صلةقبل


في هذا التطواف الموجز في مؤلفات الشريف الرضي سواء منها المطبوع الذي اطلعنا عليه ، أو المخطوط الذي لم نطلع عليه ، نستفيد أن مترجمنا الشريف رغم الظروف القاسية التي مرت به وخاصة في بداية حياته ، أمكن أن ينتج عددا من الكتب في مختلف المجالات تدل على سعة معرفته .
أما من الناحية الشعرية ، والتي اشتهر بها كشاعر كبير فقد عرفته المصادر الادبية بأنه « أشعر الطالبيين ، من مضى منهم ومن غبر ، على كثرة شعرائهم المفلقين .. . ولو قلت انه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق » (85) ، واننا سوف نتعرض لهذا المجال في الفصل الخاص بشعره .

ثالثا ـ الشاعر والطموح :
وحين نتحدث عن الشاعر والطموح ، فاننا نرى هذين الوصفين ملازمان للشريف الرضي بأجلى مظاهرهما ، وبأروع سماتهما المشرقة ، ولقد عاش الطموح في قلب الشاعر ليصوغ من آماله جذوة تتوهج للوصول إلى ما يصبو اليه في مسيرته الحياتية ، وتحقيق ما يريده .
إن الطموح الذي عاشه الشريف الرضي ، يعد الصيغة النهائية في قائمة التسلق فهو يطلب « الخلافة » ، ولعلنا نتلمس وضوح هذا في ثنايا حديثه .
ذلك الامل الذي عشقه كل العشق ، وهام به ، وصار يناغيه طوال النهار ، وفي ظلام الليل ، وانعكس على شعره ، وتعملق إلى مقابلة الحاكمين يهددهم تارة ويتوعدهم اخرى ، ولاخير في فتى عشق المجد فأخذ يصعد إليه ، ولكن لو خانته الظروف والايام فليس له من سبيل .

1 ـ الشاعر :
الشريف الرضي إلى جانب كونه من أعلام الفقه والتفسير فقد اشتهر بالشعر الرائع ويعد من كبار شعراء عصره ، حتى قال فيه الثعالبي (86) : « . . . هو من أشعر
____________
(85) الثعالبي ـ يتيمة الدهر : 3 | 136 .
(86) عبدالملك بن محمد بن اسماعيل ، أبومنصور الثعالبي ، من أهل نيسابور ، ولد عام 350 هـ وتوفي سنة

( 214 )

الطالبيين ، من مضى منهم ، ومن غبر ، على كثرة شعرائهم المفلقين . . . ولو قلت أنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق ، وسيشهد بما اجريه من ذكره شاهد عدل من شعره ، العالي القدح ، الممتنع عن القدح ، الذي يجمع إلى السلاسة متانة ، والى السهولة رصانة ، ويشتمل على معان يقرب جناها ، ويبعد مداها » (87) .
وأكد أبوالحسن الباخرزي (88) هذه الخاصية فقال عنها :
« وله شعر إذا افتخر به أدرك من المجد أقاصيه ، وعقد بالنجم نواصيه ، وإذا نسب انتسبت الرقة إلى نسيبه ، وفاز بالقدح المعلى من نصيبه . حتى لو أنشد الراوي غزلياته بين يدي العزهاة (89) لقال له من العزهات ، واذا وصف فكلامه في الاوصاف أحسن من الوصائف والوصاف ، وان مدح تحيرت فيه الاوهام بين مادح وممدوح .
له بين المتراهنين في الحلبتين سبق سابح مروح ، وإن نثر حمدت منه الاثر ، ورأيت هنالك خرزات من العقد تنفض ، وقطرات من المزن ترفض . ولعمري ان بغداد قد أنجبت به فبوأته ظلالها ، وأرضعته زلالها ، وأنشقته شمالها ، وورد شعره دجلتها ، فشرب منها حتى شرق ، وانغمس فيها حتى كاد أن يقال غرق ، وكلما أنشدت محاسن كلامه تنزهت بغداد في نضرة نعيمها وأنشقت من أنفاس الهجير بمراوح نسيمها » (90) .
وعلى هذا المنوال سار كثير ممن ترجموه فساقوا الفقرات تلو الفقرات ، وصاغوا الكلمات الرائعة التي تعبر عن مكانة الشريف الرضي في ميدان الشعر ، وانه أحد لوامعه ، بل وجه طالع من وجوهه البارزة .
____________
429 هـ من ائمة اللغة والادب ، مؤلف شهير ، طبع له أكثر من ثلاثين مؤلفا .
راجع ترجمته في : الزركلي : 4 | 311 .
(88) علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي ، أبوالحسن ، من أهل خرز من نواحي نيسابور ، وقد تعلم ونشأ بها ، أديب من الشعراء والكتاب ، قتل عام 467 هـ ، له علم بالفقه والحديث ، وله عدة مؤلفات ، راجع ترجمته : الاعلام للزركلي : 5 | 81 ود . سامي مكي العاني ـ مقدمة دمية القصر : 1 | 31 ـ 48 | ط المعارف ـ بغداد 1970 م .
(89) العزهاة ـ اللئيم . انظر أقرب الموارد : مادة « عزة » .
(90) دمية القصر ، وعصرة أهل العصر : 1 | 288 ـ 289 | تحقيق د . سامي مكي | ط المعارف ـ بغداد 1970 م .

