السيّـد علي حسـن مطر
* المثنّـى لغـة:
قال بعض النحاة: المثنّى لغة: اسم مفعول، بمعنى «المعطوف، من
ثنيتُ العود إذا عطفته»(1).
ويلاحـظ عليـه: أنّ اسـم المفعـول مـن الفعـل (ثنـى) هـو (مَثْنِـيٌّ)
لا (مُثَنّىً).
ولعلّه لاَجل ذلك ذهب غيره إلى القول: إنّ معناه «المعطوف
كثيراً»(2)
، ليكون اسم مفعول من الفعلِ (ثَنّى) الشيء إذا أكثر من ثنيِهِ
وعطفه.
ب ـ اللباب في علل البناء والاِعراب، أبو البقاء العكبري، تحقيق غازي مختار
طليمات 1|96.
ج ـ شرح التصريح على التوضيح، خالد الاَزهري 1|66.
ويلاحظ عليه: أنّه لا مناسبة بين كثرة ثني الشيء لغة، وبين المعنى
الاصطلاحي النحوي للمثنّى، ولعلّ الاََوْلى كونه اسم مفعول من الفعل
«ثَنَّيْتُهُ تَثْنِيَةً، أي: جعلته اثنين»(1).
* المثنّـى اصطلاحـاً:
أَوّلاً: تاريخـه:
أكثر سيبويه (ت 180 هـ) من استعمال كلمة (التثنية) تعبيراً عن
المعنى الاصطلاحي، وإن كان قد عبّر عنه أيضاً بلفظي (المثنّى)
و(الاثنين(2).
وأمّا المبرّد (ت 285 هـ) فقد عبّر عنه بالتثنية(3)، ولم يستعمل عنوان
المثنّى إلاّ نادراً، كقوله: «ولم يجز أن يكون إعراب المثنّى كإعراب
الواحد(4).
واستعمل بعضهـم عنوان (التثنيـة) و(الاثنين)، كابن السرّاج
(ت 316 هـ)(5)، والزجّاجـي (ت 337)(6)، وأبي سعيـد السيرافـي
ب ـ الاِيضاح في علل النحو، الزجّاجي، تحقيق مازن المبارك: 121 و124.
ومن أقدم النحاة الّذين وجدتهم يقتصرون على كلمة (المثنّى) عنواناً
للمعنى الاصطلاحي:
ـ ابن معطي (ت 628 هـ) في كتابه الفصول الخمسون.
ـ ابن عقيل (ت 672 هـ) في شرحه على ألفيّة ابن مالك.
ـ ابن هشام (ت 761 هـ) في كتبه: شرح شذور الذهب، وشرح
قطر الندى، وأوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك.
ثانيـاً: تعريفـه:
أَوّل تعريف اصطلاحي للمثنّى هو ما يمكن استخلاصه ممّا ذكره
الزجّاجي (ت 337 هـ) في بيان معنى التثنية، من أنّها: «ضمّ اسم إلى اسم
مثله في اللفظ... بأن يقتصر على أحدهما... ويؤتى بعلم التثنية آخراً،
وذلك قولك: رجل ورجلٌ، ثمّ تقول: رجلان»(2).
وقوله: «مثله في اللفظ» احتراز من الاسمين المتغايرين لفظاً، كزيد
وبكر؛ فإنّه لا يصحّ تثنيتهما.
والملاحظ أنّ هذا التعريف وأمثاله ممّا سيأتي، هو في الواقع تعريف
بكيفية تصرّف المتكلّم بالاسم بالنحو الذي يلزم منه تحويله من مفرد إلى
مثنّىً، أي أنّه تعريف باللازم (المثنى) عن طريق التعريف بالملزوم (عملية
الضمّ التي يقوم بها المتكلّم).
وعرّفه الرمّاني (ت 384 هـ) بأنّه صيغة «مبنيّة من الواحد، للدلالة
على الاثنين»(1).
وقوله: «مبنيّة من الواحد» يريد به أنّ المثنّى اصطلاحاً هو ما كان له
واحد من لفظه، وأنّه ليس كلّما دلّ اللفظ على معنى التثنية كان (مثنىً) في
الاصطلاح النحوي، وسيأتي تأكيد النحاة لهذا القيد، وبيان ما يخرج به عن
حقيقة المثنّى.
