في هذا التطواف الموجز في مؤلفات الشريف الرضي سواء منها المطبوع الذي اطلعنا عليه ،
أو المخطوط الذي لم نطلع عليه ، نستفيد أن مترجمنا الشريف رغم الظروف القاسية التي مرت به وخاصة في
بداية حياته ، أمكن أن ينتج عددا من الكتب في مختلف المجالات تدل على سعة معرفته .
أما من الناحية الشعرية ، والتي اشتهر بها كشاعر كبير فقد عرفته المصادر الادبية بأنه « أشعر الطالبيين
، من مضى منهم ومن غبر ، على كثرة شعرائهم المفلقين .. . ولو قلت انه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق » (85) ، واننا سوف نتعرض لهذا المجال في الفصل
الخاص بشعره .
ثالثا ـ الشاعر والطموح :
وحين نتحدث عن الشاعر والطموح ، فاننا نرى هذين الوصفين ملازمان
للشريف الرضي بأجلى مظاهرهما ، وبأروع سماتهما المشرقة ، ولقد عاش الطموح في قلب الشاعر ليصوغ
من آماله جذوة تتوهج للوصول إلى ما يصبو اليه في مسيرته الحياتية ، وتحقيق ما يريده .
إن الطموح الذي عاشه الشريف الرضي ، يعد الصيغة النهائية في قائمة التسلق فهو يطلب « الخلافة »
، ولعلنا نتلمس وضوح هذا في ثنايا حديثه .
ذلك الامل الذي عشقه كل العشق ، وهام به ، وصار يناغيه طوال النهار ، وفي ظلام الليل ، وانعكس
على شعره ، وتعملق إلى مقابلة الحاكمين يهددهم تارة ويتوعدهم اخرى ، ولاخير في فتى عشق المجد فأخذ
يصعد إليه ، ولكن لو خانته الظروف والايام فليس له من سبيل .
1 ـ الشاعر :
الشريف الرضي إلى جانب كونه من أعلام الفقه والتفسير فقد اشتهر بالشعر الرائع ويعد
من كبار شعراء عصره ، حتى قال فيه الثعالبي (86) : « . . .
هو من أشعر
وأكد أبوالحسن الباخرزي (88) هذه الخاصية فقال عنها :
« وله شعر إذا افتخر به أدرك من المجد
أقاصيه ، وعقد بالنجم نواصيه ، وإذا نسب انتسبت الرقة إلى نسيبه ، وفاز بالقدح المعلى من نصيبه .
حتى لو أنشد الراوي غزلياته بين يدي العزهاة (89) لقال له من العزهات ، واذا وصف فكلامه في
الاوصاف أحسن من الوصائف والوصاف ، وان مدح تحيرت فيه الاوهام بين مادح وممدوح .
له بين المتراهنين في الحلبتين سبق سابح مروح ، وإن نثر حمدت منه الاثر ، ورأيت هنالك خرزات
من العقد تنفض ، وقطرات من المزن ترفض .
ولعمري ان بغداد قد أنجبت به فبوأته ظلالها ، وأرضعته زلالها ، وأنشقته شمالها ، وورد شعره
دجلتها ، فشرب منها حتى شرق ، وانغمس فيها حتى كاد أن يقال غرق ، وكلما أنشدت محاسن كلامه تنزهت
بغداد في نضرة نعيمها وأنشقت من أنفاس الهجير بمراوح نسيمها » (90) .
وعلى هذا المنوال سار كثير ممن ترجموه فساقوا الفقرات تلو الفقرات ، وصاغوا الكلمات الرائعة
التي تعبر عن مكانة الشريف الرضي في ميدان الشعر ، وانه أحد لوامعه ، بل وجه طالع من وجوهه البارزة .
راجع ترجمته في : الزركلي : 4 | 311 .
وحين نتصفح شعر الرضي نجده حافلا بالاغراض الشعرية التي تنسجم مع عصره الذي
حفل بالعلم ، وتوج بالادب ، وتغنى بالشعر ، ذلك العصر الذي حكمه آل بويه ، وتربعوا دست سلطانه ، ورغم
الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي رافقت عصرهم ، « فقد عنوا بالادب ، ورعوه أيما رعاية ، ووصل بهم
الاهتمام برجاله إلى أن يستوزروا كبار الكتاب ، حتى صار شعار الاختيار للوزارة : القدرة الادارية ، والقدرة
البلاغية » (91) .
