الشيخ جعفر السبحاني
إن الرضي والمرتضى من دوح السيادة ثمرتان ، وفي فلك العلم قمران ، وأدب
الرضي إذا قرن بعلم المرتضى ، كان كالفرند في متن الصارم المنتضى (1) .
وقد وصف أبوالعلاء المعري الشريفين في قصيدة يرثي بها والدهما بقوله :
إلى أن قال :
وروى أهل السير والتواريخ ان المفيد ، أبا عبدالله محمدبن النعمان نابغة العراق ،
ومفخرة الافاق ، رأى في منامه ان فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دخلت عليه
وهو في مسجده في الكرخ ، ومعها ولداها : الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ صغيرين ،
فسلمتهما اليه ، وقالت له : علمهما الفقه ، فانتبه متعجبا من ذلك ، فلما تعالى النهار في
صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا ، دخلت إليه في المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها
جواريها وبين يديها ابناها : محمدالرضي ، وعلي المرتضى صغيرين ، فقام اليها وسلم عليها ،
فقالت له : ايها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلمهما الفقه ، فبكى أبوعبدالله ، وقص عليها المنام ، وتولى تعليمهما الفقه ، وأنعم الله عليهما ، وفتح لهما من
هكذا بدأ العلمان حياتهما الفكرية والعلمية ، ونشئا وترعرعا في مدرسة استاذ واحد ،
غير ان كل واحد انطلق حسب ذوقه ومواهبه الطبيعية ، وفي مجاله الخاص ، فركز الرضي
اهتمامه على العلوم الادبية والشعر والحديث والتفسير ، وهو يتولى نقابة الطالبيين ، إلى غير
ذلك من مهام الامور .
بينما صب المرتضى جهوده على الفقه والكلام ثم التفسير ، ونبغ كل واحد منها في
مجال خاص ، مع اشتراكهما في سائر المجالات العلمية والفكرية .
ولاجل ذلك نجد ان الرضي يراجع أخاه المرتضى في المسائل الفقهية ويطلب منه
حلها .
قال الشهيد الاول في ( الذكرى ) ، والشهيد الثاني في ( الروض ) في مسألة الجاهل
بالقصر في السفر ـ حيث ان الامامية تذهب إلى صحة صلاة الجاهل بالحكم إذا أتم مكان
القصر ـ سأل الرضي أخاه المرتضى وقال : إن الاجماع واقع على أن من صلى صلاة لايعلم
أحكامها فهي غير مجزية ، والجهل باعداد الركعات جهل بأحكامها فلا تكون مجزية ، (
فكيف تكون صلاة الجاهل بوجوب القصر إذا أتم صحيحة ) فأجابه المرتضى بجواز تغير
الحكم الشرعي بسبب الجهل ، وإن كان الجاهل غير معذور (4) .
ما ينبئ عن أن المرتضى يرجع إلى أخيه الرضي في الفنون التي برع فيها أخوه ،
روى السيد نعمة الله الجزائري قال : دخل أبوالحسن ، على السيد المرتضى ـ طاب ثراه ـ يوما
، وكان المرتضى قد نظم أبياتا من الشعر ، فوقف به بحر الشعر فقال : يا أباالحسن خذ هذه
الابيات إلى أخي الرضي قل له يتمها وهي هذه : |
سرى طيف سلمى طارقا فاستفزني فلما انتبهنا للخيـال الـذي سرى فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي |
* * * |
سميرا وصحبي في الفلاة رقود إذ الارض قـفر والمزار بعيد لعل خيـالا طارقا سيــعود |
قال أبوالحسن : فاخذت الابيات ، ومضيت إلى السيد الرضي ، فلما رآها قال : علي
بالمحبرة فكتب :
فأتيت بها إلى المرتضى فلما قرأها ضرب بعمامته الارض ، وقال : يعز علي أخي ، يقتله
الفهم بعد اسبوع ، فما دار الاسبوع إلا وقد مضى الرضي إلى رحمة الله سبحانه (5) .
