|
أهل البيت عليهم السلام في بعض شعر الشريف الرضي |
الدكتور حمودي
ها نحن اولاء في أفياء دوحة العلياء ، نفيء إليها ولانسامتها ، وهل
تسامت قاماتنا دوحة تضرب أطنابها في أعماق نهج البلاغة ، وتشارف أغصانها قرص
الشمس ؟ وهل لنا أن ندرك شأو شريف الشعراء ، ورضي الادباء ؟ من جده ـ صلى الله عليه
وآله ـ أفصح العرب ومنها قريش ، ومن جده الادنى أميرالمؤمنين عليه السلام ، صاحب
السيف والنهج وكعبة عشاق الفصاحة ؟
ليس لنا ـ والله ـ إلا ثمالة من كأس ، وقطرة من
بحر فرات لذة للشاربين ، ليس لنا ـ والله ـ إلا ذلك النزر اليسير ، لاننا ظلمنا الشريف الرضي
حيا وميتا ، حتى رددت جنبات شعره صدى ألمه ، وها نحن اليوم ـ وبعد ألف عام ـ لانجد
لاثاره من يتصدى لها بإخراج علمي رصين ، وتحديث يسيغه أهل هذا الزمان .
لقد عرفنا من الشعراء من لا يصح أن يستفيء بشعره إلى ظلال تلك الدوحة الباذخة ،
وأقمنا الحراس على آثار شعراء ليسوا أكثر من سفوح لهذه القمة التي سامتت الشمس وأطلت
على التاريخ ، أين الشريف الرضي ؟ أين ديوان شعره ؟ أين تراثه العريق ؟ أين الكلية التي
تحمل اسمه ؟ أين الجامعة التي تتعطر بذكره ، بشعره وبنثره ؟ .
إن هذه الثمالة التي نترشفها من سؤر كأس الشريف الرضي كثيرة علينا ، لا تتحملها
نفوسنا التي بعدت عن عالم الكبرياء ، واخلدت إلى راحة الكسلاء الصغراء ، ولا تسيغها
أطماعنا التي تتعجل الثمن الربيح ، ولا يرتضيها انهيارنا الثقافي الذي لايصبر
سلام على الرضي ، وعلى من يعنى بالرضي ، وعلى من يسعى سعيا علميا دؤوبا
مخلصا ليقرب الاجيال للرضي ويكشف عن عظمته لها ، فتسيغه شملا لها في أخلاقها
وأشعارها وكبرياء العظمة ، والسمو العريق .
وهذه السطور التي أكتبها رجوت لها أن تكون محاولة جادة للكشف عن جوانب شعر
الرضي ، وموضوع من موضوعاته المحببة اليه ، وهو « اهل البيت عليهم السلام في شعر
الشريف الرضي » في محاولة إجابة إسئلة ماذا يمثل أهل البيت ( ع ) بالنسبة له ؟ وأي
حيز يحتلون بشعره ؟ وكيف نظر إليهم عليهم السلام ؟
والله أسأل أن يوفق قادة هذه الامة في
نهضتها الرشيدة الحديثة للعناية الجادة الصادقة برموز التراث وقممه العالية .
ومن الله التوفيق والسداد ، وله الكمال وحده .
هو أبو الحسن محمد ابن أبي طاهر الطاهر ذي
المنقبتين : الحسين بن موسى بن محمد ابن موسى بن إبراهيم بن « موسى بن جعفر بن محمد
بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب » ، عليهم السلام .
وامه فاطمة بنت الحسين ـ بن أحمد ، على قول ـ بن الحسن الناصر الاصم صاحب
الديلم ، وهو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن « علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب » عليهم السلام ، وفي المذكور في النهج شيء من الخلاف .
ولد رضوان الله عليه سنة 359 هـ ، وتوفي سنة 406 هـ ، أي أنه عاش
عمرا لم يتجاوز 47 سنة ، والعبقرية لاتعرف الاعمار ؛ نظم الشعر في بواكير عمره ، وكتب
جملة كتب لم يتبق منها إلا ثلة قليلة لم تنل ـ بعد ـ الدراسة اللازمة والتحقيق المطلوب وقد
عدوا له هذه الكتب : ـ
1 ـ نهج البلاغة .