ويعضد هذا الرأي ما ذكر عن أبي بكر الخوارزمي أنه « كان ينادم عضد الدولة بعض الادباء
الظرفاء ويحاضر ، بالاوصاف والتشبيهات ، ولايحضر شيء من الطعام والشراب والاتهما وغيرها إلا وأنشد فيه
لنفسه أو لغيره شعرا حسنا » (92) .
وكان هذا العامل إلى جانب عامل آخر هو الانفتاح الفكري الذي ازدهر في القرن الرابع الهجري ـ
نتيجة توسع رقعة العهد العباسي ، وامتزاج الحضارات غير الاسلامية بالمسلمين العرب ، وأدى إلى ظهور عصر
الابتكارات ، والخلق في مجالات العلم عند العرب (93) ، بحيث أصبح ذلك العصر لامعا بالثقافة والمعرفة ـ
ترك بصمات واضحة من ملامح الشريف الرضي في المجتمع الذي عاشه في بغداد .
وفي ذلك العهد بالذات برزفيه بروزا ميزه عن غيره من شعراء العصر وأفاضله .
وحياة بغداد بكل جوانبها وأجوائها الحلوة والمرة عاشها الرضي كشاعر نبض قلبه بالواقع المهموم ،
ورسم في ذهنه صور الامل المشرق الذي يخامر كل إنسان طموح يحاول أن يتسلق المجد ، فتقف دونه عواثر
الزمن ، وتملأ عينيه صهوات النزال ، وحين يحاول ركوب الشوط تجهد فيه القوادم ، حتى تمزق الدنيا التي
فرش لها الدرب وردا ، فتاهت نشوة النظارة عليها دون رأفة .
يقولون عنه : « الشريف الرضي كان يرى الدنيا يعين الرجل المثقف ـ المثقف
كان الشريف في حرب شعواء بين القلب والعقل ، وكان يطمح في أن يجمع لنفسه جميع اقطار
المجد ، فيكون من ائمة الفقهاء ، وأقطاب الشعراء ، وأعيان الخلفاء ، وقد ضاعت أمانيه ضياع الزهر في الوادي
الجديب ، ولم يبق منها غير الامامة في الشعر والبيان » (94) .
يقول الشريف ، وفي قلبه لوعة ، وعلى شفتيه حرقة :|
توقعي أن يقال قد ظعنــــا يادار قل الصديق فيك فمـــا كيف يهاب الحمـام منصلـت لم يلبث الثوب من توقعـــه أعطشه الدهر من مطالبـــه |
* * * * * |
ما أنـت لي منزلا ولا وطنــــا احـس ودا ، ولا أرى سكنــــا مذ خاف غـــدر الزمان ماأمنا ؟ للامـر إلا وظنــه كفنـــــا فراح يستمطر القنـــــا اللـدنا |
ثم يكبح الشريف جماح قريحته من الاسترسال في نفذ الاهات المحزنة التي ملأت صدره لينفجر عن نفسية
عملاقة تربط الحاضر المؤلم بالماضي الشاخص ، فيقول : |
لي مهجة لا أرى لها عوضـــــــا ولا ثمنا ـ ماضرنا أننـــا بلا جــدة سوف ترى أن نيل آخرنــــــــا وأن ما بز من مقـــــادمنـــــا لابلغ العز ، أو يقال فتــــــــى |
* * * * * |
غــير بلـــوغ الـعلا ـ ولا ثمنـا والبيت والركن ، والمـــــــقام لنا من العلا فوق نيل أولنـــــــــا يخلفه الله فـي عقائلنـــــــا(95) جنت عليه يد الـردى وجنـــى (96) |
إن هذه الحرقة التي لفعت أبياته تعبر عن أحاسيس كانت تطغى في نفس الشاعر ، حتى لكأنها ثورة يأس
تنخر في أضلاعه ، لكنها تشب دفعة زخما حماسيا يقارع الحنين المتجهم إلى تذكر بالواقع المرتبط ببيته
العلوي .