ومما يكشف عن شدة التلاحم والارتباط والودّ بين هذين الاخوين العلمين ، انه لما توفي
السيد الرضي وحضر الوزير فخر الملك وجميع الاعيان والاشراف والقضاة جنازته والصلاة
عليه ، مضى أخوه المرتضى عن جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ لانه لم
يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه ، وصلى عليه فخر الملك أبو غالب ، ومضى بنفسه آخر
النهار إلى اخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي فألزمه بالعود إلى داره .
نرى ان المرتضى يصب عواطفه الرفيعة وحنانه في الابيات التالية : |
يا للرجال لفجعة جذمت يـدي ما زلت آبى وردها حتى أتت ومطلتها زمنا فلما صممــت لله عمرك من قصير طاهــر |
* * * * |
ووددت لو ذهبت علي براسـي فحسوتها في بعض ما أنا حاسي لم يثنها مطلي وطول مكـاسي ولرب عمر طال بالادناس (6) |
هذا بعض ما حفظ التاريخ من تفاني كل من الاخوين بالنسبة إلى الاخر .
غير أن هناك شرذمة من أهل السير والتراجم لم يتحملوا ما وجدوه بين هذين
الاخوين من العطف والمودة ، والادب والاخلاق والفضائل والمناقب ، فعادوا ينسبون إليهما
ما لاتصح نسبته إلى من هو أدون منهما بدرجات ، وإليك بعض هذه التهم التي تكذبها سيرة
العلمين وحياتهما المشرقة .
1 ـ المرتضى خائض في دماء
يحكى أنه اقتدى الرضي يوما بأخيه المرتضى في بعض صلاته ، فلما فرغ قال :
وربما يحكى أن الرضي بمجرد أن انكشف له
الحالة المزبورة إنصرف من صلاته وأخذ في الويل والعويل ، وأظهر الفزع الطويل في تمام
السبيل إلى أن بلغ المنزل بهذه الحالة ، فلما فرغ المرتضى أتى المنزل من فوره وشكا ما صنعه
به إلى امه ، فعاتبته على ذلك فاعتذر عندها بما ذكر ، وأنه كان يتفكر إذ ذاك في مسألة من
الحيض ، سألتها عنه بعض النسوة في اثناء مجيئه إلى الصلاة (7) .
تساؤلات حول القصة
وهذه القصة تحيط بها إبهامات عديدة وتساؤلات عويصة
نشير اليها :
أولا : هل الفكرة الشرعية الصحيحة إذا راودت ذهن الانسان في اوقات الصلاة أو غيرها توجب تمثل الانسان بنفس تلك الفكرة عند أرباب البصائر وذوي العيون البرزخية ،
الذين يستطيعون مشاهدة ماوراء الحجب والستور ببصائرهم ؟
فلو غاص الانسان في
أحكام السرقة اوحد الزنا والقذف ، فهل يوجب ذلك أن يتمثل المفكر فيها عند من يعاين
الاشياء بأبصار حديدة ، سارقا وزانيا وقاذفا ! ؟ لاأظن أن يتفوه بهذا أي حكيم نابه أو عارف
بصير ، بل لازم تلك البصيرة أن يعاين صاحبها الاشياء على ماهي عليه فيرى مثلا الرضي
صاحب تلك البصيرة أخاه الفقيه على الحالة التي هو عليها ، أي متفكرا ومتعمقا في مسألة
فقهية منشغلا بها لا خائضا في الدماء .
ثانيا : إن القصة تكذب نفسها ، فإن لازم رجوع النساء إلى المرتضى في المسائل
المختصة بالنساء ، هو كون المسؤول من ذوي الشخصيات الضاربة في الاربعين عاما أو
ثالثا : إن القصة ـ على بعض الروايات ـ تصرح بانصراف الرضي عن الصلاة بقطعها
وإبطالها به ، وهو أمر محرم ، ولايسوغ لمثل الرضي ارتكابه .
2 ـ المرتضى شحيح والرضي سخي !
