الفصل الثاني
الـدلالـة

قال العلاّمة الحلّي طاب ثراه في نزول سورة الدهر ودلالتها على إمامة
أمير المؤمنين عليه السلام: «وهي تدلّ على فضائل جمّة لم يسبقه إليها أحد
ولا يلحقه أحد، فيكون أفضل من غيره، فيكون هو الاِمام».

فقال ابن تيميّة في الجواب:

«إنّ هذا الحديث من الكذب الموضوع باتّفاق أهل المعرفة بالحديث،
الّذين هم أئمّة هذا الشأن وحكّامه، وقول هؤلاء هو المعوّل في هذا الباب،
ولهذا لم يُروَ هذا الحديث في شيء من الكتب التي يرجع إليها في النقل،
لا في الصحاح ولا في المسانيد ولا في الجوامع ولا السنن، ولا رواه
المصنّفون في الفضائل وإنْ كانوا قد يتسامحون في رواية أحاديث ضعيفة..

إنّ الدلائل على كذب هذا كثيرة، منها: إنّ عليّاً إنّما تزوّج فاطمة
بالمدينة... وسورة (
هل أتى) مكّيّة باتّفاق أهل التفسير والنقل، لم يقل
أحد منهم إنّها مدنيّة»
(1).

أقـول:

قد أشرنا إلى أنّ الاَصل في الاعتراضين السابقين هو: ابن تيميّة، كما
أشرنا إلى أنّ العمدة هو الاعتراض الاَوّل منهما، وذلك، لاَنّ كون السورة
مكّيّة من أهمّ الاَدلّة على دعوى كذب الحديث... كما في هذا الكلام...
____________
(1) منهاج السُنّة 7|177 ـ 179، الطبعة الحديثة.
( 39 )

هل سورة الدهر مكّيّة؟

يقول ابن تيميّة: «مكّيّة باتّفاق أهل التفسير والنقل، لم يقل أحد منهم
إنّها مدنيّة».

لكنْ في تفسير البغوي: «مدنيّة، وآياتها إحدى وثلاثون»
(1).

وكذا في غيره من التفاسير، كالآلوسي، قال: «قال مجاهد وقتادة
مدنيّة كلّها.

وقال الحسن وعكرمة والكلبي: مدنيّة إلاّ آية واحدة فمكّيّة وهي
(
ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً)
(2).

وقيل: مدنيّة إلاّ من قوله تعالى: (
فاصبر لحكم ربك...)
(3)»
(4).

بل كونها «مدنيّة» هو قول الجمهور، كما قال الاِمام القاضي
الشوكاني
(5)... ونسبه إلى الجمهور أيضاً القرطبي في تفسيره
(6) والاِمام
ابن عادل، فيما نقله عنه الآلوسي وقال: «وعليه الشيعة»
(7).

أقـول:

فكيف يقال: «هي مكّيّة باتّفاق أهل التفسير والنقل»؟! و«لم يقل
____________
(1) معالم التنزيل 5|495.
(2) سورة الدهر 76: 24.
(3) سورة الدهر 76: 24.
(4) روح المعاني 29|150.
(5) فتح القدير 5|343.
(6) تفسير القرطبي 19|118.
(7) روح المعاني 29|150.
( 40 )
أحد منهم إنّها مدنيّة»؟!

ولا بأس بالتنويه بشأن «البغوي» بين المفسّرين القائلين بكون سورة
الدهر مدنيّة لا مكّيّة، وذلك لاَنّ ابن تيميّة يعتمد على تفسيره في منهاج
السُنّة، وينصُّ على أنّ البغوي لم يذكر فيه شيئاً من الاَحاديث الموضوعة
ـ بزعمه ـ التي يرويها الثعلبي
(1).

وتلخّص: أنّ سورة الدهر مدنيّة، وليست بمكّيّة.

فسقط عمدة دليلهم على ردّ الحديث.

النظر في كلام ابن حجر في تخريج الكشّاف:

فلنعد إلى الكلام حول السند:

قال الحافظ ابن حجر: «أخرجه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام،
عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عبّـاس.

ومن رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّـاس».

أقـول: وهذه أسانيد الثعلبي في تفسيره:

«نزلت في عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله
عنهم ـ وكان القصّة فيه ما أخبرنا به الشيخ أبو محمّـد الحسن بن أحمد بن
محمّـد بن عليّ الشيباني العدل ـ قراءةً عليه في صفر سنة 387 ـ قال:
أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمّـد بن الحسن بن الشرقي، حدّثنا أبو محمّـد
عبدالله بن محمّـد بن عبدالوهّاب الخوارزمي ـ ابن عمر بن الاَحنف
(2) ـ
____________
(1) منهاج السُنّة 7|12 الطبعة الحديثة.
(2) كذا، وفي أُسد الغابة: «ابن عمّ الاَحنف».
( 41 )
في سنة 258، قال: حدّثنا أحمد بن حمّاد المروزي، حدّثنا محبوب بن
حميد القصري
(1) ـ وسأله عن هذا الحديث روح بن عبادة ـ قال: حدّثنا
القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس رضي الله عنه.

وأخبرنا عبدالله بن حامد، أخبرنا أبو محمّـد أحمد بن عبدالله
المزني، حدّثنا أبو الحسن محمّـد بن أحمد بن سهيل، عن عليّ بن مهران
الباهلي ـ بالبصرة ـ حدّثنا أبو مسعود عبدالرحمن بن فهر بن هلال، حدّثني
القاسـم بن يحيى الغنوي، عن محمّـد بن السائـب، عن أبي صالح، عن
ابن عبّاس رضي الله عنه.

قال أبو الحسن ابن مهران: وحدّثني محمّـد بن زكريّا البصري،
حدّثني شعيب بن واقد المزني، حدّثنا القاسم بن مهران، عن ليث، عن
مجاهد، عن ابن عبّاس رضي الله عنه...»
(2).

أقـول:

وأخرجه الحافظ أبو موسى المديني بسندين له عن: «عبدالله بن
محمّـد بن عبدالوهّاب الخوارزمي، بإسناده المذكور، عن القاسم، عن
ليـث، عن مجاهـد، عن ابن عبّـاس...».

ورواه الحافظ ابن الاَثيـر، عن أبي موسى...
(3).

ورواه الحافظ سبط ابن الجوزي، من طريق الحافظ البغوي، عن
الثعلبي، عن عبدالله بن حامد، بالسند المتقدّم، عن ابن عبّاس...
(4).
____________
(1) كذا، وفي أُسد الغابة: «البصري».
(2) الكشف والبيان في تفسير القرآن ـ مخطوط.
(3) أُسد الغابة 5|530.
(4) تذكرة خواصّ الاَُمّة: 313.
( 42 )

أقـول:

والحافظ ابن حجر لم يتكلّم على هذه الاَسانيد بشيء، غير أنّه أورد
عن الحكيم الترمذي قوله:

«ومن الاَحاديث التي تنكرها القلوب...».

وأنت ترى: أن ليس في هذا الكلام دليلٌ علمي يصغى إليه ويعبأ به،
أمّا أنّ قلب الرجل ينكر هذا الحديث، فماذا نفعل بقلبٍ طبع الله عليه
(1)؟!!

ثمّ من هو الحكيم الترمذي؟! وما قيمة آرائه وأحكامه؟!

موجز ترجمة الحكيم الترمذي:

هو: محمّـد بن عليّ بن الحسن، المعروف بالحكيم الترمذي،
المحدّث الصوفي، ذكره أبو نعيم في (الحلية)، والسلمي في طبقات
الصوفيّة وكذا غيرهما في الكتب المؤلَّفة في تراجم الصوفيّة، وقد ذكروا أنّ
علماء «ترمذ» نفوه من «ترمذ»، وأخرجوه منها، وشهدوا عليه بالكفر.

