صلةقبل


وثائق تاريخية


رسائل . . .



هذه خمس رسائل تغتنم « تراثنا » الفرصة في هذا العدد لتقدمها إلى المهتمّين ـ والدارسين ، وهي :
* فصول من المخمس للشريف الرضي .
* رسالة الشريف الرضي إلى أبي القاسم سليمان بن أحمد .
* رسالة من الملك بهاء الدولة بن بويه إلى الشريف الرضي .
* رسالة الشريف الرضي إلى الوزير سابور بن أردشير .
* فصل من رسالة الشريف الرضي .
وفي هذه الرسائل إضاءات على التراث الادبي للسيد الشريف الرضي ، وإشارات إلى علاقته بالملك بهاء الدولة بن بويه والوزير سابور بن أردشير . إضافة إلى فصول في المخمس ، الذي هو لون من ألوان النثر الفني .
وقد اعتمدنا في الاربعة الاولى على مصورة كتاب « جمهرة الاسلام ذات النثر ـ و النظام » للشيخ الفقيه أمين الدين أبي الغنائم مسلم بن محمود بن نعمة بن رسلان بن يحيى الشيزري ( كان حيا سنة 617 هـ ) .
وهي من مصورات مجمع اللغة العربية بدمشق عن مخطوطة جامعة ليدن ، رقم 480 ، تاريخ النسخة سنة 697 هـ ، بخط جيد ، في 526 ورقة .
وفي الخامسة على نسخة رسالة للشريف الرضي في مجموعة من القرن الثامن ، برقم 591 ، في الورقة 44 ، في خزانة الدكتور أصغر مهدوي ـ استاذ جامعة طهران ـ .


( 163 )

ويحدونا الامل أن تنال رسائل هذا العلم اهتماما واسعا من المحققين لما في العناية بها من حفاظ على ثروة أدبية وفنية متميزة ، خصوصا وأن الشريف الرضي من اولئك الذين اعتنوا عناية بالغة بأدبهم وفنهم ، وأعطوا لذلك أهمية كبيرة في حياتهم الزاخرة بالعلم والمعرفة .


هيئة التحرير


( 164 )

(1)
رسالة الشريف الرضي إلى أبي القاسم سليمان بن أحمد ، وهي :

كتابي ـ أطال الله بقاء الاستاذ ـ عن سلامة ألبسه الله نطاقها ، وضرب عليها رواقها ، وما بيننا من علائق الاخاء وغرائس الصفاء ، يجدد جدة وعنفوانا ، وغضارة وريعانا ، فلا تخشى الفوادح على عوده ، ولا النكائث على عهوده ، وقد علم الله ـ سبحانه ـ من قلق الجأش ، وعظيم الاستيحاش ، ولما جرت به الاقدار من ذلك الحادث الذي استرط (1) فيه نفسه ، وأخطر مهجته ، وركب له كاهل الغرر ، وأمل الخوف والحذر ، إلى أن اجلي عن مراده ، وانجلى بعد سواده ، وأعاده الله ـ سبحانه ـ إلى وطنه إعادة النصل إلى غمده ، بعد ما أبلى في الضراب ، وأثر في الجماجم والرقاب ، ورده رد السهم إلى كنانته ، بعدما اهتز في الغرض المطلوب ، وانتظم (2) حبات القلوب .
والحمدلله ، على ذلك يخرج إلى النعمة من حقها ، ويعين على حمل أوقها (3) ويكون أمانا من خوف النقيصة ، وسببا لمأمول الزيادة .
ولم أخل في أثناء بعده ـ أدام الله عزه ـ على الحال التي أخلت باٌنسي وبلغت من نفسي ، لمواصلة المكاتبة إلى من يختص بوده ، ويتألم لبعده مستطلعا منه درر أخباره ، ومتفرد آرائه ، ومكلفا له مكاتبته إلى مستقره ، بذكر ما أنا عليه من لواعج الاشتياق وزوابع الاشفاق ، والدعاء بأن يجعله الله سبحانه في ذمام وقايته ، وضمان كفايته ، وأن يحرسه حراسة الناظر بجفونه ، والقلب بحيزومه ، وأن يخير له فيما يقدم عليه رأيه ، ويجري عليه عزمه ، من معاودة المركب الذي انتقل عنه ، ولزوم المقعد الذي انتقل إليه خيرة تدله من مضان (4) الخطب بصوابها ، وتقدح في ظلام النوائب بشهابها ، وتجلو له من وجوه الاراء أوضحها ، وتصحبه من مقاود العزائم أسمحها ، حتى يكون من عقال الحيرة مطلقا ،
____________
(1) إسترط : ابتلع ، وهو كناية عن عظم الخطر .
(2) في الاصل : وانتقم ، وما أثبتناه هو المناسب .
(3) الاوق : الثقل ، ( الصحاح ـ أوق ـ ) .
(4) المضان : مفردها مضنة ـ بكسر الضاد وفتحها ـ أي النفيس الذي يضن به ، ( الصحاح ـ ضنن ـ ) .

