صلةقبل


الفصل الرابع

ذكر ابن تيميّة في الجواب عن استدلال العلاّمة الحلّي بهذه الآية أحد عشر وجهاً.
قال العلاّمة: «البرهان الخامس والثلاثون: قوله تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين). أوجب الله علينا الكون مع المعلوم منهم الصدق، وليس إلاّ المعصوم، لتجويز الكذب في غيره، فيكون هو عليّاً، إذ لا معصوم من الاَربعة سواه، وفي حديث أبي نعيم عن ابن عبّاس أنّها نزلت في عليّ».
نعم، أجاب ابن تيميّة بأحد عشر وجهاً، لكنّ ما ذكره إمّا دعوى بلا دليل، وإمّا مصادرة، وإمّا تطويل بلا طائل، وإليك تلك الوجوه مع التلخيص لاَلفاظه:
1 ـ أبو بكر قد ثبت أنّه صدّيق بالاَدلّة الكثيرة، فيجب أن تتناوله الآية قطعاً، وأن نكون معه، وإذا كنّا معه مقرّين بخلافته، امتنع أن نقرّ بأنّ عليّاً هو الاِمام دونه.
2 ـ إن كان عليّ صدّيقاً فعمر وعثمان أيضاً صدّيقون.
3 ـ هذه الآية نزلت في كعب بن مالك.
4 ـ هذه الآية نزلت في هذه القصّة، ولم يكن أحد يقال إنّه معصوم، لا عليّ ولا غيره، فعلم أنّ الله أراد مع الصادقين ولم يشترط كونه معصوماً.
5 ـ إنّه قال: (مع الصادقين) وهذه صيغة جمع، وعليّ واحد، فلا يكون هو المراد وحده.
6 ـ إنّ قوله: (مع الصادقين) إمّا أن يراد: كونوا معهم في الصدق
( 23 )
وتوابعه، فاصدقوا كما يصدق الصادقون ولا تكونوا مع الكاذبين، كما في قوله: (واركعوا مع الراكعين).
وإمّا أن يراد به: كونوا مع الصادقين في كلّ شيء وإنْ لم يتعلّق بالصدق.
والثاني باطل.
فإذا كان الاَوّل هو الصحيح، فليس هذا أمراً بالكون مع شخصٍ معيّن، بل المقصود: اصدقوا ولا تكذبوا.
7 ـ إذا أُريد: كونوا مع الصادقين مطلقاً، فذلك لاَنّ الصدق مستلزم لسائر البرّ، فهذا وصف ثابت لكلّ من اتّصف به.
8 ـ إنّ الله أمرنا أن نكون مع الصادقين، ولم يقل مع المعلوم فيهم الصدق، ولسنا مكلّفين في ذلك بعلم الغيب.
9 ـ هب أنّ المراد: مع المعلوم فيهم الصدق، لكنّ العلم كالعلم في قوله: (فإن علمتموهنّ مؤمنات) والاِيمان أخفى من الصدق، فإذا كان العلم المشروط هناك يمتنع أن يقال فيه ليس إلاّ العلم بالمعصوم، كذلك هنا يمتنع أن يقال: لا يعلم إلاّ صدق المعصوم.
10 ـ هب أنّ المراد علمنا صدقه، لكن يقال: إنّ أبا بكر وعمر وعثمان ونحوهم ممّن علم صدقهم، وإنّهم لا يتعمّدون الكذب، وإنْ جاز عليهم الخطأ أو بعض الذنوب، فإنّ الكذب أعظم.
11 ـ إنّه لو قدّر أنّ المراد به المعصوم، لا نسلّم الاِجماع على انتفاء العصمة عن غير عليّ، فإنّ كثيراً من الناس الّذين هم خير من الرافضة يدّعون في شيوخهم هذا المعنى وإنْ غيّروا عبارته.
فاقرأ وتأمّل!!