ومن هنا أورده الحافظ ابن حجر في لسان الميزان، قال: «وذكره
القاضي كمال الدين ابن العديم صاحب تاريخ حلب في جزءٍ له سمّاه
الملحة في الردّ على أبي طلحة، قال فيه: وهذا الحكيم الترمذي لم يكن
من أهل الحديث، ولا رواية له، ولا أعلم له تطرّقاً ولا صناعة، وإنّما كان
فيه الكلام على إشارات الصوفية والطرائق، ودعوى الكشف عن الاَُمور
____________
(1) لا نريد الخروج عن البحث والاستطراد بذكر بعض الموارد التي عجزوا فيها عن
الجواب الصحيح، وفقدوا المقاييس العلميّة المعتمدة لردّ فضائل أمير المؤمنين
وأهل البيت عليهم السلام، والتجؤوا إلى الاستدلال بإنكار القلب، ويا له من دليلٍ
مقبول!!
( 43 )
الغامضة والحقائق، حتّى خرج في ذلك عن قاعدة الفقهاء، واستحقّ الطعن
عليه بذلك والاِزراء، وطعن عليه أئمّة الفقهاء والصوفيّة، وأخرجوه بذلك
عن السيرة المرضيّة، وقالوا: إنّه أدخل في علم الشريعة ما فارق به
الجماعة، وملاَ كتبه الفظيعة بالاَحاديث الموضوعة، وحشّاها بالاَخبار التي
ليست بمرويّة ولا مسموعة، وعلّل فيها جميع الاَُمور الشرعية التي لا يعقل
معناها، بعللٍ ما أضعفها وما أوهاها».

قال ابن حجر: «قلت: ولعمري لقد بالغ ابن العديم في ذلك، ولولا
أنّ كلامه يتضمّن النقل عن الاَئمّة أنّهم طعنوا فيه لما ذكرته»
(1).

قلـت:

وما نحن فيه من هذا القبيل، فقد تكلّم في هذا الحديث الشريف
على إشارات الصوفيّة ودعوى الكشف عن الاَُمور الغامضة والحقائق، حيث
ادّعى أنّه من الاَحاديث التي تنكرها القلوب!!

النظر في كلام ابن الجوزي في الموضوعات:

ثمّ قال ابن حجر:

«ورواه ابن الجوزي في الموضوعات... ثمّ قال: وهذا لا نشكّ في
وضعه».

أقـول:

قال ابن الجوزي في الموضوعات: «أنبأنا محمّـد بن ناصر، قال:
____________
(1) لسان الميزان 5|308 ـ 309.
( 44 )
أنبأنا أبو عبدالله محمّـد بن أبي نصر الحميدي، قال: أنبأنا أبو عليّ الحسن
ابن عبدالرحمن البيّع، قال: أنبأنا أبو القاسم عبيدالله بن محمّـد السقطي،
قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقّاق، أنبأنا عبدالله بن ثابت، حدّثنا أبي، عن
الهذيل بن حبيب، عن أبي عبدالله السمرقندي، عن محمّـد بن كثير
الكوفي، عن الاَصبغ بن نباتة، قال: مرض الحسن والحسين...».

ثمّ قال ابن الجوزي:

«وهذا حديث لا يشكّ في وضعه، ولو لم يدلّ على ذلك إلاّ الاَشعار
الركيكة والاَفعال التي يتنزّه عنها أُولئك السادة.

قال يحيى بن معين: أصبغ بن نباتة لا يساوي شيئاً، وقال أحمد بن
حنبـل: حَرَقنـا حديـث محمّـد بن كثيـر، وأمّـا أبو عبـدالله السمرقنـدي
فلا يوثق به»
(1).

أقـول:

ورواه الحافظ أبو عبدالله الكنجي بإسناده من طريق الحافظ الحميدي
كذلك، فقال: «أخبرنا أبو طالب عبداللطيف بن محمّـد القبيطي البغدادي
بها، أخبرنا أبو الفتح محمّـد بن عبدالباقي بن سليمان، أخبرنا الحافظ
محمّـد بن أبي نصر الحميدي، أخبرنا أبو عليّ الحسن بن عبدالرحمن
المعروف بالشافعي بمكّة، أخبرنا...».

ثمّ قال الحافظ الكنجي: «هكذا رواه الحافظ أبو عبدالله الحميدي في
فوائده، وما رويناه إلاّ من هذا الوجه، ورواه الحاكم أبو عبدالله في مناقب
فاطمة عليها السلام، ورواه ابن جرير الطبري أطول من هذا، في سبب
____________
(1) الموضوعات 1|390 ـ 392.
( 45 )
نزول (
هل أتى) ولم يحضرني في وقت الاِملاء نسخته»
(1).

فرواة الحديث بهذا السند حفّاظ ومحدّثون كبار، وأمّا أبو عبدالله
الحميدي فمن أشهرهم:

ترجمة أبي عبدالله الحميدي:

له تراجم حسنة ومبسوطة في كثيرٍ من الكتب التي يرجع إليها في
معرفة الشخصيّات الكبار والحوادث المهمّة، أمثال:

المنتظم في تاريخ الملوك والاَُمم ـ لابن الجوزي ـ 9|96، معجم
الاَُدباء ـ لياقوت الحموي ـ 18|282، تذكرة الحفّاظ ـ للذهبي ـ 4|1218،
الوافي بالوفيّات ـ للصفدي ـ 4|317، مرآة الجنان ـ لليافعي ـ 3|149،
النجوم الزاهرة ـ لابن تغري بردى ـ 5|156، تتمّة المختصر في أخبار
البشر ـ لابن الوردي ـ 2|17، الكامل في التاريخ ـ لابن الاَثير ـ 10|254.

وكذا في غير هذه الكتب، ولم نجد في شيءٍ منها طعناً على الرجل
أو غمزاً في علمه وثقته وورعه عندهم...

ونكتفي هنا بذكر موجز ترجمته في سير أعلام النبلاء:

«الحميدي: الاِمام القدوة، الاَثري، المتقن، الحافظ، شيخ
المحدّثين، أبو عبدالله بن أبي نصرة الاَندلسي، استوطن بغداد، وكان من
بقايا أصحاب الحديث علماً وعملاً وعقداً وانقياداً، رحمة الله عليه.

قال أبو نصر ابن ماكولا: لم أرَ مثل صديقنا أبي عبدالله الحميدي في
نزاهته وعفّته وورعه وتشاغله بالعلم، صنّف تاريخ الاَندلـس.

وقال يحيى بن إبراهيم السلماسي، قال أبي: لم ترَ عيناي مثل
____________
(1) كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: 345 ـ 348.
( 46 )
الحميدي، في فضله ونبله وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم، وكان
ورعاً تقيّاً، إماماً في الحديث وعلله ورواته، متحقّقاً بعلم التحقيق والاَُصول
على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسُنّة....

قال السلفي: سألت أبا عامر العبدري عن الحميدي فقال: لا يُرى
مثله قطّ، وعن مثله لا يُسأل، جمع بين الفقه والحديث والاَدب، ورأى
علماء الاَندلس، وكان حافظاً.

توفّي سنة 458»
(1).

ثمّ إنّ الكلام على ما ذكره ابن الجوزي من وجوه:

أوّلاً: إنّ دليله على كذب الحديث هو اشتماله على الاَشعار
والاَفعال، وهذا باطل، لاَنّ الاستدلال إنّما هو بأصل الحديث وسبب نزول
السورة المباركة.

وثانياً: إنّ هذه الاَشعار والاَفعال إنّما جاءت في الخبر باللفظ الذي
أورده، وليست في جميـع ألفاظـه، فالتذرّع بهـا لتكذيب الخبـر باطل من
أصله.

وثالثاً: نقل الخبر بأحد ألفاظه وأسانيده، والطعن في ثبوت أصل
الخبر بسبب التكلّم في أحد أسانيده، ليس من شأن العلماء المنصفين
الاَتقياء، لكن هذا من ابن الجوزي كثير!

ورابعاً: لقد توقّف العلماء المحقّقون عن قبول آراء ابن الجوزي في
الموضوعـات وتعقّبوا كثيراً منها وخطّـؤوه فيها، حتّى قالوا بعدم جواز
التعويل عليه في هذا الباب.
____________
(1) سير أعلام النبلاء 19|120 ـ 127.
( 47 )

كلماتٌ في ابن الجوزي والموضوعـات:

فكان من المناسب أن نورد هنا شيئاً ممّا قالوه فيه، وفي كتابه
الموضوعات:

قال ابن الاَثير وابن الوردي والدياربكري، بترجمته: «كان كثير
الوقيعة في الناس، لا سيّما في العلماء المخالفين لمذهبه»
(1).

وقال الذهبي: «قرأت بخطّ الموقاني أن ابن الجوزي شرب البلاذر،
فسقطت لحيتـه فكانت قصيرة جدّاً، وكان يخضبها بالسواد، وكان كثير
الغلط في ما يصنّفه، فإنّه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره.

قلت: نعم، له وهم كثير في تواليفه، يدخل عليه الداخل من العجلة
والتحويل إلى مصنّف آخر، ومن أنّ جلّ علمه من كتبٍ صحف ما مارس
فيها أرباب العلم كما ينبغي»
(2).

