صلةقبل

      تشييـد المـراجَعـات
      وتفنيـد المكابَـرات
            (8)

السـيّد عليّ الحسيني الميلاني



قال السيّد طاب ثراه:

هل أتى (هل أتى) بمدح سواهم
              لا ومولـى بذكرهـم حلاهـا

فقال في الهامش:
«إشارة إلى نزول سورة الدهر فيهم وفي أعدائهم، ومن أراد الوقوف على جليّة الاَمر في كلٍّ من (آية المباهلة) و(آية المودّة) و(سورة الدهر) فعليه بكلمتنا الغرّاء(1)، فإنّها الشفاء من كلّ داء، وبها ردّ جماح الاَعداء، وزجر غراب الجهلاء. والحمد لله».

أقـول:
أمّا «آية المودّة» و«آية المباهلة»، فقد تقدّم الكلام عنهما تفصيلاً، والحمد لله... والكلام الآن في «سورة الدهر»، وقد بنينا على الاقتصار بقدر الضرورة، لئلاّ يطول بنا المقام، ويضيق المجال، إلاّ إذا اقتضى الحال، والله المستعان في المبدأ والمآل...

____________
(1) الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء. من تآليفه المطبوعة.

( 14 )

سورة الدهـر




والآيات المقصود بها الاستدلال في هذه السورة هي قوله تعالى: (إنّ الاَبرارَ يشْربونَ من كأسٍ كان مزاجُها كافوراً * عيناً يشربُ بها عبادُ اللهِ يُفجّرونَها تفجيراً * يوفونَ بالنَذْرِ ويخافونَ يوماً كان شرُّهُ مُستطيراً * ويُطعمونَ الطعامَ على حُبِّهِ مِسْكيناً ويَتيماً وأسيراً * إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُريدُ منكُمْ جَزاءً ولا شُكوراً...) إلى قوله تعالى: (إنّ هذا كان لكُمْ جَزاءً وكان سعْيُكُمْ مَشْكوراً)(1).

فقد نزلت هذه الآيات في أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أعني: عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، عليهم الصلاة والسلام... وذلك:

إنّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنذر عليّ عليه السلام صوم ثلاثة أيّام، وكذا فاطمة الطاهرة، وخادمتهم فضّة، لئن بَرِئا؛ فبَرِىَ الحسن والحسين عليهما السلام وليس عندهم قليل ولا كثير، فاستقرض أمير المؤمنين ثلاثة أصوع من شعير، وطحنت فاطمة منها صاعاً، فخبزته خمسة أقراص، لكلّ واحدٍ قرصاً، وصلّى عليّ صلاة المغرب، فلمّا أتى المنزل ووضع الطعام بين يديه للاِفطار، أتاهم مسكين وسألهم، فأعطاه كلٌّ منهم قوته، ومكثوا يومهم
____________
(1) سورة الدهر 76: 5 ـ 22.

( 15 )
وليلتهم لم يذوقوا شيئاً.
ثمّ صاموا اليوم الثاني، فخبزت فاطمة صاعاً آخر، فلمّا قدّم بين أيديهم للاِفطار أتاهم يتيم وسألهم القوت، فأعطاه كلّ واحدٍ منهم قوته.
فلمّا كان اليوم الثالث من صومهم، وقدّم الطعام للاِفطار، أتاهم أسير وسألهم القوت، فأعطاه كلّ واحدٍ منهم قوته.
ولم يذوقوا في الاَيّام الثلاثة سوى الماء.
فرآهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في اليوم الرابع، وهم يرتعشون من الجوع، وفاطمة قد الْتصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع وغارت عيناها فقال:

وا غوثاه يا الله، أهل بيت محمّـد يموتون جوعاً.
فهبط جبرئيل فقال: خذ ما هنّاك تعالى به في أهل بيتك.
فقال: وما آخذ يا جبرئيل؟
فأقرأه: (هل أتى).

أقـول:
هذا هو الخبر في شأن نزول السورة في أهل البيت، كما ذكر بعض علمائنا، والقدْر المهمّ في وجه الاستدلال هو نزول الآيات في حقّهم بسبب إطعامهم ما كان عندهم من الطعام ثلاثة أيّام المسكين واليتيم والاَسير، وبقاؤهم بلا طعام وهم صيّام.
وقد اتّفق الفريقان على نزول السورة في أهل البيت عليهم السلام؛ فأصل الخبر موجود في كتب كلا الفريقين في التفسير والحديث والتراجم
( 16 )
والمناقب، وإن اختلفت ألفاظ الخبر في بعضها عن البعض الآخر.

