، ولـم يعرفوا معانيها، ووضعوهـا في غير
موضعها، ولم يقابلوا بألفاظها ألفاظ القرآن، فقبّحوا بذلك عند الجهّال
صورة مذهبنا، ولبّسوا عليهم طريقتنا، وصدّوا الناس عن دين الله،
وحملوهم على جحـود حجج الله، فتقـرّبتُ إلـى الله تعالـى بتصنيف هـذا
الكتاب في التوحيد ونفي التشبيه والجبر
(1).

وقال في مبحث إبطال الرؤية وتأويل آياتها وطلب موسى إيّاها: وأمّا
الاَخبار التي رويت في هذا المعنى، وأخرجها مشايخنا ـ رضي الله عنهم ـ
في مصنّفاتهـم، عندي صحيحـة، وإنّما تركت إيرادها في هذا الباب خشية
____________
(1) التوحيد: 17.
( 187 )
أن يقرأها جاهل بمعانيها فيكذّب بها، فيكفر بالله عزّ وجلّ وهو لا يعلم.

وكذا الاَخبار التي ذكرها أحمد بن محمّـد بن عيسى في نوادره، والتي
أوردها محمّـد بن أحمـد بن يحيى في جامعه في معنى الرؤية، صحيحـة،
لا يردّها إلاّ مكذّب بالحقّ أو جاهل به، وألفاظها ألفاظ القرآن، ولكلّ خبر
منها معنىً ينفي التشبيه والتعطيل ويثبت التوحيد، وقد أمرنا الاَئمّة صلوات
الله عليهم أن لا نكلّم الناس إلاّ على قدر عقولهم
(1).

ثمّ قال: ومعنى الرؤية الواردة في الاَخبار: العلم
(2).

أقـول:

وسيرشدك إلى صدق ما ذكره ـ رحمة الله عليه ـ ما سنشير إليه عند
ترجمة الاَسامي من الاَخبار التي رواها هؤلاء في ردّ الجبر والتشبيه، ورؤيـة
الذات، وكفر قائلها؛ إذ معلوم أنّ كلّ مَن اطّلع على هذه الروايات لا يعتريه
شكّ ولا تبقى له شبهة أصلاً، فضلاً عن الاعتقاد بضدّها.

وظاهرٌ أنّ ذكرهم تلك الاَخبار المتشابهة غير مضرّ بعد ظهور كونهم
راوين لخلافها ومعتقدين له.

ألا ترى إلى الكليني ـ رحمة الله عليه ـ كيف روى أيضاً بعضها مع
حسن عقيدته جزماً، فهكذا غيره من أرباب الحديث.

وقـد روى الصدوق عـن جمـع منهم ـ أيضاً ـ ما يدلّ علـى المقصود
كـ: ما رواه عن أحمد بن هارون الفامي، قال: حدّثنا محمّـد بن عبـد الله بن
جعفر الحميري القمّي، عن أبيه، قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن علي
____________
(1) التوحيد: 119.
(2) التوحيد: 120.
( 188 )
ابن معبد، عن الحسين بن خالد
(1)، عن أبي الحسن بن موسى الرضا عليه السلام ،
قال: قلت له: يابن رسول الله! إنّ الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه
والجبر؛ لِما روي من الاَخبار التي رويت عن آبائك الاَئمّـة عليهم السلام .

فقال عليه السلام : «يابن خالد! أخبرني عن الاَخبار التي رويت عن آبائي
الاَئمّة عليهم السلام في التشبيه والجبر أكثر أم الاَخبار التي رويت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
في ذلك؟».

فقلت: بل ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله في ذلك أكثر.

قال: «فليقولوا: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول بالتشبيه والجبر إذن».

فقلت له: إنّهم يقولون: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل من ذلك شيئاً،
وإنّما روي عليه.
____________
(1) في المخطوط والمطبوع: الحسن بن خالد البرقي، وفي المصدر: الحسين بن
خالد ـ بدون تقييد بالبرقي ـ وهو مردّد بين الحسين بن خالد الخفّاف، والحسين بن
خالد الصيرفي.
قال الوحيد البهبهاني في ترجمة الحسين بن خالد الصيرفي: الظاهر أنّ الحسين
ابن خالد الذي يظهر من رواياته في التوحيد فضله، هو هذا الرجل.
تعليقة الوحيد: 155.
وقال حجّة الاِسلام العلاّمة الشفتي ـ بعد ذكر روايات الحسين بن خالد من غير
تقييد، عن الرضا عليه السلام ، وذكر رواية التوحيد ضمن هذه الروايات ـ: إنّ الراوي عن
الحسين بن خالد المقيّد بالصيرفي الراوي عن مولانا الرضا عليه السلام ، هو الراوي عن
الحسين بن خالد المطلق الراوي عن مولانا الرضا عليه السلام ، وكذا الحال في الراوي عن
الراوي، فيظهر منه أنّ الحسين بن خالد في المقامين واحد.
والحاصـل أنّ الطريـق إلـى الحسيـن بـن خالـد المقـيّد بالصيرفـي الراوي عـن
أبي الحسن الرضـا عليه السلام ، هـو الطريق إلـى الحسين بـن خالـد المطلـق الـراوي عن
أبي الحسن الرضا عليه السلام ، وهو دليل على أنّ الحسين بن خالد المطلق الراوي عنه عليه السلام
هو المقيّد المذكور.
الرسائل الرجالية: 389.
( 189 )

قال: «فليقولوا في آبائي عليهم السلام أيضاً: إنّهم لم يقولوا من ذلك شيئاً،
وإنّما روي عليهم».

ثمّ قال عليه السلام : «من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن منه
براء في الدنيا والآخرة.