وإن هذا الشاعر الطموح حين نحاول أن نتلمس مدارج طموحه ، وهل حقق من
2 ـ اغاني الطموح :
للرضي آمال عذاب ، نمت معه وهو فتى ، أرهقه الزمان ولم تكتحل بعد عيناه بالعقد الثاني من
عمره ، فشمر لها بعنفوان الرجل الصلد ، وتدرع في سبيل الصعود من أجل تحقيقها بقوة الابطال ، ثم خاض
غمار الايام وهو صوال جوال فيها ، وكان أمله العذب لا يفتر من ذكراه ، ولا يبعد رسومه من حنينه كلما واتته
الفرصة ، انه يتطلع اليه ، وينتظر النور في الصباح الباكر ، ليرصد خطوات الشمس حتى يترجم أحلامه إلى عمل
، ويستقبل أصحابه ليحكي لهم قصة الطموح الذي ملأ كل قلبه ، وسيطر على مشاعره ، وما هدأ لسانه عن
التغني به ، يغني وآماله مشدودة إلى النجوم ، لايريد أن ينظر إلى الارض بل إلى العلى ، وجناحا النسر لا
يخفقان هلعا من مقابلة العاصفة ، فانه أقوى مضاء منها ، يقول :|
أرى نفسي تتوق إلى النجــــــوم وإن أذى الهموم على فــــــؤادي واني ان صبرت ثنيت عـــزمــي ولي أمل كصدر الرمـــح مــاض |
* * * * |
ساحملها علــــــى الخطر العظيــم أضر مـــــن النصول على أديمــي علـــــى طرف من البلوى أليــــم سوى ان الليالي مــن خصومــي (97) |
بماذا تتوق نفس الرضي ، وسيحملها من أجل ذلك على خطر عظيم ؟ هل غير الطموح الذي يتلهف له كلما
مر عليه ليل ، وأشرق على ناظريه صبح ، قد تكون نقابة الطالبيين همه بعد أن كانت بردا لابيه الشريف ، فانسلخ
عنها حين غضب عليه عضد الدولة ، فصرفها عنه ، وثم بعد فترة من الزمن أتت اليه وتحلى ببردها ، لكن هذه
لم تخفف من نجواه ، إنه يصرح بأنها لم تكن بغيته الحقيقية ، فيقول :
إذا ليست نقابة الطالبيين هي الامل المنتظر للشريف الرضي ، لابد أن نغذ السير معه في آماله العريضة لنرصد
ما يريد ، انه يكاد يوضح معالمها في هذه الابيات : |
وعن قرب سيشـغلني زمــاني ومالي من لقاء الـــموت بـد سألتمس الــعلا امــا بعرب |
* * * |
برعي الناس عن رعـي القروم (99) فما لــي لاأشد لـــــه حزيمي يروون اللهاذم (100)أو بروم (101) |
وفي هذه الابيات دلالة قوية على الامر الذي يكاد يتفجر في نفسه ، ذلك الذي سوف يقصده ، حتى وإن
اقتضى منه حياته ، فهو قادم عليه اما بقوة العرب أو الروم .
لنبحث عن هذا الهاجس الذي يكمن في ذهن الشريف الرضي ، ويحاول أن ينساب من ثنايا التلميح
والاشارات التي تبدو من خلال شعره ، ولعلنا نمسك بأول الخيط حين نقرأ قصيدته التي يمدح فيها والده عام
374 هـ وهو قيد الاقامة الجبرية في فارس ، يقول فيها :
هذه بداية الطموح ، فهو لم يصل بعد السادسة عشر من عمره ويتمنى الخلافة لابيه ثم ينعطف في البيت
الثاني منتظرا هذا الامل الرائع الذي انبلج في ذهنه ، كأنه الصبح فبقي ينشر ضوءه على طول الايام .
ثم يستمر في مناغاة هذا الامل ، حيث يشير إليه مرة ضمن قصيدة يقول فيها :
وحتى إذا
بلغ العشرين من عمره ينفجر في صريح امنيته ، ولايهاب من حوله مهما كانت سطوته وسلطته ، فالموت أولى
لإنسان يحمل هموم الطموح ولا يصل اليه .