فقيـل:
«معلوم أنّ سورة الدهر مكّيّة بالاتّفاق، وعليّ لم يدخل بفاطمة إلاّ بعد غزوة بدر، وولد له الحسن في الثانية من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة، بعد نزول سورة الدهر بسنين كثيرة، فقول من يقول: إنّها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن وأحوال آل البيت، رضي الله عنهم.
وقال القرطبي في تفسيره 19|182 في صدد آية: (ويطعمون الطعام على حبّه): والصحيح أنّها نزلت في جميع الاَبرار، ومن فعل فعلاً حسناً، فهي عامّة».
قال: «وقد ذكر النقّاش والثعلبي والقشيري وغير واحدٍ من المفسّرين، في قصّة عليّ وفاطمة وجاريتهما حديثاً لا يصحّ ولا يثبت.
قال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشّاف: 180: رواه الثعلبي من روايـة القاسـم بن بهـرام، عـن ليـث بن أبي سليـم، عن مجاهـد، عن ابن عبّاس.
ومن رواية الكلبي عن ابن عبّاس في قوله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً * ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وزاد في أثنائه شعراً لعليّ وفاطمة رضي الله عنهما».
ثمّ قال: «قال الحكيم الترمذي: هذا حديث مزوّق مفتعل، لا يروج إلاّ على أحمق جاهل.
ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي عبدالله
( 17 )
السمرقندي، عن محمّـد بن كثير، عن الاَصبغ بن نباتة... فذكره بشعره وزيادة ألفاظ.
ثمّ قال: وهذا لا نشكّ في وضعه».

أقـول:
ويتلخّص هذا الكلام في كلمتين:
الاَُولى: إنّ سورة الدهر مكّيّة، نزلت قبل أن يتزوّج أمير المؤمنين الزهراء في المدينة، وقبل ولادة الحسنين، بسنينٍ كثيرة.
والثانية: إنّ هذا الحديث مفتعل عند الحكيم الترمذي، وموضوع عند ابن الجوزي.
والعمدة هي الكلمة الاَُولى...
والاَصل في هذا الكلام، هو ابن تيمية المُلقّب عند أتباعه بـ « شيخ الاِسلام».
وتحقيق الكلام في نزول السورة المباركة، في فصلين:
الفصل الاَوّل: في سند الحديث ورواته من أهل السُنّة.
والفصل الثاني: في دلالته؛ وسنتكلّم فيه على الاِشكالين المذكورين بالتفصيل، مع الاكتفاء بالاِشارة إلى غيرهما ممّا قيل.
* *

( 18 )

الفصل الاَوّل
سند الحديث ورواتـه

لقد ورد حديث نزول السورة المباركة في كثيرٍ من كتب أهل السُنّة المعتمدة، في مختلف العلوم، من التفسير والحديث والمناقب وتراجم الصحابة...

من رواته من الصحابة والتابعين:
فمن رواته من الصحابة والتابعين، كما في كتب أهل السُنّة:
أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.
وعبدالله بن العبّاس.
وزيد بن أرقم.
وسعيد بن جبير.
والاَصبغ بن نباتة.
وقنبر مولى أمير المؤمنين.
والحسن.
ومجاهد.
وعطاء.
وأبو صالح.
وقتادة.
والضحّاك.

( 19 )
هذا، والخبر مشهور برواية ابن عبّاس، رواه عنه: سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحّاك، وأبو صالح، وعطاء... وهؤلاء أئمّة المفسّرين عند القوم.



