صلةقبل

اكذوبتان حول الشريف الرضي


السيد جعفر مرتضى العاملي



الشريف الرضي هو ذلك الرجل العظيم ، الذي يمتلك الشخصية الفذة ، التي يعنو لها كل عظماء التاريخ الذين جاؤا بعده بالاجلال والاكبار ، وكانت ولاتزال تستأثر منهم ، ومن كل مفكر ونيقد بأسمى آيات التعظيم والتكريم ، حيث يجدون فيها كل الخصائص الانسانية النبيلة ، التي تملأ نفوسهم ، وتنبهر بها عقولهم ، وتعنو لها ضمائرهم . .
ولعل من يسبر ثنايا التاريخ لايكاد يعثر على أي مغمز أو هنات في شخصية هذا الرجل العملاق على الاطلاق ، بل على العكس من ذلك تماما . . . فإنك مهما قرأت عن حياة هذا الرجل ، فإنك لن تجد إلا آيات المدح والثناء ، والمزيد من الاعجاب والاطراء ، من محبيه ومناوئيه على حد سواء .
إلا اننا ـ مع ذلك ـ لا نستطيع أن نولي هذا التاريخ كل الثقة ، ولا أن نمنحه كل الطمأنينة . . . فلعل . . . وعسى . . . وقد . . . ولربما .
فلما علينا إلا أن ندرس التاريخ ونصوصه دراسة مستوعبة وشاملة ، من شأنها أن تقضي على كل أمل بالعثور على المزيد مما له مساس بهذه الشخصية أو بتلك ، كما أن علينا أن نهتم بكل صغيرة وكبيرة ، وأن لا نعتبر هذا تافهاً ، وذاك ثميناً ، إلا بعد البحث والتمحيص والتدقيق والمعاناة ، فالتافه ما أثبت البحث تفاهته وكذبه وزوره ، والثمين ما استمد قيمته من صدقه ومن واقعيته ، وذلك هو ما يثبت أصالته وجدارته أيضاً .
وبالنسبة للشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه كان الامر من هذا القبيل ، فرغم أن البحث المستقصى قد أثبت عظمته وجدارته ، وأبان بما لا يقبل الشك عن نبله ،


( 269 )

وعلمه ، وفضله ، وسمو نفسه ، وعن كرائم أخلاقه ، إلا اننا ـ مع ذلك ـ قد عثرنا أخيراً على نصين متميزين وغريبين في نفسهما مما اضطرنا لخوض غمار البحث من أجل إثارة الكوامن ، وتسليط الاضواء الكاشفة ، لينكشف زيف الزائف ، ويبطل خداع السراب .

الاكذوبة الاولى : الشريف الرضي كان زيديا ؟ !
قال ابن عنبة :
« ووجدت في بعض الكتب أن الرضي كان زيدي المذهب ، وأنه كان يرى أنه أحق من قريش بالامامة » (1) .

مناقشة النص
ولكن ذلك لايصح ، فإن كونه إماميا أشهر من النار على المنار ، ومن الشمس في رابعة النهار ، بل لقد كان ـ على حد تعبير ابن تغري بردى ـ : « كان عالي الهمة ، متديناً ، إلا انه كان على مذهب القوم إماماً للشيعة ، هو وأبوه وأخوه » .
ويكفي للتدليل على إماميته أنه قد ذكر الائمة الاثني عشر في قصيدته المشهورة ، التي قالها وهو بالحائر الحسيني ، والتي مطلعها :

كربلا لازلت كربـاً وبـلا * ما لقي عندك آل المصطفى
إلى ان قال :
معشر منهم رسول الله والكا
صهره البـاذل عنـه نفسه
أول الناس إلى الداعي الذي
ثم سبطـاه الشـهيدان فـذا
وعلي وابنه الباقـروالصـا
وعلــي ، وأبـوه وابنـه
يا جـبال المجد عزا وعـلا
*
*
*
*
*
*
*
شف للكرب إذا الكرب عـرا
وحسام الله فـي يـوم الوغى
لم يقـدم غيـره لمـا دعـا
بحسي السـم وهـذا بالظبـا
دق القـول ،وموسى والرضا
والـذي ينتـظر القـوم غدا
وبدور الأرض نـوراً وسـنا