( 24 )
لقد بيّنا ـ في الفصل السابق ـ كيفيّة الاستدلال بالآية على العصمة فالاِمامة، ولا شيء من هذه الوجوه يصلح لاَن يكون جواباً عنه:
أمّا الوجهان: الاَوّل والثاني، فمصادرة
وأمّا الوجهان: الثالث والرابع، فلا فائدة فيهما، لاَنّ سبب النزول غير مخصّص، إن كانت الآية متعلّقة بقضية كعب بن مالك.
وأمّا الوجهان: السادس والسابع، فتغافل عن الاَحاديث الواردة في ذيل الآية، المفسّرة لها، والمبيّنة للمراد من (الصادقين) فيها... ومن الواضح أنّ الاِستدلال بالآية إنّما هو بالنظر إلى تلك الاَحاديث.
وأمّا الوجهان: الثامن والتاسع، فتجاهل لوجه الاستدلال بالآية، فإنّ الاَمر بالكون مع شخصٍ أو أشخاص على الاِطلاق، لا يجوز إلاّ مع ثبوت عصمة الشخص أو الاَشخاص، لاَنّ المراد من (كونوا مع...) هو الاتّباع والاِطاعة والانقياد المطلق.
وعلى هذا، فالّذين ثبتت عصمتهم بالاَدلّة القطعيّة من الكتاب والسُنّة هم رسول الله وأهل بيته الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وأمّا الوجه العاشر، فمصادرة.
وأمّا الوجه الحادي عشر، فخروج عن الاِجماع، ودعوى أنّ كثيراً من الناس يدّعون في شيوخهم هذا المعنى، واضحة الفساد، ولو كان هناك من يدّعي ذلك، فدعواه مردودة عند الكلّ.
وعلى الجملة، فإنّا لم نجد في هذه الوجوه مناقشةً علميّة للاستدلال، ولا جواباً عن الاَحاديث الواردة في ذيل الآية المباركة، اللّهمّ إلاّ ما جاء في الوجه الخامس:
«إنّه قال (مع الصادقين) وهذه صيغة جمع، وعليّ واحد، فلا
( 25 )
يكون المراد وحده»

فنقول:
أوّلاً: الموارد التي جاءت الآية المباركة فيها بصيغة الجمع والمراد شخص واحد، كثيرة في القرآن الكريم، وسنفصّل الكلام في ذلك عند الكلام على بعض الآيات الآتية.
وثانياً: إذا لم يكن المراد عليّ عليه السلام وحده، فالذي يكون مراداً معه في الآية هو مثله في العصمة، فلذا ورد في بعض الاَحاديث: «محمّد وعليّ» وفي بعضها الآخر: «محمّد وأهل بيته» وحينئذٍ تكون الآية دالّةً على إمامة سائر الاَئمّة أيضاً، ولا ارتباط بينها وبين غيرهم مطلقاً.
هذا موجز الكلام على ما أتى به ابن تيميّة في هذا المقام، وأغلب الظنّ أنّ المتقوّل أيضاً يعلم بعدم الجدوى فيه، فلم يَرَ الاِطالة واكتفى بالاِحالة!
وبعد، فإنّ الاِطناب في الجواب، بتكثير الوجوه، وتصوير الشقوق، بما هو خارجٌ عن البحث، أو مصادرة بالمطلوب، أو اجتهاد في مقابل النصوص، تضييع للوقت، وتضليل للناس...
إنّ علماء الاِماميّة الاثني عشرية لا يخرجون في استدلالاتهم عن حدود الكتاب والسُنّة المعتمدة ودلالة العقل السليم...
وهنا، الاستدلال قائم بالآية المباركة، وبالاَحاديث الواردة في كتب الفريقين في تفسيرها، أمّا الآية فلا ينكرها لا ابن تيميّة ولا غيره، وأمّا الاَحاديث فتلك موجودة في كتب القوم.
فهل بالاِمكان إنكار وجودها فيها؟! أو نفي كون رواتها من أهل
( 26 )
السُنّة؟! أو نفي كون أصحاب تلك الكتب من حفّاظ الحديث؟!
وعلى الجملة، ليس الاستدلال إلاّ بالكتاب والسُنّة، فما هو الجواب عنه؟! وأيّ فائدة في الانتقال من محلّ البحث إلى قضايا أُخرى؟!
إنّ هذه الاَساليب من ابن تيميّة لتذكّرنا قول صفيّ الدين الهندي له، لمّا عُقِدَ مجلسٌ لمناظرته، فقال لابن تيميّة في أثناء البحث:
«أنت مثل العصفور، تنطّ من هنا إلى هنا، ومن هنا إلى هنا»!(1) وكذلك ابن روزبهان، إلاّ أنّه أهون من ابن تيميّة في بعض الاَحيان! فإنّه لم يذكر من الوجوه الاَحد عشر!! إلاّ نزول الآية في قضية كعب، ثمّ قال:
«وإنّ صحّ دلّ على الفضيلة، لا على النصّ»(2).
فهذا ما ذكره ابن روزبهان، وقد عرفت الجواب عنه، فإنّ الحديث مشهور مستفيض وبعض أسانيده صحيحة، وإنّ الآية المباركة بضميمة الاَحاديث الواردة في تفسيرها دالّة على عصمة أمير المؤمنين عليه السلام، فهي دالّة على إمامته بعد رسول الله الصادق الاَمين، فأين الجواب؟!