( 215 )

وحين نتصفح شعر الرضي نجده حافلا بالاغراض الشعرية التي تنسجم مع عصره الذي حفل بالعلم ، وتوج بالادب ، وتغنى بالشعر ، ذلك العصر الذي حكمه آل بويه ، وتربعوا دست سلطانه ، ورغم الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي رافقت عصرهم ، « فقد عنوا بالادب ، ورعوه أيما رعاية ، ووصل بهم الاهتمام برجاله إلى أن يستوزروا كبار الكتاب ، حتى صار شعار الاختيار للوزارة : القدرة الادارية ، والقدرة البلاغية » (91) .
ويعضد هذا الرأي ما ذكر عن أبي بكر الخوارزمي أنه « كان ينادم عضد الدولة بعض الادباء الظرفاء ويحاضر ، بالاوصاف والتشبيهات ، ولايحضر شيء من الطعام والشراب والاتهما وغيرها إلا وأنشد فيه لنفسه أو لغيره شعرا حسنا » (92) .
وكان هذا العامل إلى جانب عامل آخر هو الانفتاح الفكري الذي ازدهر في القرن الرابع الهجري ـ نتيجة توسع رقعة العهد العباسي ، وامتزاج الحضارات غير الاسلامية بالمسلمين العرب ، وأدى إلى ظهور عصر الابتكارات ، والخلق في مجالات العلم عند العرب (93) ، بحيث أصبح ذلك العصر لامعا بالثقافة والمعرفة ـ ترك بصمات واضحة من ملامح الشريف الرضي في المجتمع الذي عاشه في بغداد . وفي ذلك العهد بالذات برزفيه بروزا ميزه عن غيره من شعراء العصر وأفاضله .
وحياة بغداد بكل جوانبها وأجوائها الحلوة والمرة عاشها الرضي كشاعر نبض قلبه بالواقع المهموم ، ورسم في ذهنه صور الامل المشرق الذي يخامر كل إنسان طموح يحاول أن يتسلق المجد ، فتقف دونه عواثر الزمن ، وتملأ عينيه صهوات النزال ، وحين يحاول ركوب الشوط تجهد فيه القوادم ، حتى تمزق الدنيا التي فرش لها الدرب وردا ، فتاهت نشوة النظارة عليها دون رأفة .
يقولون عنه : « الشريف الرضي كان يرى الدنيا يعين الرجل المثقف ـ المثقف
____________
(91) محمد جميل شلش ـ الحماسة في شعر الشريف الرضي : 43 | ط دارالحرية بغداد 1974 م . وأحمد أمين ـ ظهر الاسلام : 1 | 355 | ط 3 ـ النهضة المصرية 1945 م .
(92) الثعالبي ـ يتيمة الدهر : 2 | 217 .
(93) جون باجوت جلوب ـ امبراطورية العرب : 622 تعريب خيري حماد | طبع دار الكتاب العربي بيروت : 1966 م .

( 216 )

الشريف لا المثقف الصعلوك ـ وكانت أحاسيسه في دنياه لاتقدر بالاوهام ، وإنما كان ينصب لها دقيق الموازين ، ويسعى في تحقيقها سعي الفحول .
كان الشريف في حرب شعواء بين القلب والعقل ، وكان يطمح في أن يجمع لنفسه جميع اقطار المجد ، فيكون من ائمة الفقهاء ، وأقطاب الشعراء ، وأعيان الخلفاء ، وقد ضاعت أمانيه ضياع الزهر في الوادي الجديب ، ولم يبق منها غير الامامة في الشعر والبيان » (94) .
يقول الشريف ، وفي قلبه لوعة ، وعلى شفتيه حرقة :
توقعي أن يقال قد ظعنــــا
يادار قل الصديق فيك فمـــا
كيف يهاب الحمـام منصلـت
لم يلبث الثوب من توقعـــه
أعطشه الدهر من مطالبـــه
*
*
*
*
*
ما أنـت لي منزلا ولا وطنــــا
احـس ودا ، ولا أرى سكنــــا
مذ خاف غـــدر الزمان ماأمنا ؟
للامـر إلا وظنــه كفنـــــا
فراح يستمطر القنـــــا اللـدنا
ثم يكبح الشريف جماح قريحته من الاسترسال في نفذ الاهات المحزنة التي ملأت صدره لينفجر عن نفسية عملاقة تربط الحاضر المؤلم بالماضي الشاخص ، فيقول :
لي مهجة لا أرى لها عوضـــــــا
ولا ثمنا ـ ماضرنا أننـــا بلا جــدة
سوف ترى أن نيل آخرنــــــــا
وأن ما بز من مقـــــادمنـــــا
لابلغ العز ، أو يقال فتــــــــى
*
*
*
*
*
غــير بلـــوغ الـعلا ـ ولا ثمنـا
والبيت والركن ، والمـــــــقام لنا
من العلا فوق نيل أولنـــــــــا
يخلفه الله فـي عقائلنـــــــا(95)
جنت عليه يد الـردى وجنـــى (96)
إن هذه الحرقة التي لفعت أبياته تعبر عن أحاسيس كانت تطغى في نفس الشاعر ، حتى لكأنها ثورة يأس تنخر في أضلاعه ، لكنها تشب دفعة زخما حماسيا يقارع الحنين المتجهم إلى تذكر بالواقع المرتبط ببيته العلوي .
وإن هذا الشاعر الطموح حين نحاول أن نتلمس مدارج طموحه ، وهل حقق من
____________
(94 ) د . زكي مبارك ـ عبقرية الشريف الرضي : 49 .
(95) في يتيمة الدهر : 3 | 144 « أواخرنا » .
(96) ديوان الرضي : 2 | 936 .

( 217 )

آماله ماأراد ، أو وقف به الشوط إلى حد لم تملأ عينيه زهوة الطموح ؟ لابد لنا ونحن في هذا الميدان ان نمر بالشريف الرضي من جوانبه المشدودة بهذا الشموخ ، لنحدد على ضوئها الصورة التي نريد رسمها له .