وقال السيوطي والداوودي بترجمته: «قال الذهبي في التاريخ الكبير:
لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة، بل باعتبار كثرة
اطّلاعه وجمعه»
(3).

وسيأتي قول ابن حجر الحافظ «ان ابن الجوزي حاطب ليلٍ لا ينتقد
ما يحدّث به».

وأمّا كتابه الموضوعات فقد تكلّم فيه كبار علماء الحديث: كالنووي،
وابن الصلاح، وابن جماعة، والزين العراقي، وابن كثير، وابن حجر،
____________
(1) راجع حوادث سنة 597 من الكامل في التاريخ وتتمّة المختصر والخميس.
(2) تذكرة الحفّاظ 4|1342 ـ 1348 رقم 1098.
(3) طبقات الحفّاظ: 478، طبقات المفسّرين 1|274.
( 48 )
والسخاوي، والسيوطي...

قال ابن كثير: «وقد صنّف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً حافلاً
في الموضوعات، غير أنّه أدخل فيه ما ليس منه، وأخرج عنه ما كان يلزمه
ذكره، فسقط عليه ولم يهتد إليه»
(1).

وقال ابن حجر بعد إثبات حديث سدّ الاَبواب إلاّ باب علـيّ، وأنّ
ابن الجوزي أدرجه في الموضوعات: «أخطأ في ذلك خطأً شنيعاً».

قال: «لاَنّ (
فوق كلّ ذي علم عليم)
(2)، وطريق الورع في مثل
هذا أنْ لا يحكم على الحديث بالبطلان، بل يتوقّف فيه إلى أنْ يظهر لغيره
ما لم يظهر له...»
(3).

وقال السخاوي: «ربّما أدرج فيها الحسن والصحيح ممّا هو في أحد
الصحيحين فضلاً عن غيرهما، وهو توسّع منكر نشأ عنه غاية الضرر، من
ظنّ ما ليس بموضوع ـ بل هو صحيح ـ موضوعاً ممّا قد يقلّده فيه العارف
تحسيناً للظنّ به حيث لم يبحث فضلاً عن غيره، ولذا انتقد العلماء صنيعه
إجمالاً، والموقع له استناده في غالبه بضعف راويه الذي رمي بالكذب مثلاً،
غافلاً عن مجيئه من وجهٍ آخر»
(4).

وخامساً: إنّه على فرض التنزّل، فإنّ طعنه في الحديث في
(
موضوعاته) معارَض بأنّه نقله في تبصرته
ولم يتعقّبه(5).

وسادساً: إنّه لا وجه للتكلّم في «محمّـد بن كثير الكوفي» و«الاَصبغ
____________
(1) الباعث الحثيث: 75.
(2) سورة يوسف 12: 76.
(3) القول المسدّد في الذبّ عن المسند: 19.
(4) فتح المغيث ـ شرح ألفيّة الحديث ـ 1|236.
(5) روح المعاني 29|158.
( 49 )
ابن نباتة» إلاّ «التشيّع»، وقد تقرّر أنّ «التشيّع» بل «الرفض» غير مضرّ
عندهم، وبه نصّ الحافظ ابن حجر العسقلاني
(1).

ترجمة الاَصبغ بن نباتة:

فأمّا «الاَصبغ بن نباتة» فهو من أشهر التابعين، وقد تقرّر عندهم
[عدالة التابعين كالصحابة، عملاً بما يروونه عن النبيّ صلّى الله عليه ]وآله
وسلّم من قوله: «خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم»
(2).

وقال الحاكم: «النوع الرابع عشر من هذا العلم: معرفة التابعين، وهذا
نوع يشتمل على علومٍ كثيرة، فإنّهم على طبقاتٍ في الترتيب، ومهما غفل
الاِنسان عن هذا العلم لم يفرّق بين الصحابة والتابعين، ثمّ لم يفرّق أيضاً
بين التابعين وأتباع التابعين، قال الله عزّ وجلّ (
والسابقونَ الاَوّلونَ منَ
المُهاجرينَ والاَنصارِ والّذينَ اتّبعوهُمْ بإحْسانٍ رضيَ اللهُ عنهُمْ ورضوا
عنهُ وأعدَّ لهمْ جنّاتٍ تجري منْ تحتها الاَنهارُ خالدينَ فيها أبداً ذلكَ
الفَوزُ العظيمُ)
(3).

وقد ذكرهم رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم... فخير الناس
قرناً ـ بعد الصحابة ـ من شافه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه [وآله]
وسلّم، وحفظ عنهم الدين والسُنن، وهم قد شهدوا الوحي والتنزيل...»
(4).

ثمّ إنّه من رجال ابن ماجة، وروى عنه جماعة من الاَكابر، ووثّقه
____________
(1) مقدّمة فتح الباري: 398 و410.
(2) جامع الاَُصول 9|404.
(3) سورة التوبة 9: 100.
(4) معرفة علوم الحديث: 41.
( 50 )
بعض الاَعلام كالعجلي
(1)... وتكلّم فيه غير واحدٍ، وكلّ كلماتهم تعود إلى
كونه من شيعة عليّ عليه السلام وروايته لفضائله، كقول ابن حبّان: «فتن
بحبّ عليّ بن أبي طالب، فأتى بالطامّات في الروايات فاستحقّ من أجلها
الترك»، وقول ابن عديّ: «لم أُخرّج له هاهنا شيئاً، لاَنّ عامّة ما يرويه عن
عليّ لا يتابعه أحد عليه»
(2).

فهذا هو السبب في ترك بعض القوم حديثه.

ثمّ تأمّل في كلام ابن عديّ بعد ذلك: «وإذا حدّث عن الاَصبغ ثقة
فهو عندي لا بأس بروايته، وإنّما أتى الاِنكار من جهة من روى عنه، لاَنّ
الراوي عنه لعلّه يكون ضعيفاً»؛ لتعرف الاضطراب منه ومن أمثاله عندما
يريدون ردّ حديث رجلٍ بلا دليل وسبب سوى التشيّع!!

ترجمة محمّـد بن كثير:

وأمّا «محمّـد بن كثير الكوفي» فكذلك.

فابن حنبل يقول: «حَرَقنا حديثه».

ويحيى بن معين ـ وهو الذي نقل كلامه ابن الجوزي في القدح في
الاَصبغ ـ يقول: «هو شيعي لم يكن به بأس، سمعت أنا منه»
(3).

فالرجل ثقة، لكن تشيّعه يبرّر لاَحمد ـ كما قالوا ـ لاَن يَحْرق حديثه!
ولا بُدّ وأنْ يُترك حديثه وهو يروي عن الاَعمش، عن عديّ بن ثابت، عن
زرّ، عن عبدالله بن مسعود، عن عليّ: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله
____________
(1) تهذيب الكمال 3|308.
(2) تهذيب الكمال 3|310، تهذيب التهذيب 1|316.
(3) الجرح والتعديل 8|68، تاريخ بغداد 3|191، وغيرهما.
( 51 )
وسلّم: «من لم يقل عليٌّ خير الناس فقد كفر»
(1).

مكابـرات أُخـرى:

فظهر أنّ ما ذكروه إنْ هو إلاّ مكابرات عن قبول الحقّ، لاَنّ السورة
كما تقدّم مدنيّة لا مكّيّة، ولاَنّ الاستدلال إنّما هو بأصل الخبر لا بالاَشعار
الواردة في أحد ألفاظه... لو سلّمنا ورود الاِشكال فيها.

* وكأنّ ابن تيمية يعلم بأنّ ما ذكره لا يكفي لردّ الحديث، فيضطرّ
إلى أن يكذب؛ فينفي وجود خادمة لاَهل البيت اسمها «فضّـة» ليكون دليلاً
على كذب أصل الخبر!

إنّه يقول: «إنّ عليّاً وفاطمـة لم يكن لهما جارية اسمها فضّـة، بل
ولا لاَحدٍ من أقارب النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، ولا نعرف أنّه كان
بالمدينة جارية اسمها فضّـة، ولا ذكر ذلك أحد من أهل العلم، الّذين
ذكروا أحوالهم دقّها وجلّها، ولكن فضّـة هذه بمنزلة ابن عقب الذي يقال:
إنّه كان معلّم الحسن والحسين، وأنّه أُعطي تفّاحةً كان فيها علم الحوادث
المستقبلة، ونحو ذلك من الاَكاذيب التي تروج على الجهّال... وهكذا هذه
الجارية فضّـة...»
(2).