* * *

____________
(1) الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر العسقلاني 4|15 ترجمة صفيّ الدين الهندي، المتوفّى سنة 715.
(2) إبطال الباطل، في الردّ على «نهج الحقّ» للعلاّمة الحلّي، مطبوع مع «إحقاق الحق» ومع «دلائل الصدق» في الردّ عليه.

( 27 )
قولـه تعالـى: (وأنّ هـذا صراطـي مستقيمـاً فاتّبعـوه ولا تتّبعوا السُبل فتفرّق بكم عن سبيله)(1).

قال السيّد رحمه الله:
«وصراط الله الذي قال: (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه) وسبيله الذي قال: (ولا تتبّعوا السُبُل فتفرّق بكم عن سبيله)».

فقال في الهامش:
«كان الباقر والصّادق يقولان: الصراط المستقيم هنا هو الاِمام، ولا تتّبعوا السُبل، أي: أئمّة الضلال، فتفرّق بكم عن سبيله، ونحن سبيله».

فقيل:
«من أين الدليل على أنّ قول الباقر والصادق هنا صحيح؟ وأهل السُنّة والجماعة يعتقدون أنّ هذا من الكذب على الباقر والصادق رضي الله عنهما، وحبّذا لو ذكر المؤلّف سند هذه الرواية، لكنّه يعلم أنّها غير مقبولة، فلعلّه أسقطها، أو أنّ الكلام مجرّد تفسير بالهوى منسوب زوراً للباقر والصادق».

أقول:
إنّه لا يطعن في إمامٍ من أئمّة أهل البيت عليهم السلام إلاّ أهل النفاق أعداء الدين ورسول ربّ العالمين...