من رواته من أئّمة التفسير والحديث:
ومن رواته من أكابر العلماء الاَعلام في مختلف القرون، نكتفي بذكر جماعةٍ، وهم:
1 ـ الحسين بن الحكم الحبري الكوفي، المتوفّى سنة 286، رواه في تفسيره.
2 ـ أبو جعفر الطبري، المتوفّى سنة 310، على ما في كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب.
3 ـ ابن عبدربّه القرطبي المالكي، المتوفّى سنة 328، في كتاب العقد حيث ورد الحديث في احتجاج المأمون، وسنذكره.
4 ـ سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفّى سنة 360، كما في طريق الحافظ أبي نعيم والحافظ الحسكاني.
5 ـ أبو عبيدالله المرزباني، المتوفّى سنة 384، كما في طريق الحافظ الحسكاني.
6 ـ أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفّى سنة 405، كما في طريق الحافظ الحسكاني، وفي كفاية الطالب: رواه في مناقب فاطمة.
7 ـ عبدالغني بن سعيد، المتوفّى سنة 409 ـ والمترجم له في أغلب المصادر كما في هامش سير أعلام النبلاء 17|268 وقال الذهبي: «وقد كان لعبدالغني جنازة عظيمة تحدّث بها الناس، ونوديَ أمامها: هذا نافي
( 20 )
الكذب عن رسول الله» ـ وقد رواه الحافظ الحسكاني ، عن أبي نعيم، عنه...
8 ـ أبو بكر ابن مردويه الاَصفهاني، المتوفّى سنة 410، رواه في تفسيره كما في غير واحدٍ من الكتب كالدرّ المنثور.
9 ـ أبو نعيم الاَصفهاني، المتوفّى سنة 430، رواه في ما نزل في عليّ، وعنه غير واحدٍ كالحافظ الحسكاني.
10 ـ أبو إسحاق الثعلبي، المتوفّى سنة 427، رواه في تفسيره الكبير.
11 ـ أبو محمّـد الحسن بن عليّ الجوهري، المتوفّى سنة 454، رواه عنه الحافظ الحسكاني.
12 ـ عبيدالله بن عبدالله الحافظ المعروف بالحاكم الحسكاني، المتوفّى سنة 470، رواه في كتابه شواهد التنزيل على قواعد التفضيل.
13 ـ الفقيه المحدّث ابن المغازلي الشافعي الواسطي، المتوفّى سنة 483، رواه في كتابه مناقب عليّ بن أبي طالب.
14 ـ علي بن أحمد الواحدي، المتوفّى سنة 486، رواه في تفسيره.
15 ـ أبو عبدالله الحميدي الحافظ، المتوفّى سنة 488، رواه في فوائده كما في كفاية الطالب.
16 ـ الحسين بن مسعود البغوي، المتوفّى سنة 516، رواه في تفسيره.
17 ـ جارالله محمود بن عمر الزمخشري، المتوفّى سنة 638، رواه في تفسيره الكشّاف.
18 ـ أبو الفضل محمّـد بن ناصر السلامي البغدادي، المتوفّى سنة
( 21 )
550، رواه عنه ابن الجوزي.
19 ـ الموفّق بن أحمد الخطيب الخوارزمي المكّي، المتوفّى سنة 568، رواه في مناقب أمير المؤمنين.
20 ـ أبو موسى المديني، المتوفّى سنة 581، رواه في الذيل كما في أُسد الغابة وغيره.
21 ـ الفخر الرازي، المتوفّى سنة 606، رواه في تفسيره الكبير.
21 ـ عزّالدين ابن الاَثير، المتوفّى سنة 630، رواه في أُسد الغابة، بترجمة فضّة.
22 ـ أبو عمرو ابن الصلاح، المتوفّى سنة 643، رواه، كما في كفاية الطالب.
23 ـ الشيخ محمّـد بن طلحة الشافعي، المتوفّى سنة 652، رواه في كتابه مطالب السؤول.
24 ـ سبط ابن الجوزي، المتوفّى سنة 654، رواه في كتابه تذكرة الخواص.
25 ـ أبو عبدالله الكنجي الشافعي، المقتول سنة 658، رواه في كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب.
26 ـ نظام الدين الاَعرج النيسابوري، من أعلام العلماء في القرن السابع، في تفسيره المعروف.
27 ـ القاضي البيضاوي، المتوفّى سنة 685، في تفسيره الشهير.
28 ـ محبّ الدين الطبري المكّي الشافعي، المتوفّى سنة 694، رواه في الرياض النضرة.
29 ـ حافظ الدين النسفي، المتوفّى سنة 701 أو 710، في تفسيره.

( 22 )
30 ـ أبو إسحاق الحمويني ـ شيخ الحافظ الذهبي ـ المتوفّى سنة 722، رواه في كتابه فرائد السمطين.
31 ـ علاءالدين الخازن، المتوفّى سنة 741، في تفسيره.
32 ـ القاضي عضدالدين الاِيجي، المتوفّى سنة 756، في كتابه المواقف في علم الكلام.
33 ـ ابن حجر العسقلاني، الحافظ، المتوفّى سنة 852، في الاِصابة، بترجمة فضّة.
34 ـ جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة 911، في تفسيره الدرّ المنثور.
35 ـ أبو السعود العمادي، المتوفّى سنة 982، في تفسيره المعروف.
36 ـ عبدالملك العصامي، المتوفّى سنة 1111، في سمط النجوم العوالي.
37 ـ القاضي الشوكاني، المتوفّى سنة 1173، في تفسيره فتح القدير.
38 ـ شهاب الدين الآلوسي، المتوفّى سنة 1270، في تفسيره الكبير روح المعاني.