أقـول:

انظر إصراره على التكذيب بقلّة حياء.. وهو الكاذب!!

وإليك عبارة الحافظ ابن الاَثير: «فضّـة النوبيّة، جارية فاطمة الزهراء
____________
(1) تاريخ بغداد 3|192.
(2) منهاج السُنّة 7|182 ـ 183 الطبعة الحديثة.
( 52 )
بنت رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: أخبرنا أبو موسى كتابةً...»
فأورد الحديث بإسناده عن ابن عبّاس
(1).

وعبارة الحافظ ابن حجر العسقلاني: «فضّـة النوبيّة، جارية فاطمة
الزهراء... أخرج أبو موسى في الذيل، والثعلبي في تفسير سورة (
هل
أتى)، من طريق عبدالله بن عبدالوهّاب الخوارزمي ابن عمّ الاَحنف...»
قال: «وذكر ابن صخر في فوائده وابن بشكوال في كتاب المستغيثين من
طريقه، بسندٍ له من طريق الحسين بن العلاء، عن جعفر بن محمّـد بن
عليّ بن الحسين بن عليّ، عن أبيه، عن عليّ: إنّ رسول الله صلّى الله عليه
وآله وسلّم أخدم فاطمة ابنته جاريةً اسمها فضّـة النوبيّة، وكانت تشاطرها
الخدمة، فعلّمها رسول الله صلّى الله عليه [ وآله] وسلّم دعاءً تدعو
به...»
(2).

هـذا، وكأنّ بعض أتباع ابن تيميّة يقصرون عنـه في الصلافـة،
فلايقلّدونه في كلّ شيء، خوفاً من الفضيحة!!

* ومكابرة أُخرى، تجدها عند ابن روزبهان الخنجي ـ وهو الآخر
صاحب الردّ على العلاّمة الحلّي في كتابه نهج الحـقّ ـ.

إنّه يقول: «ذكر بعض المفسّرين في شأن نزول السورة ما ذكره،
ولكنْ أنكره على هذه الرواية كثير من المحدّثين وأهل التفسير، وتكلّموا
في أنّه هل يجوز أنْ يبالغ الاِنسان في الصدقة إلى هذا الحدّ، ويجوّع نفسه
وأهله، حتّى يشرف على الهلاك؟ وقد قال الله تعالى: (
ويسألونك ماذا
____________
(1) أُسد الغابة في معرفة الصحابة 5|530.
(2) الاِصابة في معرفة الصحابة 4|387.
( 53 )
ينفقون قل العفو)
(1) والعفو ما كان فاضلاً من نفقة العيال، وقال رسول الله
صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: خير الصدقة ما يكون صفواً عفواً»
(2).

أقـول:

فهو لا يدّعي كون السورة مكّيّة، ولا يدّعي كون الحديث موضوعاً...
وإنّما يشكّك فيه من هذه الناحية، ولو كان هناك مجالٌ لاَنْ يقال مثل هذا
في مقابلة استدلال الاِماميّة لقاله المتأخّرون والمعاصرون، الّذين لا يوجد
عندهم إلاّ الاجترار والتكرار!!

وهذا التشكيـك واضح الاندفـاع نقضـاً وحلاًّ، ويكفي للجواب عنه
ما تقدّم في الفوائد.

وتلخّـص: أنّ الحق مع السيّـد رحمه الله، والحمد لله.
*
*
*
____________
(1) سورة البقرة 2: 219.
(2) إبطال الباطل. راجع: إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل 3|170.
( 54 )
قولـه تعالى: (واعتصموا بحبـلِ الله)

قال السيّد رحمه الله:

«أليسوا حبـل الله الذي قـال: (
واعتصموا بحبلِ الله جميعاً
ولا تفرّقوا)
(1).

فقال في الهامش:

«أخرج الاِمام الثعلبي في معنى هذه الآية، من تفسيره الكبير،
بالاِسناد إلى أبان بن تغلب، عن الاِمام جعفر الصادق، قال: نحن حبل الله
الذي قال: (
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)...

وعدّها ابن حجر في الآيات النازلة فيهم، فهي الآية الخامسة من
آياتهم التي أوردها في الفصل الاَوّل من الباب 11 من (صواعقـه) ونقل في
تفسيرها عن الثعلبي ما سمعته من قول الاِمام جعفر الصادق.

وقال الاِمام الشافعي ـ كما في رشفـة الصـادي، للاِمام أبي بكر بن
شهاب الدين ـ:

ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهم
مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهلِ
ركبت على اسم الله في سفن النجا
وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسلِ
____________
(1) سورة آل عمران 3: 103.
( 55 )
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم
كما قد أُمرنا بالتمسّك بالحبلِ»

فقيـل:

« لم يرد عن من يُحتجُّ به في التفسير أنّ (حبل الله) في الآية هم
(أهل البيت) بل ورد أنّ حبل الله هو القرآن الكريم.

قال أبو جعفر الطبري: حدّثنا سعيد بن يحيى الاَُموي، حدّثنا أسباط
ابن محمّد، عن عبدالملك بن سليمان العزرمي، عن عطيّة، عن أبي سعيد،
قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: كتاب الله هو حبل الله
الممدود من السماء إلى الاَرض.

وهذا التفسير لحبل الله من جنس تفسيرهم: الاِمام المبين: عليّ بن
أبي طالب، والشجرة الملعونة: بنو أُميّة، واللؤلؤ والمرجان: الحسن
والحسين... وأمثال هذه الترّهات التي لا يقول بها من يحترم نفسه، فضلاً
عن أن يفهم كلام الله.

وليس مجرَّد ذكر الثعلبي لهذا المعنى في تفسيره يجعله صحيحاً،
ولا نقل ابن حجر الهيتمي له في كتابه يزكّيه، ولا مجرّد كون الاِمام جعفر
الصادق قد قال هذا القول يجعله حُجّةً، فإنّ أئمّة المفسّرين لهم ستّة أقوال
في (حبل الله).

الاَوّل: إنّه كتاب الله، رواه شقيق، عن ابن مسعود بإسناد صحيح،
وبه قال قتادة والضحّاك والسدّي.

والثاني: إنّه الجماعة، رواه الشعبي عن ابن مسعود.

والثالث: إنّه دين الله، قاله ابن عبّاس، وابن زيد، ومقاتل،
( 56 )
وابن قتيبة، وقال ابن زيد: هو الاِسلام.

والرابـع: إنّـه عهـد الله، قاله مجاهـد، وعطاء، وقتادة ـ في رواية ـ
وأبو عبيد.

والخامس: إنّه الاِخلاص، قاله أبو العالية.

والسادس: إنّه أمر الله وطاعته، قاله مقاتل بن حيّان.

ابن الجوزي في تفسيـره 2|432.

فأنت ترى أنّه ليس من بين هذه الاَقوال المعتبرة ما يشبه هذا القول
المرويّ عن جعفر الصادق، والذي لا يؤيّده نقل صادق ولا عقل حاذق.

أمّا الاَبيات المنسوبة للاِمام الشافعي، فليست في ما هو مطبوع من
شعره، كما أنّ من له خبرة بالشعر، وبديباجة شعر الشافعي، يجزم بأنّ هذا
الشعر منحول عليه، وخاصّةً البيت الثاني.

أمّا الدليل الاَظهر على النحْل، فهو أنّه لا يمكن للشافعي أن يقول:

وأمسكت حبل الله...

فإنّ الفصحاء، بل البسطاء في علم العربية، يعرفون أن الفعل
«أمسك» يتعدّى بالباء لا بنفسه، فهل يجوز هذا الغلط على مثل الشافعي
إمام الفصحاء، ومن كان كلامه حُجّةً في اللغة؟!

قال عبدالملك بن هشام صاحب المغازي، إمام أهل مصر في عصره
في اللغة والنحو: الشافعي، حُجّة في اللغة، وكان إذا شكّ في شيء من
اللغة بعث إلى الشافعي فسأله عنه.

وقال أبو عبيد: كان الشافعي ممّن تؤخذ عنه اللغة.

وقال أيّوب بن سويد: خذوا عن الشافعي اللغة.

وقال أبو عثمان المازني: الشافعي عندنا حُجّة في النحو.
( 57 )

وقال الاَصمعي: صحّحت أشعار الهذليّين على شابّ من قريش بمكّة
يقال له: محمّـد بن إدريس.

وقال محمّـد بن عبدالله بن عبدالحكم: سمعت الشافعي يقول:
أروي لثلاثمائة شاعر مجنون.