( 165 )

ولمفصل الحزم مطبقا ، فيكون على جلية الرأي ومفرقه ، ووضح الامر وفلقه ، فيما يأتي ويذر ، ويقدم ويؤخر .
ولما تواترت إلي البشائر بعوده إلى وطنه مكنوفا بالسلامة ، محفوفا بالسعادة ، ومقذيا به كل ناظر طمح إلى عثرته ، ومجدوعا به كل مارن (5) شمخ بعد مفارقته ، وكان المتخطون في سعيه ، والمنحازون إلى وده ، بين مسرة مما أعلى الله من نعمته ، ومكن من يده وقدمه ، وبين غمة بالحال التي أخرجته من الاستزادة ، من الثقل الباهر (6) والعبء الفادح ، الذي ربما أصحر بحمله ، وآد (7) الناهضين حمله ، إلا أنا فإن سروري من بينهم كان صرفا غير ممزوج ، وخالصا غير ممذوق ، ثقة بأن الله تعالى قد أجاب فيه الدعوة التي دعوتها ، والرغبة التي رفعتها ، إذ كانت مشروطة بالخيرة في الامرين معا ، ومعلقة بالصلاح في الوجهين جميعا .
فلما أنعم الله سبحانه بتسهيل أحدهما مسببا أبوابه ، ومسهلا صعابه ، علمت أن فيه الصلاح النير ، والرشاد المقمر ، وأن سلامة الموارد والمطالع واعدة بسلامة المصادر والمراجع ، فسكنت نفسي واثقة بحميد الخواتم وجميل العواقب ، وراجية أن يكون رذاذ هذه النعمة قطرا ، وشرارها جمرا ، وبدو غراسها جنا وثمرا ، إن شاءالله .
وكيف لايكون ذلك ونعمته ـ أدام الله عزه ـ آمنة غير مروعة ، وسالمة غير منازعة ، لانه قد خصها بالفعل الجميل وأسقط عنها تبعات المنازعين ، ومهد لاعجازها قبل هواديها (8) ، ونظر لعواقبها قبل بواديها ، فأصبحت مطنبة بأسباب (9) متينة ، ومستلئمة بدرع حصينة ، ولا طريق عليها لحادث ، ولاحجة في ثلمها لنابث (10) ولا طارق ، فهي مستقرة غير قلقة ، ومقيمة غير مفارقة ، والزوائد مرجوة لها ، والنقائص مأمونة عليها .
فإن رأى ـ أدام الله تأييده ـ أن يتأمل ما كتبت به ، ويجعل الجواب منه مفصلا لا
____________
(5) المارن : الانف .
(6) بهره الحمل : ثقل عليه حتى انبهر ، أي تتابع نفسه ، ( الصحاح ـ بهر ـ ) .
(7) آده الحمل : ثقل عليه ، وفي الاصل ( ادى ) وهو غير مناسب .
(8) الهوادي : جمع الهادي ، وهو العنق .
(9) الطنب : الحبل ، والمطنبة : المشدودة ، السبب : الحبل أيضا .
(10) النبث : الغضب ، والشر .