وقد يشكل على هذا التعريف بأنّه لا يشمل ما دلّ على اثنتين،
وجوابه: بكون المراد بالاثنين شيئين أو شخصين أو «اسمين اثنين أعمّ من
أن يكونا مذكّرين أو مؤنّثين»(2).
وعرّفه ابن بابشاذ (ت 469 هـ) بأنّه «ضمّ شيء إلى شيء مثله،
كقولك: الزيدانِ والزيدينِ»(3).
والمراد بـ (مثله) مماثله في اللفظ.
وهناك ملاحظة سجّلها ابن الحاجب (ت 646 هـ) على هذا التعريف
ومـا يماثلـه من التعريفات الآتيـة لابن يعيش والشلوبيني وابن عصفور،
وهي: «ليس قول من قال: ضمّ شيء إلى مثله، في حدّ المثنّى بشيء؛
لاَنّك لو قلت: زيد وزيد، ضمّ شيء إلى مثله، وليس بمثنّى»(4).
وعرّفه الحريري (ت 516 هـ) بأنّه «الاسم الدالّ على مسمّيَين متّفقَي
ويرد عليه أنّه من دون إبراز قيد (ما كان له واحد من لفظه) يكون
غير مانع من دخول الضمير أنتما، واثنين، واثنتين؛ لدلالتها على: أنتَ
وأنتَ، وواحد وواحد، وواحدة وواحدة.
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بأنّه «ما لحقت آخره زيادتان: ألف
أو ياء مفتوح ما قبلها، ونون مكسورة؛ لتكون الاَُولى علماً لضمّ واحدٍ إلى
واحد، والاَُخرى عوضاً عمّا منع من الحركة والتنوين الثابتين في الواحد»(2).
وينبغي أن يجعل قوله: «لتكون الاَُولى...» إلى آخره، بياناً للتعريف
لا جزءاً منه.
وهذا التعريف شامل لمثلِ القمرين، للشمسِ والقمر، ممّا يراه معظم
النحاة ملحقاً بالمثنّى، وليس مثنّىً حقيقة.
وعرّفه ابن الاَنباري (ت 577 هـ) بأنّه «صيغة مبنيّة للدلالة على
الاثنين»(3).
وهو مماثل لتعريف الرمّاني المتقدّم، إلاّ أنّه حذف منه قوله: «من
الواحد» وكان الاََوْلى إثباته؛ لاِخراج ما دلّ على اثنين وليس له واحد من
لفظه.
وعرّفه ابن معطي (ت 628 هـ) بأنّه «ما ألحقْتـه ألفاً رفعاً، وياءً
مفتوحاً ما قبلها نصباً وجرّاً، ونوناً في الاَحوالِ الثلاثة، بدلاً من التنوين»(4).
ويلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ قوله: «بدلاً من التنوين» بيان زائد على التعريف.
ثانياً: أنّه لم يقيّد النون بأنّها مكسورة، وكان ينبغي أن يفعل ذلك.
ثالثاً: أنّه لم يشر إلى كون الاَلف أو الياء علماً لضمّ واحد إلى واحد،
ممّا يجعل عبارته بياناً للمشخّص الاِعرابي للمثنّى، لا تعريفاً بحقيقة المثنّى.
وعرّفه ابن يعيش (ت 643 هـ) بقوله: «التثنية ضمّ اسم إلى اسم
مثله»(1).
وهو مماثل لتعريف الزجّاجي المتقدّم، ويفضله في أنّه استعمل كلمة
(اسم) بدل (شيء).
وعرّفه الشلوبيني (ت 645 هـ) بتعريفين:
أوّلهما(2)هى: مماثل لتعريف ابن معطي المتقدّم.
والثاني: «ضمّ واحد إلى مثله، بشرط اتّفاق اللفظين في الاَكثر»(3).
وقوله: «في الاَكثر» إضافة جديدة إلى التعريف يقصد بها أنّ التثنية
قد تكون في اللفظين المتغايرين أحياناً؛ لتغليب أحدهما على الآخر،
كالقمرين في الشمس والقمر.
وعرّفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بقوله: «التثنية ضمّ اسم نكرة إلى
مثله، بشرط اتّفاق اللفظين والمعنيَيْن، أو المعنى الموجِب للتسمية»(4).