إن هذه التهمة ليست التهمة الوحيدة التي الصقت بالشريف المرتضى ، بل نسجت
الالسنة الحاقدة فرية اخرى أرادوا بها الانتقاص من ذينك العلمين الجليلين ، وإليك واحدة
اخرى من هذه التهم :
قال صاحب كتاب « عمدة الطالب في أنساب ال أبي طالب » : ان
المرتضى كان يبخل ، ولما مات خلف مالا كثيرا وخزانة اشتملت على ثمانين ألف مجلد ،
ولم أسمع مثل ذلك ، وقد أناف القاضي عبدالرحمن الشيباني على جميع من جمع كتبا ،
فاشتملت خزانته على مائة ألف وأربعين ألفا ، وكان المستنصر أودع خزانته في المستنصرية
ثمانين ألفا أيضا (8) .
ثم ان القصاصين لم يكتفوا بهذه التهمة ، وذكروا لها شاهدا ، ونقلوا عن أبي حامد
أحمد بن محمد الاسفرائيني الفقيه الشافعي قال : كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب محمد
بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة ، فدخل عليه الرضي أبوالحسن ، وأجلسه ورفع
من منزلته وخلى ما بيده من الرقاع والقصص ، وأقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف ، ثم دخل
عليه المرتضى أبوالقاسم ـ رحمه الله ـ فلم يعظمه ذلك التعظيم ، ولا أكرمه ذلك الاكرام ،
وتشاغل عنه برقاع يقرؤها ، وتوقيعات يوقع بها ، فجلس قليلا وسأله أمرا فقضاه ثم انصرف .
قال أبوحامد : فتقدمت إليه وقلت له : أصلح الله الوزير ، هذا المرتضى هو الفقيه
قال : وكنت مجمعا على الانصراف ، فجاءني أمر لم يكن في الحساب ، فدعت
الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا ، فلما لم يبق إلا غلمانه
وحجابه ، دعا بالطعام ، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه ، ولم يبق عنده غيري
قال لخادم : هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام ، وأمرتك أن تجعلهما في السفط
الفلاني ، فأحضرهما فقال : هذا كتاب الرضي ، إتصل بي انه قد ولد له ولد ، فأنفذت إليه ألف
دينار ، وقلت له : هذه للقابلة ، فقد جرت العادة أن يحمل الاصدقاء إلى أخلائهم وذوي
مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال ، فردها وكتب الي هذا الكتاب ، فاقرأه ، قال : فقرأته
وهو اعتذار عن الرد ، وفي جملته : إننا أهل بيت لايطلع على أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما
عجائزنا يتولين هذالامر من نسائنا ، ولسن ممن يأخذ اجرة ، ولايقبلن صلة ، قال : فهذا هذا .
واما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الاملاك ببادوريا تقسيطا نصرفه في
حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى ، فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية المعروفة
بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ، ثمنها دينار واحد ، قد كتب الي منذ أيام في هذا
المعنى هذا الكتاب فاقرأه ، فقرأته وهواكثر من مائة سطر ، يتضمن من الخضوع والخشوع
والاستمالة والهز والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن املاكه المشار إليها ما
يطول شرحه .
قال فخر الملك : فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل ؟ هذا العالم المتكلم الفقيه
الاوحد ، ونفسه هذه النفس أم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة ، ونفسه تلك النفس ،
فقلت : وفق الله تعالى سيدنا الوزير فما زال موفقا ، والله ما وضع سيدنا الوزير الامر إلا في
موضعه ، ولا أحله إلا في محله ، وقمت فانصرفت (9) .