وقال الزبير بن بكّار: أخذت شعر هذيل ووقائعها وأيّامها عن عمّي
مصعب وقال: أخذتها عن الشافعي حفظاً.
تهذيب الاَسماء واللغات 1|49.

فهل ترى مَن هذه منزلته في اللغة ـ وهو مع هذا شاعر مطبوع ـ يقول
مثل هذا الشعر الركيك؟!

وانظر آخر المراجعة 6».
أيّ مسلم يجرؤ على الطعن في الاِمام الصادق عليه السلام ؟!

أقـول:

وأيُّ مسلم يجرؤ على التعبير عن الاِمام الصادق عليه السلام بمثل
هذه التعابير؟!

سبحـان الله!!

إنّه عندما ينقل السيّـد عن وفيّات الاَعيان بقاء مالك بن أنس جنيناً
في بطن أُمّه ثلاث سنين، يقول هذا المتقوّل: «فلا ندري ماذا يريد بذلك؟!
هل يريد الغمز بالاِمام مالك؟! أم يريد التهويل والاِزراء على أهل السُنّة
بروايتهم ذلك؟!».

وعندما يعترض أحد علماء الاَزهر ـ وهو الشيخ محمّـد الغزّالي ـ
( 58 )
على الحافظ ابن حجر العسقلاني قبوله حديث الغرانيق الباطل قائلاً: «فهل
وعى ذلك من قبل حديث الغرانيق وقال: إنّ تظاهر الروايات يجعل له
أصلاً ما، والقائل محدّث كبير؟!»؛ يقول متقوّل آخر: «لمز الاَُستاذ بعض
علماء الاِسلام الاَفاضل الّذين بذلوا حياتهم خدمةً للاِسلام والمسلمين أمثال
الحافظ العلاّمة ابن حجر العسقلاني...

هذا المحدّث الكبير الذي لمزه الاَُستاذ بعدم الوعي لم يسمّه لنا هنا،
ولكنْ سمّاه لنا في كتاب آخر بأنّه: ابن حجر.

سبحان الله! حافظ علاّمة عالم ربّاني ـ رحمه الله ـ تعتبر كتبه من
أعظم الكنوز في المعارف الاِسلامية، يلمزه الاَُستاذ ـ هداه الله ـ بقوله: فهل
وعى؟ هذه الكلمة التي قد تقال في بعض المتعلّمين، أمّا جبال العلم أمثال
ابن حجر ـ رحمه الله ـ فلا أتصوّر أن الاَُستاذ يوافقني على لمزهم بهذا»
(1).

فإذا كان ما ذكره السيّـد «غمزاً» وما قاله الشيخ «لمزاً»... فهل يقول
من يؤمن بالله واليوم الآخر، عن الاِمام الصادق عليه السلام بأنّه لا يُحتجّ به
في التفسير؟! وأنّه ليس من أئمّة المفسّرين؟! وأنّ قوله غير معتبر؟! وأنّ
تفسيـره ترّهات لا يقول بها مـن يحترم نفسه...؟! ولا يؤيّده نقل صادق
ولا عقل حاذق...؟!

فإذا ما قارنت بين هذا الكلام ـ وهو في الاِمام الصادق عليه السلام،
الذي قال فيه مالك بن أنس: اختلفت إليه زماناً، فما كنت أراه إلاّ على
____________
(1) كتب حذّر منها العلماء 1|221 ـ 222، وهو كتابٌ نشرته الفرقة السلفيّة،
حذّرت فيه الناس من قراءة مئات الكتب المؤلَّفة من قبل علماء الشيعة والسُنّة في
الردّ والطعن على ابن تيميّة وابن عبدالوهّاب وأمثالهما، فكان كتاب الشيخ الغزّالي
واحداً منها لاَنّه لمز فيه ابن حجر العسقلاني في القضيّة التي ذكرها،
وابن عبدالوهّاب في قضيّةٍ أُخرى مثلها!!
( 59 )
إحدى ثلاث خصال، إمّا مصلٍّ وإمّا صائم وإمّا يقرأ القرآن، وما رأت عين
ولا سمعت أُذن ولا خَطَرَ على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّـد
الصادق علماً وعبادةً وورعاً»
(1) ـ وبين انزعاجهم من أن يقال في أحد
علمائهم كلمة «ما وعى» مثلاً... عرفت أنّهم يناصبون العِداء لاَهل البيت
عليهم السلام ويحاولون التكتّم على ذلك، ولكن (
قد بدت البغضاء من
أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر)
(2) (
قل إنْ تخفوا ما في صدوركم
أو تبدوه يعلمه الله)
(3) (
وإنْ تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم
به الله)
(4)»اً.

مطابقة تفسير الاِمام للكتاب والسُنّة:

ثمّ إنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام ـ الّذين أرجع الله ورسوله الاَُمّة
إليهم، وورد التمسّك بهم والاَخذ عنهم في الكتاب والسُنّة ـ لا يقولون شيئاً
يخالف القرآن والسُنّة النبوية الثابتة، بل إنّ جميع ما جاء عنهم بسندٍ صحيحٍ
له شاهدٌ فيهما، وهذا ما صرّحوا به في الروايات المنقولة عنهم، كقول
الاِمام الصادق عليه السلام: «إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من
كتاب الله أو من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وإلاّ فالذي
جاءكم به أَوْلى به»
(5).

مضافاً إلى أنّهم يروون عن أمير المؤمنين عن رسول الله صلّى الله
____________
(1) تهذيب التهذيب 2|88.
(2) سورة آل عمران 3: 118.
(3) سورة آل عمران 3: 29.
(4) سورة البقرة 2: 284.
(5) وسائل الشيعة 18|78.
( 60 )
عليه وآله وسلّم: «قال الله جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي»
(1).

أقـول:

ومن هذا القبيل تفسير «حبل الله» في الآية المباركة بـ «أهل البيت»
وذلك لاَنّ هذا التفسير له شواهد في السُنّة النبوية المباركة، ومنها حديث
الثقلين المتواتر بين الفريقين، ومن رواياته ما ذكره هذا المتقوّل ـ أوّل ما
ذكر عن الطبري بسنده، عن عبدالملك، عن عطيّة، عن أبي سعيد
(2)،
وجعله قول من يحتجُّ به، وقد أخرج الحديث بهذا الاِسناد أحمد في
المسند حيث قال: «ثنا ابن نمير، ثنا عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطيّة
العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [وآلهج
وسلّم: إنّي قد تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لنْ تضلّوا بعدي: الثقلين،
أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الاَرض،
وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض»
(3).

فالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قد ترك في الاَُمّة «ثقلين» وأمر
بالاَخذ بهما من بعده، وجعل الاَخذ بهما أماناً من الضلال وسبباً للهدى
والفلاح، ثمّ عبَّر عن أحدهما بكونه أكبر من الآخر، وأكّد على «أنّهما لن
يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض».

فكان كلاهما ـ القرآن والعترة أهل البيت معاً ـ السبب الموجب للمنع
____________
(1) وسائل الشيعة 18|28.
(2) يظهر منه قبول «عطيّة بن سعد العوفي» وفيه ردّ على زميله الدكتور عليّ أحمد
السالوس، الذي حاول في رسالته في «حديث الثقلين» إسقاط روايات عطيّة، وقد
أجبنا عنه في كتابنا «حديث الثقلين: تواتره ـ فقهه» في ردّه بما لا مزيد عليه.
(3) مسند أحمد 3|59.
( 61 )
من الضلال، لاَنّ قوله: (
واعتصموا) أي: «امتنِعوا»، و«الحبل» هو
«السبب»، وهذا ما نصّ عليه المفسّرون واللغويّون.

قال أبو جعفر الطبري: «وأمّا قوله: (
ومن يعتصم بالله فقد هُديَ
إلى صراطٍ مستقيم)
(1) فإنّه يعني: ومن يتعلّق بأسباب الله ويتمسّك بدينه
وطاعته فقد هدي... وأصل العصم: المنع، فكلّ مانع شيئاً فهو عاصمه،
والممتنع به معتصم به،... ولذلك قيل للحبل: عصام، وللسبب الذي
يتسبّب به الرجل إلى حاجته: عصام... يقال: منه اعتصمت بحبل فلان،
واعتصمت حبلاً منه واعتصمت به واعتصمته، وأفصح اللغتين: إدخال الباء
كما قال عزّ وجلّ: (
واعتصموا بحبل الله جميعاً) وقد جاء اعتصمته كما
قال الشاعر...»
(2).