____________
(1) سورة الاَنعام 6: 153.

( 28 )
وأمّا أنّ «أهل السُنّة والجماعة يعتقدون أنّ هذا من الكذب على الباقر والصّادق» فكذب على «أهل السُنّة والجماعة»، اللّهمّ إلاّ أهل سُنّة بني أُميّة وجماعة الظالمين لاَهل بيت الرسالة، فإنّ أُولئك «جماعة» لا يجتمع في قلوبهم حبّ آل محمّد مع «السُنّة» الاَُمويّة، وتسنّنهم بها، فضلاً عن أنّ يرووا فضائلهم ومناقبهم!
وأمّا هذه الرواية، فلها أسانيد لا سند واحد، يجدها من راجع كتب التفسير للشيخ علي بن إبراهيم القمّي، وللشيخ فرات الكوفي، وللشيخ العيّاشي، وغيرها من تفاسير قدماء الاِماميّة ومتأخّريهم، وهي أيضاً في كتب الفضائل والمناقب كبصائر الدرجات للصفّار القمّي، وفي شرح الآيات الباهرة في ما نزل في العترة الطاهرة.
ولماذا لا تكون هذه الرواية مقبولة؟!
أليس أهل البيت السبيل إلى الله؟
أليس من تمسّك بهم نجا ومن تخلّف عنهم هوى؟! كما دلّت على ذلك الاَحاديث الصحيحة المقبولة، كحديث «إنّي تارك فيكم الثقلين..» وحديث: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح..» وحديث: «من سرّه أن يحيا حياتي...» هذه الاَحاديث التي تقدَّم البحث عنها بالتفصيل في بحوثنا السابقة.
وإنّ لهذه الرواية المعتبرة المرويّة عن الاِمامين الباقر والصادق عليهما السلام، شواهد كثيرة جدّاً، اتّفق الاِماميّة وأهل السُنّة على روايتها، ولا يكذّب بها إلاّ المغرضون، الّذين في قلوبهم مرض فهم لا يهتدون!
إنّ من الاَحاديث الآمرة باتّباع سبيل عليّ وأهل البيت عليهم السلام، الناهية عن اتّباع سبيل غيرهم كما هو مضمون الرواية عن الاِمامين
( 29 )
عليهما السلام:
* قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعمّار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ في حديثٍ: «يا عمّار، إنْ رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع عليّ، فإنّة لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى»(1).
* قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، فإنّه أوّل من يراني، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الاَكبر، وهو فاروق هذه الاَُمّة، يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين»(2).
وكما أمر صلّى الله عليه وآله وسلّم بلزوم أهل بيته وسلوك مسلكهم واتّباعهم، كذلك نهى عن مفارقتهم، من ذلك:
* قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «يا عليّ، من فارقني فقد فارق الله، ومن فارقك ـ يا عليّ ـ فقد فارقني»(3).
هذا، وسيوافيك المزيد من الاَحاديث المعتبرة في هذا المعنى في بحوثنا الآتية، فانتظر.

____________
(1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 13|186، وابن عساكر ـ بترجمة أمير المؤمنين ـ من تاريخ دمشق 3|170، والمتّقي الهندي في كنز العمال 12|212 حيدرآباد.
(2) أخرجه ابن عبد البرّ في الاستيعاب ـ ط هامش الاصابة ـ 4|169، وابن الاَثير في أُسد الغابة 5|287.
(3) أخرجه الحاكم وصحّحه 3|123، والهيثمي في مجمع الزوائد 9|135 وقال: رجاله ثقات، ورواه غيرهما.

( 30 )
قولـه تعالـى: (يـا أيّها الّذين آمنـوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الاَمـر منكـم)(1).

قال السيّد:
«وأُولي الاَمر الّذين قال: (يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الاَمر منكم)».

فقال في الهامش:
«أخرج ثقة الاِسلام محمّد بن يعقوب، بسنده الصحيح، عن بريد العجلي، قال: سألت أبا جعفر [ محمّد الباقر] عليه السلام عن قوله عزّ وجلّ: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الاَمر منكم).
فكان جوابه: (ألم تَرَ إلى الّذين أُوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للّذين كفروا هؤلاء أهدى من الّذين آمنوا سبيلاً) يقولون لاَئمّة الضلال والدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمّد سبيلاً (أُولئك الّذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً* أم لهم نصيب من الملك) يعني الاِمامة والخلافة (فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً* أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) ونحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الاِمامة دون خلقه (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً) يقول: جعلنا منهم الرسل
____________
(1) سورة النساء 4: 59.

( 31 )
والاَنبياء والملائكة فكيف يقرّون به في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمّـد (فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه وكفى بجهنّم سعيراً).

فقيل:
«لماذا تجهيل (الكليني) بذكر صدر اسمه فقط؟ ثمّ إنّ كونه (ثقة الاِسلام) ليس إلاّ من قبيل الدعوى، وعند الشيعة فقط وغير ملزم لغيرهم، ثمّ أين صحّة السند يا ترى؟».