2 ـ اغاني الطموح :
للرضي آمال عذاب ، نمت معه وهو فتى ، أرهقه الزمان ولم تكتحل بعد عيناه بالعقد الثاني من عمره ، فشمر لها بعنفوان الرجل الصلد ، وتدرع في سبيل الصعود من أجل تحقيقها بقوة الابطال ، ثم خاض غمار الايام وهو صوال جوال فيها ، وكان أمله العذب لا يفتر من ذكراه ، ولا يبعد رسومه من حنينه كلما واتته الفرصة ، انه يتطلع اليه ، وينتظر النور في الصباح الباكر ، ليرصد خطوات الشمس حتى يترجم أحلامه إلى عمل ، ويستقبل أصحابه ليحكي لهم قصة الطموح الذي ملأ كل قلبه ، وسيطر على مشاعره ، وما هدأ لسانه عن التغني به ، يغني وآماله مشدودة إلى النجوم ، لايريد أن ينظر إلى الارض بل إلى العلى ، وجناحا النسر لا يخفقان هلعا من مقابلة العاصفة ، فانه أقوى مضاء منها ، يقول :
أرى نفسي تتوق إلى النجــــــوم
وإن أذى الهموم على فــــــؤادي
واني ان صبرت ثنيت عـــزمــي
ولي أمل كصدر الرمـــح مــاض
*
*
*
*
ساحملها علــــــى الخطر العظيــم
أضر مـــــن النصول على أديمــي
علـــــى طرف من البلوى أليــــم
سوى ان الليالي مــن خصومــي (97)
بماذا تتوق نفس الرضي ، وسيحملها من أجل ذلك على خطر عظيم ؟ هل غير الطموح الذي يتلهف له كلما مر عليه ليل ، وأشرق على ناظريه صبح ، قد تكون نقابة الطالبيين همه بعد أن كانت بردا لابيه الشريف ، فانسلخ عنها حين غضب عليه عضد الدولة ، فصرفها عنه ، وثم بعد فترة من الزمن أتت اليه وتحلى ببردها ، لكن هذه لم تخفف من نجواه ، إنه يصرح بأنها لم تكن بغيته الحقيقية ، فيقول :

لو كنت أقنع بالنقابة وحدها * لغضضت حين بلغتها آمالي


____________
(97) ديوان الرضي : 2 | 835 .
( 218 )

لكن لي نفس تتوق إلى التي * ما بعد أعلاها مقام عال (98)

إذا ليست نقابة الطالبيين هي الامل المنتظر للشريف الرضي ، لابد أن نغذ السير معه في آماله العريضة لنرصد ما يريد ، انه يكاد يوضح معالمها في هذه الابيات :
وعن قرب سيشـغلني زمــاني
ومالي من لقاء الـــموت بـد
سألتمس الــعلا امــا بعرب
*
*
*
برعي الناس عن رعـي القروم (99)
فما لــي لاأشد لـــــه حزيمي
يروون اللهاذم (100)أو بروم (101)

وفي هذه الابيات دلالة قوية على الامر الذي يكاد يتفجر في نفسه ، ذلك الذي سوف يقصده ، حتى وإن اقتضى منه حياته ، فهو قادم عليه اما بقوة العرب أو الروم .
المهم ان يصل اليه ، ويحقق امانيه بأية وسيلة كانت مقبولة .
لنبحث عن هذا الهاجس الذي يكمن في ذهن الشريف الرضي ، ويحاول أن ينساب من ثنايا التلميح والاشارات التي تبدو من خلال شعره ، ولعلنا نمسك بأول الخيط حين نقرأ قصيدته التي يمدح فيها والده عام 374 هـ وهو قيد الاقامة الجبرية في فارس ، يقول فيها :

اذا ذكـــــروه للخلافة لم تزل * تطلع من شوق رقاب المنابــــر
لعل زمانـــــا يرتقي درجاتها * باروع من آل النبي العراعر (102)

هذه بداية الطموح ، فهو لم يصل بعد السادسة عشر من عمره ويتمنى الخلافة لابيه ثم ينعطف في البيت الثاني منتظرا هذا الامل الرائع الذي انبلج في ذهنه ، كأنه الصبح فبقي ينشر ضوءه على طول الايام .
ثم يستمر في مناغاة هذا الامل ، حيث يشير إليه مرة ضمن قصيدة يقول فيها :

ولي أمل من دون مبرك نضوه * يقلقل اثباج المطي البوارك (103)

____________
(98) ديوان الرضي : 2 | 654 . لكن اسمها ضمير الشأن ، تقديره لكنه
(99) القروم : جمع قرم وهو البعير المكرم لايحمل عليه ، ولايذلل .
(100) اللهاذم : جمع لهذم وهو القاطع من الاسنة .
(101) ديوان الرضي : 2 | 838 .
(102) ديوان الرضي : 1 | 346 ، والعراعر : الشريف .
(103) الاثباج : جمع ثبج ، وهو مابين الكاهل إلى الظهر .

( 219 )

سقى الله ظمان المنى كل عارض * من الدم ملان الملاطين حاشك (104)

وحتى إذا بلغ العشرين من عمره ينفجر في صريح امنيته ، ولايهاب من حوله مهما كانت سطوته وسلطته ، فالموت أولى لإنسان يحمل هموم الطموح ولا يصل اليه . يريح ويستريح ، يقول في مطلعها :

عذيري من العشرين يغمزن صعدتي * ومن نوب الايام يقرعن مروتي
إلى أن يقول :

الا لا أعد العيش عيشامـع الاذى * لان قيـد الــذي حي كميت
يخيفونني بالموت ، والموت راحة * لمن بين غربي قلبه مثل همتي
..............................

