المقـام الثانـي
في الكلام على متن حديث الباب

اعلم أنّ الحافظ جلال الدين السيوطي أورد الحديث في الجامع
الصغير عن مسند الفردوس، ورمز لضعفه ـ كما مرّ ـ، وقد ذكر في خطبة
كتابه أنّه صانه عمّا تفرّد به وضّاع أو كذّاب ـ وإن قيل: إنّه أخلّ بشرطه ـ.

لكنّ الحافظ أبا الفيض شهاب الدين أحمد بن الصدّيق الحسني
الغماري تعقّبه في المغير على الاَحاديث الموضوعة في الجامع الصغير
(1).

فقال: لو روت عائشة هذا ما حاربت عليّاً عليه السلام . انتهى.

قلـت:

هذه زلّة عظيمة، قد كنّا نربأ بصدروها عن مثله، لكنّ الجواد قد
يكبو، والصارم قد ينبو، والمعصوم من عصم الله تعالى.

كيـف لا؟! وهذه دعوى زائفة فاسدة، وحُجّة داحضة باردة، لا
تثبت عند البحث والتمحيص، وليس هذا منه إلاّ محض تسرّع، وجرأة في
التهجّم والاِقدام على ردّ الحديث بمجرّد التوهّم، وما كان هذا شأنه ولا
ديدنه في الحكم على الاَحاديث، بل قد عاب هو في كتابه فتح الملك العليّ
جماعةً بذلك
(2)، وتراه هنا قد تورّط فيه، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة
الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، آمين.
____________
(1) المغير على الاَحاديث الموضوعة في الجامع الصغير: 66.
(2) راجع: فتح الملك العليّ: 137 ـ 140.
( 105 )

وظنّي أنّه عزب عن خاطره ساعة الكتابة مخالفات أُمّ المؤمنين عائشة
لاَحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصاياه، وأعظمها إعلانها ومجاهرتها بنبذ
كتاب الله تعالى وراءها ظهريّاً يوم خرجت لقتال أمير المؤمنين وسيّـد
المسلمين عليـه الصلاة والسلام بعسكـر البغْي الجـرّار، بعدما أُمرت بالقرار
ـ بنصّ الذكر الحكيم ـ في بيت النبيّ المختار صلى الله عليه وآله وسلم ، راكبةً ذلك الجمل
الاَدبب، وقـد نبحتهـا كلاب الحـوأب، فقتـل ببغيهـا خلائق من المسلمين
لا يحصون.

ودع عنك تحريضها على خلع عثمان، وتأليبها على قتل ابن عفّان
لمّا كانت تنادي: «اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً»
(1)، وسرورها بقتل خير خلق
الله تعالى بعد نبيّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي حبّه علامة الاِيمـان، وبغضه
علامة النفاق ـ كما ثبت في الصحيح ـ وقولها ـ لمّا انتهى إليها ذلك ـ:
فألقت عصاها واستقـرّ بهـا النـوى *** كمـا قـرّ عينـاً بالاِياب المسافـر

وقولها ـ لمّا سألت عن قاتله، فقيل: رجل من مراد ـ:
فإن يـكُ نائيـاً فلقـد نعـاه ****غلام ليـس في فيـه الترابُ
(2)

فهل كان ذلك ـ وأضعافٌ مضاعفةٌ ممّا صدر عنها ـ موافقاً لِما سمعتْه
وروتْه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

نبِّؤنا يا أُولي الاَلباب!!

ولها مع أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام شؤون لا يحتمل هذا
____________
(1) راجع: شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6|215، و 20|17 و 22،
وتاريخ الطبري 3|477، والنهاية ـ لابن الاَثير ـ 5|80، وتاج العروس 8|141،
والكامل في التاريخ 3|260.
(2) تاريخ الطبري 4|115، طبقات الصحابة 3 القسم الاَوّل ص 27، ومقاتل
الطالبيّين: 26.
( 106 )
المقال سردها، ومن شاء فليقف عليها في مظانّها.