( 166 )

مجملا ، ومبسوطا لا مختصرا ، لتكون الافاضة في ذكر النعم المتجددة والعوارف المترادفة ، أشفى للغليل ، وأجدر بالشكر العريض الطويل .


( 167 )

(2)
رسالة من الملك بهاء الدولة بن بويه
إلى الشريف الرضي

أطال الله ـ أيها الشريف الجليل الرضي ذو الحسبين ـ بقاءك ، وأدام عزك وتأييدك وسعادتك و سلامتك ، وأتم نعمته عليك ، وزاد في فضله وإحسانه إليك وعندك ، وجميل مواهبه وسني فوائده لك .
كتابنا ـ أدام الله تأييده ـ عن سلامة ملابسها ضيافة سابغة ، ونعمة مشارعها صافية سائغة ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى على سيدنا محمد وآله الاخيار الطاهرين .
ونحن ـ أدام الله تأييدك ـ لما اكنفنا (1) الله ـ عزوجل ـ به من توفيقه ، ووقفنا عليه من جدد الصواب وطريقه ، نرى أوجب الواجبات ، ونعد ألزم اللازمات ، موالاة الانعام على الفضلاء ، معرفة بأقدارهم ، وإدامة الاكرام للنبلاء الفصحاء زيادة في منازلهم وأخطارهم .
وتحليت عليه النهى (2) ، ورقت بالمعجب من مناقبك ، المتصفح لاحوالك وأفعالك ، وفقت بالمهذب من ضرائبك الاقرب والا بعد من أمثالك وأشكالك ، حتى نطق بقريضك كل لسان ، واتفق على تفضيلك كل إنسان ، آثرنا أن ننتهي في النباهة إلى غاية موازية لفضائلك ، وفي الجلالة والوجاهة إلى نهاية مضاهية لشرف خصائلك ، فرفعناك عن التسمية إعظاما لما عظمه الله من قدرك ، ورقيناك إلى رتبة السكينة إعلاء لما أعلاه الله من ذكرك .
ثم لقبناك بالرضي ذي الحسبين ، لقبين بك لائقين ، ولمعناك مطابقين موافقين ، تنبيها على جليل موقعك ، وتمييزا لما قد ميزه الله من مكانك وموضعك ، والذي أمددناك به من متجدد الافضال الذي تستحقه بزكي أصلك ، ثم بالموقوف به من موالاتك ، واعتمدناك بحمالة من مؤتنف هذا الاحسان الذي تستوجبه ببارع فضلك ، ثم السكون
____________
(1) أكنفنا : أعاننا .
(2) كذا .

( 168 )

إليه من إخلاصك وموالاتك عاجل يتبعه آجل ، وطل يشفعه وابل ، إذ كانت ذرائعك الذرائع الوجيهة التي تستدعي لك المواد من الميزاب ، وشوافعك الشوافع النبيهة التي تستدني لك الاقدار من الكرامات .
وأنت ـ أدام الله تأييدك ـ تشكر ما قدمناه محسنا لتقبله ، وتنتظر ما أخرناه واثقا بإسراعه وتعجيله ، فعندنا من الاعجاب بك ما يدعو إلى متابعة الفواضل عليك ، ومن الايجاب لك ما يحدو على مظاهرة العوارف لديك ، ويدوم على ما أحمدنا منك ، وتقيم على ما تسرنا محاسنه عنك لتزداد الميامن بك احتفافا ، وتتضاعف العوائد منا لك أضعافا ، وتواصل كتبك بما نتطلعه من أنبائك ، وتواترها بما نترقبه ونتوقعه من تلقائك .