تريدون ان نوطى ، وأنتـم أعزة * بـاي كتــاب ، أم بأية سنة
..............................

فيا منبتي هل أنت بالعز مورقــــي
أما كملت عند الخطوب تجـاربـــي
أما أنا موزون بكل خليـــــــفة
الست من القوم الاولى قد تسلقـــوا
*
*
*
*
حنانيك كم أبقـى وقـد طـال منبتــي
(105)خلصـت عنـد الامـور رويتـي
أرى أنفا من ان يـكون خليفتـــــي
ديون العلى قبل الورى في الاظلة (106)

ان هذه القصيدة كشفت عن أمل الرضي ، وهو يشجب فيها صريحا أن يكون الخليفة العباسي خليفته ، ويعرض بالعباسيين بوضوح ، وبدون أية مجاملة ، فهو نراه يقول بكل جرأة : « تريدون ان نوطى وأنتم أعزة » لايمكن ذلك ، إذ لانص عليهم من كتاب أو سنة ، فهو إذا غير متاق ولا مبالغ حين يعلن سخطه ويضيق بالواقع الذي فرض عليه ، فيقول عام 387 هـ :

فـي كـل يــوم يناديني لبيعتـه * مشمر فـي عنان الغـي قـد جمحا
إلام اصفيكم ودي علــى مضض * وكم انير واسدي فيكم المدحا (107)

____________
(104) ديوان الرضي : 2 | 590 ـ 591 ، الملاطين : جانبا سنام البعير ، وحاشك : كثير الماء .
(105) الديوان : 1 | 164 « تجارتي » ويثبته د . الحلو ـ في ( مقدمة الديوان : 75 ) « تجاربي » وهو الصواب .
(106) ديوان الرضي : 1 | 164 ـ 165 .
(107) ديوان الرضي : 1 | 190 .

( 220 )

إذا فهو يطلب الخلافة .
ليست زيادة لبني العباس عليه فيها ، وسوف نشير إلى أبيات يخاطب فيها القادر العباسي :
عطفا أميرالمؤمنين فإننــــا
ما بيننا يوم الفخار تفـــاوت
إلا الخلافة ميزتك فإننــــي
*
*
*
في دوحة العلياء لانتفــــرق
أبدا كلانا في العلاء مـــعرق
أنا عاطل منها وأنـــت مطوق
وبعض المصادر التي تثبت ترجمة الشريف الرضي تشير إلى تطلعه للخلافة فابن أبي الحديد يقول (108) : « وكان الرضي لعلو همته تنازعه نفسه إلى امور عظيمة يجيش بها خاطره ، وينظمها في شعره ، ولايجد من الدهر عليها مساعدة ، فيذوب كمدا ، ويغني وجدا ، حتى توفي ولم يبلغ غرضا » (109) .
ثم يستشهد ابن أبي الحديد ببعض شعر الشريف في هذا الصدد ، فيقول ، ومنها :
ما أنا للـعلياء إن لــم يكـن
ولامشت بي الخيل إن لـم أطأ
*
*
من ولـدي ما كان من والـدي
سرير هذا الاغلب الماجد (110)
وهو يشير بذلك إلى الخليفة العباسي .
إن الشريف الرضي عاش هذا الطموح ، وراح يتغنى فيه فترة من الزمن ، تارة بالكناية واخرى بالصراحة ، فهو يقول :

دعني اخاطر بالحياة وإنمـا * طلب الــرجال الـعز ضرب قداح
اما لقاء الملك قسرا ، أوكما * لقي ابن حجر من يد الطماح (111)

وهو يتوقع القتل والعنف في سبيل غايته ، لان القضية التي يغامر من أجلها ليست
بالسهولة التي يمكن القفز إليها من على سطور الشعر ، وأعمدة الكلام ، وإنما تستوجب
____________
(108) عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد ، أبوحامد ، عزالدين ، ولد في المدائن عام 586 هـ وانتقل إلى بغداد ، وكان حظيا عند الوزير ابن العلقمي ، من أعيان المعتزلة ، عالم بالادب ، شرح نهج البلاغة ، توفي ببغداد عام 655 هـ .
انظر ترجمته في : أعلام الزركلي : 4 | 60 .
(109) شرح نهج البلاغة : 1 | 11 .
(110) شرح نهج البلاغة : 1 | 11 .
(111) ديوان الرضي : 1 | 197 .

( 221 )

مقارعة الطغاة ، ومجابهة القوة ، والشاعر يعرف ذلك جيدا ، ويشير إليه بقوله :
متى أرىالزوراء مرتـــجة
يصيح فيها الموت عن ألسـن
متى أرى البيض وقد أمطرت
*
*
*
تمطر بالبيض الضبـى أو تراح
من العوالي والمواضي فصـاح
سيل دم يغلب سيل البـــطاح
إلى أن يقول :

قوم رضـوا بالعجز واستبدلوا * بـالسيف يدمى غربه كاس راح
توارثوا الملك ، ولو أنجبــوا * لورثوه عن طعان الرماح (112)