وإنّي لا أظنّ أنّ الغماري ـ سامحه الله وعفا عنه وعنّا بمنّه وكرمه ـ لم
يُحِطْ خُبراً بما ذكرنا، كيف؟! وهو شيخ الصنعة المقدَّم، وأبو بجدتها
وكبش كتيبتها بلا مدافع ولا نكير، ولست أدري ما حمله على ذلك، والعلم
عند الله تعالى!

هـذا: ومـن ألـمَّ بطـرف مـن سيرتهـا مع أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وابن عمّه، وأمعن في ذلك بدّقة، وأعطى الاِنصاف حقّه، علم أنّ ما ردّ به
هذا الشيخ حديث الباب من السذاجة بمكانٍ ناءٍ جدّاً، ولم يكن متوقّعاً من
مثله التفوّه بذلك، إذ ليس بعزيزٍ على عائشة أن تروي حديثاً ثمّ تعمد إلى
مخالفته، كأنّه لم يطرق سمعها أبداً، ولا حدّثت به من المسلمين أحداً،
وبسط الكلام في ذلك خارج عن وضع هذا المختصر.

وحسبك ما رواه الحسن بن عرفة، قال: حدّثنا يزيد بن هارون،
قال: حدّثنـا حُميـد الطويـل، عن أنـسٍ، عن عائشـة، قالت: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «عليّ بن أبي طالب خير البشر، من أبى فقد
كفر».

فقيل لها: ولِمَ حاربتيه؟!

فقالـت: والله مـا حاربتـه من ذات نفسـي، ومـا حملنـي علـى ذلك
إلاّ طلحـة والزبيـر. انتهى
(1).

فليس مخالفتها لحديث ترويه دليلاً على بطلانه ـ كما لا يخفى ـ.

والذي ينبغي أن يقال لمن يتشبّث بتلك الحُجّة لاِبطال هذا الحديث:
____________
(1) المناقب ـ لابن شاذان ـ: المنقبة السبعون|130.
( 107 )
إنّ رواية عائشة له من أقوى الشواهد على صحّته وثبوته، ولله درّ من قال:
ومليحةٍ شهدت لها ضرّاتها **والحُسْن ما شهدت به الضرّاء
ومناقبٍ شهد العدوّ بفضلها **والفضل ما شهدت به الاَعداء

ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد علم لطف الله تعالى في
اشتهار الحديث من طريق عائشة، ولله في خلقه شوؤن.

ولولا أنّ الحافظ الغماري من أئمّة الحديث وحذّاق النقّاد لَما أطنبنا
معـه في الكلام، لكنّـه أتى بكلامٍ غريب استدعى المناقشـة والمداقّـة، فبيّنّا
ـ بحول الله تعالى وقوّته ـ أنّه ليس بشيء عند المحاقّـة.

ثـمّ بعـد تحرير هذا كتب إلينا شيخنا العلاّمـة المحدّث أبو اليسر
جمال الدين عبـدالعزيز بن الصدّيق ـ حفّه الله بالعناية والتوفيق ـ أنّه تعقّب
كلام شقيقه أبي الفيض في (المغير)، بقوله: هذا لا يكفي في الدلالة على
الوضع، فقد تكون ـ يعني عائشة ـ نسيت أو تأوّلت، وقد حاربه الزبير معها
ونسي قـول الرسـول صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّك ستحاربه وأنت ظالم له»
(1)، حتّى ذكّره
عليّ عليه السلام فترك. انتهى.

قلـت:

وهذا أيضاً يوهن حكم ذلك الاِمام الحافظ ويُبطل جزمه بوضع
حديث الباب، والله المستعان.

وأمّا الاَلبانيّ الشاميّ، فله جرأة عظيمة في إطلاق دعوى الوضع على
الاَحاديث ـ كما لا يخفى على من وقف على كتبه ـ وقد حكم على هذا
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 3|366، الفضائل الخمسة في الصحاح الستة
2|404 ـ 408.
( 108 )
الحديث بالوضع
(1)، زاعماً أنّ متنه ظاهر الوضع.