يابن خالد! إنّما وضع الاَخبار عنّا في التشبيه والجبر الغلاةُ الّذين
صغّروا عظمة الله، فمن أحبّهم فقد أبغضنا ومن أبغضهم فقد أحبّنا، ومن
والاهم فقد عادانا ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا ومن
قطعهم فقد وصلنا، [ومن جفاهم فقد برّنا ومن برّهم فقد جفانا، ومن
أكرمهم فقد أهاننا ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردّنا ومن ردّهم
فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا ومن أساء إليهم فقد أحسن إليناج
ومن صدّقهم فقد كذّبنا ومن كذّبهم فقد صدّقنا، [ومن أعطاهم فقد حرمنا
ومن حرمهم فقد أعطانا].

يابن خالد! من كان من شيعتنا فلا يتّخذنّ منهم وليّاً ولا نصيراً»
(1).

ولا يخفى أنّ هذا الخبر كالصريح في أنّ انتسابهم إلى ذلك المذهب
تهمة من العامّة، وهم كانوا يتبرّؤون منه.

لا يقال:

إذا كان حالهم على ما ذكرتم فلِمَ لم يسقطوا ذكر تلك الاَخبار من
كتبهم، حتّى لا يقع الناس فيهم، سيّمـا مع دلالة هذا الخبر على كونها
موضوعة؟!
____________
(1) التوحيد: 363 ح 12، وما بين المعقوفين غير موجود في المخطوط والمطبوع،
أضفناه من المصدر.
( 190 )

لاَنّا نقول:

لو كان جميع تلك الاَخبار موضوعة لكان كما تقول، لكنّه ليس الاَمر
هكذا، إذ كثير منها كانت مرويّة عن الاَئمّة عليهم السلام بطرق لم يكن لهم طريق إلى
ردّها، فلم يمكنهم إلاّ ذكرها، وإن لم يكن لهم علم بتأويلها، كما أشار إليه
الصدوق
(1)، وورد في الاَخبار الكثيرة من لزوم قبول الاَحاديث المنسوبة إلى
الاَئمّة عليهم السلام ، وترك تأويلها إليهم حين لم يعلم، وأنّهم عليهم السلام كانوا يتكلّمون
على سبعين وجهاً، وأنّ حديثهم صعب مستصعب لا يحتمله كلّ أحد.

على أنّ ذلك ليس مختصّاً بهم، بل جارٍ في كلام جميع المحدّثين
كما أشرنا. فتدبّر.

وقـد ورد مجمـلاً فـي بعض الاَخبار أيضاً مـا يشعر بحسن حال
القمّيّين، وكون الاَئمّة عنهم راضين:

كقول الصادق عليه السلام ليونس بن يعقوب ـ حين سأله عن عمران بن
عبـد الله الاَشعـري القمّي ـ: «هـذا نَجيبُ قـومٍ نجبـاء، مـا نَصِبَ لهم جبّار
إلاّ قصمه الله»
(2) يعني أهل قـم، والاَشاعرة منهم.

وكقول أبي جعفر الثاني عليه السلام لعلي بن مهزيار في توقيعه إليه: «قـد
فهمت ما ذكرت من أمر القمّيّـين ـ خلّصهم الله وفرّج عنهم ـ وسررتني بمـا
ذكرت من ذلك»
(3)... الخبر.

وغير ذلك ممّـا لا يسع المقام ذكره.
____________
(1) كما مرّ في صفحة 186.
(2) رجال الكشّي: 333 رقم 609.
(3) رجال الكشّي: 550 رقم 1040.
( 191 )
الفصل الاَوّل
في ذكر المعتبَرين من أشاعرة قـم

أعني من انتسب إلى سعد بن مالك بن الاَحوص بن السائب بن مالك
ابن عامر بن أبي عامر عبيد بـن ذخران بـن عوف بـن الجماهر بن الاَشعر.

إذ سعد هو أوّل مَن تحوّل من الكوفة وسكن بقم بعد أن كان جدّه
سائب بن مالك تحوّل من الحجاز إلى الكوفة، وقد نقل: أنّ أبا عامر كان
صحابيّاً.

قـال النجـاشـي: روي أنّـه لـمّـا هـزم هـوازن يـوم حنيـن عـقـد
رسول الله صلى الله عليه وآله لاَبي عامر الاَشعري على خيل فقُتل، فدعا له، فقال: «اللّهمّ
اعطِ عُبَيْدَك عُبَيْداً أبا عامر واجعله في الاَكثرين يوم القيامة»
(1).

* فمن هؤلاء: عيسى بن عبـد الله بن سعد الاَشعري القمّي، وهو
بالاتّفاق من خواصّ أصحاب الصادق عليه السلام .

قال علي بـن أحمـد العقيقي في رجالـه ـ على مـا نقل عنـه العلاّمـة
فـي الخلاصـة ـ: إنّ عيسى بن عبـد الله كان يشبـه أباه، وكان وجهـاً عند
أبي عبـد الله عليه السلام مختصّاً به
(2).

وقال النجاشي: عيسى بن عبـد الله الاَشعري: روى عن أبي عبـد الله
وأبي الحسن عليهما السلام وله مسائل عن الرضا عليه السلام
(3).
____________
(1) رجال النجاشي: 82 رقم 198.
(2) رجال العلاّمة الحلّي: 123 رقم 7.
(3) رجال النجاشي: 296 رقم 805.
( 192 )

وروى الكشّي عن محمّـد بن مسعود العيّاشي، عن علي بن محمّـد،
عن أحمد بن محمّـد، عن موسى بن طلحة، عن أبي محمّـد أخي يونس
ابن يعقوب، عنه، قال: كنت بالمدينة فاستقبلني جعفر بن محمّـد عليه السلام في
أزقّتها، فقال: «اذهب يا يونس! فإنّ بالباب رجلاً منّـا أهل البيت».

قال: فجئت إلى الباب فإذا عيسى بن عبـد الله القمّي جالس، قال:
فقلت له: من أنت؟

قـال: أنا رجل مـن أهل قـم. قال: فلـم يكن بأسرع مـن أن أقبـل
أبو عبـد الله عليه السلام فدخل على الحمار الدار، ثمّ التفت إلينا فقال: «ادخلا»،
ثمّ قال: «يا يونس بن يعقوب! أحسبك أنكرت قولي لك: إنّ عيسى بن
عبـد الله منّـا أهل البيت؟!».