( 169 )

(3)
رسالة الشريف الرضي إلى الوزير سابور بن أردشير (1) يهنئه بعودة الوزارة إليه وهي في الدفعة الرابعة :

كتابي أطال الله بقاء سيدنا الوزير ـ أدام الله تأييده ـ يوم كذا (2) عن حمدالله تعالى أستدرشارقه ، وأستفتح مغالقه ، على ما شمل جميع الناس عموما وشملني من بينهم خصوصا الاستبشار بيمن نظره ، وتمكين يده ، واستئناف دولته ، ورجوع أمره ونهيه ، فإن المنة في ذلك استغرقت شكر الشاكرين ، وفاتت حمد الحامدين ، ولم يخل أحد من قسم ازل (3) إليه منها ، أو سهم ضرب له فيها . فكان عود سلطانه ـ أدام الله تمكينه ـ نعمة على جميع الكافة ، كما كان خلو مكانه ـ [ لا ] (4) أخلاه الله أبدا منه ـ غمة على الخاصة والعامة .
وإلى الله أرغب في أن يجعل هذه الموهبة راهنة غير ظاعنة ، ودائمة غير رائمة ، ولاينقله عنها إلا إلى ماهو أجل منها مطمحا ، وأشرف موكبا ومقعدا ، متوقلا (5) به في مراق من العز كلما وضع قدمه على بعضها رأى ما يجاوزه دون ما وصل إليه ، وما خطاه مقصرا عما استولى عليه ، حتى يبلغ إلى نهاية لا مرمى وراءها ، وغاية لامطلع خلفها ، ولا منزلة بعدها ، آمنا من هفوات الزمان ونبوات الايام وسهام الضراء ومكائد الاعداء ، بمنه ولطفه .
ولو لم يكن لسيدنا الوزير ـ أدام الله علوه ـ من المزايا التي يفوق بها الاكفاء ويجوز
____________
(1) أبو نصر سابور بن أردشير ، الملقب بهاء الدولة وزير بهاء الدولة أبي نصر ابن عضد الدولة ابن بويه الديلمي ؛ كان من أكابر الوزراء ، واماثل الرؤساء ، جمعت فيه الكفاية والدراية ، وكان بابه محط الشعراء . وكان قد صرف عن الوزارة ثم اعيد إليها . وكانت وفاة سابور في سنة ست عشرة وأربعمائة ببغداد ، ومولده ليلة السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة . انظر وفيات الاعيان 2 : 354 .
(2) لم يذكر إسم اليوم ولا تاريخه ، واستعيض عنه بلفظ ( كذا ) .
(3) ازل : اعطي ، وأزللت إليه نعمة : أسديتها . ( الصحاح ـ زلل ـ ) .
(4) زيادة يقتضيها السياق .
(5) التوقل : الصعود .

( 170 )