ولعلّه يريد ـ بزعمه ـ نكارة معناه، فإنّ الحفّاظ يحكمون بوضع
الحديث لنكارة معناه مع ثقة رجاله، لكنّها دعوىً باطلة ـ، فأيّ نكارة في
كون ذِكر أمير المؤمنين ويعسوب الدين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة
والسلام بالترضّي عنه، أو بذكر مناقبه وفضائله، أو بنقل كلامه وتقرير
مواعظه وأذكاره وأحكامه، أو برواية الحديث عنه، أو نحو ذلك عبادة الله
تعالى التي يثيب عليها
(2)، كما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «النظر إلى عليّ
عبادة»
(3)ِ، و«النظر إلى الكعبة عبادة»، و«انتظار الفرج من الله عبادة»،
و«انتظار الفرج بالصبر عبادة»، و«ذِكر الاَنبياء عبادة»، و«الصمت أرفع
العبادة»، وأشباه ذلك ونظائره ممّا ورد في السُنّة، فلا ينكر ذلك إلاّ ناصبيّاً
ذا قلب مهيض، وطَرْفٍ مريض، (
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم
وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيم)
(4).

وكم أنكر هذا المتسلِّف من أحاديث ثابتة في فضل عليّ عليه السلام دفعاً
بالصدر، وتقليداً لاَسلافه النواصب كالذهبي وابن تيميّة وأضرابهما ممّن لم
يألُ جهداً في إطفاء نور الله تعالى (
ويأبى الله إلاّ أن يُتِمّ نوره ولو كره
الكافرون)
(5).

وكان الشيخ العلاّمة المحدّث أبو الفيض أحمد بن الصدّيق قد خالط
____________
(1) سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة 4|216، ضعيف الجامع الصغير: 448.
(2) كما في فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير ـ 3|565.
(3) وقد جمع شيخنا العلاّمة ابن الصدّيق طرق هذا الحديث وصحّحه في جزء لطيف
سمّاه «الاِفادة»، أجاد فيه وأفاد.
(4) سورة البقرة 2: 7.
(5) سورة التوبة 9: 32.
( 109 )
هذا الاَلبانيّ مدّةً، استكشف فيها مكنون سريرته، واستبان حاله وعرف
خبث طويّته، فقال فيه ـ وهو الصادق في قوله ـ: خبيث الطبع، وهّابيّ،
تيميّ جلد... إلى آخره.

وقال فيه أيضاً: إنّه في العناد ـ والعياذ بالله ـ خلف الزمزميّ
(1)... إلى
آخره.

ولا بدع ممّـن نَهَج سبيـل ابن قايماز الذهبـيّ التركماني، وكان علـى
مذهب ابن تيميّة الحرّاني، أن يردّ مثل هذا الحديث، لاَنّ العرق دسّاس،
والاَصل خبيث.

ومَن وقف على كتابه في الاَحاديث الضعيفة والموضوعة تبيَّن له
كيف ادّعى الوضع ـ بمجرّد التشهّي ـ في أحاديث صحّحها أو حسّنها
الاَيقاظ، من أئمّة الحديث وجهابذة الحفّاظ، وبادر هو إلى إبطالها وإنكارها
من غيـر تروٍّ ولا تثبّت، ومن دون استقصـاء ولا جمعٍ لطرقها ومتونها،
وهذا شأن من يلقي بنفسه في كلّ وادٍ، (
ومَن يضلل الله فما له من
هادٍ)
(2)..

ومن ثَمَّ لا يجوز التعويل على حكمه، ولا الاسترواح إلى قوله من
دون تثبّت وتحقيق، وقد تعقّبه جماعة من أهل العصر وبيّنوا أخطاءه في
كثير من أحكامه.

وكأنّه حلّ في هذا الزمان محلّ ابن الجوزيّ الذي صار يُضرب المثل
بتسرّعه في ردّ الاَحاديث عند فرسان هذا الميدان، بل إنّ أبا الفرج ـ مع
تساهلـه الذائـع في إطلاق الوضـع على الاَحاديث ـ لـم يورد هذا الحديث
____________
(1) سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة 4|6.
(2) سورة الرعد 13: 33.
( 110 )
لا في (الموضوعات) ولا في (الواهيات).