قال: قلت: إي والله جعلت فداك، إنّ عيسى بن عبـد الله رجل من
أهل قـم.

فقال: «يا يونس! عيسى بن عبـد الله هو منّا حيّ، وهو منّا ميّت»
(1).

وقد روى أيضاً عن يونس بن يعقوب بسند صحيح واضح، أنّه قال:
دخل عيسى بن عبـد الله القمّي على أبي عبـد الله عليه السلام فأوصاه بأشياء، ثمّ
ودّعه وخرج عنه، فقال لخادمه: «ادعه» فانصرف إليه فأوصاه بأشياء، ثمّ
قال له: «يا عيسى بن عبـد الله! إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (
وأمُرْ أهْلَكَ
بالصلوةِ)
(2) وإنّك منّا أهل البيت، فإذا كانت الشمس من هاهنا من العصر
فصلّ ستّ ركعات». قال: ثمّ ودّعه، وقبّل ما بين عيني عيسى فانصرف.

قال يونس: فما تركت الستّ ركعات منذ سمعت أبا عبـد الله عليه السلام
____________
(1) رجال الكشّـي: 332 رقم 607.
(2) سورة طه 20: 132.
( 193 )
يقول ذلك لعيسى بن عبـد الله
(1).

لكنّه قليل الرواية.

* وكذا ابنه، وهو: محمّـد بن عيسى الذي هو من أجلّة شيوخ قـم،
ومدحـه كـلّ العلمـاء، ودخل علـى الـرضا عليه السلام وسمع منـه، وروى عـن
الجواد عليه السلام ، والاَخبار الدالّة على كونه بريئاً ممّا ذكره السيّد متعدّدة، سنذكر
بعضها في سعد بن عبـد الله، وبعضها في ابنه الذي كثرت رواياتنا عنه:

* وهو: أبو جعفر أحمـد بن محمّـد بن عيسى، ولقد وثّقـه أهل
الرجال ومدحه كلّهم بكونه: وجيهاً، فقيهاً، من أكابر شيوخ أهل قم، وإنّه
كان غير مدافَع، وكان الرئيس الذي يلقى السلطان، ولقي الرضا، والجواد،
والهادي عليهم السلام ، وصنّف كتباً كثيرة، منها كتاب التوحيد، وقد أخرج بعض
أخباره علماؤنا في كتبهم، ولنذكر منها بعض ما يدلّ على بُرئه ممّا ذكره
السيّـد.

روى الصدوق في التوحيـد عن أحمد بـن هارون، عن محمّـد بـن
عبـد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمّـد بن عيسى،
عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبـد الله عليه السلام .

وبالاِسناد المتقدّم عن أحمد بن محمّـد بن عيسى، عن محمّـد بن
خالد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن مفضّل بن عمر، عنه عليه السلام ، قال: «مَن
شبّه الله بخلقه فهو مشرك، ومَن أنكر قدرته فهو كافر، إنّ الله تبارك وتعالى
لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء، وكلّ مـا وقع في الوهم فهو بخلافه»
(2).

وروى عن أبيه، عن سعد بن عبـد الله، عن [أحمد بن محمّـد بن
____________
(1) رجال الكشّي: 333 رقم 610.
(2) التوحيد: 76 ح 31 وص 80 ح 36.
( 194 )
أبي نصر]
(1)، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال: «جاء
حبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين! هل رأيت ربّك حين
عبدته؟!

فقال عليه السلام : ويلك، ما كنت أعبـد ربّاً لم أره.

قال: وكيف رأيته؟!

قال: ويلك، لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب
بحقائق الاِيمان»
(2).

وروى عن محمّـد بن الحسن بن الوليد، عن محمّـد بن الحسن
الصفّار وسعد بن عبـد الله جميعـاً، عن أحمـد بن محمّـد بن عيسى، عن
أبيه والحسين بن سعيد ومحمّـد بن خالد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن
هشام بن سالم، قال: دخلت على أبي عبـد الله عليه السلام ، فقال لي: «أتنعت
الله؟».

فقلت: نعم.

فقال: «هات».

فقلت: هو السميع البصير.

قال: «هذه صفة يشترك فيها المخلوق».

قلت: فكيف تنعته؟

فقال: «هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه،
وحقّ لا باطل فيه».
____________
(1) في المخطوط: أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي نصر. والظاهر أنّه تصحيف،
والصحيح ما أثبتناه بين المعقوفين، من المصدر وكتب طبقات الرجال.
(2) التوحيد: 109 ح 6.
( 195 )

فخرجت من عنده، وأنا أعلم الناس بالتوحيد
(1).

وعن محمّـد بن الحسن بن الوليد، عن محمّـد بن يحيى العطّار، عن
أحمد بن محمّـد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن جميع بن عمير،
قال: قال لي أبو عبـد الله عليه السلام : «أيّ شيء من الله أكبر؟».

فقلت: الله أكبر من كلّ شيء.

فقال: «وكان ثـمّ شيء فيكون الله أكبر منه؟!».

فقلت: فما هو؟

قال: «الله أكبر من أن يوصف»
(2).

وروى عن أبيه ومحمّـد بن الحسن بن الوليد، عن سعد بن عبـد الله
وعبـد الله بن جعفر الحميري جميعاً، عن أحمد بن محمّـد بن عيسى، عن
الحسن بن علي بن فضّال، عن أبي جميلة المفضّل بن صالح، عن محمّـد
ابن علي الحلبي، عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال: «مـا أمر الله العباد إلاّ بدون
سعتهم، وكلّ شيء أُمر الناس بأخذه فهم متّسعون له، وما لا يتّسعون له
فهو موضوع عنهم، ولكنّ الناس لا خير فيهم»
(3).