النظراء ، إلا بلوغه إلى ما [ لم ] (6) يبلغ (7) إليه أحد ممن نحل اسم الوزارة ، واجري مجراه في مقعد الرئاسة ، من تدبير هذا الامر أربع دفعات متغايرات ، وتلك منزلة ما وصل إليها أحد من الوزراء على سوالف الاوقات وخوالفها ، لكفى وبذلك فضيلة غراء ، ومنقبة علياء ، فكيف وقد جمع الله سبحانه فيه من شرف الضرائب ، ويمن النقائب ، وكرم الطبائع ، وطيب الغرائز ، وسلامة العقائد ، واحتصاد (8) المعاقد ما هو بمنزلة الكمال الذي يتفرق في الاشخاص ولايجتمع في أحد من الناس ، وقد علم القريب والبعيد والشريف والمشروف ، أن هذه المنزلة كانت ثلمة لاترأب إلا به ، وفرجة لايسدها إلا شخصه ، وأن لهذا الامر بابا لايفتحه إلا من أغلقه ، وسترا لا يرفعه إلا من أسدله ، وثغرا لايسده إلا من داوسه (9) ، وجدا لايصبر عليه إلا من مارسه .
وسيدنا الوزير ـ أدام الله عزه ـ هو كفؤه وكافيه ، وطبيبه وآسيه ، فالله تعالى يتمم ما خوله ، ويعينه على ما قلده ، ويجريه على أجمل ما عوده ، إنه على ذلك قدير ، وبه جدير .
ولست أدل على شدة ارتياحي وابتهاجي ، وانبساط رجائي وآمالي ، ما يجدد له ـ أدام الله تمكينه ـ بأكثر من اطلاعه على حقائقه ووقوفه على ظواهره وبواطنه ، فإن رأى سيدنا الوزير ـ أدام الله علوه ـ أن يأمر ـ أعلى الله أمره ـ بإجابتي عن كتابي هذا بما أعلم معه أن موضعي من حسن رعايته محروس ، ومكاني من مكين رأيه مكين في ذلك على عوائد إنعامه وعوارف إحسانه ، التي لم أخل بالشكر لها ، ولم أذهل عن الاشادة بها ، على بعد الدار وقربها ، وتغير الحال ورجوعها ، فعل إن شاء الله تعالى .
وما أحـدث الـدهر من نبوة
فإن الـنفـوس إليـكم تشاق
وتسفـر أرحـامنا بيــننا
فإنـا نرى لجـوار الديـار
*
*
*
*
وقطع ما بيننا من سبـب
وإن القلوب عليكم تجـب
فتعلي طوائلنا أو تــهب
حقوقا فكيف جوار النسب

____________
(6) زيادة يقتضيها السياق .
(7) في الاصل : يبلغه ، وما أثبتناه أنسب .
(8) حبل محصد : محكم مفتول ، والمعاقد : هي معاقد الازار ، ويراد بها قرب المنزلة واستحكامها . انظر : ( الصحاح ـ حصد وعقد ـ ) .
(9) داوسه : أرسل إليه الجند والخيل يتبع بعضها بعضا ولم يفتر عنه .

( 171 )

(4)
من المخمس (1)
فصول الشريف الرضي

فصل : وأما فلان فما عندي أنك تقرب عرضه إلا شاما صادفا (2) وذائقا باصقا ، فأما أن تجعله لوكة لفيك وعرضة لقوافيك ، فتلك حال أرفعك عن الاسعاف إليها والرضا بها ، واجل سهمك أن يصيب غير غرضه وحدك أن يطبق غير مفصله ، فما كل رمية تصرد (3) فيها النبال ولا كل فريسة تنشب فيها الاظفار .

فصل : قد كاد الرسول يا أخي وسيدي ـ أطال الله بقائك ـ من كثرة الترداد تتظلم قدماه ، وكاد المرسل من امتداد الطرف لانتظاره تزور عيناه ، فلا تجعل للوم طريقا إليك ولا للعتاب متسلقا عليك ، وكن مع مواصلتك إلبا على مقاطعتك وأحمل لمفارقتك كثيرا على مباعدتك ، فان ذلك أحصف لمعاقد العهود وأعطف لتالف القلوب .

فصل : إن رأى الشريف ـ أطال الله بقاءه ـ أن يلقي إلي طرفا من حال سلامته ، وما جدده الله تعالى من حسم شكايته ، فحرام على جنبي الهدوء إذا نبا جنبه ومحصن عن عيني الرقاد إذا سهر طرفه ، لان النفس واحدة وإن اقتسمها جسمان واستهم فيها جسدان ، ولست أشك في هزيمة الداء ونقيصة الالم لما أجده من سكون النفس وطمأنينة القلب ، ولو كان غير ذلك لقلقت نفسي لقلق قسيمتها وتألمت مهجتي لالم مساهمتها ، والله يقيه ويقيني فيه الاسواء بمنه وقدرته إن شاء .