والظاهر أن طموح الرضي بلغ إلى حد الوصول للخلافة واقعة لا يمكن نكرانها ، فالذي ذكرناه شواهد قوية تثبت صحة الادعاء ، وعلينا ونحن أمام هذه الحقيقة أن نبحث بواعث هذا الطموح الذي دفع بالشريف إلى هذا الحد .
من الممكن حصر هذه الدوافع بالاتي :
1 ـ ان الرضي من أسرة علوية دينية ، لها وجودها الديني والاجتماعي في الاوساط الشيعية ومن مرتكزات هذه الطائفة أحقية أبناء الامام علي ( ع ) بالخلافة ، وإن بني العباس ـ في رأيهم ـ سرقوها من أبناء عمهم ، بعد أن وصلوا إليها بالدعوة لهم ، ويشير إلى هذا في قصيدة جاء فيها :
جدي النبـــــي ، وامي بنته ، وأبي
لقصدنا تتـــمطى كل راقصــــة
لنا المقـــــام ، وبيت الله حجرتـه
*
*
*
وصيـــه ، وجدودي خيرة الامــم
هوجـــاء تخبط هام الصخر والرجم
في المجد ثابتة الاطناب والدعم (113)

ومن هذا المنطلق نرى الرضي يعرض بالعهدين الاموي والعباسي تعريضا يشير إلى جذور عميقة تصل إلى اعتقاده بغصب الخلافة من بني هاشم ، يقول في قصيدة يرثي بها جده الامام الحسين بن علي عليهما السلام :
ويارب أدنى من امية لحمــة
طبعنا لهم سيفا فكنا لحـــده
ألا ليس فعل الاولين وإن علا
*
*
*
رمونا على الشنآن رمي الجلامد
ضرائب عن ايمانهم والسواعـد
على قبح فعل الاخرين بــزائد

____________
(112) ديوان الرضي : 1 | 198 .
(113) ديوان الرضي : 2 | 819 .

( 222 )

يريدون أن نرضى وقد منعوا الرضا * لسيـر بنـي أعمـامنا غير قاصد
كذبتك ان نازعتنـي الحـق ظالمـا * اذا قلت يوما إنني غير واجد (114)

2 ـ إن وصول البويهيين إلى حكم العراق ، وامتداد سلطانهم حتى على الخلفاء العباسيين بحيث أصبح بإمكانهم أن يخلعوا خليفة عباسيا ، وينصبوا آخر بمكانه ، وانهم أصحاب السلطة الفعلية والمتحكمة في المنطقة ، بحيث « بقي الخليفة العباسي رمزا تثار حوله الشكوك في صحة خلافته » ، دعا الشريف الرضي ـ وقد أدرك هذه الحقيقة لدى البويهيين ـ بأن يوثق صلته بهم ، وخاصة ببهاء الدولة الذي دام حكمه فترة طويلة ، وهو الذي أمر بخلع الطائع لله ، وتنصيب الخليفة المقتدر مكانه ، ولذا صار الرضي يكيل المدائح والثناء على البويهيين ، وخاصة على بهاء الدولة لشد روابط الصلة بينهما ، بصفته صاحب القوة والمكنة في إحداث أي تغيير سياسي في بغداد ، وهو يجهر بهذا الامر ولا يخشى ناقدا ، فيقول :

وما قولي الاشعـار إلا ذريعـة * إلـى أمـل قـد آن قود جنيبه (115)
وإني إذا مـا بـلغ الله غـايـة * ضمنت له هجر القريض وحوبه (116)

ومبدأ الطموح أثر في الشريف الرضي إلى درجة الانسجام مع ظاهرة المديح لمن يهمه أمره ، كما رأينا في اسلوبه بالتعامل مع بهاء الدولة البويهي خاصة لغرض تحقيق الامنية .
فلنستمع إليه وهو يرسل قصيدة إلى وزير بهاء الدولة ـ في هذه المرة ـ يضمنها عتابه في موضوع خاص بينهما ، ثم يخاطبه قائلا :

ألا ابلغا عني المـوفـق قـولة * وظنــي ان الطول منه جوابها
أترضى بأن أرمي اليك بهمتـي * فأحجـب عن لقيا علا انت بابها
إلى أن يقول :

وعندي لك الغر التي لانظامها * يهي أبدا أو لايبوخ شهابها (117)

____________
(114) ديوان الرضي : 1 | 282 ـ 283 .
(115) الجنيب والمجنوب : الفرس تقوده إلى جنب فرسك في السباق ، فإذا فتر المركب تحولت إلى المجنوب . انظر : د . مبارك ـ عبقرية الشريف : 1 | 71 | هـ 1 .
(116) ديوان الرضي : 1 | 108 ، والحوب : الاثم .
(117) ديوان الرضي : 1 | 52 ـ 54 ، يهي : يضعف ، ويبوخ : يتغير .

( 223 )