قرائن تكذب هذه القصة
إن هناك قرائن وشواهد قوية على ان القصة حديث كاذب وتهمة مختلقة ، واليك
1 ـ إن السيد المرتضى ـ وهوذلك الرجل الصدوق ـ ينص بنفسه على انه لم يكن
يرى لثروته الطائلة قيمة تجاه مكارمه وكراماته وكان يقول :|
وما حزني الاملاق والثروة التـي أليـس يبقـى المال إلا ضنـانة إذا لم أنل بالمال حاجـة معـسر |
* * * |
يــذل بـها أهـل الـيسار ضـلال وأفقــر أقـوامـا نـدى ونــوال حصور عن الشكوى فمالي مال (10) |
أفترى ان صاحب هذه النفسية القوية يكتب لاعفاء عشرين درهما ، مائة سطر تتضمن
الخضوع والخشوع ! ؟
2 ـ إن الشريف المرتضى تقلد بعد أخيه الرضي نقابة الشرفاء شرقا وغربا ، وإمارة
الحاج والحرمين ، والنظر في المظالم ، وقضاء القضاة ثلاثين سنة ، وذلك من عام 406 ( وهو
العام الذي توفي فيه أخوه الرضي ) إلى عام 436 الذي توفي فيه الشريف المرتضى نفسه .
أفهل يمكن أن يقوم بأعباء مثل هذه المسؤولية الاجتماعية من يبخل بدينار واحد
يصرفه فخر الملك في حفر نهر ، تعود فائدته إلى الجميع ، ويكتب في إسقاطه اكثر من مائة
سطر .
هذا والحجيج بين شاكر لكلاءته ، وذاكر لمقدرته ، ومطر لاخلاقه ، ومتبرك بفضائله ،
ومثن على أياديه ، وهذا يفيد أن الشريف المرتضى كان كأخيه الرضي سخيا معطيا ولم يكن
يرى للمال قيمة .
3 ـ إن ابن خلكان بعدما عرفه بقوله : كان إماما في علم الكلام والادب والشعر ، أتى
بقصة حكاها الخطيب التبريزي ، وهي بنفسها أقوى شاهد على أن السيد كان ذا سماحة كبيرة .
قال الخطيب : إن أبا الحسن علي بن احمد علي بن سلك الفالي الاديب كان له نسخة
لكتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة ، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها ، فاشتراها
الشريف المرتضى بستين دينارا ، فتصفحها فوجد فيها أبياتا بخط بائعها ، والابيات قوله : |
وما كان ظنـي أنني سـأبيعها ولكن لضـعف وافتقار وصبية فقلت ولـم أملك سوابق عبرتي وقد تخرج الحاجات يا ام مالك |
* * * * |
ولو خلدتني في السجون ديوني صغار ، عليهم تـستهل شؤوني مقالة مكـوي الفـؤاد حـزين كرائم مـن رب بهـن ضنيـن |
وقال الخطيب : فأرجع السيد النسخة إليه ، وترك له الدنانير (11) .
أفهل في وسع البخيل الشحيح المقدم على التنقيص من كرامته لاجل إسقاط دينار ضرب
عليه لحضرته ، أن تسخو نفسه وتجود بمثل هذه الدنانير ! ؟
4 ـ روى أصحاب التراجم ؛ إن
السيد المرتضى كان يجري الرزق على جميع تلامذته ، حتى انه قرر للشيخ الطوسي كل شهر ـ
أيام قراءته عليه ـ إثني عشر دينارا ، وعلى ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير ، ليتفرغوا بكل
جهدهم إلى الدراسة ، من غير تفكر في أزمات المعيشة (12) .
أفي وسع القارئ أن يتهم من يدر من ماله الطاهر ، أو مما يصل إليه من الناس من الحقوق
الشرعية ، على تلامذته الكثيرين البالغ عددهم المئات ، هذه الرواتب الكبيرة ، أن يشح
ويبخل بدينار ، ويكتب في إسقاطه مائة سطر ؟ !
5 ـ إن الشريف الرضي كان قد وقف قرية
على كاغذ الفقهاء ، حتى لايواجه الفقهاء أية أزمات في لوازم الكتابة والتحرير .