وروى عن علي بن عبـد الله الورّاق، عن محمّـد بن جعفر بن بطّة،
عن محمّـد بن الحسن الصفّار ومحمّـد بن علي بن محبوب ومحمّـد بن
الحسين بن عبـد العزيز المهتدي، عن أحمد بن محمّـد بن عيسى، عن
الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى الجهني، عن حريز بن عبـد الله،
عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال: «إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل
____________
(1) التوحيد: 146 ح 14.
(2) التوحيد: 313 ح 2، الكافي 1|91 ح 9.
(3) التوحيد: 347 ح 6.
( 196 )
يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله في
حكمه، فهو كافر.

ورجل يزعم أنّ الاَمر مفوّض إليهم، فهذا قد أوهن الله في سلطانـه،
فهو كافر.

ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون،
وإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ»
(1).

والاَخبار من هذا القبيل عنه كثيرة سيّمـا في توحيد الصدوق،
والكافي، وربّما نشير إلى بعضها فيما بعد أيضاً، فتأمّل فيها حتّى يظهر لك
حسن عقيدة الرجل، وأبيه، وأنّه في غاية الرفعة عن انتساب تلك الاَباطيل
إليه.

على أنّه كيف يجوّز العقل أن يكون مثل هؤلاء الرجال؛ الّذين لقوا
غير واحد من الاَئمّة، حتّى صاروا من خواصّهم وناشري أحكامهم،
معتقدين لاَمر باطل مخرج عن الاِسلام فضلاً عن الاِيمان؟! والاِمام يتغافل
ويسكت مع علمه بأنّهم يطيعونه في كلّ ما يقول من أُمور الدنيا والدين،
ويسألونه عن الحقّ واليقين، ويوصلون عنه إلى سائر المؤمنين.

هذا، مع أنّ الاَئمّة كانوا في كمال الشفقة على شيعتهم، خصوصاً
على أصحابهم، ولم يرضوا لهم أدنى رزية.

وقد نقل أيضاً أنّ أحمد هذا كان في غاية التديّن، حتّى أخرج جمعاً
من قـم لاَجل فساد مذاهبهم، وضعف فتاويهم ورواياتهم، وكان يسأل
الاَئمّة عن أمثال هذه العقائد ويعمل بأوامرهم.
____________
(1) التوحيد: 360 ح 5.
( 197 )

روى الكشّي عن العيّاشي: أنّـه كتب أحمد بن محمّـد بن عيسى إليه
ـ يعني الهادي عليه السلام ـ في قوم يتكلّمون ويقرؤون أحاديث وينسبونها إليك
وإلى آبائك، فيها ما تشمئزّ منها القلوب، ولا يجوز لنا ردّها إذ كانوا
يروونها عن آبائك، ولا قبولها لِما فيها.. الخبر..

إلى أن كتب: فإن رأيت أن تبيّن لنا وتمنّ علينا بما فيه السلامة
لمواليك ونجاتهم من هذه الاَقاويل التي تخرجهم إلى الهلاك.

فوقّع عليه السلام : «ليس هذا ديننا فاعتزله»
(1).

وإشعار الخبر وتأييده لِما نحن فيه أيضاً غير خفي.

* ومن هؤلاء: أبو يحيى زكريّا بن آدم بن عبـد الله بن سعد
الاَشعري، الذي كان من خواصّ أصحاب الرضا عليه السلام ، حتّى إنّه جعله زميله
سنةً في طريق الحجّ، ولقي أبا جعفر عليه السلام أيضاً، وكان يتولّى أُمورهما، وقد
وثّقه علماء الرجال، وذكروه بأحْمدَ الاَحوال، ورووا فيه مدائح عظيمة
كثيرة.

منها: ما رواه الكشّي عن محمّـد بن قولويه، عن سعد بن عبـد الله،
عن محمّـد بن عيسى، عن أحمد بن الوليد، عن علي بن المسيّب، قال:
قلت للرضا عليه السلام : شقّتـي بعيدة، ولست أصل إليك فـي كلّ وقت، فممّـن
آخذ معالم ديني؟

فقال عليه السلام : «من زكريّا بن آدم القمّي، المأمون على الدين والدنيا».

قال علي بن المسيب: فلمّا انصرفت قدمت إلى زكريّا بن آدم فسألته
عمّـا احتجت إليه
(2).
____________
(1) رجال الكشّي: 516 رقم 994.
(2) رجال الكشّي: 594 رقم 1112.
( 198 )

ومـا رواه عنه، عن سعد بن عبـد الله بن أبي خلف، عن محمّـد بن
حمزة، عن زكريّا بن آدم، قال: قلت للرضا عليه السلام : إنّي أُريد الخروج عن
أهل بيتي فقد كثر السفهاء فيهم.

فقال: «لا تفعل! فإنّ أهل بيتك يُدفع عنهم بك كمـا يُدفع عن أهل
بغداد بأبي الحسن الكاظم عليه السلام »
(1).

ومـا رواه عـن أبـي طالب بـن الصلت القمّي، قـال: دخلت علـى
أبـي جعفر عليه السلام في آخر عمره، فسمعته يقول: «جزى الله صفوان بن
يحيى، ومحمّـد بن سنان، وزكريّا بن آدم، وسعد بن سعد، عنّي خيراً فقد
وفوا لي»
(2)..

ومنها مـا رواه الشيخ في كتاب الغيبة، والكشّي أيضاً، إنّه لمّا مات
زكريّا بن آدم خرج محمّـد بن إسحاق والحسن بن محمّـد بن عمران نحو
الحجّ، وكان ذلك بعد موته بثلاثة أشهر، فتلقّاهما كتابه عليه السلام في بعض
الطريق، فإذا فيه: «ذكرت ما جرى من قضاء الله تعالى في الرجل المتوفّى
رحمة الله عليه يوم ولد، ويوم قبض، ويوم يبعث حيّـاً، فقد عاش أيّام
حياته عارفاً بالحقّ، قائلاً به، صابراً، محتسباً للحقّ، قائماً بما يجب لله
ولرسوله، ومضى رحمة الله عليه غير ناكث ولا مبدّل، جزاه الله أجر نيّته،
وأعطاه خيراً ينفعه
(3)»
(4).. الخبر.