والبويهيون شيعة يعملون على رفع شأن مذهبهم ، وتأييد طائفتهم ، وهي قوتهم التي يستندون عليها في دعم سلطانهم ، وكان التشيع الراية التي التف حولها المقهورون والمستضعفون والمحرومون من أسباب العدل الاجتماعي (118) ، وبقيت كذلك على مرور الزمان ، حتى أن معز الدولة البويهي (119) أول ملك بويهي في بغداد ـ أراد أن يحول الخلافة إلى أحد العلويين لولا أن أحد خواصه أشار عليه بقوله « انك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة ، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه ، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة ، كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته ، فلو أمرهم بقتلك لفعلوا فأعرض عن ذلك » وأبقى اسم الخلافة للعباسيين ، وانفرد بالسلطة (120) .
3 ـ إن بغداد في العصر العباسي الثاني كانت الخلافة العباسية قد ضعفت فيها ، وعند استيلاء آل بويه عليها ، انتهت البقية الباقية من نفوذ الخليفة العباسي وأصبح البويهيون هم أصحاب الكلمة العليا ، والقوة المسيطرة على العراق ، والجزيرة وغربي بلاد العجم (121) ، فقويت شوكة الشيعة وتنفست الصعداء بعد ضغط قاتل دام فترة طويلة عليها من قبل العهدين الاموي والعباسي ، عانوا فيه الضيم وألوان الظلم والقمع والقتل والتهجير والتعذيب ومصادرة الاموال ، وساعد على تعزيز انتشار الشيعة وجود الدولة الفاطمية في مصر ، والتي كانت ترفع شعار الشيعة الاسماعيلية (122) ، وتنشر مبادئها ، وتدعو إلى أحقية الامام علي عليه السلام بالخلافة من الامويين والعباسيين .
كماكان للدولة الحمدانية التي ملكت رقعة كبيرة من الارض العربية ـ تمتد من حلب إلى موصل وديار بكر خلال سبعين عاما من القرن الرابع الهجري (123) ـ الاثر
____________
(118) عبدالكريم الاشتر ـ دعبل الخزاعي : 203 | ط دار الفكر دمشق 1964 م .
(119) أحمد بن بويه بن فنا خسرو بن تمام ، أبوالحسن ، معز الدولة ، ولد عام 303 هـ من ملوك بني بويه في العراق ، إمتلك بغداد عام 334 هـ في عهد المستكفي العباسي ، ودام ملكه 22 سنة إلا شهرا ، توفي ببغداد عام 356 هـ . ترجمه : الزركلي ـ الاعلام : 1 | 101 .
(120) راجع : إبن الاثير : الكامل في التاريخ : 8 | 452 وشلش ـ المصدر السابق : 24 ـ 25 .
(121) شلش ـ المصدر المتقدم : 24 .
(122) ينتمون إلى اسماعيل بن الامام جعفر الصادق ( ع ) ، المتوفى عام 143 هـ .
(123) السيد حسن الامين ـ الموسوعة الاسلامية : 5 | 252 | ط دار التعارف ـ بيروت .

( 224 )

الكبير في تقوية مركز الشيعة في المنطقة ، وكان سيف الدولة (124) ـ مؤسس الدولة الحمدانية ـ يحمل شعورا عميقا نحو عقيدته ومذهبه الشيعي ، يقول مرة ـ وعلى سبيل المثال ـ :

حب علي بـن أبـي طـالب * للـناس مـقياس ومــعيـار
يخرج ما في أصلهم مثلمــا * يخرج غش الذهب النار (125)

هذه العوامل الاساسية التي دفعت الشريف الرضي بأن يمني نفسه بتسلم منصب الخلافة في بغداد ، ويعمل من أجل تحقيقها ، بالاضافة إلى المؤهلات الشخصية التي كان يتمتع بها من حيث النسب العلوي ، ومكانة اسرته المرموقة من الناحية الاجتماعية ، والاهلية العلمية ـ وقد أشرنا إلى هذه الجوانب الثلاث في بداية هذا البحث ـ .

3 ـ غروب الطموح :
ولكن هذا الطموح لم يتحقق ـ رغم المحفزات والمقومات التي لو ملك غيره بعضها لقفز بها إلى كرسي الحكم ـ وقد يدور تساؤل عن أسباب هذا الاخفاق ، ويمكن حصرها بالاتي :
1 ـ إن القادر العباسي في نهاية القرن الرابع تمكن من توطيد دعائم سلطته ، وذلك حين انشغال بهاء الدولة بالحروب خارج بغداد ، وما بينهما جروح لم تندمل .
2 ـ ان بهاء الدولة الصديق الحميم للشريف الرضي ، يظهر انه أخذ بمبدأ معز الدولة في عدم إعطاء السلطة لاحد من العلويين لما فيها من مخاطر، وهو يعرف حق المعرفة ما يجيش في نفس الرضي من أمل بالخلافة ، وأول شيء عمله أن أسند النقابة ، وإمارة
____________
(124) علي بن عبدالله بن حمدان ، التغلبي ، أبوالحسن ، سيف الدولة ، ولد في ديار بكر عام : 303 هـ ، ونشأ شجاعا مهذبا عالي الهمة ، وملك واسطا ، وما جاورها ، ومال إلى الشام فامتلك دمشق ، وعاد إلى حلب فملكها عام 333 هـ ، ذكر المؤرخون : بأنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعدالخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ العلم ، ونجوم الدهر ، وأخبار وقائعه مع الروم كثيرة ، ولم تصرفه المعارك الطاحنة مع البيزنطيين ـ والتي تجاوزت أربعين معركة ـ أن يجعل حلب بيئة خصبة للاداب والفنون والعلوم ، وكان شاعرا جيدا ، توفي بحلب عام 356 هـ ودفن في مسقط رأسه « ميافارفين » . راجع ترجمته في : أعيان الشيعة : 8 | 269 ـ 281 وأعلام الزركلي : 5 : 118 والموسوعة الاسلامية : 5 | 252 .
(125) أعيان الشيعة : 8 | 281 .

( 225 )

الحاج ، والقيام على المظالم إلى والد الرضي عام 394 هـ ، وكانت هذه الصدمة كافية له في أن يقول عام 395 هـ :

قد قلت للنفس الشعـاع أضمها * كم ذا القـراع لكل باب مصمت
قد آن أن أعصي المطامع طائعا * لليأس جامـــع شملي المتشتت

إلى أن يقول :

قل للذين بلوتهم فوجدتهم * آلا وغير الال ينقع غلتي
.............................

لاعذر لي إلا ذهابي عنــكم
فلارحلن رحيــل لامتلـهف
ولا نفضن يــدي يأسا منكم
*
*
*
فاذا ذهبت فيأسكم من رجعتـي
لفراقـكم ابــــدا ولامتلفت
نفض الانامل من تراب الميت
.............................

وأقول للقلب المنـازع نحوكم * أقصـر هواك لك اللتيا والتـي
.............................