6 ـ وقد روي ان السيد المرتضى كان يملك قرى كثيرة واقعة بين بغداد وكربلاء ، وكانت
معمورة في الغاية ، وقد نقل في وصف عمارتها ؛ إنه كان بين بغداد وكربلاء نهر كبير ، وعلى
حافتي النهر كانت القرى إلى الفرات ، وكان يعمل في ذلك السفائن ، فإذا كان في موسم الثمار
كانت السفائن المارة في ذلك النهر تمتلئ مما سقط من تلك الاشجار الواقعة على حافتي
النهر ، وكان الناس يأكلون منها من دون مانع (13) .
7 ـ قد نقل أصحاب السيران الناس أصابهم في بعض السنين قحط شديد ، فاحتال رجل
يهودي على تحصيل قوته ، فحضر يوما مجلس الشريف المرتضى ، وسأله أن يأذن له
8 ـ إن ياقوت الحموي نص في معجم الادباء ( 3 : 154 ) على ان المرتضى كان
يدخل عليه من أملاكه كل سنة أربعة وعشرون ألف دينار .
9 ـ إن الشريف المرتضى هو أول من جعل داره دارالعلم ، وقدرها للمناظرة ويقال :
انه امر ولم يبلغ العشرين ، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا بالعلم والعمل الكثير ، والموظبة
على تلاوة القرآن وقيام الليل ، وإفادة العلم ، وكان لايؤثر على العلم شيئا مع البلاغة وفصاحة
اللهجة .
وحكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي انه قال : كان الشريف المرتضى ثابت الجأش
، ينطق بلسان المعرفة ويردد الكلمة المسددة ، فتمرق مروق السهم من الرمية ما اصاب
أصمى وما أخطأ أشوى (15) .
والقارئ الكريم إذا لاحظ ما ذكرناه في هذه البنود الخمسة الاخيرة ، يقف على تفاهة
ما نسب إلى هذا العلم من تلك القصة المنحوتة المختلقة .
10 ـ ان القصة تتضمن ان فخر الملك لم يعظم المرتضى بما يليق بشأنه ، وتشاغل عنه
برقاع يقرؤها ، وتوقيعات يوقع بها ، ولكن الفخر هذا قد عظم المرتضى بأفضل ما يمكن
يوم مات الشريف الرضي ، حيث ان المرتضى لم يشهد جنازة اخيه ، ولم يستطع أن ينظر إلى
تابوته ، وذهب إلى مشهد موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ ، ومضى فخرالملك بنفسه آخر
النهار إلى المشهد الكاظمي ، واستدعى من السيد العود إلى داره ببغداد .
فبأي هذين الموقفين نؤمن ؟
هذه القرائن والشواهد تشهد بوضوح على بطلان هذه القصة الخرافية ، وتدل على ان
ناسجها نسجها في غير موضعها .
11 ـ قد اشتهر على ألسن العلماء انه لما اتفقت فقهاء العامة على حصر المذاهب
الفقهية الاسلامية التي تعددت وتشعبت من زمان الصحابة والتابعين ، ومن تبعهم إلى عصر
السيد المرتضى في مذاهب معينة ، التقى السيد المرتضى بالخليفة ، وتعهد له ان يأخذ
وهذه القصة ـ سواء صحت أم لا ـ تكشف عن أن السيد كان بمثابة من السخاء ، بحيث
أمكن نسبة هذه القصة اليه .
12 ـ هذا هوالدفاع الصحيح عن كرامة السيد الجليل ، ودحض القصة بهذه القرائن
المفيدة للعلم وبطلانها ، والعجب ان صاحب الروضات ـ بعد ما نقل تلك القصة المختلفة
إنبرى للدفاع عن السيد بمانقله عن السيد الجزائري بقوله : كأن الوزير فخرالملك لم يحقق
معنى علو الهمة ، فلذا عاب الامر على الشريف المرتضى ، وإنما كان عليه غضاضة لو كان
سائلا لها من أموال الوزير ، وما فعله الشريف عند التحقيق من جملة علو الهمة ، وذلك أنه
دفع عن ملكه بدعة لو لم يتداركها بقيت على ملكه ، وربما وضعت من قدره عند أهل الاملاك
وغيرهم ، وكما أنه ورد في الحديث ؛ المؤمن ينبغي له الحرص على حيازة أمواله الحلال كي
ينفقه في سبيل الطاعات ، كما كانت عادة جده أبي طالب بن عبد المطلب ، فانه كان يباشر جبر
ما انكسر من مواشيه وأنعامه ، فإذا جاء الوافد إليه وهبها مع رعاتها له (17) .