وسيجيء خبر آخر أيضاً في زكريّا بن إدريس.
____________
(1) رجال الكشّي: 594 رقم 1111.
(2) رجال الكشّي: 503 رقم 964.
(3) في الغيبة: «جزاء سعيه»، وفي رجال الكشّي: «خير أُمنيّته».
(4) الغيبة ـ للشيخ الطوسي ـ: 348 ذيل ح 303، رجال الكشّي: 595 رقم 1114.
( 199 )

وقد كان له كتاب معتبر أيضاً، ورواه عنه جماعة من أصحابنا؛ منهم
ابن عمّه، الذي هو ـ باتّفاق أهل الرجال ـ من ثقات أهل قم، وعيونهم،
وشيوخهم، ومصنّفيهم:

أعني: سعد بن سعد بن سعد الاَشعري، وهو أيضاً من أصحاب
الرضا والجواد عليهما السلام ، وروى روايات كثيرة، وقد مرّ آنفاً ما يدلّ على حسن
حاله.

وروى الصدوق أيضاً في توحيده عنه أنّه قال: سألت الرضا عليه السلام عن
التوحيد، فقال: «هو الذي أنتم عليه»
(1).

* ومن هؤلاء: أبو جرير زكريّا بن إدريس بن عبـد الله الاَشعري،
الـذي وثّقـه وأبـاه كـلّ علمـاء الرجـال، وروى عـن الصادق والكاظم
والرضا عليهم السلام بقولِ جمعٍ كثيرٍ.

ولقد كفى في حسن حاله، وصحّة عقائده؛ مـا رواه الكشّي عن
محمّـد بن قولويه، عن سعد، عن أحمد بن محمّـد بن عيسى، عن محمّـد
ابن حمزة بن اليسع، عن زكريّا بن آدم، قال: دخلت على الرضا عليه السلام من
أوّل الليل في حدثان موت أبي جرير، فسألني عنه، وترحّم عليه، ولم يزل
يحدّثني وأُحدّثه حتّى طلع الفجر، فقام عليه السلام فصلّى الفجر
(2).

* ومن هؤلاء: أبو علي أحمد بن إسحاق بن عبـد الله بن سعد
الاَشعري، الذي وثّقه وأباه كلّ علماء الرجال، وكان وافد القمّيّين وكبيرهم،
وروى روايات عن الجواد والهادي عليهما السلام ، وكان من خاصّة أبي محمّـد عليه السلام
ورأى صاحب الزمان، وصار وكيله، ومن خواصّه، وسفرائه، واستمرّ على
____________
(1) التوحيد: 46 ح 6.
(2) رجال الكشّي: 616 رقم 1150.
( 200 )
هذه الحال حتّى مات رحمه الله.

قال في ربيع الشيعة: إنّه من الوكلاء، وإنّه من السفراء، والاَبواب
المعروفين، الّذين لا يختلف الشيعة القائلون بإمامة الحسن بن علي عليهما السلام
فيهم
(1).

وروى الكشّي عن محمّـد بن مسعود العيّاشي، عن علي بن محمّـد،
وروى الشيخ في كتاب الغيبة عن أحمد بن إدريس جميعاً، عن محمّـد بن
أحمد، عن محمّـد بن عيسى، عن أبي محمّـد الرازي، قال: كنت أنا
وأحمد بن أبي عبـد الله البرقي بالعسكر، فورد علينا رسول من الرجل،
فقال لنا: الغائب العليل ثقة، وأيّوب بن نوح، وإبراهيم بن محمّـد
الهمداني، وأحمد بن حمزة بن اليسع، وأحمد بن إسحاق ثقات جميعاً
(2).

وروى الكشّي عـن محمّـد بـن علي، عـن أحمـد بن الحسين بن
أبـي القاسم القمّي، قال: كتب محمّـد بن أحمد بن الصلت القمّي إلى الدار
كتاباً، ذكر فيه قصّة أحمد بن إسحاق القمّي وصحبته، وأنّه يريد الحجّ،
واحتاج إلى ألف دينار، فإن رأى سيّدي أن يأمر بإقراضه إيّاه ويسترجع منه
في البلد إذا رجعنا.

فوقّع صلوات الله عليه: «هي له منّا صِلة، وإذا رجع فله عندنا
سواها»
(3).. الخبر.

وروى أيضاً عن جعفر بن معروف الكشّي، قال: كتب أبو عبـد الله
البلخي إليّ يذكر عن الحسين بن روح القمّي أنّ أحمد بن إسحاق كتب إليه
____________
(1) إعلام الورى بأعلام الهدى (ربيع الشيعة) 2|259.
(2) رجال الكشّي: 557 رقم 1053، الغيبة: 417 ح 395.
(3) رجال الكشّي: 556 رقم 1051.
( 201 )

ـ أي الصاحب عليه السلام ـ يستأذنه في الحجّ، فأذِن له وبعث إليه بثوب، فقال
أحمد بن إسحاق: نعى إليّ نفسي. فانصرف من الحجّ، فمات بحلوان
(1).

فانظر أيّها اللبيب المنصف! هل يمكن نسبة مثل هذا الرجل إلى تلك
العقائد الفاسدة بعد هذه الدلالات؟!

فكيف تردّ الروايات وهذا من أعاظم الرواة؟!

* ومن هؤلاء: أحمد بن حمزة بن اليسع بن عبـد الله بن سعد
الاَشعري، الذي وثّقه وكذا أخاه محمّد بن حمزة أبا طاهر كلّ أهل الرجال،
وكان هذا من أصحاب الهادي عليه السلام ، وبقي إلى زمان الصاحب عليه السلام ، وهو
الذي خرج فيه التوقيع الذي مرّ في أحمد بن إسحاق
(2)، وكفى ذلك.