يا ضيعة الامل الذي وجهته * طمعا إلى الاقوام بل يا ضيعتي (126)

القصيدة كاملة تعرب بوضوح عن الامل الذي بدأ يأفل في ذهنه ، ويبعد عن مناله ، وكلما رسمه وخطط اليه وجسده في أشعاره محفوفا بالمديح والثناء لمن كان يعتمد عليه في تحقيق الامل ، أصبح اليوم في غروب الامال .
الشاعر الطموح بدأ مرحلة جديدة في حصر آماله بأن لا يقطع عنه كل مسارب الامل حتى بما يبقيه في مكانة اجتماعية تحفظ له بعض زهوة الحياة ، وليس له سبيل في تحقيق هذه الرغبة إلا بتوثيق صلته ببهاء الدولة ، وهو في الوقت الذي يبعث بقصائده اليه ، ويضمنها اخلاصه ومودته ومحبته له ، كانت زفراته واهاته تبرز واضحة من خلال ثنايا تلكم القصائد . ولنسمعه يودع آماله الحلوة حين يكتب أبياتا خمسة تنم عن جرح مزق كل أحلامه ، وارتدت تجمع شتات رسومه الداثرة ، انها أنة تتفجر شاكية حين يناغي
____________
(126) ديوان الرضي : 1 | 172 ـ 173 .
( 226 )

الذكريات ويقول :
لـم يبق عندي من الاباء سوى ال
وعض كفي‌على الزمان من الغيـ
أو زفـرة تحسب الضلـع لــها
مضـى الرجال الاولى مذافترقوا
أقول لمـا عـمت نصـــرهم
*
*
*
*
*
نظـرة محمرة مـن الغضـب
ـظ ، وشكوى وقائـع الـنوب
اطـرقسـي يرميـن باللـهب
عني صـار الـزمان يلعب بي
وآلهف امي عليكم وأبي(127)

كان الشريف يناطح العلياء في أمسه ، انه يريدها ، ولن يحيد عن جيد الخلافة ، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه .
وغربت آمال الرضي بموت بهاءالدولة عام 403 هـ ، ولم تكن صلته بولده سلطان الدولة وطيدة كما كانت مع والده بهاء الدولة ، وفي خلال هذه الفترة التي مثلت الواقع المر الذي عاشه الرضي ، وهو يودع آماله العريضة قال ، والحرقة ملو جوانحه :

ولما بدا لي أن ما كنت أرتجـي * من الامر ولــى بعد مــا قلت أقبلا
تلومت بين اللوم والـعذر ساعة * كذى الورد برمى قبل أن يتبدلا (128)

ورغم أن الزعامة البويهية لم تحاول أن تبعده عن منصب نقابة الطالبيين لجميع البلاد الذي ولاه إياه بهاء الدولة عام 403 هـ قبل وفاته ، « وهو أمر لم يصل اليه أحدمن أهل هذا البيت » (129) .
ولكن النفثة المقروحة تنفر هائمة من الشاعر الطموح ، وهي تردد « كذى الورد يرمى قبل أن يتبدلا » ، وقد تكون هذ الخيبة في تحقيق أحلامه سببت علته التي أودت بحياته عام 406 هـ ، وانتهت جذوة طموحه بغروبه ، ولكن ذكراه خالدة ، باقية .

رابعا ـ ظاهرة المدح في شعر الرضي :
حين نتصفح شعر الشريف الرضي نجد قرابة مائة وسبعين قصيدة من شعره في
____________
(127) ديوان الرضي : 1 | 153 .
(128) ديوان الرضي : 2 | 712 .
(129) د . الحلو ـ مقدمة ديوان الرضي : 66 .

( 227 )

المديح والرثاء ، نصيب المدح منها تسعون قصيدة ، والرثاء ثمانون قصيدة (130) ، وأغلبها قصائد طوال تزيد على خمسين بيت ، الكثير منها تبدو عليها ظاهرة المدح والثناء ، وقد يكون للاغراق مجال واسع فيها ، بحيث يصل إلى حد الاشكال ، ومهما كانت البواعث والدوافع ، فانها لاتنسجم مع نفسية الرضي الطموحة ، التواقة إلى تسلق العلا ، خاصة وأنه ليس من اولئك الاشخاص الذين اتخذوا من شعرهم مهنة للارتزاق وأصبحوا بمرور الزمن محترفين رغم ظروف قاسية كانت تلم بشاعرنا تضيق عليه خناق العيش الهنيء وقد نشير إلى إبائه ونفسيته الكبيرة في رفض الصلات والهبات والعطايا التي كانت تصل اليه من الخلفاء ، والملوك ، والامراء ، والوزراء ، وكل أصحاب الجاه والثراء والسلطة .
« والمديح وهومقياس لرجولة الشاعر ، وعلو نفسه ، وتماسك قواه ، وفيه يظهر كرم العنصر ، وطيب المحتد ، وأصالة الرأي ، ونضج العقل ، وسداد الفهم ، ولباقة الاداء ، وحصافة الفكر ، لان كثيرا من الشعراء في هذا اللون من الشعر يجعلون أنفسهم في منزلة العبيد الارقاء من ممدوحيهم لينالوا عندهم الحظوة ويحصلوا لديهم على الرغبة ، ويصلوا إلى أهدافهم التي يرمون اليها من المال أو الجاه متناسين أن آدميتهم تحتم عليهم أن يكونوا أرفع من هذا الوضع الذي انحدروا اليه ، أو المكانة التي جعلوا أنفسهم فيها » (131) .
والشريف الرضي أخذ هذا الاسلوب ، وسار فيه ، ونهج عليه في أغلب قصائده ، وحري بنا أن نعرض نماذج منه في حدود ما يسمح به المقام ، وعلى ضوئه ندرس الظاهرة ، لما نرى فيها من تناقض صريح لظاهرة الطموح التى عشقها الشاعر ، وذاب فيها هياما .