فصل : وراودت نفسي في إنفاذ رسول إليه يسأله الحضور ، ثم أضربت عزيمة الرأي خوفا من إزعاجه في مثل هذا الوقت ، ولئلا ينسبني إلى نقض الشرائط وفسخ العهود اللوازم ، لانه يشارطني في ليلة يومنا هذا في داره ، وكان عزمي في الانفاذ إليه بين رأيين ؛ جاذب إلى أمام ، وممسك إلى وراء ، فالجاذب يحضه السوق ويحرضه النزاع إلى رؤيته
____________
(1) المخمس : يعني به الفصل المشتمل على خمس سجعات .
(2) صادفا : معرضا .
(3) صرد السهم : نفذ حده في الرمية .

( 172 )

فيجذب دائباً ، والممسك يمنيه الوفاء بعهده والمحافظة على وده فيقف هائباً ، والذي أمكنني عند غيبته أني حرمت القراءة على نظري ، وصرفت مستأذن الحديث عن دخول سمعي ، وفزعت إلى المضجع وإن كان نابياً لنبوه ، والنوم وإن كان نائباً لنأيه ، فإن رأى ـ أدام الله عزه ـ أن يجعل شخصه الكريم جواباً عن هذه الاحرف لينشر من نسائمي ما انطوى لفراقه ، ويطفئ من حناني ما اضطرم من نار أشواقه فعل إن شاءالله .

فصل : وان اتسق الامر الذي إلى الله أرغب في تمامه ، وأسأله العون على لم شمله وتأليف نظامه ، كان فلان عندي في المنزلة التي إن أشرف منها وجد الناس جميعاً تحته ، والمكان الذي إذا طمح فيه بطرفه لم ير أحداً من الرجال فوقه ، والله يعين على مشاطرته كرائم النعمى ويجعل الرشد مقروناً بصحبته في الدين والدنيا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

فصل : قرأت ما كتب به مولاي الاستاذ ـ أطال الله بقاءه ـ وملكني الابتهاج بما وقفت عليه من علم خبره ، واقتسمتني أيدي الارتياح لما أنست به من دوام سلامته ، والله يقيه الهم ويكفيه المهم بمنه وقدرته ، وأما خبري فأنا الان في منزلة من العافية بعد أن كنت في نازلة من المنزلة (4) وتحت ظل من السلامة بعد حصولي في هجير من عارض العلة ، ولله الحمد على الابتلاء بالاول والانعام في الاخر ، ولولا شغلي بما ذكرت وانغماسي فيما وصفت ، لم أقنع لنفسي بالتأخر عنه طول هذه المدة ، مع السرور الذي يهفو بي إليه ، والجواذب التي تسرع بي نحوه ، والله يحرسه ويحرسني فيه بمنه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

فصل : فإن رأى ـ أطال الله مدته ـ أن يجيبني إلى ما التمسته ، ويحتمل ما اقترحته ، فإنه أهل لنزول الحوائج به ، وموضع لتكاثر المسائل عليه ، فما يسأل إلا باذل ، ولا يحمل إلا حامل ، فعل إن شاء الله .

فصل : أخلف ميعاداً وصدق بعاداً ، اعيذك ـ أطال الله بقاءك ـ من ذلك ، وعدتني أنك تصير النصب فيه على قولك أحشفا وسوء كيله ؟ والمعنى يجمع هذا وذا ، إلي فأخلفت ، وأوعدتني أنك تجازيني على ما فعلته بالقطيعة فقدمت وأسلفت ، [ وعادة ]
____________
(4) في الاصل : ( المنزلة ) ، ولعل ماأثبتناه هو المناسب لما قبل الفقرة وما بعدها . والنزلة : مرض الزكام .
( 173 )

الكريم إنجاز الوعد وإخلاف الوعيد ، فإن لابد فالصدق في كليهما ليتوارد الفعلان ويعتدل الامران ، ولا يكون الشر أغلب الطبعين عليك ، والخير أبغض الحظين عندك ، والذي أسالك ـ أدام الله عزك ـ أن تسرع النهضة إلي ، وتعجل الطلوع علي ، إن شاءالله .