ومن نصوص الحديث بالاَسانيد:
* أمّا الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام، فهي عند الحافظ القاضي الحسكاني(1) حيث قال:

____________
(1) وسنترجم له في ذيل قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً).

( 23 )
«أخبرنا أحمد بن الوليد بن أحمد ـ بقراءتي عليه من أصله ـ قال: أخبرني أبي أبو العبّاس الواعظ، حدّثنا أبو عبدالله محمّـد بن الفضل النحوي ـ ببغداد، في جانب الرصافة، إملاءً سنة 331 ـ حدّثنا الحسن بن عليّ بن زكريّا البصري، حدّثنا الهيثم بن عبدالله الرمّاني، قال: حدّثني عليّ ابن موسى الرضا، حدّثني أبي موسى، عن أبيه جعفر بن محمّـد، عن أبيه محمّـد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب، قال:
لمّا مرض الحسن والحسين عادهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال لي: يا أبا الحسن! لو نذرت على ولديك لله نذراً أرجو أنْ ينفعهما الله به، فقلت: علَيَّ لله نذر لئن برىَ حبيباي من مرضهما لاَصومنّ ثلاثة أيّام، فقالت فاطمة: وعلَيَّ لله نذر لئن برىَ ولداي من مرضهما لاَصومنّ ثلاثة أيّام، وقالت جاريتهم فضّة: وعلَيَّ لله نذر لئن برىَ سيّـداي من مرضهما لاَصومنَّ ثلاثة أيّام...» وذكر حديث إطعامهم المسكين واليتيم والاَسير، قال:
«فلمّا كان اليوم الرابع، عمد عليّ ـ والحسن والحسين يرعشان كما يرعش الفرخ ـ وفاطمة وفضّة معهم، فلم يقدروا على المشي من الضعف، فأتوا رسول الله، فقـال: إلهـي هؤلاء أهل بيتـي يموتون جوعـاً، فارحمهم يا ربّ واغفر لهم، هؤلاء أهل بيتي فاحفظهم ولا تنسهم.
فهبط جبرئيل وقال: يا محمّـد! إنّ الله يقرأ عليك السلام ويقول: قد استجبت دعاءك فيهم، وشكرت لهم، ورضيت عنهم، واقرأ (إنّ الاَبرار يشربون من كأسٍ كان مزاجها كافوراً ـ إلى قوله ـ إنّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً(1).

____________
(1) شواهد التنزيل 2|394 ـ 397.

( 24 )
* وأمّا الرواية عن زيد بن أرقم، فهي عند الحافظ القاضي الحسكاني أيضاً، رواها بسنده:
«عن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يشدّ على بطنه الحجر من الغرث، فظلّ يوماً صائماً ليس عنده شيء، فأتى بيت فاطمة، والحسن والحسين يبكيان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا فاطمة! أطعمي ابنيّ.
فقالت: ما في البيت إلاّ بركة رسول الله.
فألعقهما رسول الله بريقه حتّى شبعا وناما.
واقترض لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ثلاثة أقراص من شعير، فلمّا أفطر وضعاها بين يديه، فجاء سائل فقال: أطعموني ممّا رزقكم الله.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا عليّ! قمْ فأعطه.
قال: فأخذت قرصاً فأعطيته.
ثمّ جاء ثانٍ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قمْ يا عليّ! فأعطه؛ فقمت فأعطيته.
فجاء ثالث، فقال: قمْ يا عليّ! فأعطه؛ فأعطيته.
وبات رسول الله طاوياً وبتنا طاوين، فلمّا أصبحنا أصبحنا مجهودين، ونزلت هذه الآية: (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً).
ثمّ إنّ الحديث بطوله اختصرته في مواضع»(1).
* أمّا الرواية عن ابن عبّاس، فهي المشهورة كما ذكرنا من قبل، ومن ذلك:
* ما رواه الحبري: «حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا حِبّان،
____________
(1) شواهد التنزيل 2|407 ـ 408.