وقال بتفسير الآيـة (
واعتصموا بحبل الله جميعاً): «يعني بذلك
جلّ ثناؤه: وتعلّقوا بأسباب الله جميعاً، يريد بذلك تعالى ذِكره:
وتمسّكوا... وأمّا الحبل فإنّه السبب الذي يوصل به إلى البغية
والحاجة...»
(3).

فظهر أنّ «العترة أهل البيت» مثل «القرآن» في أنّهم «حبل» وأنّ من
تمسّك بهم فقد اعتصم من الضلال، ولذا نرى حديث الثقلين في بعض
ألفاظه: «ما إن اعتصمتم بهما» وهو ما أخرجه ابن أبي شيبة: «إنّي تركت
فيكم ما لن تضلّوا بعدي إنْ اعتصمتم به: كتاب الله، وعترتي»
(4).
____________
(1) سورة آل عمران 3: 101.
(2) تفسير الطبري 4|18 ـ 19.
(3) تفسير الطبري 4|21.
(4) كذا في نقل بعض المحدّثين عن المصنَّف لابن أبي شيبة، عن جابر، عن النبيّ
صلى الله عليه وآله وسلم، لكنّه في المطبوع برقم (10126) محرّف بإسقاط كلمة
«وعترتي» وكذلك حُرّف فيه الحديث عن زيد بن أرقم، الذي أخرجه مسلم وغيره،
وعن عطية، عن أبي سعيد الخدري، الذي أخرجه أحمد وغيره، فراجع (10127)
و(10130) في الجزء العاشر من المصنّف، فحيّا الله الاَُمَناء على الحديث النبويّ!!
( 62 )

وفي بعضها الآخر: «ما إنْ تمسّكتم» وهذا هو اللفظ المشهور.

وفي بعض ثالث: «إن اتّبعتموهما»
(1).

كمـا نـرى الحـديـث بلفـظ «إنّـي تـارك فيكـم خليفتيـن» كمـا هو
عند أحمـد
(2)وة، وبلفظ جمع فيه بين «الثقلين» و«الخليفتين» كما هو عند
ابن أبي عاصم
(3).

ومن هنا، فقد أورد المفسّرون حديث الثقلين بتفسير الآية المباركة،
أعنـي: (
واعتصموا بحبل الله)
(4) كما أوردوه بتفسير قوله تعالى: (
قل
لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى)
(5)»ـ.

وقال الشرّاح المحقّقون بشرح حديث الثقلين: «إنّ ذلك يفهم وجود
من يكون أهلاً للتمسّك به من أهل البيت والعترة الطاهرة، في كلّ زمان
وجدوا فيه إلى قيام الساعة، حتّى يتوجّه الحثّ المذكور إلى التمسّك به،
كما إنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لاَهل الاَرض، فإذا ذهبوا
ذهب أهل الاَرض»
(6).
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 3|110.
(2) مسند أحمد 5|189 ـ 190.
(3) كتاب السُنّة: 628 ـ 631.
(4) جواهر العقدين 2|96.
(5) سورة الشورى 42: 23.
(6) الدرّ المنثور 6|7، السراج المنير 5|538، وغيرهما.
(7) جواهر العقدين 2|94، فيض القدير في شرح الجامع الصغير 3|15، شرح
المواهب اللدنّيّة 7|8، الصواعق المحرقة: 90، المرقاة في شرح المشكاة 5|594
و601.
( 63 )

هذا كلّه بالاِضافة إلى ورود الحديث الشريف بلفظ «حبلين»:

قال الطبرسي رحمه الله بتفسير الآية المباركة، في الاَقوال في معنى
«حبل الله»: «ثالثها: ما رواه أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّـد عليه
السلام، قال: نحن حبل الله الذي قال: (
واعتصموا بحبل الله جميعاً)».

قال: «والاََوْلى حمله على الجميع، والذي يؤيّده ما رواه أبو سعيد
الخدري، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: أيّها الناس! إنّي قد
تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لنْ تضلّوا بعدي، أحدهما أكبر من
الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي،
ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض»
(1).

وتلخّـص: أن الآية المباركة تأمر بالاعتصام، أي بالتمسّك والتعلّق
«بحبل الله» أي: بالسبب الذي يوصل إلى رضاه، الموجب للنجاة والدخول
في الجنّة، وينجي من غضبه الموجِب للدخول في النار... وهذا «السبب»
هـو «الكتاب والعتـرة الطاهـرة»، و«ديـن الله» وهو «الاِسـلام» لا يتحقّـق
إلاّ باتّباعهما، وذلك «عهد الله» وفي ذلك «أمر الله وطاعته» وبذلك يحصل
«الاِخلاص» لله عزّ وجلّ، وتتمُّ «الجماعة» التي يد الله معها، كما في الحديث.

رجوع المعاني كلّها إلى معنىً واحد:

فالمعاني الستّة التي ذكرها ابن الجوزي كلّها ترجع إلى أصل واحد
ومعنىً فارد، ولا نمنع شيئاً من ذلك، وإنْ لم يكن قائلوها عندنا «أئمّة
المفسّريـن»... لكنّ من طبيعـة حال ابن الجوزي أن لا يذكر قول أئمّـة
أهل البيت الطاهرين، الّذين هم أدرى بما في البيت، إلاّ أنّ ابن الجوزي غير
____________
(1) مجمع البيان 1|613.
( 64 )
مقبولٍ حتّى عند أبناء طائفته كما تقدّم، ونكتفي هنا بكلمتين بالمناسبة:

يقول الذهبـي بترجمـة أبان بن يزيـد العطّـار: «قـد أورده العلاّمـة
أبو الفرج في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وثّقه، وهذا من عيوب
كتابه؛ يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق»
(1).

ويقول ابن حجر العسقلاني، بترجمة ثمامة بن الاَشرس البصري،
بعد قصّـةٍ ذكرهـا: «دلّـت هـذه القصّـة على أنّ ابـن الجوزي حاطـب ليلٍ
لا ينتقد ما يحدّث به»
(2).

فعلى ضوء هاتين الكلمتين نقول: إنّ ابن الجوزي ـ بغضّ النظر عن
انحرافه عن أهل البيت ـ ذكر الاَقوال في تفسيره ولم يذكر قول الاِمام من
أهل البيت، وهذا من عيوب كتابه، كما إنّه سردها ولم ينتقدها، فهو أيضاً
حاطب ليل.

إلاّ أنّا ـ وبالنظر إلى حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين ـ أرجعناها
إلى حقيقةٍ واحدةٍ، ولم نطرح شيئاً من هذه الاَقوال.

أمّا الثعلبي... فلم يكن كابن الجوزي، فقد أورد في تفسيره بعض
الاَحاديث عن أئمّة أهل البيت بأسانيده المتّصلة بهم، بتفسير طائفةٍ من
الآيات... ومنها هذه الآية الشريفة.

فقد روى حديث الثقلين عن عبدالملك، عن عطيّة، عن أبي سعيد
ـوهو السند الذي اعتمده بعض المفترين ـ حيث قال: «حدّثنا الحسن بن
محمّد بن حبيب المفسّر، قال: وجدت في كتاب جدّي بخطّه: نا أحمد بن
الاَحجـم القاضي المرندي، نا الفضل بن موسى السيناني، أنا عبدالملك بن
____________
(1) ميزان الاعتدال 1|16.
(2) لسان الميزان 2|83.
( 65 )
أبي سليمان، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت
رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم يقول: يا أيّها الناس! إنّي قد تركت
فيكم خليفتين إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر،
كتـاب الله حبـل ممـدود مـن السمـاء إلـى الاَرض، وعترتـي أهـل بيتـي،
ألا وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا علَيَّ الحوض».

وروى الحـديث عن الاِمام الصادق عليـه السلام، حيث قال:
«أخبرني عبدالله بن محمّـد بن عبـدالله، نا محمّـد بن عثمان، نا محمّـد بن
الحسين بن صالح، أنا عليّ بن العبّـاس المقانعي، نا جعفر بن محمّـد،
قـال: نحـن حبل الله الـذي قـال: (
واعتصمـوا بحبـل الله جميعـاً
ولا تفرقّوا)»
(1).

وقد أورد هذا الحديث عن الثعلبي جماعة من علماء القوم، مرتضين
له، كالحافظ السمهودي
(2)، والشيخ محمّـد الصبّان
(3)، والشيخ القندوزي
البلخي
(4)ظخ، وغيرهم، بل أرسله الاَوّل منهم في موضعٍ آخر إرسال
المسلّم
(5)َس... فليس الذي أورده عن الثعلبي هو ابن حجر المكّي وحده.