____________
(1) عمدة الطالب : 210 ، وروضات الجنات : 548 .
( 270 )

وقد وجه ابن عنبة نسبة الزيدية إليه وقوله بأنه أحق من قريش بالامامة بقوله : « وأظن : إنما نسب إلى ذلك لما في أشعاره من هذا ، كقوله ـ يعني نفسه ـ :

هـذا أمير المؤمنين محمد * طابت أرومته وطاب المحتد
أو ما كفاك بأن امك فاطـم * وأبـاك حـيدرة وجدك أحمد
وأشعاره مشحونة بذلك .
ومدح القادر بالله ، فقال في تلك القصيدة :

ما بيننا يوم الفخار تفاوت * أبدا كلانا في المفاخر معرق
إلا الخلافة ميزتك فانني * أنا عاطل منها وأنت مطوق

فقال له القادر بالله : على رغم انفك الشريف (2) .
اما الشيخ عبدالحسين الحلي ، فيرى : « إن تلك التهمة ـ الزيدية ـ قد الصقت به من قبل آبائه لامه ، لان بني الناصر الكبير أبي محمد ( الحسن الاطروش ) صاحب الديلم ، لكن هذا قد ثبت لدى علماء الرجال من الامامية وفي طليعتهم السيد الشريف المرتضى علم الهدى في كتابه : شرح المسائل الناصرية نزاهته ، ونزاهة جميع بنيه عن تلك العقيدة المخالفة لعقيدة أسلافهم .
سوى ان اصطلاح الكتاب أخيرا جرى على تسمية الثائر في وجه الخلافة زيديا ، ولمن كان بريئا من عقائد الزيدية ، يريدون أنه زيدي النزعة لا العقيدة .
وربما تطرفوا ، فجعلوا لفظ : زيدي ، لقبا لكل من تحمس للثورة ، وطالب بحق زعم أنه أهله ، وإن لم يجرد سيفا ، ولم يحد قيد شعرة عن مذهب الامامية في الامامة ، ولا عن طريقة الجماعة . ولقد كان أبو حنيفة في نقل أبي الفرج الاصبهاني زيدياً ، وكذا أحمد وسفيان الثوري ، وأضرابهم من معاصريهم . ومراده من زيديتهم : انهم يرون أن الخلافة الزمنية جائرة ، وان الخارج آمراً بالمعروف أحق بالاتباع والبيعة » (3) .
وقال : « الذي يقال : انه إمام الزيدية هو الملقب بالداعي إلى الحق ، وهو الحسن ابن زيد . . . توفي بطبرستان سنة 250 هـ . . . واما الحسن بن علي الملقب بالناصر للحق الكبير ، وهو الاطروش ، أحد أجداد الشريف لامه والحسن أو الحسين بن علي ـ أو ابن
____________
(2) عمدة الطالب : 210 ، وروضات الجنات : 548 .
(3) مقدمة حقائق التأويل : 75 ـ 76 .

( 271 )

أحمد ـ الملقب بالناصر الاصغر ، وهو والد ام الشريف فليسا من ائمة الزيدية .
ومن زعم أن الناصر إمام الزيدية ، فقد اشتبه عليه الداعي للحق بالناصر للحق ، ولا يبعد دعوى اتباعه انه زيدي لكنه بريء عن تبعة اعتقادهم . . . » (4) .

الاكذوبة الثانية : الشريف في مجالس المجون :
يقول الحصري : « شرب كوران المغني عند الشريف الرضي ، فافتقد رداءه ، وزعم أنه سرق ، فقال له الشريف : ويحك ، من تتهم منا ؟ أما علمت أن النبيذ بساط يطوي ما عليه ؟!
قال : انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي ، واطووه إلى يوم القيامة » (5) .

مناقشة النص :
ونحن في مجال مناقشة هذا النص ، لانريد أن نتوقف كثيرا عند :
ألف : إن الحصري لم يذكر سندا لهذا الرواية ، ولا أعرب عمن نقل هذه القصة عنه ، اذ قد يجوز لقائل أن يقول : إن من الممكن أن يكون الحصري قد نقل ذلك عن ثقة ، لا يتعمد الكذب والوضع .
باء : ولا نريد أن نناقش في حرمة النبيذ ، فنقول : إن حرمته غير مسلمة لدى جميع الفقهاء . إذ ان الشريف رضوان الله تعالى عليه قد كان من طائفة الامامية الذين يرون حرمة النبيذ كسائر أنواع الخمر .
جيم : ولا بأن النص لم يتضمن مشاركة الشريف الرضي رحمه الله في الشرب . فإن مجرد كون مجلس الشراب في بيته وحضوره فيه كاف في إثبات الادانة للسيد الشريف .
دال : ولا بأننا رغم بحثنا الجاد لم نعثر على ذكر لكوران المغني هذا الذي ورد اسمه على أنه بطل هذه الحادثة . إذ قد يمكن الجواب عن ذلك : بأن عدم ذكره في غير هذه
____________
(4) المصدر السابق ، الهامش .
(5) زهر الاداب 2 : 496 ، ط دار الجيل ، بيروت سنة 1972 .