( 25 )
عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله: (ويطعمون الطعام على حبّه...): نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، أطعم عشاه وأفطر على القراح»(1).
* والواحِـدي: «قـال عطـاء: عـن ابن عبّـاس، وذلك أنّ علـيّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ آجر نفسه يسقي نخلاً بشيءٍ من شعير ليله، حتّى أصبح، فلمّا أصبح وقبض الشعير طحن ثلثه، فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه يقال له الحريرة، فلمّا تمّ إنضاجه أتى مسكين، فأخرجوا إليه الطعام، ثمّ عمل الثلث الثاني، فلمّا تمّ إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثمّ عمل الثلث الباقي، فلمّا تمّ إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك.
وهذا قول الحسن وقتادة»(2).
* وابن مردويه: «حدّثني محمّـد بن أحمد بن سالم، حدّثني إبراهيم ابن أبي طالب النيسابوري، حدّثني محمّـد بن النعمان بن شبل، حدّثني يحيى بن أبي روق الهمداني، عن أبيه، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس...» فذكر الحديث، وفيه نزول الآية في أهل البيت عليهم السلام(3).
* وأبو نعيم: «أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرنا بكر بن سهل الدمياطي، أخبرنا عبدالغني بن سعيد، عن موسى بن عبدالرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبّه) قال: وذلك أنّ عليّ بن أبي طالب آجر نفسه ليسقي
____________
(1) تفسير الحبري: 326.
(2) التفسير البسيط 4|401.
(3) ورواه الخطيب الخوارزمي بسنده إلى ابن مردويه في المناقب:

( 26 )
نخلاً بشيءٍ من شعير ليلةً ، حتّى أصبح، فلمّا أصبح وقبض الشعير طحن ثلثه، فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه يقال له الحريرة، فلمّا تمّ إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام، ثمّ عملا الثلث الثاني، فلمّا تمّ إنضاجه أتى يتيم، فسأل فأطعموه، ثمّ عملا الثلث الباقي، فلمّا تمّ إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه. وطووا يومهم ذلك»(1).
* والحاكم الحسكاني.. رواه بأسانيد كثيرة(2).. ذكرنا واحداً منها.
ومنها: قوله: «حدّثني محمّـد بن أحمد بن عليّ الهمداني، حدّثنا جعفر بن محمّـد العلوي، حدّثنا محمّـد، عن محمّـد بن عبدالله بن عبيدالله، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبّه) قال: نزلت في عليّ وفاطمة، أصبحا وعندهم ثلاثة أرغفة، فأطعموا مسكيناً ويتيماً وأسيراً، فباتوا جياعاً، فنزلت فيهم هذه الآية»(3).
ومنها: الحديث بسند آخر، سنذكره فيما بعد إن شاء الله.
* والبغوي: «أنبأنا أحمد بن إبراهيم الخوارزمي، أنبأنا أبو إسحاق أحمد بن محمّـد بن إبراهيم الثعلبي، أنبأنا عبدالله بن حامد...» إلى آخره كما سنذكره في الكلام حول أسانيد الثعلبي.
* وسبط ابن الجوزي: «أنبأنا أبو المجد محمّـد بن أبي المكارم القزويني ـ بدمشق سنة 642 ـ قال: أنبأنا أبو منصور محمّـد بن أسعد بن
____________
(1) رواه الحاكم الحسكاني عن أبي نعيم، في شواهد التنزيل 2|405.
(2) شواهد التنزيل 2|394 ـ 408.
(3) شواهد التنزيل 2|403.

( 27 )
محمّد العطّاري، أنبأنا الحسين بن مسعود البغوي..»(1) إلى آخره كما تقدّم.
* وابن المغازلي الواسطي: «أخبرنا أبو طاهر محمّـد بن عليّ بن محمّـد البيّع، أخبرنا أبو عبدالله أحمد بن محمّـد بن عبدالله بن خالد الكاتب، حدّثنا أحمد بن جعفر بن محمّـد بن سلم الختلّي، حدّثني عمر ابـن أحمـد، قـال: قـرأت علـى أُمّـي فاطمـة بنت محمّـد بـن شعيب بن أبي مدين الزيّات، قالت: سمعت أباك أحمد بن روح يقول: حدّثني موسى بن بهلول، حدّثنا محمّـد بن مروان، عن ليث بن أبي سليم، عن طاووس فـي هـذه الآيـة (ويطعمـون الطعـام...): نزلت في علـيّ بن أبـي طالب، وذلك أنّهـم صامـوا وفاطمـة وخادمتهـم، فلمّا كان عند الاِفطار ـ وكانت عندهم ثلاثة أرغفة ـ قال: فجلسوا ليأكلوا، فأتاهم سائل فقال: أطعموني فإنّي مسكين، فقام عليّ فأعطاه رغيفه، ثمّ جاء سائل فقال: أطعموا اليتيم، فأعطته فاطمة الرغيف، ثمّ جاء سائل فقال: أطعموا الاَسير، فقامت الخادمة فأعطته الرغيف.
وباتوا ليلتهم طاوين، فشكر الله لهم، فأنزل فيهم هذه الآيات»(2).
* والحمويني، رواه بأسانيد له عن عبدالله بن عبدالوهّاب الخوارزمـي، بسنـده عن القاسـم بن بهرام، عن ليـث، عن مجاهـد، عن ابن عبّاس... بطوله، المشتمل على الاَشعار...(3).
* وأبو عبدالله الكنجي، رواه بإسناده الآتي ذكره، عن الاَصبغ،
____________
(1) تذكرة خواصّ الاَُمّة: 313.
(2) مناقب عليّ بن أبي طالب: 272 ـ 274.
(3) فرائد السمطين 2|53 ـ 56.