1 ـ ألوان من مديحه :
الرضي حين نمر بشعره نراه قد خصص جانبا من مديحه بشخصين من خلفاء بني العباس ، الطائع لله ، والقادر بالله ، وقد خص الاول بثلاث وعشرين قصيدة ، والثاني بقصيدتين وأبيات ، وفي جميعها مديح وثناء يبدو ـ لاول وهلة ـ غريبا على الرضي ، الذي ينازع العباسيين الخلافة ، فهو ـ مثلا ـ يخاطب الطائع مهنئا بعيد الفطر عام 377 هـ :
____________
(130) شلش ـ المصدر السابق : 163 .
(131) إبراهيم علي أبوالخشب ـ تاريخ الادب العربي في العصر العباسي الثاني : 467 ـ 468 | ط ـ مصر .

( 228 )

صارت اليك أميرالمؤمنين على
من هاشم أنت في صماء شاهقة
قليـل مدحك في شعري يزينه
*
*
*
غراء أحرزها آبـاؤك الصيـــد
لها رواق ببـاع المـجد معمــود
حتى كأن مقالي فيك تغريد (132)

ويقول فيها :
شغلت بالهم حتى ما يفرحني
محسد المجد مغبوط مناقبـه
كريم ما ضم برداه وعمتـه
*
*
*
لولا الخليفة نــوروز ولاعيـــد
متيم القلب العليـــاء معمـــود
عفيف ما ضمنت منه المراقيد(133)
وليس هذا فحسب بل يقول للطائع نفسه في قصيدة اخرى :
لنا كل يوم في معاليـك شعبة
وأنت الذي بلغتنا كـل غايـة
فما طرد النعماء وعدك ساعة
اذا قلت كان الفعل ثاني نطقه
*
*
*
*
وفائدة لاتنـقضي ونوال (134)
لـها فـوق أعناق النجوم مجال
ولا غص من جدوى يديك مطال
وخير مقال ما تلاه فعال (135)
وفي قصيدة يشكره على هدية أرسلها له عام 376 هـ يقول فيها :
هذي الخلافة في يديك زمامها
أحرزتها دون الانام ، وإنـما
طلعت بوجهك غـرة نبويـة
*
*
*
وسواك يخبط قعر ليل أليل (136)
خلع العـــجاجة سابق لـم يذهل
كـــالشمس تمـلأ ناظر المتأمل
ثم يقول له :

شـرفتنا دون الانـام وإنمـا * بـر القـريب عـاقة المـتفضـل
فلانت أولـى بالامامة والهدى * وأذب عن ولد النبي المرسل (137)

____________
(132) ديوان الرضي : 1 | 209 ـ 210 .
(133) ديوان الرضي : 1 | 208 .
(134) في تاريخ الادب العربي ـ أبوالخشب : 469 ، ورد الشطر الاول من هذا البيت كالاتي : « لنا كل يوم من أياديك نعمة » ، والشعبة ـ الطائفة من الشيء .
(135) ديوان الرضي : 2 | 609 .
(136) ليل أليل ـ شديد الظلمة .
(137) ديوان الرضي : 2 | 598 ـ 603 .

( 229 )

هذه أبيات من قصيدة طويلة قرابة تسعين بيتا أغلب أبياتها مدح مغرق للطائع ، أقل ما فيه قوله للطائع :

أنظر الي ببعض طرفك نظرة * يسمولها نظري ، ويعرب مقولي
ويقول :

هذا الخليفة لايغض عن الهدى * إن نام ليل القائم المتبتل

وإذا انتقلنا إلى مدحه للقادر بالله العباسي (138) فكما نلاحظ ان له فيه قصيدتين وأبيات ، الاولى يمدحه حين استقر في دار الخلافة في شهر رمضان عام 381 هـ ، ويقول في مطلعها :

شرف الخلافة يا بني العـباس * اليـوم جــدده أبـوالعباس
هذا الذي رفعت يـداه بنائـها * العـالي وذاك موطد الاساس
إلى أن يقول فيها :

مجد أمـيرالمؤمنيـن أعدته * غـضا كنـور المورق المياس
وبعثت في قلب الخلافة فرحة * دخلت على الخلفاء في الارماس

وقبل أن يختم قصيدته البالغة 45 بيتا يذكر القادر بأنه يجتمع معه في أصل واحد وهو عبدالمطلب فيقول :

أورق أمـيـن الله عـودي إنـمـا * أغراس أصلك في العلى أغراسي (139)

والقصيدة الثانية التي يرسلها للقادر عام 382 هـ بعد عودة أهل خراسان من الحج وقد قصدوه للزيارة ، يقول في مطلعها :

لمن الحدوج تهزهن الانـيق * والركب يطفو في السراب ويغرق
يقطعن اعراض العقيق فمشيم * يحدو ركائبــه الغـرام ومعرق

إلى أن يقول :

والى أميرالمؤمنين نجت بهم * ميل الجماجم سيرهن تدفق

____________
(138) أحمد بن اسحق بن المقتدر ، أبوالعباس القادر بالله العباسي ، ولد عام 336 هـ ، ولي الخلافة سنة 381 هـ ، وطالت أيامه ، كان حازما مطاعا ، هابه من كانت له السيطرة على الدولة من الترك والديلم فأطاعوه ، وصفا له الملك ، وتوفي ببغداد عام 422 هـ . راجع ترجمته في : الاعلام للزركلي 1 | 91 ـ 92 .
(139) ديوان الرضي : 1 | 417 ـ 419 .