والجديد في هذه الصياغة للتعريف أمران:
أوّلهما: تقييد الاسم الذي تصحّ تثنيته بكونه نكرة.
والثاني: أن يتّفق الاسمان في المعنى أو المعنى الموجِب للتسمية،
مضافاً إلى اتّفاقهما في اللفظ.
وقد قال في شرحه: «فإذا اختلف الاسمان في اللفظ لم يثنّيا، إلاّ أن
يغلب أحدهما على الآخر، فيتّفقا، وذلك موقوف على السماع، نحو...
القمرين في الشمس والقمر... وإذا اتّفقا في اللفظ والمعنى، أو المعنى
الموجِب للتسمية، وكانا نكرتين، ثنّيا، نحو قولك في المتّفقي اللفظ
والمعنى: رجلين وزيدين، وفي المتّفقي اللفظ والمعنى الموجِب للتسمية:
أحمرين، في ثوب أحمر وحجر أحمر... وإنْ كانا معرفتين باقيتين على
تعريفهما لم يثنّيا، نحو قولك: زيد وزيد، تريد زيد بن فلان، وزيد بن
فلان»(1).
وقال ابن مالك (ت 672 هـ) في تعريفه: «التثنية جعل الاسم القابل
دليل اثنين متّفقين في اللفظ غالباً، وفي المعنى على رأي»(2).
ومراده بـ «القابل» هو ما يقبل التثنية، أي ما كان له واحد من لفظه،
وممّا قيل في شرحه: «ليس المراد بالجعل وضع الواضع، فيدخل (زكاً)(3)
من الموضوع لاثنين، بل الجعل تصرّف الناطق بالاسم على ذلك الوجه،
وقال المصنّف: جعل الاسم أَوْلى من جعل الواحد؛ لاَنّ المجعول مثنّىً
يكون واحداً كرجل ورجلين، ويكون جمعاً كجمال وجمالين، ويكون اسم
جمع كركب وركبين، ويكون اسم جنس كغنم وغنمين»(1).
وعرّفه الرضيّ (ت 686 هـ) بقوله: «المثنّى كلّ اسم كان له مفرد،
ثمّ أُلحق بآخره ألف ونون [ أو ياء ونون] ليدلّ على أنّ معه مثله من جنسه.
فلم يكن (كِلا) على هذا داخلاً في المثنّى؛ إذ لم يثبت (كِلٌ) في
المفرد... وكذا (اثنان)؛ إذ لم يثبت للمفرد (إثْنٌ)»(2).
وعرّفه ابن الناظم (ت 686 هـ) بقوله: «هو الاسم الدالّ على اثنين،
بزيادة في آخره، صالحاً للتجريد وعطف مثله عليه، نحو: زيدان؛ فإنّه
يصحّ فيهما التجريد والعطف، نحو: زيد وزيد... فإنْ دلّ الاسم على
التثنية بغير الزيادة نحو: شفع وزكا، فهو اسم للتثنية، وكذا إذا كان بالزيادة
ولـم يصلـح للتجريـد والعطف، نحـو: اثنـان؛ فإنّـه لا يصـحّ مكانـه إثْـنٌ
ولا إثْنةٌ»(3).
وقد أخذ بهذا التعريف كلٌّ من ابن عقيل (ت 769 هـ)(4)،
والسيوطي (ت 911 هـ)(5)، إلاّ أنّ الاَوّل جعل جنس التعريف (اللفظ)،
والثاني جعله (ما)، والذي صنعه ابن الناظم أفضل؛ لاَنّ الاسم جنس أقرب.
وعرّفه ابن هشام (ت 761 هـ) بتعريفين:
أوّلهما: «ما دلّ على اثنين بزيادة صالحة للتجريد»(1).
ويلاحظ خلوّه ممّا ذكره ابن الناظم من قيد (وعطف مثله عليه)، وقد
علّل ذلك بقوله:« ان من زاد هذا القيد رأى أنّ نحو القمرين في الشمس
والقمر، قد عطف فيه الاسم على مباينه لا مماثله، والذي أراه أنّ النحوييّن
يسمّون هذا النوع مثنّىً، وإلاّ لذكروه في ما حمل على المثنّى، وإنّما غايته
أنّ هذا مثنّىً في أصله تجوّز»(2).
والثاني: «ما وضع لاثنين، وأغنى عن المتعاطفين»(3).