أقول:
أمّا دعوى «تجهيل» الكليني، فجهل، فإنّ الاِماميّة متى أرادوا الرواية عنه يقولون «محمّد بن يعقوب»، فدونك كتاب وسائل الشيعة للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي وأمثاله من كتب الحديث الشيعيّة... وحتّى في كتب غيرهم أيضاً، كما سنرى في عبارة ابن الاَثير.
إنّ هذا الشيخ العظيم اسمه «محمّد بن يعقوب» وهو من أهل الريّ، وينتسب إلى «كلين» قرية من قراها، وكتابه الكافي من أجلّ الكتب الحديثية عند الاِماميّة، ويلقّب عندهم بـ «ثقة الاِسلام» لجلالة قدره بين المسلمين، التي اعترف بها غير الاِمامية، ولذا عدّ من مجدّدي الدين.
قال ابن الاَثير بشرح حديث: «إنّ الله سيبعث لهذه الاَُمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها» بعد كلامٍ له: «فالاَحرى والاَجدر: أنْ يكون ذلك إشارةً إلى حدوث جماعةٍ من الاَكابر المشهورين على رأس كلّ مائة سنة، يجدّدون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلّدوا فيها مجتهديهم وأئمّتهم. ونحن نذكر الآن المذاهب المشهورة في الاِسلام التي
( 32 )
عليها مدار المسلمين في أقطار الاَرض، وهي مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد ومذهب الاِمامية، ومن كان المشار إليه من هؤلاء على رأس كلّ مائة سنة، وكذلك من كان المشار إليه من باقي الطبقات».. فقال: «وأمّا من كان على رأس المائة الثالثة... وأبو جعفر محمّد بن يعقوب الرازي من الاِمامية» (1).
وحتّى الذهبي ـ على تعنّته ـ أورده في أعلام النبلاء مع وصفه بـ «شيخ الشيعة وعالم الاِمامية صاحب التصانيف» ولم يصدر منه بحقّه أي تجريح(2).
وأمّا سند الرواية فصحيح، فقد أخرجها محمّد بن يعقوب الكليني بالسند التالي:
«الحسين بن محمّد بن عامر الاَشعري، عن معلّى بن محمّد، قال: حدّثني الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن أُذينة، عن بريد العجلي، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام...»(3).
وعلماء الاِمامية لا يعُدّون الحديث صحيحاً ما لم يثقوا بصدق جميع رجال إسناده.
وإنّما أورد السيّد هذه الرواية ـ مع وجود نظائر وشواهد لها في كتب الفريقين ـ لصحّة سندها يقيناً، ولاشتمالها على فوائد أُخرى... وهي عن الاِمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام.
وقد استدلّ العلاّمة الحلّي بهذه الآية على إمامة أمير المؤمنين
____________
(1) جامع الاَُصول 12|220 ـ 222.
(2) سير أعلام النبلاء 15|280.
(3) الكافي 1|205.

( 33 )
عليه السلام، في جملة الآيات، حيث قال: «الثامنة والستّون: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الاَمر منكم). كان عليّ عليه السلام منهم»(1).
وهل من شكٍّ في أنّ عليّاً عليه السلام من أُولي الاَمر، حتّى يحتاج إلى دليل؟!
ومن هنا لم يناقشه ابن روزبهان في ردّه، إلاّ أنّه قال: «هذا يشمل سائر الخلفاء، فإنّ كلّهم كانوا أُولي الاَمر، ولا دليل على مدّعاه».
إذن، لا كلام في أنّ عليّاً عليه السلام من أُولي الاَمر، فتجب طاعته، وإنّما الكلام في شمول الآية لغيره، ممّن تولّى الاَمر بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. فالجمهور على وجوب طاعة أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، ويزيد، والسفّاح، والمتوكّل، و... إلى يومنا هذا؛ لكونهم ولاة الاَمر!! والاِماميّة ينكرون شمول الآية المباركة إلاّ لعليٍّ والائمّة عليهم السلام من بعده!
والعمدة أنّ الآية المباركة تدلُّ على العصمة، وهذا ما اعترف به إمام القوم الفخر الرازي، في تفسيره الكبير(2)، لكنّه وقع في حيص بيص...
أمّا عصمة أئمّتهم منذ اليوم الاَوّل، وحتّى الآن، فمنتفية...
وأمّا كون المراد خصوص أئمّة أهل البيت المعصومين... فتأبى نفسه الاعتراف به...
فلجأ إلى إحداث قول ثالث، وهو كون المراد عصمة الاَُمّة!!
إنّ الآية المباركة تخاطب الاَُمّة بإطاعة (أُولي الاَمر) منها ووجوبها
____________
(1) نهج الحق وكشف الصدق: 203 ـ 204.
(2) التفسير الكبير 10|144 ـ 146.