غير انه كان من الواجب على السيد الجزائري وصاحب الروضات أن يبطلا هذه القصة
من أساسها للقرائن والشواهد التي ألمحنا إلى بعضها ، كما كان عليهما أن يتمسكا في المقام
بما روي عن علي ـ عليه السلام ـ من ان أفضل المال ما وقي به العرض ، وقضيت به الحقوق
(18) .
الشريف الرضي
قد عرفت ما في كنانة القصاصين من التهم الباطلة الموجهة إلى الشريف المرتضى .
فهلم الان إلى ما اختلقه الاخرون ممن يحملون الحقد والبغض لابناء البيت العلوي
حول الشريف الرضي وإن نقله أصحاب التراجم من غير دقة وتحقيق .
قالوا : كان الرضي ينسب إلى الافراط في عقاب الجاني ، وله في ذلك حكايات ، منها
، إن امرأة علوية شكت إليه زوجها وإنه لايقوم بمؤونتها ، وشهد لها من حضر بالصدق في ما
ذكرت ، فاستحضره الشريف وأمر به فبطح وامر بضربه فضرب ، والمرأة تنظر أن يكف ،
والامر يزيد حتى جاوز ضربه مائة خشبة ، فصاحت المرأة : « وايتم أولادي » كيف يكون حالنا
إذا مات هذا ؟ فكلمها الشريف بكلام فظ ، وقال : ظننت أنك تشكينه إلى المعلم ؟ (19) .
لاشك انه كان من وظيفة الشريف الرضي نصح الزوج ، ودعوته إلى الرفق بالمرأة
والقيام بلوازم حياتها ، لا الامر ببطحه وضربه ضربا كاد يقضي على حياة الزوج .
وعلى فرض ان الشريف كان آيسا عن تأثير النصح في ذلك الرجل ، كان يجب عليه
القيام بما جاء به الشرع في مورد التعزيرات ، إذ لا شك ان ذلك المورد ليس من موارد الحدود
، بل من موارد التعزيرات ، فإن الحدود ما جاء به الشرع بمقرر وحد خاص ، وأسبابه كما في «
الشرائع » على ما قرر في الفقه ستة : الزنا ، وما يتبعه ، والقذف ، وشرب الخمر ، والسرقة ،
وقطع الطريق .
والمورد ليس من تلك الموارد ففيه التعزير ، وقد قرر في محله أنه يجب أن يكون
التعزيز أقل من الحد .
روى حماد بن عثمان ، عن الصادق ـ عليه السلام ـ قال ، قلت له : كم التعزير ؟ فقال :
دون الحد ، قال ، قلت : دون ثمانين ؟ قال : لا ، ولكن دون أربعين فإنها حد المملوك ، قلت :
وكم ذاك ؟ قال : على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة
وبما أن حد القاذف في الحر هو ثمانون جلدة ، فلو قلنا بأن حد المملوك فيه نصف ما
على الحر ، يصير الحد المقرر هو أربعون جلدة ، قال تعالى : « فإن اتين بفاحشة فعليهن نصف
ما على المحصنات من العذاب » (21) ، فيجب أن يكون التعزيز على هذا دون الاربعين .
وفي خبرالقاسم بن سليمان : سئل الصادق ( ع ) عن العبد إذا افترى على الحر ، كم
يجلد ؟ قال : أربعين (22) .