وقال الاَزهري في شرحه: «(ما وضع) جنس، و (لاثنين) فصل أوّل
مخرج لِما وضع لاَقلّ كـ (رَجْلان) للماشي، أو أكثر كـ (صنوان)، و (أغنى
عن المتعاطفين) فصل ثانٍ مخرج لنحو: كِلا وكِلتا واثنان واثنتان، وشفع
وزوج وزكاً... ودخل فيه نحو: القمران للشمس والقمر... وتثنية الجمع
المكسّر كالجِمالان، وتثنية اسم الجمع كالرَكبان، وتثنية اسم الجنس
كالغَنَمان»(4).
وقال الشيخ ياسين العليمي في حاشيته على شرح التصريح: «قال
اللّقاني: هذا الحدّ صادق بالضمير في (أنتما قائمان) وباثنين واثنتين؛ إذ
هي مُغنية عن: أنتَ وأنتَ، وعن رجلٍ ورجلٍ، وعن امرأة وامرأة.
ويمكن أن يجاب بأنّ المراد ـ بقرينة ما اشتهر من شروط المثنّى ـ
وعرّفه الاَشموني (ت 900 هـ) بأنّه: «اسم ناب عن اثنين، اتّفقا في
الوزن والحروف، بزيادة أغنت عن العاطفِ والمعطوف»(2).
وممّا قاله الصبّان في شرحه: «قوله (اسم) أي: معرب، بدليل أنّ
الكلام في المعرب، فلا يرد على التعريف (أنتما)... قوله (في الوزن
والحروف) ولم يقل: في المعنى، مراعاة لمذهب الناظم [ابن مالك] الذي
يجوّز تثنية المشترك مراداً بها معنياه المختلفان... نحو: عندي عينان،
منقودة ومورودة»(3).
*
*
* النكرة في اللغة:
قال ابن منظور: «النكرة: إنكارك الشيء، وهو نقيض المعرفة..
ونكر الاَمر نكيراً، وأنكره إنكاراً ونكراً: جهله»(1)، فهي «مصدرُ (نكرت
الشيء نكرةً ونكرةً) إذا جهلته»(2).
وذهب بعض إلى أنّ النكرة اسم مصدر للفعل نكر(3)، الذي «يدلّ
على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله
قلبه، ولم يعترف به لسانه»(4).
وقد يُجمع بين الرأيين بأنْ يقال: النكرة مصدر للفعل نَكِرَ مخفّفاً،
واسم مصدر للفعل نَكَّرَ مشدّداً(5).
* النكرة في الاصطلاح:
استعمـل لفظ النكـرة عنوانـاً للمعنـى الاصطلاحي في كتاب سيبويـه
ب ـ حاشية الصبّان على شرح الاَشموني 1|103.
ب ـ حاشية الشيخ ياسين العليمي على شرح التصريح 1|91.
(ت 180 هـ)(1)، وأكبر الظنّ أنّه كان مستعملاً قبل ذلك من قبل المتقدّمين
على سيبويه، وإن كنّا لا نعلم بالضبط أوّل من أطلقه على المعنى النحوي.
واستعمل بعض النُحاة ألفاظاً أخرى للتعبير عن المعنى الاصطلاحي
إلى جانب النكرة، فقد عبّر المبرّد بلفظ (المنكّر)(2)، وعبّر السيرافي
والسرمـري بلفظـي (المنكور) و(المنكّر)(3)، وعبّـر الزمخشـري باسـم
الجنس(4)
وقد عرّف النُحاة النكرة، تارة ببيان حدّها ومفهومها، وأخرى ببيان
علاماتها وخاصّتها اللفظيّة.
أمّا تعريفه بالحدّ فقد اتّخذ نحوين:
أوّلهما: أنّه ما يصلح للانطباق على أفراد كثيرة.
وثانيهما: أنّه الموضوع لفرد غير معيّن.
وأقدم مـا وجدتـه من حدوده على النحو الاَوّل قول المبـرّد (ت
285 هـ): «الاسم المنكّر هو الواقع على كلِّ شيء من أمته، لا يخصّ
واحداً من الجنس دون سائره، نحو: رجل وفرس وحائط وأرض»(5).
ب ـ شرح اللؤلؤة في علم العربيّة، يوسف بن محمّـد السرمري، مخطوط 8|أ.