( 272 )

الحادثة لايدل على عدم وجوده .
لا ، لانريد المناقشة بذلك ، ولا الاصرار عليه على أنه أو بعضه كاف في وهن هذه الرواية وعدم اعتبارها .
وإنما نريد أن نلقي نظرة سريعة على واقع وأخلاقيات الشريف الرضي ، لنرى إن كانت تنسجم مع إقامة مجالس كهذه ام لا ؟
ولا نريد أن نتشبث فيما يذكره كل من ترجم الشريف من إبائه ، وعزة نفسه ، وطموحه إلى جلائل الاعمال وعظائمها ، وتحليه بمحاسن الاخلاق وكرائمها ، وترفعه عن كل مهين ، وتجنبه كل مشين ، ونحو ذلك . فلربما يقال : إن هذا كله لا يتنافى مع صدور ذلك منه ، فإن شرب النبيذ ، والحضور في مجالسه لم يكن عيبا ، ولا هو محل بالمرؤة ، ولا مهيناً للكرامة ، بعد أن كان الاعيان والاشراف ، وحتى الخلفاء يمارسون ذلك ، ولا يأبون عنه ، ولايرون فيه أي محذور .
وإنما نريد أن نشير إلى مايلي :

أولا : إن الشريف كان منزها عن مثل هذه الاعمال ، لانه كان ورعا متدينا ، ملتزما بالدين وقوانينه ، حيث يقولون عنه ، انه :
« كان صاحب ورع ، وعفة ، وعدل في الاقضية ، وهيبة في النفوس » (6) .
وأنه « أمره في العلم ، والفضل ، والادل ، والورع ، وعفة النفس وعلو الهمة ، والجلالة ، أشهر من أن يذكر » (7) .
أنه كان « عالي الهمة متديناً ، إلا أنه كان على مذهب القوم إماماً للشيعة ، هو وأبوه وأخوه » (8) .
وانه : « الشاعر العالم الزاهد »(9)
____________
(6) الغدير 4 : 204 ، عن الرفاعي في صحاح الاخبار : 61 .
(7) الكنى والالقاب 2 : 272 ، ط العراق ، النجف الاشرف ـ الحيدرية ، سنة 1389 ، وسفينة البحار 1 : 526 .
(8) النجوم الزاهرة : 4 : 240 ، ط مصر ، وزارة الثقافة والارشاد .
(9) غاية الاختصار : 77 ، ط العراق ، النجف الاشرف ـ الحيدرية ، سنة 1382 .

( 273 )