( 28 )
باللفظ المشتمل على الاَشعار كذلك(1).
* وستأتي في غضون البحث أسانيد أُخرى.


من كلمات العلماء حول الحديث:
ثمّ إنّ غير واحدٍ من العلماء يصرّحون بشهرة هذا الخبر، وينسبون روايته إلى عموم المفسّرين:
قال القرطبي: «وقال أهل التفسير: نزلت في عليّ وفاطمة ـ رضي الله عنهما ـ وجارية لهما اسمها فضّة»(2).
وقال سبط ابن الجوزي: «قال علماء التأويل: فيهم نزل...»(3).
وقال الآلوسي: «والخبر مشهور»(4).
بل لم يذكر بعضهم قولاً غيره، كالنسفي، قال ـ بعد الآيات، حتّى: (ولقّاهم نضرةً وسروراً * وجزاهم بما صبروا)(5) ـ: «نزلت في عليّ وفاطمة وفضّة جارية لهما، لمّا مرض الحسن والحسين رضي الله عنهما نذروا صوم ثلاثة أيام، فاستقرض عليّ رضي الله عنه من يهودي ثلاثة أصوع من الشعير، فطحنته فاطمة رضي الله عنها كلّ يوم صاعاً وخبزت، فآثروا بذلك ثلاث عشايا على أنفسهم مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ولم يذوقوا
____________
(1) كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: 345 ـ 349.
(2) تفسير القرطبي 19|120.
(3) تذكرة خواصّ الاَُمّة: 212.
(4) روح المعاني 29|157.
(5) سورة الدهر 76: 11 ـ 12.

( 29 )
إلاّ الماء في وقت الاِفطار»(1).

الحديث في الاَشعار:
ثمّ إنّ بعض العلماء والشعراء نظموا هذه المنقبة العظيمة والفضيلة الكريمة في أشعارهم، فمن ذلك:
الشعر الذي ذكره السيّـد رحمه الله.
وقول السيّـد الحميري:
ومن أنزل الرحمن فيهم (هل أتى)
                      لمّا تصدّوا للنذور وفاءا
من خمسة جبريل سادسهم وقد
                مدّ النبـيّ على الجميـع عبـاءا
من ذا بخاتمـه تصدّق راكعا
                ًفأثابـه ذو العرش منـه ولاءا
وقول ابن الجوزي، قال سبطه: سمعت جدّي ينشد في مجالس وعظه ببغداد في سنة 596 بيتين ذكرهما في كتاب تبصرة المبتدي وهما:
أهوى عليّـاً وإيمانـي محبتّــه *** كم مشرك دمه من سيفه وكفا
إنْ كنت ويحك لم تسمع فضائله *** فاسمع مناقبه من (هل أتى) وكفى
وقول ابن طلحة الفقيه الشافعي:
هم العروة الوثقـى لمعتصـم بـهـا
                    مناقبهـم جـاءت بــوحـي وإنــزالِ

____________
(1) تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن 4|348.

( 30 )
مناقب في الشورى وسورة (هل أتى)
                    وفي سورة الاَحزاب يعرفها التالي
وهم أهل بيت المصطفى فودادهم
                    على الناس مفروض بحكمٍ وإسجالِ
وقول آخر:
إلى مَ إلى مَ وحتى متى *** أعاتب في حبّ هذا الفتى
وهل زوّجت غيره فاطمةٌ *** وفي غيره هل أتى (هل أتى)

فوائد في الحديث وكلمات العلماء:
وهنا فوائد لا بأس بالتعرّض لها:

الاَُولى:
روى ابن عبـدربه القرطبي المالكي ـ المتوفّى سنة 328 ـ خبراً طويلاً في احتجاج المأمون العبّاسي على أربعين فقيهاً في مسألة المفاضلة، وكان من جملـة ما احتجّ به المأمون عليهـم نزول سورة (هل أتى) في أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك أنّه قال لمن كان يخاطبه منهم ـ وهو الراوي للخبر ـ:
«يا إسحاق! هل تقرأ القرآن؟!
قلت: نعم.
قال: إقرأ علَيَّ (هل أتى على الاِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً).
فقرأت منها حتّى بلغت: (يشربون من كأسٍ كان مزاجها كافوراً) إلى قوله: (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً).