ب ـ شرح الاَنموذج في النحو، محمّـد عبـدالغني الاَردبيلي، تحقيق حسني
عبـدالجليل يوسف: 10.
ويلاحظ أنّ قوله: «لا يخصّ...» إلى آخره، لا يضيف شيئاً إلى
التعريف؛ لاَنّه مجرّد تعبير آخر عمّا تقدّمه، وبيان له.
ومراده بـ (أمته) جنسه، أي: أفراد الجنس أو المعنى الكلّي التي
يصدق لفظ النكرة عليها، فـ (رجل) مثلاً نكرة؛ لصدقه على كلٍّ من زيد
وخالد وبكر، إلى آخر مصاديق مفهوم الآدمي الذكر الذي وضع له لفظ رجل.
وقد أخذ كثير من النُحاة بمضمون هذا الحدّ، وإنْ خالفوه في التعبير
والصياغة اللفظيّة، فقد عرّفه ابن السرّاج (ت 316 هـ) بأنّه «كلُّ اسمٍ عمّ
اثنين فصاعداً»(1).
وقال الزجّاجـي (ت 340 هـ): «النكرة: كلّ اسـم شائع في جنسه،
ولا يخصّ به واحد دون آخر»(2).
وعرّفه الرمّاني (ت 384 هـ) بأنّه: «المشترك بين الشيء وغيره»(3).
وعرّفه ابن جنّي (ت392 هـ) بقوله: «النكرة ما لم تخصّ الواحد من
جنسه»(4)
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بأنّه «ما علّق على شيء وعلى كلّ
ما أشبهه»(5).
وقريـب من هذه الصياغـات صدر عن الحريــري(6)،
وابن الخشّاب(1)، وابن الاَنبـاري(2)، وابن يعيـش(3)، وابن معطـي(4)،
وابن عصفـور(5)، وأبي حيّان النحوي(6).
وهذه الحدود وما يماثلها تشترك في المضمون، وهو أن النكرة اسم
صالح للانطباق على كلّ فرد من أفراد المعنى العام الذي وضع له لفظ النكرة.
وقد أشكل ابن الحاجب (ت 464 هـ) على تعريف الزمخشري
المتقدّم إشكالاً ينسحب على جميع التعريفات المتقدّمة، فقال: «هذا الحدّ
مدخـول؛ فإنّ المعارف كلّهـا تدخل في هذا الحدّ؛ إذ تصلح للشيء ولكلّ
مـا أشبهه، والصحيـح أنْ يقـال: هو ما علِّق على شيء لا بعينـه»(7)، أو:
«ما وضع لشيء لا بعينه»(8)، «أي: لا باعتبار ذاته المعيّنة المعلومة المعهودة
من حيث هو كذلك»(9).
وهذا الذي طرحه ابن الحاجب يمثّل النحو الثاني لحدّ النكرة، وقد
تابعه الرضيّ (ت 686 هـ) على مضمونه إذ قال: النكرة «ما لم يُشِر به إلى
خارج إشارة وضعيّة»(10)، أي أنّه لم يوضع للدلالة على معنىً معيّن خارجاً.
ب ـ شرح اللمحة البدريّة، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 1|292.
أمّا ابن هشام (ت 761 هـ) فقد عرّف النكرة بقوله: «النكرة: ما شاع
في جنس موجود أو مقدّر»(1)، والذي تابعه عليه الاَزهري (ت 509 هـ)(2).
والجديد فيه إشارته إلى انقسام المعنى العامّ المدلول للنكرة إلى ما له
أفراد محقّقة وموجودة خارجاً، وإلى ما له أفراد مقدّرة الوجود، «فالاَوّل
كرجل؛ فإنّه موضوع لما كان حيواناً ناطقاً ذكراً، فكلّما وجد من هذا الجنس
واحد، فهذا الاسم صادق عليه، والثاني كشمس؛ فإنّها موضوعة لما كان
كوكباً نهاريّاً ينسخ ظهوره وجود الليل، فحقّها أن تصدق على متعدّد، كما
أنّ رجلاً كذلك، وإنّما تخلّف ذلك من جهة عدم وجود أفراد له في
الخارج، ولو وجد لكان هذا اللفظ صالحاً لها»(3).