فصل : فلو شئت ـ أطال الله بقاءك ـ لالتثمت الخجل من قبيح ما ترتكبه وقعة بعد اخرى ، وأنا دائب أتلافاك بالصعب والذلول والدقيق والجليل ، وأستميلك استمالة النافر ، وأستعطفك استعطاف الشارد ، واداريك مداراة الولد الوالد ، بل مداراة الناظر الرمد ، وأنت ماض على غلوائك في البعد ، وجار على سننك في القطعية والهجر ، ولو رمت شرح جميع اموري منك لطال الكلام ، وكثر الخصام .
والان فالذي أسالك ـ أدام الله عزك ـ أن تخرج من لباس الخلق الجافي ، وتشرع في غدير الود الصافي ، فانه أولى بك وأشبه بمثلك ، إن شاء الله .

فصل : إذا كان إنعام سيدنا الوزير ـ أطال الله بقاءه ـ عريض الاكناف ، بعيد الاقطار والاطراف ، ينال المحروم والمرزوق سجله (5) ، ويسع القاضي والداني فضله ، كان أحق من ضرب فيه بسهم ، واخذ منه بنصيب وقسم ، من سبقت منه خدمة ، وتوكدت له حرمة ، وقد شمل أفضال سيدنا الوزير ـ أدام الله عزه ـ أشكالي وأمثالي من أهل هذا البيت ، وأنا أعوذ بغامر فضله أن يعزبني الزمان من ملابس طوله ، فإن رأى ـ حرس الله مدته ـ أن ينعم علي بالتوقيع في معنى كيت وكيت فعل إن شاءالله .

***

____________
(5) السجل : الدلو إذا كان فيه ماء .
( 174 )

(5)
فصل من رسالة الشريف أبي الحسين الموسوي رحمة الله عليه :

وإذا كنت ـ أدام الله عزك ـ لا ترع العلائق الواشجة ، ولا تجيب الارحام المناشدة ، ولا تتعطف بالاسباب العواطف ، ولا تهتز للاعراق الضوارب ، وأنت أنت في كمال البصائر والتجارب ، وسداد الاراء والعزائم ، فأين موضع السكن التي عسا (1) عودها ، ونبا (2) على العواجم عمودها ، واعتقبتها الايام رافعة وخافضة ، وتداولتها الخطوب رائشة (3) وناهضة (4).
وإنما تكون آراء ذي السن الغالب أسد وأصوب ، وعزائمه أنفذ وأدرب ، وأفعاله مستضيئة لشعاع الحزم الثاقب ، ومتنكبة عن ظلم الهوى الغالب ، لان الزمان قد يجده (5) بطول صحبته ، وأخلصه بطوارئ خيره وشره ، وغالبه ثم دان له ، وخاشنه ثم لاينه ، فأفاده ارتياء في المشكلات ، ووقوفاً عند الشبهات ، واستشفاء للعواقب ، ونظرا من الموارد إلى المصادر ، اطلاعاً على مجاني الغروس قبل إيراقها ، ومحاصد الزروع قبل إطلاعها ، فهو أبدا مغالب عزمه بحزمه ، ومستعبد هواه لرأيه ، وأخلق به ألا تنشط عقاله الحوادث ، ولا تزلق قدمه النوائب ، ولا يسري إلا على منار ، ولا ينقاد إلا بأزمة الاستبصار ، ولا يرمي إلا على إشارات التوفيق ، ولا يحذو إلا على مثال الرأي الانيق (6) .
____________
(1) عسا : يبس واشتد وصلب ( الصحاح ـ عسا ـ 6 | 2425 ) .
(2) نبا : عسر وتباعد ( الصحاح ـ نبا ـ 6 | 2500 ) .
(3) راشه : أصلح حاله ( الصحاح ـ ريش ـ 3 | 1008 ) .
(4) ناهضة : ظالمة ( الصحاح ـ نهض ـ 3 | 1112 ) .
(5) كذا .
(6) في الاصل كلمة غير واضحة ، ولعل الصواب ما أثبتناه .