ولا هـو مذكـور في شـيء مـن كتب الموضوعـات التي وقفت عليهـا
ـ غير ما ذكرنا ـ كاللآلىَ المصنوعة، وتذكرة الموضوعات، والاَسرار
المرفوعة، والفوائد المجموعة، واللؤلؤ المرصوع وغيرها، ولو كان
موضوعاً ـ حقّاً ـ لما فات هؤلاء وغيرهم ممّن صنّف في الاَحاديث
الموضوعة، ولا ذهلوا عن إيراده في كتبهم ـ مع حرصهم على جمعها،
وتحرّيهم لضبطها وحصرها ـ.

وكفـاكَ شاهداً على قصور باع الاَلبانيّ ـ في هذا الشأن ـ أنّه قال في
حديث ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «اتّبعوا السواد الاَعظم، فإنّ من
شذّ شذّ في النار»: لم أجده في شيء من كتب السُنّة المعروفة، حتّى الاَمالي
والفوائد والاَجزاء التي مررت عليها. انتهى
(1).

وهذا الحديث أخرجه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين»
(2)
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يجمع الله هذه الاَُمّة على
الضلالة أبداً»، وقال: «يد الله على الجماعة، فاتّبعوا السواد الاَعظم، فمن
شذّ شذّ في النار».

فمن كان هذا مبلغ علمه، كيف يُلقى عنان الانقياد إلى حكمه ـ كما
اغترّ به بعض المتسلِّفين الاَجلاف في هذا العصر ـ؟!

وحيث انجرّ الكلام إلى هنا، فلا بأس بسرد مقالة صدع بها الاِمام
الحافظ صلاح الدين العلائي، فإنّ فيها موعظة وذكرى للمتّقين، ونصيحة
لمن أراد الحكم والتكلّم على الاَحاديث بيقين.
____________
(1) مشكاة المصابيح 1|62.
(2) المستدرك على الصحيحين 1|115.
( 111 )

قال في النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح
(1):
الحكـم على الحديث بكونـه موضوعاً من المتأخّرين عسر جدّاً، لاَنّ ذلك
لا يتأتّى إلاّ بعـد جمع الطرق وكثـرة التفتيش، وإنّه ليس لهذا المتن سوى
هـذه الطريـق الواحـد، ثـمّ يكون في رواتهـا من هـو متّهـم بالكذب، إلى
ما ينضمّ إلى ذلك من قرائن كثيرة تقتضي للحافظ المتبحّر الجزم بأنّ هذا
الحديث كذب.

قال: ولهذا انتقد العلماء على الاِمام أبي الفرج ابن الجوزي في كتابه
الموضوعات وتوسّعه بالحكم بذلك على كثير من الاَحاديث ليست بهذه
المثابة... إلى آخر كلامه.

ولو كان هذا الاَلبانيّ فتّش عن حديث الباب وفحص عنه ـ بصدقٍ ـ
لوجده مرويّاً من غير طريق ـ كما وجدناه ـ لكنّ التعصّب والنّصب قد
أصمّاه وأعمياه، حتّى اتّهم به الحسن بن صابر الكسائي وظنّ أنّ الحديث
يدور عليه، لكن تبيّن لك بطلانه، وصدق الله العليّ العظيم حيث قال:
(
إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً)
(2).
***
____________
(1) النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح: 30.
(2) سورة النجم 53: 28.
( 112 )
الخـاتمـة
نسأل الله تعالى حُسنها

وقد تحصّل ممّا مرّ أنّ الحديث بمقتضى الصناعة حَسَنٌ لغيره.

قال أبو عيسى الترمذي في كتاب العلـل: كلُّ حديثٍ يُروى، لا يكون
في إسناده من يُتّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذّاً، ويُروى من غير
وجهٍ نحو ذلك فهو عندنا حديث حَسَن
(1). انتهى.

وقال الحافظ جلال الدين السيوطيّ في النكت البديعات على
الموضوعات
(2): المتروك والمنكَر إذا تعدّدت طرقه ارتقى إلى درجة
الضعيف القريب، بل ربّما يرتقي إلى الحَسَن. انتهى.

فإنْ أبى متعنّت إلاّ الحكم بضعفه، تقليداً للحافظ السيوطي ومَن درَجَ
على ذلك ممّن جاء بعده من المقلِّدين الّذين لا يُستجاز الاستدلال
بكلامهم، لاَنّه بمنزلة العدم.