2 ـ خصائص الائمة .
3 ـ مجازات الاثار النبوية .
4 ـ تلخيص البيان عن مجازات القرآن .
5 ـ حقائق التأويل في متشابه التنزيل .
6 ـ كتاب : سيرة والده الطاهر .
7 ـ كتاب الرسائل .
8 ـ كتاب مادار بينه وبين أبي إسحاق الصابي من الرسائل .
9 ـ كتاب الزيادات في شعر أبي تمام .
10 ـ مختار شعر أبي إسحاق الصابي .
11 ـ منتخب شعر ابن الحجاج « الحسن من شعر الحسين » .
12 ـ كتاب أخبار قضاة بغداد .
13 ـ كتاب تعليق خلاف الفقهاء .
14 ـ كتاب تعليقة على إيضاح أبي علي الفارسي .
15 ـ ديوان شعره .
سبعة وأربعون عاما مثقلة بالمسؤوليات والنكبات ، ومحملة بأربعة عشر كتابا ، مع
ديوان ضخم من الشعر ، سبعة وأربعون عاماً تسمو عن أعوام الناس لان صاحبها كان الذي
أمضى الشريف وهو يتحدى ذلك العصر الذي يتهاوى أكثر وأكثر في مواطن الذل
والانهزام النفسي ! !
هذه الحساسية ، وعظمة الشعور بسمو النسب الشريف ، شكلت
هاجسا يوميا نلمسه
المحور الاول : المحور الذاتي ؛ ويتمثل في الفخار بالخلق السامي ورفض الذل والتطلع الدائم إلى الافق الاعلى من آفاق الكرامة الانسانية التي تفرضها الذات
المتسامية عن صغار الدنيا كقوله رضوان الله عليه :
حيث يستفهم استفهاما إنكاريا عن رضاه بالذل إن حاول بعضهم أن
يسمه به ، فكيف سيرتضى ذلك ، وسيفه « صارمي » لم ينثلم من ضرب أعناق « طلى » أعدائه
ورمحه لم يتكسر ، أي ان دون إذلاله حرب لابد أن تقع بالسيف الذي يضرب أعناق
الاعداء حتى يتثلم ، وبالرمح الذي يطاعنهم به حتى يتكسر .
وتبلغ حساسية الكرامة مداها الاوفى بصرخته الخالدة عبر الزمن :
فانه يتسأل منكرا ان يرتضى الاقامة على الهوان والذل ، ولديه المعول الصارم
والانف الحمي ، وإلاباء الذي يحلق عن الضيم والظلم وكأنه الطائر الوحشي في نفوره وعلو
طيرانه ، أو سمة رمزيه يطرز بها الشريف رفضه للذل والهوان ، المقول الصارم رمز إلى
الجرأة في القول ، والحزم تجاه مناوئيه ومن يريد إذلاله وإلحاق الهوان به ، والانف الحمي :
رمز إلى العزة والكبرياء ، والانف عند العرب ـ من الانفة والترفع ، يستشعر ما يتطلبه منه
نسبه ، ووضعه الاجتماعي ، من طهر ذيل ، وسمو نفس ، وعفة قلب ، وسعة علم ، إضافة
للوازع الديني والمذهبي الذي لم يتخل عنه الرضي الشريف في أية خطوة خطاها في عمره
الطيب .
لقد أدرك الشريف الرضي أن النسب الطاهر لن ينفع شيئا إن لم تواكبه حياة طاهرة
تكون أهلا لحمل شرف الانتساب إلى دوحة النبوة :
فمال الامر كله إلى الله سبحانه وتعالى ، وكرامة البيت ، وعز القبيلة ، لن يغنيا
المرء شيئاً إن أذل نفسه .
هذه الرؤية الدقيقة للحياة وحقائقها تكشف لنا أنه ( رض ) كان ينظر إلى الكرامة
والعزة باعتبارهما أمرين إلهيين لا محيد عنهما ، وإن الذلة طريق يناقض طريق الايمان ، فما
دام المقام في هذه الدنيا قليل فليستصغر المرء مجريات الحياة من آلامها وخطوبها ، بل
فليستصغر الايام ذاتها ، وحينذاك لن يبقى في وسع الذلة أن تتسرب إلى موقف الانسان مهما
كان الخطب ، والامر كله لله .