وانه كان « فاضلاً عالماً ، ورعا عظيم الشأن » (10) . وأن « فيه ورع ، وعفة وتقشف » (11) .
اما ابن الجوزي ، فيقول عنه : « كان عالما فاضلا ، وشاعراً مترسلاً ، عفيفا ، عالي الهمة ، متدينا » (12) .
ويقول عنه ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي : « كان عفيفا ، شريف النفس ، عالي الهمة ، ملتزما بالدين وقوانينه » (13) .
وأخيرا ، فقد قال عنه صاحب الروضات انه : « كان في غاية الزهد والورع ، صاحب حالات ومقالات ، وكشف ، وكرامات » (14) .
ثم ذكر عنه قضية جرت بينه وبين أخيه السيد المرتضى وملخصها أنه اقتدى يوما بأخيه المرتضى في بعض صلواته ، فلما دخل في الركوع قطع الاقتداء به ، وقصد الانفراد ، فسئل عن سبب ذلك فقال : انه لما دخل في الركوع رأى أخاه الامام يفكر في مسألة من مسائل الحيض ، وقلبه متوجه اليها وهويغوص في بحر من الدم .
وفي نص آخر انه قال لاخيه بعد ما فرغ من الصلاة : لا أقتدي بك بعد هذا اليوم أبداً .
فسأله عن سبب ذلك ، فأخبره .
فصدقه المرتضى وأنصف ، والتفت إلى أنه أرسل ذهنه في أثناء تلك الصلاة للتفكير في مسألة من مسائل الحيض كانت سألته عنها بعض النسوة في أثناء مجيئه إلى
____________
(10) جامع الرواة 2 : 99 ، ط قم ، سنة 1403 ، ورجال أبي علي : 271 ، ورجال المامقاني 1 : 109 .
(11) عمدة الطالب : 207 ، ط الحيدرية ـ النجف الاشرف ، العراق ، سنة 1380 ، وأمل الامل 2 : 262 ، ط بغداد ـ مكتبة الاندلس ، سنة 1385 ، ورياض العلماء 5 : 81 ، والدرجات الرفيعة ص 467 ، وتأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : 339 ، ومستدرك الوسائل 3 : 510 الخاتمة ، وروضات الجنات : 547 ، ط حجرية ، والغدير 4 : 202 .
(12) المنتظم ج 7 ص : 279 ، ط الهند ، سنة 1358 هـ ، وعنه في رجال السيد بحر العلوم 3 : هامش صفحة 132 ، وفي الغدير 4 : 203 .
(13) شرح النهج 1 : 33 ، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم وعنه في قاموس الرجال 8 : 146 ـ 147 ، ط طهران مركز نشر الكتاب ، سنة 1387 ، وفي الغدير 4 : 203 ، ومقدمة حقائق التأويل لعبدالحسين الحلي : 49 .
(14) روضات الجنات : 550 ، ط حجرية .

( 274 )

الصلاة (15) .
ثانياً : إننا إذا رجعنا إلى شعر الشريف الرضي ، فإننا نلاحظ :
ألف : ما يقوله الشيخ عبدالحسين الحلي :
« إننا نعتقد . . . انه لم يجالس الخلعاء والظرفاء ، الذين يستخفون بالنواميس في أيام شبيبته ، وانه لذلك لم يصرف شيئاً من شعره في فنون المهازل والمجون ، فإن هذا يدلنا على أنه لم يعمل ما يعتذر عنه ، ولا يصانع أحدا ستراً على نفسه ، ولذا نجده وهو بمرصد من أعدائه لا يحفل أن يجاهر بمثل قوله :

عـف السـرائر لم تلـط بريبـة * يـوما علـي مغـالقي وسجوقي
وقوله :

أنا المرء لاعرضي قريب من العدا * ولافـي للبـاغي علي مقال (16)

باء : إننا نجده يقول عن نفسه :

وإنـي لمأمـور علـى كـل خلوة * أمين الهوى ، والقلب ، والعين والفم
وغيري إلى الفحشاء إن عرضت له * أشد من الذؤبان عدوا على الدم (17)

جيم : وحين يخبر عن نفسه رحمه الله بأنه قد طلق الدنيا ، حيث يقول :
مالي إلى الدنيا الغرورة حاجة
سكناتها محـذورة وعهودهـا
طلقتـها ألفـا لاحـسم داءها
*
*
*
فليخز سـاحر كيـدها النفاث
منقوضـة وحبالـها أنكـاث
وطلاق من عزم الطلاق ثلاث
نجد مهيار الديلمي يؤكد صحة هذا الطلاق وواقعيته حيث قال في مرثيته له :

أبـكيك للـدنيا التي طلقتها * وقد اصطفتك شبابها وغرامها
ورميت غاربها بـفتلة حبلها * زهـدا وقـد القت إليك زمامها

دال : وقد قالوا عن شعر الشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه الشيء الكثير ،
____________
(15) راجع في ذلك روضات الجنات : 550 ، ولآليء الاخبار 4 : 38 ـ 39 ، ط ايران ـ قم ـ ، منشورات مكتبة العلامة .
(16) مقدمة حقائق التأويل : 50 ـ 51 .
(17) أعيان الشيعة ج 9 ص 220 ، ط بيروت ، سنة 1403 هـ .