قلنـا:

لو كان ضعيفاً لكان قريب الضعف، ولو كان شديد الضعف فلا دليل
على كونه موضوعاً.

وقـد نقل الحافظ شمس الدين السخاوي في شرح التقريـب عن
سيف الدين أحمد بن أبي المجد أنّه قال: أطلق ابن الجوزي الوضع على
____________
(1) سنن الترمذي 5|758.
(2) النكت البديعات على الموضوعات: 299.
( 113 )
أحاديث، لكلام بعض الناس في رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو: ليس
بالقويّ ونحوهما، وليس ذلك الحديث ممّا يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه
مخالفة لكتاب ولا سُنّة ولا إجماع، ولا ينكره عقل ولا نقل، ولا حُجّة معه
سوى كلام ذلك الرجل في رواته، وهذا عدوان ومجازفة
(1). انتهى.

قلـت:

ونظير ذلك صنيع بعض الناس في إطلاق الوضع على هذا الحديث،
مع أنّه لم يقدح في راويه إلاّ ابن حبّان بقوله: «منكَر الحديث جدّاً» وقد
تكلّمنا على هذا الجارح وجرحه ـ في ما سلف ـ.

وما أبعد هذا من قول الحافظ السخاوي: إنّ مجرّد اتّهام الراوي
بالكذب ـ مع تفرّده ـ لا يسوّغ الحكم بالوضع، ولذا جعله شيخنا ـ يعني
الحافظ ابن حجر ـ نوعاً مستقلاً وسمّاه «المتروك»، وفسّره بأن يرويه من
يُتّهم بالكذب، ولا يُعرف ذلك الحديث إلاّ من جهته، ويكون مخالفاً
للقواعد.

قال: وكذا مَن عُرف بالكذب في كلامه ـ وإن لم يظهر وقوعه منه في
الحديث ـ وهو دون الاَوّل
(2). انتهى.

قلـت:

هذا هو التورّع في الحكم على الاَحاديث، دون التسّرع والاقتحام من
دون تدبّر وإمعان وتتبّع.
____________
(1) تنزيه الشريعة المرفوعة 1|10.
(2) تنزيه الشريعة المرفوعة 1|10.
( 114 )

فإذا كان الحديث قـد تدنّى وانحطّ إلى هذه المرتبة، ومع ذلك لم
يجز إطلاق الوضع عليه، فعدم جواز اطلاقه على حديث الترجمة ـ الذي لم
يُتّهم أحدٌ من رواته بالكذب ـ أَوْلى ـ كما لا يخفى على من أنصف من
نفسه ـ والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السبيل.

هـذا، مع إطباق جمهور الفقهاء والاَُصوليّين والحفّاظ على أنّ
الحديث الضعيف حُجّة في المناقب كما أنّه حُجّة في فضائل الاَعمال
بإجماع من يُعتدّ به.

وإذا ثبت ذلك لم تبقَ شبهة لمعاند، ولا مطعن لحاسد، بل وجب
على كلّ من له أهليّة أن يقرّ هذا الحقّ في نصابه، وأن يردّه إلى إهابه، وأن
لا يصغي إلى ترّهات المضلّين، ونزغات المبطلين.

فإنّ الحكم بالوضع على هذا الحديث مبالغة وإسراف، وإفراط
واعتساف، نسأل الله تعالى السلامة من خزي الدنيا وعذاب يوم القيامة، إنّه
سبحانه سميع مجيب، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب.
*
*
*

وكان الفراغ من جمع هذا الجزء وتنميقه، وتحريره وتنسيقه،
منتصف ليلة الجمعة المباركة، ثامن عشر شهر صفر، ختم بالخير والظفر،
من شهور سنة سبع عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة النبوّية، على
مهاجرها أفضل صلاة وأزكى تحيّة، بدار العلم والاِيمان، بلدة «قم» الطيّبة
صينت عن نوائب الزمان، على يد الفقير إلى الله تعالى خادم الحديث
( 115 )
والسُنّة المطهّرة، حسن بن صادق بن هاشم الحسيني آل المجدّد الشيرازي،
غفر الله له ولوالديه، ورحم ذلّه يوم الوقوف بين يديه، آمين اللّهمّ آمين.
والحمد لله ربّ العالمين،
وصلّى الله وسلَّم على سيّدنا محمّـد،
وعلى آله الطيّبين الطاهرين،
وصفوة صحبه والتابعين إلى يوم الدين.
( 116 )
المصادر