يريح ويستريح ، يقول في مطلعها :
إلى أن يقول : |
فيا منبتي هل أنت بالعز مورقــــي أما كملت عند الخطوب تجـاربـــي أما أنا موزون بكل خليـــــــفة الست من القوم الاولى قد تسلقـــوا |
* * * * |
حنانيك كم أبقـى وقـد طـال منبتــي (105)خلصـت عنـد الامـور رويتـي أرى أنفا من ان يـكون خليفتـــــي ديون العلى قبل الورى في الاظلة (106) |
ان هذه القصيدة كشفت عن أمل الرضي ، وهو
يشجب فيها صريحا أن يكون الخليفة العباسي خليفته ، ويعرض بالعباسيين بوضوح ، وبدون أية مجاملة ، فهو
نراه يقول بكل جرأة : « تريدون ان نوطى وأنتم أعزة » لايمكن ذلك ، إذ لانص عليهم من كتاب أو سنة ، فهو إذا
غير متاق ولا مبالغ حين يعلن سخطه ويضيق بالواقع الذي فرض عليه ، فيقول عام 387 هـ :
إذا فهو يطلب الخلافة .
ليست زيادة لبني العباس عليه فيها ، وسوف نشير إلى أبيات يخاطب فيها القادر العباسي : |
عطفا أميرالمؤمنين فإننــــا ما بيننا يوم الفخار تفـــاوت إلا الخلافة ميزتك فإننــــي |
* * * |
في دوحة العلياء لانتفــــرق أبدا كلانا في العلاء مـــعرق أنا عاطل منها وأنـــت مطوق |
وبعض المصادر التي تثبت ترجمة الشريف الرضي تشير
إلى تطلعه للخلافة فابن أبي الحديد يقول (108) : « وكان الرضي لعلو همته تنازعه نفسه إلى امور عظيمة
يجيش بها خاطره ، وينظمها في شعره ، ولايجد من الدهر عليها مساعدة ، فيذوب كمدا ، ويغني وجدا ،
حتى توفي ولم يبلغ غرضا » (109) .
ثم يستشهد ابن أبي الحديد ببعض شعر الشريف في هذا الصدد ، فيقول ، ومنها : |
ما أنا للـعلياء إن لــم يكـن ولامشت بي الخيل إن لـم أطأ |
* * |
من ولـدي ما كان من والـدي سرير هذا الاغلب الماجد (110) |
وهو يشير بذلك إلى الخليفة العباسي .
إن الشريف الرضي عاش هذا الطموح ، وراح يتغنى فيه فترة من الزمن ، تارة بالكناية واخرى
بالصراحة ، فهو يقول :
وهو يتوقع القتل والعنف في سبيل غايته ، لان القضية التي
يغامر من أجلها ليست
انظر ترجمته في : أعلام الزركلي : 4 | 60 .|
متى أرىالزوراء مرتـــجة يصيح فيها الموت عن ألسـن متى أرى البيض وقد أمطرت |
* * * |
تمطر بالبيض الضبـى أو تراح من العوالي والمواضي فصـاح سيل دم يغلب سيل البـــطاح |
إلى أن يقول :
والظاهر أن
طموح الرضي بلغ إلى حد الوصول للخلافة واقعة لا يمكن نكرانها ، فالذي ذكرناه شواهد قوية تثبت صحة
الادعاء ، وعلينا ونحن أمام هذه الحقيقة أن نبحث بواعث هذا الطموح الذي دفع بالشريف إلى هذا الحد .
من الممكن حصر هذه الدوافع بالاتي :
1 ـ ان الرضي من أسرة علوية دينية ، لها وجودها الديني
والاجتماعي في الاوساط الشيعية ومن مرتكزات هذه الطائفة أحقية أبناء الامام علي ( ع ) بالخلافة ، وإن بني
العباس ـ في رأيهم ـ سرقوها من أبناء عمهم ، بعد أن وصلوا إليها بالدعوة لهم ، ويشير إلى هذا في قصيدة جاء
فيها : |
جدي النبـــــي ، وامي بنته ، وأبي لقصدنا تتـــمطى كل راقصــــة لنا المقـــــام ، وبيت الله حجرتـه |
* * * |
وصيـــه ، وجدودي خيرة الامــم هوجـــاء تخبط هام الصخر والرجم في المجد ثابتة الاطناب والدعم (113) |
ومن هذا
المنطلق نرى الرضي يعرض بالعهدين الاموي والعباسي تعريضا يشير إلى جذور عميقة تصل إلى اعتقاده
بغصب الخلافة من بني هاشم ، يقول في قصيدة يرثي بها جده الامام الحسين بن علي عليهما السلام : |
ويارب أدنى من امية لحمــة طبعنا لهم سيفا فكنا لحـــده ألا ليس فعل الاولين وإن علا |