ويلاحظ أنّ هذا التعريف داخل في النحو الاَوّل، لاَنّه نصّ في أنّ
النكرة اسم شاع في جنسه، وأمّا ما ذكره من كون الجنس محقّق الوجود
خارجاً، أو مقدّر الوجود، فهو إضافة لا تغيّر من مضمون الحدّ، ينبغي
ذكرها في شرح التعريف لا في متنه.
وأمّا تعريف النكرة بذكر علاماتها، فأقدم ما عثرت عليه منه، ما ذكره
الزبيدي (ت 379 هـ) بقوله: «وكلّ ما وقعت عليه (رُبَّ) فهو نكرة،
وكذلك ما جاز أن تدخله الاَلف واللام، فهو نكرة أيضاً»(4).
وذكر هاتين العلامتين كلٌّ من ابن جنيّ (ت 392 هـ)(5) وابي البقاء
وأمّا ابن معطي (ت 628 هـ) فقد أضاف علامات أخرى؛ إذ قال:
«وعلامتـه أن يقبـل رُبَّ، أو الاَلف واللام، أو من للاستغراق، أو كـلاًّ
للاستغراق، أو يكون حالاً أو تمييزاً، أو اسم لا، أو خبرها، أو مضافاً
إضافة لا ترفع إبهاماً»(2).
وبدخول (رُبَّ) على النكرة «استدلّ على أنَّ (مَنْ) و(ما) قد يقعان
نكرتين، كقوله:
رُبّ مَن أنضجتُ غيظاً قلبه *** قد تمنّى لي موتاً لم يقعْ
وقوله:
رُبّما تكرهُ النفوسُ من الاَمــر له فَرْجَةٌ كحلِّ العِقالِ
فدخلت (رُبَّ) عليهما، ولا تدخل إلاّ على النكرات، فعلم أنّ
المعنى: رُبَّ شخصٍ أنضجت قلبه غيضاً، ورُبَّ شيء من الاَمور تكرهه
النفوس»(3).
وقد لاحظوا أنّ بعض الاَسماء مثل (ذو) لا تقبل الاَلف واللام رغم
كونها نكرة، ولاَجل ذلك قال ابن مالك (ت 672 هـ) في أُرجوزته:
نـكرة قابـلُ أل مؤثّــرا *** او واقع موقع ما قد ذُكرا(4)
«يعنـي أنّ النكرة مـا تقبـل التعريف بالاَلف واللام، أو تكون بمعنـى
ما يقبله.. والثاني (ذو) بمعنى (صاحب)؛ فإنّه نكرة، وإنْ لم يقبل
وأدخل ابن هشام (مَنْ) و(ما) أيضاً ضمن ما يقع موقع ما يقبل
(أل) المؤثّـرة للتعـريف، ومثّل لذلك بقولـه: مررتُ «بمن معجب لك،
وبما معجب لك؛ فإنّها واقعة موقع... إنسان وشيء، وكذلك نحو:
صه... فإنّه واقع موقع قولِكَ: سكوتاً»(3).
وعرّفه السرمري (ت 776 هـ) بالعلامتين المتقدّمتين أيضاً، فقال:
«النكرة ما دخلته (أل) وما قبِل دخول (رُبَّ) صريحة أو مقدّرة»(4)، منبّهاً
على أنّ علاميّة (رُبَّ) على تنكير الاسم لا تتوقّف على ذكرها صريحة،
لكنّه لم يقيّد (أل) بكونها مؤثّرة للتعريف، ولم يذكر ما يقع موقع ما يقبل
(أل) و(رُبَّ) من النكرات.
وقد أُثيرت إشكالات على تعريف النكرة بالعلامة، وأنّها ليست
مطردة ولا منعكسة، حتّى فضّل بعض النُحاة كالجرجاني (ت 471 هـ)(5)،
وابن مالك(6)
إلاّ أنّ النحاة المتأخّرين عن ابن مالك تصدّوا لدفع الاِشكالات
المتقدّمة، تصحيحاً لتعريف الاسم بالعلامة، ولو لم يكن بالوسع دفع تلك
الاِشكالات أمكن الرجوع إلى تعريف النكرة بالحدّ، وذلك لاَنّ تشخيص
أقسام المعرفة يتوقّف على تحديد حقيقتها وماهيّتها، فإذا تمّ ذلك اتّضحت
حقيقة النكرة أيضاً؛ لكونها تقابل المعرفة.
*
*