1 ـ الاَجوبة الفاضلة للاَسئلة العشرة الكاملة، لمحمّد عبد الحيّ اللكهنوي،
تحقيق عبد الفتاح أبو غدّة ـ ط مكتب المطبوعات الاِسلاميّة ـ الطبعة الثانية، سنة
1404 هـ.

2 ـ اختصار علوم الحديث، لابن كثير الدمشقي، بتعليق وشرح صلاح
محمّـد عويضة ـ ط دار الكتب العلميّة ـ بيروت، الطبعة الاَوّلى، سنة 1409 هـ.

3 ـ إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيّم الجوزيّة ـ ط الميمنيّة،
القاهرة.

4 ـ أمالي الصدوق، لاَبي جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمي ـ ط
مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت، الطبعة الخامسة، سنة 1400 هـ.

5 ـ بيان نكث الناكث المتعدّي بتضعيف الحارث، لشيخنا العلاّمة
المحدّث السيّد عبدالعزيز محمّد بن الصديق الغُماري الحسني ـ الطبعة الثانية،
سنة 1405 هـ.

6 ـ تاريـخ دمشـق (ترجمة أمير المؤمنين علـيّ بن أبـي طالب عليه السلام )،
لابن عساكر، تحقيق الشيخ محمّـد باقر المحمودي ـ ط مؤسّسة المحمودي ـ
بيروت.

7 ـ تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين السيوطي،
تحقيق أحمد عمر هاشم ـ ط دار الكتاب العربي ـ بيروت، سنة 1414 هـ.

8 ـ تذكرة الحفّاظ، للحافظ شمس الدين الذهبيّ، ط حيدر آباد، سنة
1377 هـ.
( 117 )

9 ـ تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمّد عوّامة ـ
ط دار الرشيد ـ سوريا، الطبعة الرابعة، سنة 1412 هـ.

10 ـ تنزيـه الشريعـة المرفوعـة عـن الاَحاديث الشنيعـة الموضوعـة،
لاَبي الحسن علي بن عرّاق الكناني، تحقيق عبد الوهّاب بن عبد اللطيف ـ ط دار
الكتب العلميّة ـ بيروت.

11 ـ تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط دار إحياء التراث
العربي ـ بيروت، سنة 1412 هـ.

12 ـ توضيح الاَفكار لمعاني تنقيح الاَنظار، لمحمّد بن إسماعيل بن الاَمير
الصنعاني، تحقيق محمّد محيي الدين عبدالحميد ـ ط مطبعة السعادة ـ سنة
1366 هـ.

13 ـ التيسير بشرح الجامع الصغير، لعبدالرؤوف المُناوي.

14 ـ الثقات، لابن حبّان ـ ط حيدرآباد ـ الطبعة الاَولى، سنة 1393 هـ.

15 ـ الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، للسيوطي، طبعة دار
الفكر ـ بيروت، سنة 1401 هـ.

16 ـ جمع الجوامع، لعبدالوهّاب بن السبكي، المطبوع مع حاشية البنّاني ـ
ط دار إحياء الكتب العربية ـ مصر.

17 ـ الرفع والتكميل والتعديل، لمحمّد عبد الحيّ اللكنوي، تحقيق
عبدالفتاح أبو غُدّة ـ ط مكتب المطبوعات الاسلاميّة ـ الطبعة الثالثة، سنة
1407 هـ.

18 ـ سلسلة السقام في زيارة خير الاَنام، لعليّ بن عبدالكافي السبكي ـ
ط حيدر آباد ـ الطبعة الثانية، سنة 1402 هـ.