( 31 )

قال: على رسلك، في من أُنزلت هذه الآيات؟
قلت: في عليّ.
قال: فهل بلغك أنّ عليّاً حين أطعم المسكين واليتيم والاَسير قال: إنّما نطعمكم لوجه الله؟! وهل سمعت الله وصف في كتابه أحداً بمثل ما وصف به عليّاً؟
قلت: لا.
قال: صدقت، لاَنّ الله جلّ ثناؤه عرف سيرته.
يا إسحاق! ألست تشهد أنّ العشرة في الجنّة؟!
قلت: بلى يا أمير المؤمنين.
قال: أرأيت لو أنّ رجلاً قال: والله ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا؟ ولا أدري إن كان رسول الله قاله أم لم يقله؟ أكان عندك كافراً؟!
قلت: أعوذ بالله.
قال: أرأيت لو أنّه قال: ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا؟ كان كافراً؟
قلت: نعم.
قال: يا إسحاق! أرى بينهما فرقاً»(1).
الثانية:
أثبت غير واحدٍ من أكابر الحفّاظ ـ بالاستناد إلى هذا الحديث ـ وجود
____________
(1) العقد الفريد 5|59.

( 32 )
«فضّة» خادمة أهل البيت، فذكروها في كتبهم في «الصحابة» كما سيأتي.

الثالثة:
قال سبط ابن الجوزي ـ بعد رواية الحديث ـ:
«فإنْ قيل: فقد أخرج هذا الحديث جدّك في (الموضوعات) وقال: أخبرنا به ابن ناصر...
ثمّ قال جدّك: قد نزّه الله ذينك الفصيحين عن هذا الشعر الركيك، ونزّههما عن منع الطفلين عن أكل الطعام. وفي إسناده الاَصبغ بن نباتة متروك الحديث.
والجواب: أمّا قوله: (قد نزّه الله ذينك الفصيحين عن هذا الشعر الركيك) فهذا على عادة العرب في الرجز كقول القائل: والله لولا الله ما اهتدينا، ونحو ذلك، وقد تمثّل به النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وأمّا قوله عن الاَصبغ بن نباتة، فنحن ما رويناه عن الاَصبغ، ولا له ذكر في إسناد حديثنا، وإنّما أخذوا على الاَصبغ زيادة زادوها في الحديث، وهي أنّ رسول الله قال في آخره: اللّهمّ أنزل على آل محمّـد كما أنزلت على مريم بنت عمران. فإذا جفنة تفور مملوءةً ثريداً مكلّلـةً بالجواهر. وذكر ألفاظاً من هذا الجنس.
والعجب من قول جدّي وإنكاره، وقد قال فـي كتاب (المنتخـب): يا علماء الشرع! أعلمتم لِمَ آثرا وتركا الطفلين عليهما أثر الجوع؟! أتراهما خفي عليهما خبر: ابدأ بمن تعول؟! ما ذاك إلاّ لاَنّهما علما قوّة صبر الطفلين، وأنّهما غصنان من شجرة الظلّ عند ربّي، وبعضٌ من جملة:
( 33 )
فاطمة بضعة منّي. وفرخ البطّ سابح»(1).

الرابعة:
ذكر غير واحدٍ من العلماء: أنّ السؤّال كانوا ملائكةً من عند ربّ العالمين، أراد بذلك امتحان أهل البيت(2).
وبهذا وسابقه أيضاً تسقط شبهة بعض النواصب بأنّ الاِنفاق وتجويع النفس إلى هذا الحدّ غير جائز. كما سيأتي.

الخامسة:
قال غير واحدٍ: إن الله تعالى ذكر في هذه السورة جميع ما يتعلّق بنعيم الجنّة ولذّاتها إلاّ الحور، وما ذلك إلاّ غيرةً على الزهراء عليها السلام، واحتراماً لها(3).

من أسانيد الحديث المعتبرة:
ثمّ إنّ جملةً من أسانيد الحديث صحيحة معتبرة، على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل المعتمدين عند القوم... من ذلك:
الحديث في تفسير الحبري، الذي رواه الحافظ الحسكاني عن طريقه حيث قال:

____________
(1) تذكرة خواصّ الاَُمّة: 315 ـ 316.
(2) تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 29|112، كفاية الطالب: 348 عن الحافظ أبي عمرو ابن الصلاح وغيره.
(3) تذكرة خواصّ الاَُمّة: 316، روح المعاني 29|157.