( 34 )
عليهم، كإطاعة الله ورسوله، فهناك «أُمّة» و «أُولوا الاَمر» منها، وتلك مطيعة وهؤلاء مطاعون... فكيف يحمل «أُولوا الاَمر» فيها على «الاَُمّة» يا منصفون؟!
لقد وقع الاِمام في ضيق ليس له منه خلاص، بعد أنْ لم يكن له من الاعتراف بدلالة الآية على العصمة مناص...
يقول: «حمل الآية على الاَئمّة المعصومين على ما تقوله الروافض، في غاية البعد» ولماذا؟
فيذكر وجوهاً لو نظرت إليها لضحكت!! أوّلها وعمدتها:
«إنّ طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق».
نقول ـ مضافاً إلى ماتقدّم في آية الصادقين ـ: نعم طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، لكنْ أيّ مانعٍ منع الاَُمّة من معرفتهم والوصول إليهم، حتّى تكون طاعتهم قبل معرفتهم تكليف ما لا يطاق؟!
وهل كان المنع أو المانع من الاَئمّة المعصومين أنفسهم أو من غيرهم؟!
ومتى أرادت الاَُمّة الوصول إليهم فلم يمكنهم ذلك؟!
هذا بالنسبة إلى سائر الاَئمّة المعصومين... أمّا بالنسبة إلى خصوص أمير المؤمنين... فقد عرّفه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منذ يوم الدار... وحتّى يوم الغدير، وعرفه القوم، حتّى بايعوه كلّهم عن رغبةٍ في ذلك اليوم!!
إنّ هذه التكلّفات ـ في الآية ونحوها ـ لا تنفع إمام الاَشاعرة، عند الحساب في الآخرة وهذه التمحّلات لا تخلّص أحداً من الاَكابر ولا
( 35 )
الاَصاغر،(يوم تبلى السرائر* فما له من قوّة ولا ناصر)(1)، والله يحكم بيننا وبينهم بالعدل وهو خير الحاكمين.

* * *

____________
(1) سورة الطارق 86: 9 ـ 10.

( 36 )

قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذِكر إنْ كنتم لا تعلمون)(1).

قال السيّد رحمه الله:
«وأهل الذكر الّذين قال: (فاسألوا أهل الذِكر إنْ كنتم لا تعلمون)».

فقال في الهامش:
«أخرج الثعلبي في معنى هذه الآية من تفسيره الكبير عن جابر، قال: لمّا نزلت هذه الآية قال عليّ: نحن أهل الذِكر. وهذا هو المأثور عن سائر أئمّة الهدى، وقد أخرج العلاّمة البحريني في الباب 35 نيّفاً وعشرين حديثاً صحيحاً في هذا المضمون».

فقيل:
«حينما نزلت هذه الآية في هذه السورة لم يكن عليّ رضي الله عنه قد تزوّج بعد، فهذه السورة مكّية بالاتّفاق، فكيف يقول عليّ: نحن أهل الذِكر؟!
وهذا الذي أخرجه الثعلبي في معنى هذه الآية لا يصحّ، وليس مجرّد روايته له في تفسيره يعتبر دليلاً، بل لا بُدّ من صحّة النقل.