ولو قلنا بأنه لايشترط في الثمانين الحرية وإن حد القاذف في الحر والعبد سواء ـ كما
هو المشهور ـ وإن الفاحشة ( في الاية ) التي تصرح باختلاف حد الحر مع العبد ظاهرة في الزنا
فقط ، وحدها ـ حسب تصريح الذكر الحكيم ـ هو مائة جلدة ، يكون أقل الحد هو خمسون (23) .
وإن قلنا : إن قوله : « دون الحد » منصرف عن حدود العبد والامة ، لان الاحكام
المتعلقة بهما في الاسلام ، أحكام موقتة ثابتة ما دامت الرقية موجودة ، فإذا ارتفع الموضوع
ولم يوجد في أديم الارض أية رقية ، ترتفع أحكامها بارتفاع موضوعها ، والناظر في التشريع
الاسلامي يقف على أن الشارع اهتم بتحرير العبيد والاماء بطرق كثيرة كادت تقضي على
حديث الرقية ، وإن الحكومات القائمة باسم الاسلام ما قامت بوظيفتها في ذاك المجال .
فلو قلنا بذلك الانصراف ، وقلنا بإن ما ورد في حد القيادة من أنه يضرب ثلاثة أرباع
الزاني خمسة وسبعين سوطا (24) ، حد لاتعزير ولا توضيح لاحد مصاديقه يكون « أقل
الحد » هو أربعة وسبعون سوطا فما دونه ، وعلى كل تقدير ليس في الفقه الامامي
تعزير يتجاوز عن المائة ، وكان الرضي يعمل بالفقه الامامي ويعتنقه ، وليس ممن يخفى
وما نرى ذلك إلا فرية أراد الجاعل الحط بها من مكانة السيد الشريف قدس الله روحه .
وقد روي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ إن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أمر قنبرا أن
يضرب رجلا حدا ، فغلط قنبر ، فزاده ثلاثة أسواط ، فأقاده علي عليه السلام من قنبر
بثلاثة اسواط (25) .
إن الشريف الرضي هو الذي يعرفه ابن الجوزي في المنتظم : كان الرضي نقيب
الطالبيين ببغداد ، حفظ القرآن في مدة يسيرة ، بعد أن جاوز ثلاثين سنة ، وعرف من الفقه
والفرائض طرفاً قوياً ، وكان عالماً فاضلاً وشاعراً مترسلاً وعفيفاً عالي الهمة ، متديناً إشترى
في بعض الايام جزازاً من امرأة ، بخمسة دراهم فوجد جزءاً بخط أبي علي بن مقلة ، فقال
للدلال : إحضر المرأة فأحضرها ، فقال : قد وجدت في الجزاز جزءاً بخط ابن مقلة ، فإن أردت
الجزء فخديه ، وإن اخترت ثمنه فهذه خمسة دراهم ، فأخذتها ، ودعت له وانصرفت (26) .
فمن كان هذا مبلغ تقواه وورعه ، لايقدم على معاقبة الزوج أمام زوجته بتلك المعاقبة
الخشنة الخارجة عن حدود الشرع .
هذا ابن أبي الحديد يعرفه في كتابه بقوله : كان عفيفاً شريف النفس ، عالي الهمة
ملتزماً بالدين ، وقوانينه ، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة (27) .
وهذا الرفاعي يعرفه في صحاح الاخبار بقوله : كان أشعر قريش .
وذلك لان الشاعر المجيد من قريش ليس بمكثر ، والمكثر ليس بمجيد ،
والرضي جمع بين فضلي الاكثار والاجادة ، وكان صاحب ورع وعفة ، وعدل في الاقضية ،
وهيبة في النفوس (28) .
فمن كان عفيفاً شريف النفس ملتزماً بالدين وقوانينه ، وكان صاحب ورع وعفه
، وعدل في الاقضيه ، أترى يتجاوز عن حدود الشريعة ويرتكب مالا يرتكبه من له أدنى علم
وورع ؟ ما هكذا تورد يا سعد الابل ؟
لقد تولى الشريف نقابة الطالبيين ، وإمارة الحج ، والنظر
في المظالم سنه 380 وهو ابن واحد وعشرين سنة على عهد الطائع ، وصدرت الاوامر بذلك
من بهاء الدولة وهو بالبصرة عام 397 ، ثم عهد اليه في 16 محرم عام 403 بولاية امور
الطالبيين في جميع البلاد فدعي نقيب النقباء ، وتلك المرتبة لم يبلغها أحد من أهل البيت إلا
الامام علي بن موسى الرضا ـ سلام الله عليه ـ الذي كانت له ولاية عهد المأمون ، واتيحت
للشريف الخلافة على الحرمين على عهد القادر (29) .