مع أنّه لم يروِ كثيراً، وروى أبوه عن الرضا عليه السلام ، ووجدنا في باب
صيد الحَرَم من الكافي روايته عن أبي عبـد الله عليه السلام أيضاً
(3).

* ومن هؤلاء: أبو جعفر محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن
عبـد الله بن سعد الاَشعري، الذي وثّقه كلّ علماء الرجال، وصرّحوا بأنْ
ليس عليه مطعن في نفسه بشيء، غير أنّه كان يروي في بعض الاَوقات عن
الضعفاء، ويعتمد المراسيل، وهو راوي روايات كثيرة، ومصنّف كتب
كبيرة، منها: كتاب نوادر الحكمة، المعروف عند القمّيّين بـ: دبّة شبيب،
المعمول ما فيه عندهم، سوى ما استثناه منه ابن الوليد.

وقد كان جدّه عمران بن عبـد الله من أصحاب الصادق عليه السلام حتّى
روي أنّه دخل يوماً عليه عليه السلام فبرّه وبشّه وقرّبه وسأله عنه وعن ولده وأهل
____________
(1) رجال الكشّي: 557 رقم 1052.
(2) راجع ص 200.
(3) الكافي 4|238 ح 28.
( 202 )
بيته وبني أعمامه وحدّثه مليّاً، فلمّا خرج سأل الاَصحابُ عنه، فقال: «هذا
نجيب قوم نجباء، ما نصب لهم أحد إلاّ قصمه الله»
(1).

وفي رواية: أنّه أهدى له عليه السلام في منى مضارب وخياماً، فقبض عليه السلام
على يده، ثمّ قال: «أسأل الله أن يصلّي على محمّـد وآل محمّـد، وأن
يظلّك وعترتك يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه»
(2).

لكنّـه هـو.

وكـذا ولده مرزبـان بـن عمـران، الذي روى الكشّي عنه أنّـه قال
للرضا عليه السلام : أمـن شيعتكم أنـا؟ فقال: «نعـم»، قال:
(3) اسمـي مكتوب
عندكم؟ قال: «نعم»
(4).

وكـذا سبطـه عمران بن محمّـد بن عمران، الثقة الراوي عن الرضا
والجواد عليهما السلام
(5).

كلّهـم
(6) قليل الروايـة جـدّاً، والـذي كثـرت روايتـه مـن هؤلاء هـو
أبو جعفر محمّـد بن أحمد المذكور؛ ولنذكر بعض ما يدلّ على كونه بريئاً
ممّـا توهّم في هؤلاء.

روى الصدوق في توحيـده عن محمّـد بن الحسن بن الوليد، عن
محمّـد بـن يحيى العطّـار، عن محمّـد بـن أحمد بـن يحيى، عن محمّـد
ابـن عيسى، عن هشام بـن إبراهيـم، قـال: قال العبّـاسي: قلت لـه ـ يعني
____________
(1) رجال الكشّي: 333 رقم 608 و609.
(2) رجال الكشّي: 331 رقم 606.
(3) في المصدر زيادة: «قلت:».
(4) رجال الكشّي: 505 رقم 971.
(5) رجال الشيخ: 381 رقم 21، جامع الرواة 1|643.
(6) أي: عمران بن عبـد الله، وولده مرزبان، وسبطه عمران بن محمّـد.
( 203 )
أبا الحسن عليه السلام ـ: جعلت فداك، أمرني بعض مواليك أن أسألك عن مسألة.

قال: «ومن هو؟».

قلت: الحسن بن سهل.

قال: «في أيّ شيء المسألة؟».

قال: قلت: في التوحيد.

قال: «وأيّ شيء من التوحيد؟».

قال: يسألك عن الله جسم أو لا جسم؟

قال: فقال لي: «إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: مذهب إثبات
بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الاِثبات بتشبيه
لا يجـوز، ومذهب النفي لا يجـوز، والطريق فـي المذهب الثالث: إثبات
بلا تشبيه»
(1).

وروى عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمّـد بن أحمد بن
يحيـى، عن أبي عبـد الله الرازي، عن الحسن بـن الحسين اللؤلؤي، عن
ابن سنان، عن مهزم، قال: [قال أبو عبـد الله عليه السلام : «أخبرني عمّا اختلف
فيه مَن خلّفت من موالينا؟».

قال: قلت: في الجبر والتفويض.

قال: «فَسَلْني»]
(2).

قلت: أجْبَرَ الله العباد على المعاصي؟!

قال: «الله أقْهَرُ لهم من ذلك».

قال: قلت: ففوّض إليهم؟
____________
(1) التوحيد: 100 ح 10.
(2) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
( 204 )

قال: «الله أقْدَرُ عليهم من ذلك».

قال: قلت: فأي شيء هذا أصلحك الله؟

قال: فقلّب يده مرّتين أو ثلاثاً، ثمّ قال: «لو أجبتك فيه لكفرت»
(1).

وروى عن أبيه ومحمّـد بن الحسن بن الوليد، عن محمّـد بن يحيى
العطّار وأحمد بن إدريس جميعاً، عن محمّـد بن أحمد بن يحيى، عن
إبراهيم بن هاشم، عن علي بن معبـد، عن عمر بن أُذينة، عن زرارة، قال:
سمعت أبا عبـد الله عليه السلام يقول: «كما إنّ بادىَ النعم من الله عزّ وجلّ، وقد
نحلكموه، فكذلك الشرّ من أنفسكم، وإن جرى به قدره»
(2).

* ومن هؤلاء: عبـد العزيز بن المهتدي بن محمّـد بن عبـد العزيز
الاَشعري، الذي هو من خواصّ أصحاب الرضا والجواد عليهما السلام ، وكان وكيلاً
لهما، موثوقاً به، معتمداً عليه عندهما، معدّلاً عند كلّ علماء الرجال.