لا حظ هذه الحساسية تجاه مواقف الذلة ، واعتبارها نقيض كرامة النسب وعزته ، ثم
انظر تطبيقات هذه الحساسيه في حياة الشريف وشعره ، وتصوركم هو عمق الالم عن الصغار ! ؟ .
والإباء المحلق عن الضيم ؛ رمز إلى استسهال الصعاب في سبيل الحفاظ على العزة والكرامه .
وهو لايجدر عذرا للقبول بالذل ما دام معه السيف :
ثم ينتقل إلى السبب الذي يحدوه لاعتبار مقامه حيث هو ذلا ، إذ
يقول : |
ألبس الذل في ديار الاعادي من أبوه أبي ومولاه مـولا لف عرفي بعرقه سيدا النا |
* * * |
وبمصـر الخـليفة العـلوي ي ، إذا ضامني البعيد القصي س جـميعا محمـد وعـلي |
أرأيت ؟ ها
هو ذا يبين لنا ان بذاخة نسبه سبب اعتباره ان مقامه حيث هو ذلا ، فهناك حاكم علوي
يلتقي بالنسب الباذخ معه ، فالاجدر أن يلتحق به .
وهكذا ينقلنا الشريف إلى المحور الثاني الذي هو مدار فخره : |
إنا ابن السابقين إلى المعالي إذا ركبوا تضـايقت الفيافي نماني مـن اباة الـضيم نام شأونا النـاس أخلاقا لدانـا ونحن الخائضون بكل هول ونحـن اللابسون لكل مجد أقمنا بالتجـارب كـل أمر |
* * * * * * * |
إذا الامد البعيد ثنى البـطاء وعطل بعض جمعهم الفضاء أفاض علـي تلك الكبريـاء وايمانا رطابـا ، واعتـلاء إذا ذب الجبان به الضـراء إذا شيءنا ادراعا والاتـداء أبى إلا اعوجاجـا والتـواء |
فبماذا يفتخر ؟ ما مادة فخره ؟
إن ما يميز الشريف عن كثير من
الشعراء ان افتخاره باله ، وهو منهم ، متأت من المعاني الاخلاقية الاسلامية : |
السبق إلى المعالي كثرتهم في الحرب إباء الضيم الكبرياء الاخلاق الكريمة الايمان العميق العلو الشجاعة الجد في طلب المجد الجد في طلب الاصلاح |
البيت الأول. البيت الثاني. البيت الثالث. البيت الثالث. البيت الرابع. البيت الرابع. البيت الرابع. البيت الخامس. البيت السادس. البيت السابع. |
وتنفصل هذه المعاني في سائر قصائد الشريف ، فيفككها إلى مكوناتها الاساسية
ويوضح جزئيات أوصافهم ، ومثابة فخره بهم .|
فما ولد الاجارب مـن تميم وإن المجد قد علمـت معد لاطولهم اذا ركبوا رماحـا |
* * * |
نظيرهم ولا الشـعر الرقابا ودار العز والنـسب القرابا وأعلاهـم إذا نزلـوا قبابا |
حيث ذكر بعضا من
لوازم الشجاعة « طول الرماح » ، وعلو الذكر « القباب العالية » وكثرة العطاء « وأغزرهم . . . » ،
والقوة في الحرب « أوحاهم ضرابا » .
وكيف لايكونون كذلك وهم :
حيث
يبين الشريف صفاتهم الكريمة لانهم من نسل النبي ( ص ) والمحافظين على القيم التي نادى
بها ، ودعا الناس اليها .