والنقابة موضوعة لصيانة ذوي الانساب الشريفة عن ولاية من لايكافؤهم في النسب
، ولايساويهم في الشرف ، ليكون عليهم أحبى ، وأمره فيهم امضى ، وهي على ضربين :
خاصة وعامة ، اما الخاصة فهي أن يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم
وإقامة حد ، فلا يكون العلم معتبرا في شروطها ، ويلزمه في النقابه على أهله من حقوق النظر
إثنا عشر حقا ، وقد ذكرها الماوردي في الاحكام السلطانية .
واما النقابه العامة ، فعمومها أن يرد إلى النقيب في النقابة عليهم مع ما قدمناه من
حقوق النظر ، خمسة أشياء :
1 ـ الحكم بينهم في ما تنازعوا فيه .
2 ـ الولاية على أيتامهم في ما ملكوه .
3 ـ إقامة الحدود عليهم في ما ارتكبوه .
4 ـ تزويج الايامى اللاتي لايتعين أولياؤهن أو قد تعينوا فعضلوهن .
5 ـ إيقاع الحجر على من عته منهم ، أو سفه وفكه إذا أفاق ورشد .
فيصير بهذه الخمسة عام النقابة ، فيعتبر في صحة نقابته وعد ولايته أن يكون عالما من
أهل الاجتهاد ليصح حكمه ، وينفذ قضاؤه (30) .
فمن تصدى لهذه المناصب الخطيرة أعواما وسنين عديدة مضافا إلى ولاية المظالم
كل ما مر عليك من الاكاذيب والتهم كان يختص إما بالشريف الرضي أو أخيه
المرتضى ، وكان الهدف من وراء وضع هذه التهم تكبير هذا بتصغير ذاك أو بالعكس ، هذا
يرشد إلى ان كليهما كانا موضع حقد البعض وبغضهم وحسدهم ، لا أحدهما خاصة .
ويؤيد ذلك ما اتهما به على وجه الاشتراك ، وأول ما رميا به ما ذكره ابن خلكان في
تاريخه إذ قال : إختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب ،
هل هو جمعه ، أو جمع أخيه الرضي ، وقد قيل انه ليس من كلام « علي » إنما الذي جمعه
ونسبه اليه ، هوالذي وضعه (31) .
وتبعه اليافعي ـ من دون تحقيق ـ وردد نفس ما قاله ابن خلكان في تاريخه (32) .
فما تورط فيه هذان الكاتبان من نسبة الكتاب إلى علم الهدى واتهامه بوضعه أو عزو
ذلك إلى سيدنا الشريف الرضي ، مما لايقام له في سوق الحقائق وزن ، وليس له مناخ إلا
حيث تربض فيه العصبية العمياء وهو يكشف عن جهل اولئك .
وبما انه قد قام عدة من المحققين بنقد هذه النسبة بوضع تاليف قيمة حول : ما هو
نهج البلاغة ؟ وذكر مصادره المؤلفة قبل أن يولد الرضي أو الشريف المرتضى ، فنحن نضرب
عن ذلك صفحا ونمر عليه كراما .
وفي كتاب مصادر نهج البلاغة للعلامة الخطيب السيد عبدالزهراء الحسني ، وما كتبه
الاستاذ عبدالله نعمة ، وما أفرده العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في ذلك المضمار ،
وطبع مع كتابه مستدرك نهج البلاغة غنى وكفاية في دحض الشبهة ، وإبطال الفرية ، والله
الهادي .