* * * |
رمونا على الشنآن رمي الجلامد ضرائب عن ايمانهم والسواعـد على قبح فعل الاخرين بــزائد |
2 ـ إن وصول البويهيين إلى حكم العراق ، وامتداد سلطانهم
حتى على الخلفاء العباسيين بحيث أصبح بإمكانهم أن يخلعوا خليفة عباسيا ، وينصبوا آخر بمكانه ، وانهم
أصحاب السلطة الفعلية والمتحكمة في المنطقة ، بحيث « بقي الخليفة العباسي رمزا تثار حوله الشكوك في
صحة خلافته » ، دعا الشريف الرضي ـ وقد أدرك هذه الحقيقة لدى البويهيين ـ بأن يوثق صلته بهم ، وخاصة
ببهاء الدولة الذي دام حكمه فترة طويلة ، وهو الذي أمر بخلع الطائع لله ، وتنصيب الخليفة المقتدر مكانه ،
ولذا صار الرضي يكيل المدائح والثناء على البويهيين ، وخاصة على بهاء الدولة لشد روابط الصلة بينهما ،
بصفته صاحب القوة والمكنة في إحداث أي تغيير سياسي في بغداد ، وهو يجهر بهذا الامر ولا يخشى ناقدا ،
فيقول :
ومبدأ الطموح أثر في الشريف الرضي إلى درجة الانسجام مع ظاهرة المديح لمن
يهمه أمره ، كما رأينا في اسلوبه بالتعامل مع بهاء الدولة البويهي خاصة لغرض تحقيق الامنية .
فلنستمع إليه وهو يرسل قصيدة إلى وزير بهاء الدولة ـ في هذه المرة ـ يضمنها عتابه في موضوع
خاص بينهما ، ثم يخاطبه قائلا :
إلى أن يقول :
والبويهيون شيعة يعملون على رفع شأن مذهبهم ، وتأييد طائفتهم ، وهي قوتهم التي
يستندون عليها في دعم سلطانهم ، وكان التشيع الراية التي التف حولها المقهورون والمستضعفون
والمحرومون من أسباب العدل الاجتماعي (118) ، وبقيت كذلك على مرور الزمان ، حتى أن معز الدولة
البويهي (119) أول ملك بويهي في بغداد ـ أراد أن يحول الخلافة إلى أحد العلويين لولا أن أحد خواصه
أشار عليه بقوله « انك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة ، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه
مستحلين دمه ، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة ، كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته ،
فلو أمرهم بقتلك لفعلوا فأعرض عن ذلك » وأبقى اسم الخلافة للعباسيين ، وانفرد بالسلطة (120) .
3 ـ إن بغداد في العصر العباسي الثاني كانت الخلافة العباسية قد ضعفت فيها ، وعند استيلاء آل بويه
عليها ، انتهت البقية الباقية من نفوذ الخليفة العباسي وأصبح البويهيون هم أصحاب الكلمة العليا ، والقوة
المسيطرة على العراق ، والجزيرة وغربي بلاد العجم (121) ، فقويت شوكة الشيعة وتنفست الصعداء بعد
ضغط قاتل دام فترة طويلة عليها من قبل العهدين الاموي والعباسي ، عانوا فيه الضيم وألوان الظلم والقمع
والقتل والتهجير والتعذيب ومصادرة الاموال ، وساعد على تعزيز انتشار الشيعة وجود الدولة الفاطمية في
مصر ، والتي كانت ترفع شعار الشيعة الاسماعيلية (122) ، وتنشر مبادئها ، وتدعو إلى أحقية الامام علي عليه
السلام بالخلافة من الامويين والعباسيين .
كماكان للدولة الحمدانية التي ملكت رقعة كبيرة من الارض العربية ـ تمتد من حلب إلى موصل
وديار بكر خلال سبعين عاما من القرن الرابع الهجري (123) ـ الاثر
هذه العوامل الاساسية التي دفعت الشريف الرضي بأن يمني نفسه بتسلم منصب الخلافة في بغداد ، ويعمل من
أجل تحقيقها ، بالاضافة إلى المؤهلات الشخصية التي كان يتمتع بها من حيث النسب العلوي ، ومكانة اسرته
المرموقة من الناحية الاجتماعية ، والاهلية العلمية ـ وقد أشرنا إلى هذه الجوانب الثلاث في بداية هذا البحث
ـ .