ويصل من ذلك إلى أن المديح يجب أن يقتصر على الرسول ( ص ) وأهل بيته ( ع ) : |
وما المدح إلا في النبـي وآله وأولى بمدحي من أعز بفخره أرى الشعر فيهم باقيا ، وكأنما اعد لفخري في المقام محـمدا |
* * * * |
يرام ، وبعض القول ما يجنب ولايشكر النعماء إلا المـهذب تحلق بالاشعار عنقاء مغـرب وأدعو عليا للعلى حين أركب |
فالشريف لايرى له وجوداً
مستقلاً عن هذا الوجود التاريخي لال البيت ( ع ) ، ومن هنا تجذر حبهم في قلبه ، وخالط دمه
ولحمه :
ويخاطب أباه فيقول : |
وغيرك لا اطريـه إلا تـكلفا أبعد النبي والوصي تـروقني يقر بفضلي كل بـاد وحاضر أحبكم ما دمت اعـزى اليكم |
* * * * |
وغير حنيني عند غيرك مصحب مناسب من يعزى لمجد وينـسب ويحسدني هذا العظيم المحـجب ومادام لي فيكـم مـراد ومطلب |
فهذا الوعي الحاد بالانتساب إلى أهل البيت ( ع )
أصبح جزءاً من حياة الشريف إن لم نقل انه غلف حياة الشريف كلها ، وتغلغل في شتى
نواحيها ، فحق له أن يقول : |
فمن ذا اسامي وجدي النبي أنا ابن الائمة ، والنـازلين وأيد تصافح أيدي الكـرام |
* * * |
أم مـن أطاول أم من الاحي كل منيع الربـى والبـراح وإن نفرت من أكف الشحاح |
وبذاك ،
وبسبب من ذاك أصبح واحدا من سادة يهيمنون على حركة الناس : |
إنـا نعيـب ولانعـاب آل النبي ، ومـن تقلـ خلقت لهم سمـر القنـا قـوم إذا غمـز الزمـا |
* * * * |
ونصـيب منـك ولا نصاب ـب في حجـورهم الكتـاب والبيض والخـيل العـراب ن قنيهم كرمـوا وطابــوا |
فهؤلاء هم
سادة الناس ومرشدوهم ، آل النبي ( ص ) الشجعان الذين لهم خلقت الرماح والسيوف
والافراس ، هؤلاء القوم لايزدادون إلا كرماً وطيبة كلما اشتد الزمان عليهم ، فكان الصعاب
محك على ضريبته يفوح عطر شمائلهم .
ومن هنا صار الشريف ذلك القمر الدائر في كون أهل البيت ( ع ) الرحيب ، وصار
اعداؤه زمرة من الكلاب النابحة العاوية ، التي لم تجد فيه عيباً ، فحاولت أن تخلع عليه من
عيوبها ، جرياً على « رمتني بدائها وانسلت » ، قال : |
وإن مقام مثلي في الاعادي رمونى بالعيـوب ملفقـات واني لاتدنسني المخـازي ولما لم يلاقوا فـي عيبـا |
* * * * |
مقام البدر تنبحـه الكلاب وقد علموا بأنـي لا اعاب وإني لا يرّوعنـي السباب كسوني من عيوبهم وعابوا |
أعد نظرك
في الشعر الذي مرتجد الكرامة والكبرياء والعزة ، ولو لم يقل ( رض ) إلا « وإني لا يروّعني
السباب » لكفاه دلالة على عظيم اعتداده بنسبه وثقته بنفسه ، والثقة بالنفس لاتتأتى لكل
الناس ، فإن منهم من يزلزله النقد ، ويفقده السباب صوابه ، لانه لا ثقة له بنفسه ، فكأنه
النبتة الهشة التي ليس لها جذر مكين يمسكها أن تميل وأن تنقصف ، اما الشريف فكالسنديانة
الشامخة ، عميقة الجذور ، متمكنة من الارض ، قوية لا تتلاعب بها الرباح .
ولنا أن نقرر ان هذا الشعور بالانتماء إلى العترة الطاهرة ( ع ) هو المحرك لكل مشاعر
الاباء والعزة والكرامة في نفسه .
ولكن . . .