( 275 )

وهذه بعض النماذج التي لابد من ملاحظتها في هذا المجال :
1 ـ « ليس له شعر في الهجاء يشبه هجاء الشعراء الذين كانوا يهجون بقبيح القول والالفاظ الفاحشة ، فالشريف إن وجد في شعره ما يشبه الهجاء فهو بألفاظ نقية إلى آخره » .
2 ـ « ولم يكن يخرج من فم هذا الرجل النبيل حقيقة كلمة واحدة من الكلمات القبيحة التي يتلفظ بها العامة ، التي نجد مثلها عند ابراهيم الصابي صاحب ديوان الرسائل ، وعند الوزير المهلبي ، وعند الوزير ابن عباد .
وإذا كان غيره من الشعراء قد استباحوا لانفسهم في الذم كل قبيح ، فإننا لانجد للشريف الرضي في باب الهجاء أقوى من ذمه لمغن بارد قبيح الوجه :

تغفـي بمنظره العيون إذا بدا * وتقـيء عنـد غـنائه الاسمـاع
أشهى إلينـا من غنائك مسمعا * زجـل الضراغم بينهن قراع (18)

ونحن نلاحظ هنا كذلك أنه حتى في هذا المورد قد نزع إلى التغني بما تهفو اليه نفسه ، ويشده إليه طموحه ووجده ، ألا وهو معالي الامور وعظائمها ، التي لاتنال إلا بركوب الاهوال ، ومقارعة الرجال الابطال ، كما صرح به في البيت الثاني آنف الذكر .
وفيما يرتبط بغزل الشريف نجدهم يقولون :
« لم يزل زلة واحدة ، ولم ينحرف به الطريق عن العفة ، والشرف ، والخلق الرفيع في هذا الباب » (19) .
ويقولون : « . . . والذي نقرؤه من مجموعتي أخلاقه وشعره ترفعه عن نوع من الغزل ، يستعمله الخلعاء ، أو ما يشبه العبث والمجون ، وهذا النوع قد لاتطاوعه شاعريته عليه لو أراده ، وهو الذي يخل بمقامه وشرفه » (20)
واما فيما يرتبط بوصفه للخمرة ، ومجالس الغناء ، ونحو ذلك ، فيرى المحققون أنه « إذا تحققنا أن الشريف لم يشرب ، ولم يسمع ، ولم يجالس أرباب اللهو والمهازل ، ولم يتخذ
____________
(18) الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ، 1 : 506 ، ط بيروت سنة 1387 هـ .
(19) أعيان الشيعة 9 : 223 .
(20) حقائق التأويل ، مقدمة الشيخ عبدالحسين الحلي : 106 .

( 276 )

الندمان ، ولم يستعمل الملاهي ، فإننا نعذره في الاوصاف ، سيما ما يكون منها مقترحا عليه ، لانها تقع في زمنها لاسباب مجهولة ، لايصح الحكم عليها بشيء ، والوصف بمجرده لايقدح بصاحبه ، وإن أظهره بمظهر الحاضر المشاهد » (21) .
وكذلك هم يقولون : « . . . ولا يليق بنا أن نمدح الشريف الرضي بأن شعره خال من المجون الذي كان شائعا في ذلك العصر ، فهو أجل قدرا ، وأرفع شأنا من أن نمدحه بذلك . كما ان شعره خال من وصف الخمرة ، وإن وصفها كثير من الشعراء الذين لا يتعاطونها . ولكن الشريف لم يصفها إلا بسؤال من سأله ذلك على لسان بعض الناس ، فوصفها بعدة أبيات لم يصفها بغيرها » (22) .
وأخيرا ، فإننا حين نسمع الشريف الرضي يقول :

وقور فلا الالحان تأسر عزمتي * ولا تمكر الصهباء لي حين أشرب

فإننا نعرف : إن ذلك ما هو إلا استرسال شاعر ، لايمكن أن يريد به معناه الحقيقي المطابقي أبدا ، وإنما يريد به التأكيد على لازم المعنى ليس الا ، ثم هو يتبع ذلك بقوله :

ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها * ولاأنطق العوراء والقلب مغضب

وبعد كل ما تقدم ، نقول : انه إذا كان السيد الشريف يتحاشى حتى عن إيراد الكلمات النابية حتى وهو في مقام الهجاء في شعره . وإذا كان يترسم طريق العفة والشرف والكرامة ، ولا يجيز لنفسه أن يصدر فيه شيء مما يتعاطاه الشعراء حتى أهل النبل والكرامة منهم ، وإذا كان يربأ بنفسه حتى عن وصف الخمرة ومجالس اللهو والغناء ، فإننا لا نستطيع أن نتصوره مشاركا في تلك المجالس أو ممعنا في تناول النبيذ الذي يعتقد حرمته تدينا ، وهو الرجل الزاهد الورع ، والنزيه الجليل ، الشريف النفس ، عالي الهمة ، ولا سيما وهو يعلم أن هذه المجالس ، وتلكم الاحوال لا تخلو من صدور شيء مما يتنافي مع الشرف والكرامة والسؤود . وهكذا ، فإننا نجد أنفسنا مضطرين لقبول قول بعض الباحثين انه رحمه الله : « لم يجالس الخلفاء والظرفاء ، الذين يستخفون بالنواميس في أيام شبيبته » (23) .
____________
(21) حقائق التأويل ، مقدمة الحلي : 53 .
(22) أعيان الشيعة 9 : 217 .
(23) حقائق التأويل ، مقدمة الشيخ عبدالحسين الحلي : 50 .