____________
(1) سورة النحل 16: 43، سورة الاَنبياء 21: 7.

( 37 )
أمّا ما أخرجه البحريني وأشار إليه المؤلّف دون تفصيل، فإنّه ليس بحجّةٍ علينا.
وعلى كلّ حال، فإنّ المقصود بأهل الذِكر هم أهل العلم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف من الاَُمم السابقة، التي أُرسل إليها الاَنبياء، وسؤالهم عن حقيقة هؤلاء الاَنبياء، هل كانوا بشراً أم ملائكة؟».

أقول:
أوّلاً: لم يكن القائل «نحن أهل الذِكر» خصوص أمير المؤمنين عليه السلام فقط، بل قاله غيره من أئمّة أهل البيت عليهم السلام. كما لم يكن الراوي هو الثعلبي فقط، فقد رواه غيره من أئمّة التفسير عند أهل السُنّة أيضاً.
روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن يوسف بن موسى القطّان، عن وكيع، عن سفيان، عن السدّي، عن الحارث، قال: سألت عليّاً عن هذه الآية (فاسألوا أهل الذِكر) فقال: والله إنّا لنحن أهل الذِكر، نحن أهل العلم، ونحن معدن التأويل والتنزيل، ولقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم يقول: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه»(1).
وقال القرطبي: «قال جابر الجعفي: لمّا نزلت هذه الآية قال عليّ رضي الله عنه: نحن أهل الذِكر»(2).
وقال أبو جعفر الطبري: «حدّثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن
____________
(1) شواهد التنزيل 1|432.
(2) تفسير القرطبي 11|272.

( 38 )
إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر: (فاسألوا أهل الذِكر إنْ كنتم لا تعلمون) قال: نحن أهل الذكِر(1).
ورواه الحاكم الحسكاني بإسناده عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر...
وبأسانيد أُخرى، عن ابن يمان، به...(2) وبأسانيد أُخرى، عن الاِمام أبي جعفر محمّد بن عليّ، فيها غير واحدٍ من الحفّاظ وثقات المحدّثين... وجاء في واحد منها قوله: «هم الاَئمّة من عترة رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم. وتلا: (قد أنزل الله إليكم ذِكراً* رسولاً يتلوا عليكم آيات الله)(3).
وبعد، فإليك كلام ابن كثير ـ الذي يعتمد عليه أتباع مدرسة ابن تيميّة في التفسير والتاريخ ـ في هذا المقام، فإنّه قال بتفسير الآية من سورة النحل:
«... قول أبـي جعفـر الباقـر: نحن أهـل الذِكـر ـ ومـراده أنّ هذه الاَُمّة أهل الذِكر ـ صحيح، فإنّ هذه الاَُمّة أعلم من جميع الاَُمم السالفة، وعلماء أهل بيت رسول الله ـ عليهم السلام والرحمة ـ من خير العلماء، إذا كانوا على السُنّة المستقيمة، كعليّ وابن عبّاس، وابنَي عليّ الحسن والحسين، ومحمّد بن الحنفية، وعليّ بن الحسين زين العابدين، وعليّ بن عبـد الله بن عبّاس، وأبي جعفر الباقر وهو محمّد بن عليّ بن الحسين،
____________
(1) تفسير الطبري 14|75.
(2) شواهد التنزيل 1|434 ـ 435.
(3) شواهد التنزيل 1|437.