3 ـ غروب الطموح :
ولكن هذا الطموح لم يتحقق ـ رغم المحفزات والمقومات التي لو ملك غيره
بعضها لقفز بها إلى كرسي الحكم ـ وقد يدور تساؤل عن أسباب هذا الاخفاق ، ويمكن حصرها بالاتي :
1 ـ إن القادر العباسي في نهاية القرن الرابع تمكن من توطيد دعائم سلطته ، وذلك حين انشغال بهاء الدولة
بالحروب خارج بغداد ، وما بينهما جروح لم تندمل .
2 ـ ان بهاء الدولة الصديق الحميم للشريف الرضي ، يظهر انه أخذ بمبدأ معز الدولة في عدم إعطاء
السلطة لاحد من العلويين لما فيها من مخاطر، وهو يعرف حق المعرفة ما يجيش في نفس الرضي من أمل
بالخلافة ، وأول شيء عمله أن أسند النقابة ، وإمارة
إلى أن يقول : |
لاعذر لي إلا ذهابي عنــكم فلارحلن رحيــل لامتلـهف ولا نفضن يــدي يأسا منكم |
* * * |
فاذا ذهبت فيأسكم من رجعتـي لفراقـكم ابــــدا ولامتلفت نفض الانامل من تراب الميت |
القصيدة كاملة
تعرب بوضوح عن الامل الذي بدأ يأفل في ذهنه ، ويبعد عن مناله ، وكلما رسمه وخطط اليه وجسده في
أشعاره محفوفا بالمديح والثناء لمن كان يعتمد عليه في تحقيق الامل ، أصبح اليوم في غروب الامال .
الشاعر الطموح بدأ مرحلة جديدة في حصر آماله بأن لا يقطع عنه كل مسارب الامل حتى بما يبقيه
في مكانة اجتماعية تحفظ له بعض زهوة الحياة ، وليس له سبيل في تحقيق هذه الرغبة إلا بتوثيق صلته ببهاء
الدولة ،
وهو في الوقت الذي يبعث بقصائده اليه ، ويضمنها اخلاصه ومودته ومحبته له ، كانت زفراته
واهاته تبرز واضحة من خلال ثنايا تلكم القصائد .
ولنسمعه يودع آماله الحلوة حين يكتب أبياتا خمسة تنم عن جرح مزق كل أحلامه ، وارتدت تجمع
شتات رسومه الداثرة ، انها أنة تتفجر شاكية حين يناغي
|
لـم يبق عندي من الاباء سوى ال وعض كفيعلى الزمان من الغيـ أو زفـرة تحسب الضلـع لــها مضـى الرجال الاولى مذافترقوا أقول لمـا عـمت نصـــرهم |
* * * * * |
نظـرة محمرة مـن الغضـب ـظ ، وشكوى وقائـع الـنوب اطـرقسـي يرميـن باللـهب عني صـار الـزمان يلعب بي وآلهف امي عليكم وأبي(127) |
كان الشريف يناطح العلياء في أمسه ، انه يريدها ، ولن يحيد عن جيد الخلافة ، لكن ما كل ما
يتمنى المرء يدركه .
وغربت آمال الرضي بموت بهاءالدولة عام 403 هـ ، ولم تكن صلته بولده سلطان الدولة وطيدة كما
كانت مع والده بهاء الدولة ، وفي خلال هذه الفترة التي مثلت الواقع المر الذي عاشه الرضي ، وهو يودع آماله
العريضة قال ، والحرقة ملو جوانحه :
ورغم أن الزعامة البويهية لم تحاول أن تبعده
عن منصب نقابة الطالبيين لجميع البلاد الذي ولاه إياه بهاء الدولة عام 403 هـ قبل وفاته ، « وهو أمر لم يصل
اليه أحدمن أهل هذا البيت » (129) .
ولكن النفثة المقروحة تنفر هائمة من الشاعر الطموح ، وهي تردد « كذى الورد يرمى قبل أن يتبدلا » ،
وقد تكون هذ الخيبة في تحقيق أحلامه سببت علته التي أودت بحياته عام 406 هـ ، وانتهت جذوة
طموحه بغروبه ، ولكن ذكراه خالدة ، باقية .