قال الفضل بن شاذان: ما رأيت قمّيّـاً يشبهه في زمانه
(3).

وقال الشيخ: خرج له توقيع بغفران الذنب
(4).

وروى الكشّي عن العيّاشي، عن علي بن محمّـد، عن أحمد بن
محمّـد، عن عبـد العزيز أو عن
(5) من رواه عنه، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال:
كتبت إليـه: إنّ لك معي شيئاً، فمُرني بأمرك فيه؛ إلى مَن أدفعه؟ فكتب
إليّ
(6)،: «قبضت ما في هذه الرقعة، والحمد لله، وغفر الله ذنبك، ورحمنا
____________
(1) التوحيد: 363 ح 11.
(2) التوحيد: 368 ح 6.
(3) رجال الكشّي: 506 رقم 974.
(4) انظر: الغيبة: 211.
(5) «عـن» ليست في المصدر.
(6) في المصدر: «إنّي».
( 205 )
وإيّاك، ورضى عنك برضاي عنك»
(1).

وقد روي بأسانيد معتبرة، أنّه كتب إلى الرضا عليه السلام : عمّن آخذ معالم
ديني؟ فكتب إليه: «خذ معالم دينك من يونس بن عبـد الرحمن»
(2).

ولا يخفى أنّه لم يكن مشبّهاً ولا مجبّراً، على أنّه لو كان هكذا كيف
جاز الاِرشاد إليه؟!

لكنّه أيضاً ليس كثير الرواية، فلا ضرورة إلى زيادة كلام فيه.

وكذا في سبطه محمّـد بن الحسين بن عبـد العزيز، وقد مرّ في
أخبار أحمد بن محمّـد بن عيسى ما هو من رواته.

* ومـن هؤلاء: أبـو القاسم سعـد بن عبـد الله بن أبي خلف
الاَشعري، الذي هو من أجلّة شيوخ أصحابنا القمّيّين وغيرهم، وقد صرّح
بتوثيقه، وفقاهته، وجلالة حاله، وصحّة إيمانه، كلّ أهل الرجال، وقيل:
لقي أبا محمّـد عليه السلام أيضاً.

وقد روى من كتبه أخباراً كثيرة كبار أصحابنا، ولنشِر إلى بعض ما
يؤيّد مطلبنا منها.

فمن ذلك: الخبر الثاني، والثالث، والخامس من الاَخبار التي رويناها
بوساطة أحمد بن محمّـد بن عيسى الاَشعري
(3).

ومـن ذلك: مـا رواه الصدوق في توحيـده، عن أبيه، عن سعد بن
عبـد الله، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّـد بن عيسى بن عبـد الله
الاَشعري، عمّن ذكره، قال: سئل أبو جعفر عليه السلام : أيجوز أن يقال: إنّ الله
____________
(1) رجال الكشّي: 506 رقم 976.
(2) رجال الكشّي: 483 رقم 910، وص 490 رقم 935، وص 491 رقم 938.
(3) راجع ص 193 وص 194 وص 195.
( 206 )
شيء؟

قال: «نعم، يخرجه من الحدّين: حدّ التعطيل، وحدّ التشبيه»
(1).

وما رواه أيضاً عن علي بن عبـد الله الورّاق، عن سعد بن عبـد الله،
عن إسماعيل بن سهل، عن عثمان بن عيسى، عن محمّـد بن عجلان،
قال: قلت لاَبي عبـد الله عليه السلام : فوَّضَ اللهُ الاَمرَ إلى العباد؟

فقال: «الله أكرَمُ من أن يفوّضَ إليهم».

قلت: فأجْبَرَ اللهُ العبادَ على أفعالهم؟

فقال: «اللهُ أعْدَلُ من أن يُجْبِرَ عبـداً على فعلٍ ثمّ يعذِّبَهُ عليه»
(2).

ومـا رواه عن أبيه، عن سعد بن عبـد الله، عن أحمد بن محمّـد بن
خالد، عن أبيه، عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن الرضا عليه السلام ، قال:
ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال: «ألا أُعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون
فيه، ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه؟!».

قلنا: إن رأيت ذلك.

فقال : «إنّ الله عزّ وجلّ لم يُطَعْ بإكراه ، ولم يُعْصَ بغلبة ، ولم يهمِل
العباد في ملكه ، هو المالك لِما ملّكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإن
ائتمر العباد [ بطاعته لم يكن الله عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا]
بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحِلْ فعلوه، فليس
هو الذي أدخلهم فيه»، ثمّ قال عليه السلام : «من يضبط حدود هذا الكلام فقد
خصم من خالفه»
(3).
____________
(1) التوحيد: 104 ح 1.
(2) التوحيد: 361 ح 6.
(3) التوحيد: 361 ح 7، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
( 207 )

ولقـد روى أصحابنا سيّمـا الصدوق والكليني بواسطته أخباراً متعدّدة
في هذا المعنى، اكتفينا نحن بمـا فيه الكفاية لمَن يطلب الهداية.

* ومن هؤلاء: أبو علي أحمد بن إدريس بن أحمد الاَشعري،
الذي وثّقه كلّ علماء الرجال، وصرّحوا بفقاهته، وعلمه، وصحّة أحاديثه،
وكثرتها، وهو شيخُ كثيرٍ من أصحابنا، وروي عنه أخبار كثيرة، وله كتب
معتبرة.

ولنذكر نبذاً ممّا يدلّ على حسن عقيدته، وكونه بريئاً ممّا نسب إلى
هؤلاء.

فمنها: الخبران الاَخيران ممّا مرّ في محمّـد بن أحمد بن يحيى
(1).

ومنها: ما رواه الصدوق في توحيده عن أبيه، عن أحمد بن إدريس،
عن محمّـد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن علي بن أبي حمزة،
قال: قلت لاَبي عبـد الله عليه السلام : سمعت هشام بن الحكـم يروي عنكـم: إنّ
الله عزّ وجلّ جسم، صمدي، نوري، معرفته ضرورة يَمُنّ بها على مَن
يشاء من خلقه.