موجز ترجمـة الثعلبـي:

ثمّ إنّ الثعلبي ـ وهو أبو إسحاق أحمد بن محمّد، المتوفّى سنة 427 ـ
إمامٌ كبير من أئمّة التفسير واللغة، وتفسيره من أشهر التفاسير عندهم:
____________
(1) الكشف والبيان في تفسير القرآن ـ مخطوط.
(2) جواهر العقدين 2|96.
(3) إسعاف الراغبين: 109.
(4) ينابيع المودة: 119.
(5) جواهر العقدين 2|127.
( 66 )

قال الذهبي: «الثعلبي، الاِمام الحافظ العلاّمة، شيخ التفسير،
أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيسابوري، كان أحد أوعية العلم،
له كتاب التفسير الكبير وكتاب العرائس في قصص الاَنبياء.

قال السمعاني: يقال له: الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له لا نسب.

حدّث عن... وكان صادقاً موثّقاً، بصيراً بالعربية، طويل الباع في
الوعظ.

حدّث عنه: أبو الحسن الواحدي، وجماعة.

قال عبدالغافر بن إسماعيل: قال الاَُستاذ أبو القاسم القشيري: رأيت
ربّ العزّة في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال
الربّ جلّ اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفتُّ فإذا أحمد الثعلبي مقبل.

توفّي الثعلبي في المحرّم سنة 427»
(1).

فهذا كلّ ما ذكره الذهبي، وليس فيه إلاّ التوثيق والتعظيم والثناء
الجميل.

وقال ابن خلّكان: «المفسّر المشهور، كان أوحد زمانه في علم
التفسير، وصنّف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير... وذكره
عبدالغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه
وقال: هو صحيح النقل موثوق به...»
(2).

وقال السبكي: «كان أوحد زمانه في علم القرآن، وله كتاب العرائس
في قصص الاَنبياء عليهم السلام»
(3).
____________
(1) سير أعلام النبلاء 17|437.
(2) وفيّات الاَعيان 1|61.
(3) طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ 4|58.
( 67 )

وقال الاَسنوي: «ذكره ابن الصلاح والنووي من الفقهاء الشافعية،
وكان إماماً في اللغة والنحو»
(1).

وقال الداوودي: «كان أوحد أهل زمانه في علم القرآن، حافظاً للّغة،
بارعاً في العربية، واعظاً، موثّقاً»
(2).

وراجع أيضاً: الوافي بالوفيّات 7|307، مرآة الجنان 3|46، بغية
الوعاة: 154، المختصر في أخبار البشر 2|162، العبر 3|172، وغيرها،
لتجد كلمات القوم في مدح الرجل وتوثيقه وتعظيمه.

نعم، تكلّم فيه ابن تيميّة ومن على شاكلته، لِما أشرنا إليه من النقل
والرواية عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

وتلخّـص: أنّ الثعلبي مفسّر كبير، فقيه شافعي، لغوي نحوي،
وموثوقٌ عندهم ومقبولٌ لديهم، ومن هنا جاز لنا الاعتماد عليه والاحتجاج
بنقله، من باب الاِلزام، وكذلك فَعَلَ السيّـد طاب ثراه.

رواية أبـي نعيـم:

هذا، وليس الثعلبي ـ من أكابر أهل السُنّة ـ منفرداً برواية تفسير الاِمام
الصادق عليه السلام، للآية المباركة،... فقد ذكر أبو نعيم الحافظ ما نصّه:

«حدّثنا محمّـد بن عمر بن سالم، قال: حدّثنا أحمد بن زياد بن
عجلان، قال: حدثّنا جعفر بن عليّ بن نجيح، قال: حدّثنا حسن بن حسين
العرني، قال: حدّثنا أبو حفص الصائغ، قال: سمعت جعفر بن محمّـد
____________
(1) طبقات الشافعية ـ للاَسنوي ـ 1|429.
(2) طبقات المفسّرين 1|65.
( 68 )

يقول في قوله عزّ وجلّ: (
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا) قال:
نحن حبل الله»
(1).

موجز ترجمـة أبـي نعيم:

وأبو نعيم الحافظ ـ وهو أحمد بن عبدالله الاَصفهاني، المتوفّى سنة
430 ـ من أئمّة الحفّاظ الاَعلام، قالوا: «كان في وقته مرحولاً إليه، لم يكن
في أُفق من الآفاق أحد أحفظ منه ولا أسند منه» ولذا لقّبوه بـ «تاج
المحدّثين» ووثّقوه وأثنوا عليه الثناء الجميل البالغ.

فراجع إنْ شئت: تذكرة الحفّاظ 3|1096، وفيّات الاَعيان 1|75،
الوافي بالوفيّات 7|81، مرآة الجنان 3|52، طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ
3|7، النجوم الزاهرة 5|30، شذرات الذهب 3|245 المختصر في أخبار
البشر 2|162، البداية والنهاية 12|45، وغيرها.

رواية الحاكم الحسكانـي:

وقال الحاكم الحسكاني: «قوله جلّ ذكره: (
واعتصموا بحبل الله
جميعاً):

حدّثني أبو الحسن محمّـد بن القاسم الفارسي، قال: حدّثنا أبو جعفر
محمّد بن عليّ، قال: حدّثنا حمزة بن محمّد العلوي، قال: أخبرنا عليّ بن
إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن عليّ بن
موسـى الرضا، عن أبيـه، عن آبائه، عن عليّ عليهم السلام، قال: قال
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من أحبّ أن يركب سفينة النجاة،
____________
(1) نفحات الاَزهار 2|253 عن «ما نزل من القرآن في عليّ» لاَبي نعيم، مخطوط.
( 69 )
ويتمسّك بالعُرْوة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوالِ عليّاً وليأتمّ
بالهداة من ولده.

أخبرنا محمّـد بن عبدالله الصوفي، قال: أخبرنا محمّـد بن أحمد بن
محمّـد، قال: حدّثنا عبدالعزيز بن يحيى بن أحمد الجلودي، قال: حدّثني
محمّـد بن سهل، قال: حدّثنا عبدالعزيز بن عمرو، قال: حدّثنا الحسن بن
الحسن، قال: حدّثنا يحيى بن عليّ الربعي، عن أبان بن تغلب، عن جعفر
ابن محمّـد، قال: نحن حبل الله الذي قال الله: (
واعتصموا بحبل الله
جميعاً)...

وأخبرناه عن أبي بكر محمّـد بن الحسين بن صالح السبيعي في
تفسيره، قال: حدّثنا عليّ بن العبّاس المقانعي، قال: حدّثنا جعفر بن
محمّـد بن حسين، قال: حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا يحيى بن
عليّ. به سواء...

وبه حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا أبو حفص الصائغ، عن
جعفر بن محمّـد في قوله: (
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)
قال: نحن حبل الله.

حدّثنا الحاكم أبو عبدالله الحافظ جملةً، قال: حدّثني عبدالعزيز بن
نصر الاَُموي، قال: حدّثنا سليمان بن أحمد الحصي، قال: حدّثنا أبو عمارة
البغدادي، قال: حدثّنا عمر بن خليفة أخو هوذة، قال: حدّثنا عبدالرحمن
ابن أبي بكر المليكي، قال: حدّثنا محمّـد بن شهاب الزهري، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: قال لي
جبرئيل: قال الله تعالى: ولاية عليّ بن أبي طالب حِصْني، فمن دخل
( 70 )
حصني أمِنَ من عذابي»
(1).

موجز ترجمة الحاكم الحسكانـي:

والحسكاني ـ وهو أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله النيسابوري الحنفي،
المتوفّى بعد سنة 470 ـ حافظ متقن ثقة، وتوجد ترجمته في كثير من
المصادر المعتبرة، مثل: منتخب السياق في تاريخ نيسابور: 463، تذكرة
الحفّاظ 3|1200، الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية 2|496، سير أعلام
النبلاء 18|268، وغيرها.

قال في (السير): «الحسكاني الاِمام المحدّث البارع القاضي
أبو القاسم... الحنفي، الحاكم، ويعرف أيضاً بابن الحذّاء... حدّث
عن... وصنّف وجمع وعُني بهذا الشأن، لازمه الحافظ عبدالغافر بن
إسماعيل وأكثر عنه، وأورده في تاريخه...».