من هم اولئك الذين ينتمي اليهم الشريف الموسوي ؟ هل ذكرهم في شعره ؟
والذي يحدونا
لهذه الاسئلة ما حدث هو به ـ رضوان الله عليه ـ في مفتتح رسالته « خصائص الائمة » إذ قال : «
إن بعض الرؤساء ، ممن غرضه القدح في صفاتي والغمز لقناني والتغطية على مناقبي
والدلالة على مثلبة إن كانت لي ، لقيني وأنا متوجه ليلة عرفة من سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة
هجرية إلى مشهد مولانا موسى بن جعفر ومحمد بن علي بن موسى ( موسى الكاظم
ومحمد الجواد ( ع ) في الكاظمية في العراق ) للتعريف هناك ، فسألني عن متوجهي فذكرت
له إلى اني قصدت ، فقال لي : متى كان ذلك ؟ يعني أن جمهور الموسويين جارون على
منهاج واحد في القول بالوقف والبراءة ممن قال بالقطع ، وهو عارف بإن الامانة مذهبي ،
وعليها عقدي ومعتقدي وإنما أراد التنكيل لي ، والطعن على تديني فأجبته في الحال بما
اقتضاه كلامه . . » ، ثم جعل الشريف ذلك علة تجدد نشاطه لاكمال كتاب خصائص الائمة ( ع
) ، غير ان جمعه لنهج البلاغة ، ومعاجلة المنية له ، قد حالا دون اكمال خصائص الائمة ،
فظل الكتاب محتويا على فضائل أميرالمؤمنين ( ع ) فقط .
وإذا كان الكتاب ـ ونعني به خصائص الائمة ـ لم يستطع أن يستوفي ذكرهم جميعا
سلام الله عليهم ، فإن شعر الرضي قد استوفى ذلك فحفل بذكرهم وتعطر بالاشادة بمناقبهم
وصفاتهم ومواضع مراقدهم الطاهرة .
ولنفتح قلوبنا لبائيته العذبة :
فهو يدعو للمدينة بالسقيا ، وليس بمطلق السقيا ، إذ كانت تسقى بديم المطر العزيز
مع الصواعق والرعود وما يروع أهلها الامنين ، بل هي السقيا بلباب الماء ، أي بجوهره وصافيه
ونقيه من غير أوشاب ولا أكدار ، ثم هي السقيا بالقطر العذب السائغ .
ولا عجب أن يدعو للمدينة المنورة بذلك ، لان فيها قبر جده الاعلى رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، وفيها أيضاً شيء آخر عزيز على قلبه :
ففي البقيع إضمامة من زهر لا يكفيها الطل ، بلا بد من الوابل ، لابد من أن يرخي
السحاب عليها ذيله ، وأن يفتق وطابه الملان ، فأولئك الائمة الاطهار ظلموا أحياء وظلموا
فما ان ينتهي ركب الحجيج إلى أرض العراق حتى يتقرى المرقد الطاهر
لأميرالمؤمنين ( ع ) في النجف الاشرف ، أو الغري :
وأي حسب لباب إن لم يكن حسب علي بن ابي طالب ( ع ) ؟ فتشمله دعوة السقي
بوابل نمير المطر .
ثم يرحل إلى كربلاء وهي المنزلة الثانية بعد النجف في طريق الحج العائد إلى
العراق:
انظر إلى هذا الحس المرهف ، وكيف قابل بين الدعاء بالسقيا و « ظمأ » أبي عبدالله
عليه السلام في موقعة كربلاء ، فأي مطر ، وأي غيث ، وأي وابل ، وأي طل يكون في وسعه
إرواء تلك المراقد المشرفة وقد « قضى » اصحابها ظماً ، والماء على مرمى حجر منهم ؟
ويستمر الشريف في سفرته التي تطوي الارض طيا بين سامراء ـ حيث الهادي
والعسكري ( ع ) وموضع الغيبة الشريف ـ ، وبغداد ـ حيث الكاظم والجواد ( ع ) ـ ، وطوس ـ
حيث علي بن موسى الرضا ( ع ) ـ ، فليسق المطر النمير تلك المشاهد المشرفة :
هذي مراقدهم ـ عليهم السلام ـ وها هو الشريف الرضي يقف عليها بلوعة ويقول :
إن دموع الرضي تمنعه من وصفها ، لكن ذكاءه وعظيم إحساسه بانتمائه إلى الراقدين فيها ، يدفعه إلى أن يشبه الدموع التي يجريها
محبو الائمة عليها بالسحاب الذي يسقي الروابي ويفيض عليها .