19 ـ ضعيف الجامع الصغير وزيادته، لمحمّد ناصر الدين الاَلباني، الطبعة
( 118 )
الثالثة، سنة 1410 هـ.

20 ـ علوم الحديث، لاَبي عمرو بن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر ـ ط
دار الفكر ـ دمشق سنة 1406 هـ.

21 ـ علوم الحديث ومصطلحه، لصبحي الصالح، ط مطبعة جامعة دمشق
1379 هـ.

22 ـ فتح الملك العليّ بصحة حديث باب مدينة العلم عليّ، للاِمام
الحافظ المحدّث أحمد بن محمّد بن الصديق الحسني المغربي، ط النجف
بتحقيق الاَميني.

23 ـ فرائد السمطين في فضائل الرسول والبتول والمرتضى
والسبطين عليهم السلام ، لمحمّد بن إبراهيم الحموي، ط بيروت بتحقيق المحمودي،
سنة 1400 هـ.

24 ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستّة، للعلاّمة الفيروزآبادي، ط
مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت، الطبعة الرابعة، سنة 1402 هـ.

25 ـ فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت، لمحمّد بن نظام الدين
الانصاريّ، المطبوع بهامش المستصفى ـ ط المطبعة الاَميريّة ـ بمصر، سنة
1325 هـ.

26 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المُناوي، ط مصر
سنة 1357 هـ.

27 ـ كتاب المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين، لابن
حبّان، توزيع دار الباز ـ بمكّة المكرّمة ـ، تحقيق محمود إبراهيم زايد.

28 ـ الكشف الاِلهيّ عن شديد الضعف والموضوع والواهي، لمحمّـد بن
محمّـد بن محمّـد الحسيني الطرابلسي السندروسي، ط مكتبة الطالب الجامعي
( 119 )
بمكة المكرّمة، تحقيق محمّد محمود أحمد بكار.

29 ـ لسان الميزان، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط حيدرآباد، سنة
1331 هـ.

30 ـ المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، ط حيدرآبادي،
سنة 1344 هـ.

31 ـ مسند الشهاب، للقاضي القضاعي، تحقيق حمدي عبد المجيد
السلفي.

32 ـ مشكاة المصابيح، للخطيب التبريزي، تحقيق محمّد ناصر الدين
الاَلباني، منشورات المكتب الاِسلامي بدمشق، ط سنة 1382 هـ.

33 ـ المغير على الاَحاديث الموضوعة في الجامع الصغير، لاَبي الفيض
احمد بن محمّد بن الصديق الغماري الحسني، ط دار الرائد العربي، بيروت،
سنة 1402 هـ.

34 ـ مائـة منقبـة من منـاقب علـيّ بن أبـي طالب عليه السلام ، لاَبي الحسـن
ابن شاذان القميّ، ط الدار الاسلامية، بيروت ـ الطبعة الاولى ـ سنة 1409 هـ،
تحقيق نبيل رضا علوان.

35 ـ مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام ، للفقيه ابن المغازلي الشافعي، ط
- دار الاَضواء، بيروت ـ الطبعة الثانية، سنة 1412 هـ.

36 ـ المناقب، للموفّق بن أحمد الخوارزميّ، ط المطبعة الحيدرية،
النجف الاَشرف، سنة 1385 هـ.

37 ـ ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للحافظ شمس الدين الذهبي،
تحقيق علي محمّد البجاوي ـ ط دار المعرفة ـ بيروت.

38 ـ نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الاَثر، للحافظ
( 120 )
ابن حجر، تحقيق نور الدين عتر ـ ط دار الخير ـ الطبعة الثانية ـ سنة 1414 هـ.

39 ـ النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح، للحافظ
صلاح الدين العلائي، ط دار مسلم، بتحقيق محمود سعيد ممدوح ـ الطبعة الاولى
ـ سنة 1410 هـ.

40 ـ النكت البديعات على الموضوعات، لجلال الدين السيوطي، تحقيق
عامر أحمد حيدر، ط دار الجنان ـ الطبعة الاَولى ـ سنة 1411 هـ.

41 ـ هدي الساري مقدمة فتح الباري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط
دار الريّان للتراث، مصر، سنة 1407 هـ.
*
*
*