وقال في المنتخب من تاريخ نيسابور ـ لعبدالغافر ـ: «الحافظ
المتقن... سمع الكثير عالياً، وانتخب على الشيوخ، وجمع الاَبواب
والكتب والطرق».

وقال في (التذكرة): «الحافظ، شيخ متقن، ذو عناية بعلم الحديث».

وهكذا في الكتب الاَُخرى.

تفسير سعيد بن جبير عن ابن عبّاس:

وأيضاً: ليس الاِمام الصادق عليه السلام هو وحده الذي فسّر الآية
المباركة بما عرفت، وإنْ كان وحده حُجّةً كافية كما بيّنّا، فقد روي عن
____________
(1) شواهد التنزيل 1|168 ـ 170.
( 71 )
سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أيضاً...

فقد قال الشيخ القندوزي الحنفي: «أخرج صاحب كتاب المناقب عن
سعيد بن جبيـر، عن ابن عبّـاس ـ رضي الله عنهمـا ـ قال: كنّا عند النبيّ
صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله! سمعتك
تقول (
واعتصموا بحبل الله) فما حبل الله الذي نعتصم به؟ فضرب النبيّ
صلّى الله عليه [وآله] وسلّم في يد عليّ وقال: تمسّكوا بهذا، هو حبل الله
المتين»
(1)اً.

أقـول:

ولا يخفى ما في جملة « هو حبل الله المتين» من الدلالة الواضحة
على عصمة أمير المؤمنين عليه السلام، وعلى أنّه «حبل الله» كما أنّ
«القرآن» حبل الله... ويشهد بذلك الحديث الصحيح: «عليّ مع القرآن،
والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض»
(2).

ويشهد بصحّة هذه الرواية عدم ذكر قولٍ لسعيد بن جبير، في تفسير
ابن الجوزي، في الاَقوال المنقولة عنه، مع أنّ سعيداً من أئمّة التفسير،
بلا كلام.

أمّا ابن عبّاس، فقد نصَّ ابن تيمية على كونه أعلم بني هاشم بالقرآن
____________
(1) ينابيع المودّة: 119.
(2) المستدرك على الصحيحين 3|134 ح 4628؛ وبلفظ: «لن يتفرّقا (يفترقا)،
صحّحه الحاكم وأقرّه الذهبي، جامع الاَحاديث ـ للسيوطي ـ 6|198 ح 14319،
مجمـع الزوائـد 9|134، فيض القديـر 4|470 ح 5594، كنز العمّال 11|603
ح 32912، وله مصادر كثيرة.
( 72 )
بعد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام
(1).

ولو وجدنا متّسعاً من الوقت لتتّبعنا الكتب لنجد سند هذه الرواية
وتصحيحه، بل للعثور على رواةٍ آخرين، لتفسير الآية المباركة بأهل البيت
الطاهرين أو سيّـدهم أمير المؤمنين، ولكن لا حاجة، فبما ذكرناه غنىً
وكفاية، لمن طلب الحقّ والهداية.

تفسير العـزّ الرسعنـي:

وممّا يشهد بصحّة الرواية المذكورة أيضاً: تفسير العزّ الرسعني
«الحبل» في الآية المباركة بـ «عليّ وأهل بيته» فقد حُكي عنه أنّه قال في
الآية المباركة (
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا): «حبل الله:
عليّ وأهل بيته»
(2).

والعزّ الرسعني ـ وهو عبدالرزّاق بن رزقالله الحنبلي، المتوفّى سنة
661 ـ فقيه، متكلّم، محدّث، مفسّر... له كتاب: رموز الكنوز في تفسير
الكتاب العزيز في ثمان مجلَّدات.

توجد ترجمته في: تذكرة الحفّاظ 4|1452، طبقات المفسّرين
ـللسيوطي ـ: 19، شذرات الذهب 5|305، وغيرها.

قال الذهبي: «الرسعني، الاِمام المحدّث الرحّال، الحافظ المفسّر،
عالم الجزيرة، عزّالدين أبو محمّـد عبدالرزّاق بن رزقالله... عُني بهذا
العلم، وجمع، وصنّف تفسيراً حسناً، رأيته، يروي فيه بأسانيده، وصنّف
____________
(1) منهاج السُنّة: 4|26 الطبعة الحديثة.
(2) كشف الغمّة في معرفة الاَئمّة 1|311.
( 73 )
كتاب مقتل الشهيد الحسين عليه السلام، وكان إماماً متقناً ذا فنونٍ
وأدب... وَلِيَ مشيخة دار الحديث بالموصل، وكان من أوعية العلم
والخير، توفّي في سنة 661».

«حبل الله» وشعر الشافعي:

ثمّ إنّ إمام الشافعيّة ضمّن هذا الحديث ونحوه في شعرٍ له، فقال في
أبياتٍ:

وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهمكما قد أُمرنـا بالتمسّك بالحبـل

وقد ذكر هذا الشعر منسوباً إليه في غير واحدٍ من كتب أتباعه الشافعية
وغيرهم، ككتاب رشفة الصادي: 15، وكتاب ذخيرة المآل في عدّ
مناقب الآل ـ للعجيلي ـ المخطوط، وغيرهما...

ولا غرو، فالاَشعار المنسوبة إليه في مدح أمير المؤمنين وولاء أهل
البيت عليهم السلام كثيرة ومشهورة موجودة في كتب القوم، حتّى إنّه ـ في
شعرٍ له يذكره الفخر الرازي في (مناقبه) ـ يصرّح بالتشيّع، وهو قوله:

أنا الشيعيّ في ديني وأصليبمـكّـة ثمّ داري عسقـليّــه

بـأطيـب مولـدٍ وأعزّ فخـراًوأحسن مذهب سمّوا البريّــه
(1)
بل يصرّح في شعرٍ آخرَ بالرفض، وكان يردّده كثيراً، فقد رووا عن
تلميـذه الربيـع بن سليمان، قال: خرجنا مع الشافعي من مكّة نريد منى،
فلم ننزل وادياً ولم نصعد شِعْباً إلاّ سمعته قال:
____________
(1) مناقب الشافعي ـ للفخر الرازي ـ: 51.
( 74 )
يا راكباً قفْ بالمحصّب من منى ** واهتف بقاعد خيفها والناهضِ
سَحَراً إذا سار الحجيج إلى منى ** فيضاً كملتطم الفرات الفايضِ
إنْ كان رفضاً حبّ آل محمّـد ** فليشهد الثقلان أنّي رافضي
(1)

أمّا أنّها غير موجودة في ديوانه المطبوع فالسبب معلوم!

أو أنّ الاَئمّة الناقلين لاَشعاره كذبوا عليه!! فهم المذنبون!!

وأمّا أنّ «الدليل الاَظهر على النحل، فهو أنّه لا يمكن للشافعي أنْ
يقول: (وأمسكت حبل الله) فإنّ الفصحاء، بل البسطاء في علم العربية،
يعرفون أنّ الفعل (أمسك) يتعدّى بالباء لا بنفسه، فهل يجوز هذا الغلط
على مثل الشافعي إمام الفصحاء، ومن كان كلامه حُجّةً في اللغة؟!».

ففيه:

أوّلاً: إنّ الّذين نسبوا إليه هذا الشعر وأمثاله قوم عربٌ فصحاء، وهم
من أتباعه في المذهب، فلو كان هذا الشعر لا يناسب شأن الشافعي في
اللغة لَما نسبوه إليه.

وثانيـاً: إذا صحّت النسبة، وكان كلامه حُجّةً في اللغة، كان دليلاً
على تعدّي «أمسك» بنفسه كتعدّيه بالباء.

وثالثـاً: كأنّ هـذا الرجل لا يقرأ القـرآن! أليس الله تعالى يقول:
(
... أَيُمْسِكُهُ على هونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُرابِ...)
(2)؟!
____________
(1) معجم الاَُدباء 6|387، طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ 1|158، الوافي بالوفيّات
2|178، النجوم الزاهرة 2|177. وفي بعضها بدل «سار» في البيت الثاني «فاض».
(2) سورة النحل 16: 59.
( 75 )
و (
أمَّـن هذا الذي يَرزُقكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ...)
(1)؟!

و (
... ولَئنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما منْ أحَدٍ منْ بَعْدِهِ...)
(2)؟!

فلماذا كلّ هذا السعي لاِنكار فضائل أهل البيت عليهم السلام
ومناقبهم؟!

وإلى متى يريد أهل الضلال البقاء على ضلالتهم؟!

للبحـث صلـة...