فقال عليه السلام : «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلاّ هو، ليس كمثله
شـيء وهـو السميـع البصير، لا يُحـدّ، ولا يُحسّ، ولا يُجسّ، ولا يُمسّ،
لا تدركه الحواسّ ولا يحيط به شيء، لا جسم، ولا صورة، ولا تخطيط،
ولا تحديد»
(2).

وما رواه عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه ـ أحمد ـ، عن
أبـي سعيـد الآدمـي، عـن بشـر بـن بشّـار النيشابـوري، قـال: كتبت إلـى
____________
(1) راجع ص 203 وص 204.
(2) التوحيد: 98 ح 4.
( 208 )
أبـي الحسن عليه السلام : أنّ من قبلنا قد اختلفوا في التوحيد، منهم من يقول:
جسم، ومنهم من يقول: صورة.

فكتب عليه السلام : «سبحان من لا يُحدّ، ولا يُوصف، ولا يشبهه شيء،
وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير»
(1).

والاَخبار المروية عنه في هذا الباب كثيرة موجودة في الكافي وغيره،
وقد مرّ في ما ذكرنا آنفاً ما يدلّ على حسن عقيدة ابنه أيضاً، وهو:

أبو عبـد الله الحسين بن أحمـد بن إدريس، الذي هو شيخ
الصدوق، وما ذكره إلاّ مقروناً بالرحمة والرضوان، وقد ذكر في توحيـده
أخباراً بواسطته دالّة على حسن عقيدته، تركناها مخافة الاِطناب، مع كونه
قليل الرواية.

ثـمّ مـن هؤلاء الاَشاعرة جماعة كثيرة صرّح علماء الرجال بتوثيقهـم
أو مدحهم وحسن عقيدتهم، وربّما يظهر ذلك من بعض رواياتهم في نفي
الجبر والتشبيه أيضاً، لكن تركنا ذكرهم مفصّلاً لِما مرّ، وكفاية ما ذكر وعدم
كونهم لما نحن فيه بمثابة ما زبر، ولنذكر بعضهم مجملاً:

فمنهم: أبو قتادة علي بن محمّـد بن حفص الاَشعري، الذي وثّقه
أهل الرجال كلّهم، وقالوا: روى عن الصادق عليه السلام ، وعمّر حتّى روى عنه
أحمد بن محمّـد بن عيسى
(2).

ومنهم: أبو علي الريّان بن الصلت الاَشعري، الخراساني الاَصل،
البغدادي، القمّي، الذي صرّح أهل الرجال بكونه ثقة صدوقاً، روى عن
____________
(1) التوحيد: 101 ح 13.
(2) رجال النجاشي: 272 رقم 713؛ ورواية أحمد بن محمّـد بن عيسى عنه في
التهذيب 5|202 ح 673، والاستبصار 2|264 ح 930.
( 209 )
الرضا عليه السلام ، وقال فيه: «إنّ المؤمن موفّق»
(1) وأذِن له في الدخول عليه،
وأعطاه من ثيابـه ودراهمـه ابتداءً منـه عليه السلام ، وقد كان الريّان تمنّى ذلك.

وكذا كان ابناه علي ومحمّـد، من الثقات، والرواة عظيمي الشأن.

قيل: كان علي وكيلاً لاَبي محمّـد عليه السلام
(2).

ومنهم: حمزة بن يعلى الاَشعري، أبو علي القمّي، الثقة عند كلّ
علماء الرجال، وروى عن الرضا والجواد عليهما السلام
(3).

ومنهم: أحمد بن عبد الله بن عيسى بن مصقلة بن سعد الاَشعري،
الذي له نسخة عن الجواد عليه السلام ، ووثّقه كلّ أهل الرجال
(4).

ومنهم: أبو جعفر محمّد بن علي بن محبوب الاَشعري، المشهور،
الذي روى عنه أكابر القمّيّين، وصرّح علماء الرجال بكونه: ثقة، عيناً،
فقيهاً، صحيح المذهب
(5).

وقد مـرّ في أحمد بن محمّـد بن عيسى ما يدلّ على حسن حاله
أيضاً
(6).

ومنهم: أبو عبـد الله الحسين بن محمّـد بن عامر بن عمران بن
أبي عمير الاَشعري، الذي وثّقه كلّ أهل الرجال، وله كتاب
(7)، روى عنه
____________
(1) رجال الكشّي: 546 رقم 1035 وص 547 رقم 1036.
(2)الخلاصة ـ القسم الاَوّل ـ: 99 رقم 37، رجال ابن داود: 138 رقم 1051،
التحرير الطاووسي: 380.
(3) رجال النجاشي: 141 رقم 366.
(4) رجال النجاشي: 101 رقم 252.
(5) رجال النجاشي: 349 رقم 940.
(6) راجع ص 195.
(7) رجال النجاشي: 66 رقم 156، وانظر: معجم رجال الحديث 7|83.
( 210 )
الكليني بلا واسطة كثيراً، وقد ينسب إلى جدّه أيضاً، فيقال: حسين بن
محمّـد بن عمران.

وقد روى الصدوق في التوحيد عنه خبراً في ردّ الجبر والتفويض
(1).

وروايات الكليني في هذا الباب أيضاً موجودة.

وهـو يروي عن عمّـه الذي كان مـن وجوه أهل قـم وثقاتهم؛ أعني:
عبـدالله بن عامر.

هذا مجمل أحوال هؤلاء، ولو حاول أحد ذكر جميع ما ورد فيهم
وتتبّع غيرهم أيضاً ممّن انتسب إلى هؤلاء لطال الكلام، وزاد عن إفادة
المرام، فلنختم بذلك في هذا المقام.
*
*
*
____________
(1) التوحيد: 362 ح 10.