رابعا ـ ظاهرة المدح في شعر الرضي :
حين نتصفح شعر الشريف الرضي نجد قرابة مائة وسبعين
قصيدة من شعره في
« والمديح وهومقياس لرجولة الشاعر ، وعلو نفسه ، وتماسك قواه ، وفيه يظهر كرم العنصر ، وطيب
المحتد ، وأصالة الرأي ، ونضج العقل ، وسداد الفهم ، ولباقة الاداء ، وحصافة الفكر ، لان كثيرا من الشعراء
في هذا اللون من الشعر يجعلون أنفسهم في منزلة العبيد الارقاء من ممدوحيهم لينالوا عندهم الحظوة
ويحصلوا لديهم على الرغبة ، ويصلوا إلى أهدافهم التي يرمون اليها من المال أو الجاه متناسين أن آدميتهم
تحتم عليهم أن يكونوا أرفع من هذا الوضع الذي انحدروا اليه ، أو المكانة التي جعلوا أنفسهم فيها »
(131) .
والشريف الرضي أخذ هذا الاسلوب ، وسار فيه ، ونهج عليه في أغلب قصائده ، وحري بنا أن نعرض
نماذج منه في حدود ما يسمح به المقام ، وعلى ضوئه ندرس الظاهرة ، لما نرى فيها من تناقض صريح لظاهرة
الطموح التى عشقها الشاعر ، وذاب فيها هياما .
1 ـ ألوان من مديحه :
الرضي حين نمر بشعره نراه قد خصص جانبا من مديحه بشخصين من خلفاء
بني العباس ، الطائع لله ، والقادر بالله ، وقد خص الاول بثلاث وعشرين قصيدة ، والثاني بقصيدتين وأبيات ،
وفي جميعها مديح وثناء يبدو ـ لاول وهلة ـ غريبا على الرضي ، الذي ينازع العباسيين الخلافة ، فهو ـ مثلا ـ
يخاطب الطائع مهنئا بعيد الفطر عام 377 هـ :
|
صارت اليك أميرالمؤمنين على من هاشم أنت في صماء شاهقة قليـل مدحك في شعري يزينه |
* * * |
غراء أحرزها آبـاؤك الصيـــد لها رواق ببـاع المـجد معمــود حتى كأن مقالي فيك تغريد (132) |
ويقول فيها : |
شغلت بالهم حتى ما يفرحني محسد المجد مغبوط مناقبـه كريم ما ضم برداه وعمتـه |
* * * |
لولا الخليفة نــوروز ولاعيـــد متيم القلب العليـــاء معمـــود عفيف ما ضمنت منه المراقيد(133) |
وليس هذا فحسب بل يقول
للطائع نفسه في قصيدة اخرى : |
لنا كل يوم في معاليـك شعبة وأنت الذي بلغتنا كـل غايـة فما طرد النعماء وعدك ساعة اذا قلت كان الفعل ثاني نطقه |
* * * * |
وفائدة لاتنـقضي ونوال (134) لـها فـوق أعناق النجوم مجال ولا غص من جدوى يديك مطال وخير مقال ما تلاه فعال (135) |
وفي قصيدة يشكره على هدية أرسلها
له عام 376 هـ يقول فيها : |
هذي الخلافة في يديك زمامها أحرزتها دون الانام ، وإنـما طلعت بوجهك غـرة نبويـة |
* * * |
وسواك يخبط قعر ليل أليل (136) خلع العـــجاجة سابق لـم يذهل كـــالشمس تمـلأ ناظر المتأمل |
ثم يقول له :
هذه أبيات من قصيدة طويلة قرابة تسعين بيتا أغلب أبياتها مدح مغرق للطائع ، أقل ما فيه
قوله للطائع :
ويقول :
وإذا انتقلنا إلى مدحه للقادر بالله العباسي (138) فكما نلاحظ ان له فيه
قصيدتين وأبيات ، الاولى يمدحه حين استقر في دار الخلافة في شهر رمضان عام 381 هـ ، ويقول في
مطلعها :
إلى أن يقول فيها :
وقبل أن يختم قصيدته البالغة 45 بيتا يذكر القادر بأنه
يجتمع معه في أصل واحد وهو عبدالمطلب فيقول :
والقصيدة الثانية التي يرسلها للقادر عام 382 هـ بعد عودة أهل خراسان من الحج وقد
قصدوه للزيارة ، يقول في مطلعها :
إلى أن يقول :