إن فكرة السقيا لم تفارقه ، فكرة أن يستشهد الحسين ( ع ) وهو عطشان ويمنع
من قطرة ماء ، فتتسع القطرة إلى السحاب ، والى المطر الغزير ينهمر لا على قبر عطاشى
كربلاء فحسب ، بل تتسع لتشمل كل أضرحة أجداده الائمة الاطائب ( ع ) .
هذه الفكرة تجدها قوية السيطرة عليه ، حتى لتكون العمود الفقري للقصيدة كلها ،
بين رفعة القبور المشبهة بالروابي ، وبين السقي الذي ينهمر عليها من السحاب ومن دموع
العيون ، فإن لم يستجب السحاب لملتمس الشاعر فإن السراب سيستحيل ماء يتقطع على
تلك القبور :
يجب أن ننتبه هنا إلى
المقابلة الذكية بين السحاب والسراب ، لامن حيث استحالة السراب إلى سحاب تولها بأهل
البيت ( ع ) فحسب ، وإنما ايضاً من حيث أن المسافر ـ آنذاك ـ بين هذه المشاهد المشرفة
يطالع السراب أمامه وهو يطوي الفيافي والقفار فيأخذه الإحساس الرهيف ـ إن كان من أهله ـ
إلى امنية مستحيلة ، أن يتحول السراب المشعر بالعطش والموحي به إلى سحاب يبل الثرى
ويسقي القبور المطهرة .
وتبقى فكره السقيا والظمأ تجول في جنبات مشاعر الشاعر :
فالسحاب يسقي ، والسراب يتقطع سحاباً ومطراً
عليها ؛ والشاعر ظمئ إليها شوقاً في حالي قربه وبعده ، وانظر إلى لفظة « عدواء » وما فيها من
اللاواء إشارة إلى ألم البعد والظمأ لزيادتها ، والغلواء في حبها والتبرك بها .
ثم انظر إلى اللفتة الذكية بين بعد الدار واقتراب الشاعر ، فهو لم يقل انه بعيد عن تلك
القبور ، فهو دائماً قريب منها ، وداره هي التي تبعد عنها .
واما قربه فيتمثل في زيارته لها ، وفي حمله معه دائماً شيئاً من ترابها :
وذاك التراب أيضاً ظمان ، فالظمأ حس في كل ما يحيط بالشاعر ،
ويبلغ الظمأ بالتراب المقدس حد أن يقاد له الماء والسحاب :
ويرتبط الظمأ عند الشاعر بالالام التي عاناها أهل البيت ( ع ) حيث انتقلوا في
دنياهم من مصاب إلى مصاب ، فكان وفرة المصائب التي جابهتهم في حياتهم قابلها هذا
الظمأ الذي يجلل أضرحتهم وتربتهم الطاهرة :
وبهذا البيت ندرك
السبب الذي حدا الشاعر أن يستسقي المدينة لباب الماء ، وأن يستسقي قبور الائمة ( ع )
المطر الغزير ، لان هذه الغزارة من الخير « والماء والسقيا رمزان له » قد ناسبت كؤوس
المصائب التي نالتهم في حياتهم ، ولكن الشاعر يدرك أن الماء والسقيا غير كافيين أمام عظمة
أهل البيت ( ع ) ، فينتقل منها إلى تقرير حقيقة تناسب منزلة أهل بيت النبوة عليهم السلام :
ولانجد فرقاً بين سحاب تنصل شابيبه
، وسراب يستحيل قطع سحاب وخفقان الصلوات ، فكأن الصلاة عليهم طيور خافقة
بأجنحتها ، والصلة وثيقة بين الماء والطيور فلا تحوم الطيور إلا حول موارد الماء المشرعة
الامنة ، فكأن الشريف بهذا البيت ينقلنا إلى جو استجابة دعائه بالسقيا ، بل إلى ما هو أبعد من
ذلك ، إلى أن هذه القبور الطاهرة هي مشارع الماء الامنة التي تخفق حولها الطيور ، وليست
تلك الطيور طيوراً حقيقية بل هي صلاة الله سبحانه وتعالى ، وأين تخفق الصلاة إلا على أهلها
وموطنها ومستقرها ؟
وبعد أن يصل الشاعر إلى هذه الحقيقه يتحول إلى ذاته يستنبط منها