( 39 )
وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم...»(1).
وعلى الجملة، فقد ثبت كثرة الطرق إلى قول أمير المؤمنين وغيره من أئمّة أهل البيت في هذه الآية المباركة، وصحّة الحديث في ذلك، وإنْ جاز لنا الاحتجاج برواية الثعلبي وحده في مثل هذه المواضع.
وثانياً: قد ظهر ممّا تقدّم أن ليس «المقصود بأهل الذِكر هم أهل العلم كاليهود والنصارى...» كما زعم هذا المدّعي، ويؤيّد ذلك قول بعض المفسّرين بأنّ المقصود من «الذِكر» هو «القرآن» وأنّ «أهل الذِكر» هم «أهل القرآن»، أو أنّ المراد: «إسألوا كلّ من يذكر بعلمٍ وتحقيق»(2).
وقد أصرّ الآلوسي على أنّ المراد خصوص «أهل القرآن»(3).
وإلى هنا تمّ البحث عن سند الحديث، وظهر صحّته، وسقط اعتراض المعترض، والحمد لله.
هذا، وإذا زالت الشبهة عن السند لزم الاِقرار بصحّة الاستدلال، لدلالة الآية المباركة بكلّ وضوح على تقدّم أهل البيت عليهم السلام على غيرهم في العلم والفضيلة، فتكون الاِمامة فيهم، لقبح تقدّم المفضول على الفاضل عقلاً، وللنهي عن تقدّم غيرهم عليهم شرعاً، كما في كثير من الاَحاديث المعتبرة، بل في بعضها تعليل النهي عن التقدّم عليهم بكونهم أعلم، كقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في ما أخرجه الطبراني وغيره من ألفاظ حديث الثقلين: الكتاب وأهل البيت (عليهم السلام) : «فلا تقدّموهما فتهلكوا،
____________
(1) تفسير القرآن العظيم 2|493.
(2) تفسير السراج المنير 2|232 و 497، تفسير الخازن 3|116 و 155، تفسير القرطبي 10|108 و 11|272.
(3) روح المعاني 14|147.

( 40 )
ولا تعلّموهمـا فإنّهمـا أعلـم منكـم»(1) بنـاءً علـى رجـوع العلّـة إلـى كلتـا الجملتيـن.
بل إنّ الآية الكريمة بمعونة الاَحاديث المذكورة تدلّ على عصمتهم، فأمْرُ الله سبحانـه بسؤالهـم مطلق، وهو يستلزم وجوب القبول منهـم وإطاعتهم وترتيب الاَثـر على قولهـم فـي كـلّ شيء ـ وإلاّ لـزم لغويـة الاَمـر المطلق بسؤالهم ـ ولا معنى للعصمة إلاّ هذا... وإذا ثبتت عصمتهم ثبتت إمامتهم.

* * *



____________
(1) المعجم الكبير 3|65 ح 2681.

( 41 )

قولـه تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم)(1).

قال السيّد:
«والمؤمنين الّذين قال: (ومن يشاقق الرّسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم)».

فقال في الهامش:
«أخرج ابن مردويه في تفسير الآية: إنّ المراد بمشاققة الرسول هنا إنّما هي المشاقّة في شأن عليّ، وأنّ الهدى في قوله: (من بعد ما تبيّن له الهدى) إنّما هو شأنه عليه السلام.
وأخرج العيّاشي في تفسيره نحوه.
والصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة في أنّ سبيل المؤمنين إنّما هو سبيلهم عليهم السلام».

فقيل:
«يكفي للدلالة على فساد هذا المعنى أن يكون العيّاشي قد أخرج في تفسيره نحوه».

____________
(1) سورة النساء 4: 115.

( 42 )
أقول:
ومثل الآية المذكورة قوله تعالى: (إنّ الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشاقّوا الرسول من بعد ما تبيّن لهم الهدى لن يضروّا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم)(1).
هذا، ويكفينا أنّ المدّعي لم ينكر رواية ابن مردويه، وابن مردويه تفسيره خالٍ عن الموضوعات كما نصّ عليه ابن تيميّة(2)... فلا نطيل...
وأمّا «العيّاشي» فهو: محمّد بن مسعود السلمي السمرقندي، المتوفّى سنة 320، له تفسير معروف باسمه، وهو مطبوع، فيه كثير من حقائق معاني الآيات عن أئمّة أهل البيت عليهم أفضل التحيّات.
وأمّا دلالة الآية فواضحة لا تحتاج إلى بيان.

____________
(1) سورة محمد 47: 32 .
(2) منهاج السنة : 7 | 12.