( 277 )

ويقول : «. . .ولم يكن حتى في إبان شبيبته يسامر الظرفاء ، الذين يغازلون ويتغزلون » (24) .
ويقول : « ونحن لتلك العزة ، وتلك الانفة والمرؤة نذعن انه لاخر نظرة : انه لم يغترف مأثما » (25) .
وثالثا : يقول المعتزلي الحنفي وغيره :
« حدثني فخار بن معد الموسوي ، قال : رأى المفيد في منامه : كأن فاطمة بنت النبي دخلت إليه وهو في مسجده بالكرخ ، ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين ، فسلمتهما إليه ، وقالت : علمهما الفقه !
فانتبه متعجبا ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة دخلت اليه في المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها جواريها ، وبين يديها إبناها محمد وعلي الرضي والمرتضى صغيرين ، فقام اليها وسلم ، فقالت : أيها الشيخ ، هذان ولدان قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه ، فبكى المفيد ، وقص عليها المنام ، وتولى تعليمهما ، وفتح الله عليهما من العلوم ما اشتهر في الافاق » (26) .
الا إن لنا على هذه الرواية ملاحظة ، وهي :
إن هذه الرواية تذكر :
ألف : إن الرضيين رحمهما الله كانا حينا جاءت بهما امهما إلى المفيد صبيين صغيرين .
باء : ان ام الرضيين قد خاطبت المفيد رحمه الله بقولها : « أيها الشيخ » .
مع ان المفيد قد توفي في سنة 413 عن ستة وسبعين عاما ، وقد كانت ولادة المرتضى رحمه الله في سنة 355 وولادة الرضي رحمه الله في سنة 359 هـ . ومعنى ذلك ان عمره رحمه الله كان حين ولادتهما 20 و 22 عاما ، فلو انها أتت بهما إليه وعمرهما عشر
____________
(24) المصدر السابق : 107 .
(25) المصدر السابق : 50 .
(26) راجع شرح النهج للمعتزلي الحنفي 1 : 41 ، وأعيان الشيعة 9 : 216 ، وقاموس الرجال 8 : 147 ، ورجال أبي علي : 292 ترجمة المفيد ، ورجال السيد بحر العلوم 3 : 134 ـ 135 ، والغدير 4 : 184 عن المعتزلي ، وعن صاحب الدرجات الرفيعة .

( 278 )

سنوات أو ثلاث عشرة سنة لكان عمر المفيد آنئذ ما بين الثلاثين والخمس وثلاثين عاما فقد كان في عنفوان شبابه ، فلا يصح منها مخاطبته بـ « أيها الشيخ » ! !
إلا أن الحقيقة هي أن المراد بالشيخ هو : شيخ التعليم ، وقد لقب الشيخ المفيد بالشيخ المفيد وهو في عنفوان شبابه ، واما احتمال أن تكون هذه الكلمة مقحمة من قبل الناقلين اجتهادا منهم ، فهو أيضا غير بعيد :
ومهما يكن من أمر ، فإننا نقطع بأن رواية كوران المغني لا أساس لها من الصحة ، ولعلها من وضع حساد السيد الشريف ، الذي لم يشف ما في صدورهم موت هذا الرجل الفذ ، حتى راحوا يحسدونه حتى على ما يرثيه به الشعراء ويعيبون عليهم رثاءهم له بما يعبر عن سموه وعظمته ، كما كان الحال بالنسبة لمهيار الديلمي ، الذي صمم على أن يكيدهم ويثير المزيد من كوامن حقدهم فراح يرثيه بقصيدة اخرى تظهر المزيد من فضائه وكراماته ، وتشيد بماثره ، وجلائل كرائمه .
فرحم الله الشريف ، ورحم الله مهيارا .