حبها ، وينقع غليلها ، ويروى أوامها بزيارته لهم : |
وإني لا أزال أكـر عـزمي وأخترق الرياح إلـى نسـيم بودي أن تطاوعني الليالـي فأرمي العيس نحوكم سهاما لعلي أن أبـل بكـم غليـا فمـا لقيـــكم الا دليـل |
* * * * * * |
وإن قلت مسـاعدة الـصحاب تطلع من تراب أبي تــراب وينشب في المنى ظفري ونابي تغلغل بين أحشاء الروابــي تغلغل بين قلبي والحجــاب على كنز الغنيمة والايــاب |
ثم يلتفت إلى الامامين اللذين كان خروجه لزيارتهما سببا لنشاطه
في كتابه|
ولي قبران بالزوراء اشفي أقود اليهما نفسي واهـدي لقاؤهما يطهر من جنانـي |
* * * |
بقربهما نزاعي واكتئابــي سلاما لايحيد عن الجـواب ويدرأ عن ردائي كل عاب |
وبالطهر
يختم ذكرهم كما بدأ بالماء والسقيا ، والدعاء لمشاهدهم المشرفة لينتقل ـ بعد هذا كله ـ
إلى الافتخار بفضائل أميرالمؤمنين ( ع ) وهي فضائل جده :
لاحظ السقي ، والظمأ ، وهذه المفارقة بين عطش الدنيا وآلامها ، وبين أن يكون ذلك
العطشان والظمان ساقي الخلق على الكوثر ، والاخرى بين ري الدنيا وزخرف نعيمها ، وبين
المهج الحرى يوم القيامة ، وهو الساقي من كرم نفس ، وكرم طبع ، شهر بهما في الدنيا فكانا له
نصيبين في الاخرة :
مفارقة اخرى
بين الكرم بالمال ، والبخل بعالية الكعاب كناية عن الشجاعة والبطولة لان من اولى صفاتهما
الحفاظ على السيوف والرماح في اليد الصلبة القوية تواجه الاعداء فتقتلع حصونهم : |
أما في باب خيبـر معجـزات أرادت كيـده والله يأبـــى أهدا البدر يكسف بالدياجـي وكان إذا استطال عليه جـان أرى شعبان يذكرني اشتياقي |
* * * * * |
تصدق ، أو مناجـاة الحبـاب فجاء النصر من قبل الغـراب وهذي الشمس تطمس بالضباب يرى ترك العقاب من العقـاب فمن لي ان يذكركم ثوابــي |
ثم يلتفت إلى نفسه فيأخذها بالسير على نهج أجداده الطيبين ، ويجهر بحبه لهم
متقبلا فيهم كل سباب الاعداء ، لانهم نسبه وعماده ومبرر كيانه : |
بكم في الشعر فخري لابشعـري اجل عـن القبائـح غـير أنـي فأجهــر بـالـولاء ولا اوري |
* * * |
وعنكم طال باعي في الخطـاب لكم أرمـي وارمـى بالسبـاب وأنطـق بالبـراء ولا احابـي |
|
ومن أولى بكـم منـي وليا محبكم ، ولو بغضت حياتي تبـاعد بيننـا غيـر الليالي |
* * * |
وفي أيديكم طرف آنتسابي وزائركم ولو عقرت ركابي ومرجعنا إلى النسب القراب |
إنها صرخات السجن الذي يعمقه الولاء حتى أدق خفاياه وحناياه ، والذي يظهر سطورا من
الهيام في صفحات القلب الذائب في حب آل البيت ( ع ) : |
وما المدح إلا في النبي وآله أرى الشعر فيهم باقيا وكأنما اعد بفخري في المقام محمدا |
* * * |
يرام ، وبعض القول ما يتجنب تحلق بالاشعار عنقاء مغـرب وأدعوا عليا للعلى حين اركب |
*
*
وتصفح شعر هذا الشريف الرضي ( رضي الله عنه ) فلن تجد إلا الكبرياء تستقي من حب أهل البيت ( ع ) ، والإنتماء الكامل لهم ، تعطراً بذكرهم ، وفخراً بالانتساب إليهم ودموعاً حرى تستحيل دماً وهي تطالع صفحات الوضح الاسلامي في كربلاء ـ .
ولهذا موضوع آخر ، إن شاء الله .