( 34 )
«أخبرنا أبو محمّـد الحسن بن عليّ بن محمّـد الجوهري ـ قراءةً عليه ببغداد من أصله ـ حدّثنا أبو عبيدالله محمّـد بن عمران بن موسى بن عبيد المرزباني ـ قراءةً عليه في شعبان سنة 311 ـ حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمّـد بن عبيدالله الحافظ ـ قراءةً عليه في قطيعة جعفر ـ قال: حدّثني الحسين بن الحكم الحبري، حدّثنا حسن بن حسين، حدّثنا حِبّان بن عليّ، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس...»(1).
فأمّا الحسكاني فستأتي ترجمته.
وأمّا أبو محمّـد الجوهري، المتوفّى سنة 454:
فقد قال الخطيب: «كتبنا عنه وكان ثقة أميناً كثير السماع»(2).
وقال ابن الجوزي: «كان ثقة أميناً»(3).
وقال ابن الاَثير: «بغدادي، ثقة، مكثر»(4).
وأمّا المرزباني، المتوفّى سنة 384:
فقد ذكر الخطيب: «ليس حاله عندنا الكذب، وأكثر ما عيب عليه مذهبه، وتدليسه للاِجازة»(5).
وقال العتيقي: «كان معتزليّاً ثقة»(6).
وأمّا أبو الحسن عليّ بن محمّـد المذكور، المتوفّى سنة 330:
فقد ترجمه الخطيب كذلك وقال: «روى عنه الدارقطني ومن بعده،
____________
(1) تفسير الحبري: 326، شواهد التنزيل 2|406.
(2) تاريخ بغداد 7|393.
(3) المنتظم 8|127.
(4) اللباب في الاَنساب 1|313.
(5) تاريخ بغداد 3|135.
(6) سير أعلام النبلاء 16|448.

( 35 )
وحدّثنا عنه أبو الحسين بن المتيّم، وكان ثقة أميناً، حافظاً عارفاً.
أخبرني عبيدالله بن أبي الفتح، عن طلحة بن محمّـد بن جعفر، قال: مات أبو الحسن عليّ بن محمّـد بن عبيد الحافظ الثقة، في شوّال سنة 330 وكان عنده بيت علم»(1).
و«قطيعة جعفر» محلّة من محلاّت بغداد كان يسكنها.
وأمّا الحبري، المتوفّى سنة 286: فهو ثقة عند الحاكم والذهبي، بل حكما بالصحّة على شرط الشيخين لِما هو في سنده(2).
وأمّا حسن بن حسين: فهو العرني الكوفي، وهو أيضاً من رجال المستدرك حيث روى عنه وحكم بصحّة الحديث، ووافقه الذهبي في تلخيصه(3)... وتكلُّم بعضهم فيه لاَجل تشيّعه غير مسموع.
وأمّا حِبّان بن عليّ، المتوفّى سنة 171: فمن رجال ابن ماجة.
وقال ابن خراش: «قال يحيى بن معين: حبّان بن عليّ ومندل بن عليّ صدوقان».
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن سليمان بن أبي شيخ، عن حجر ابن عبدالجبّار بن وائل بن حجر: «ما رأيت فقيهاً بالكوفة أفضل من حبّان ابن عليّ».
وقال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: «حِبّان أصحّ حديثاً من مندل».
وقال الخطيب: «كان صالحاً ديّناً».

____________
(1) تاريخ بغداد 12|73 ـ 74.
(2) المستدرك على الصحيحين وتلخيصه 1|13 و507، 3|138 و151 و211.
(3) المستدرك على الصحيحين وتلخيصه 3|211.

( 36 )
وقال العجلي: «صدوق».
وذكره ابن حبّان في الثقات.
وقال الذهبي ـ بعد كلام من ضعّفه ـ: «قلت: لكنّه لم يترك»(1).
وأمّا الكلبي، فهو محمّـد بن السائب، المتوفّى سنة 146: وهذا الرجل ـ وإنْ تكلّم فيه بعضهم ـ من رجال أبي داود والترمذي وابن ماجة.
وقال ابن حجر، عن ابن عديّ: «حدّث عنه ثقات من الناس ورضوه في التفسير».
فيظهر من مجموع كلماتهم أنّ الطعن عليه يختصّ بأحاديثه في غير التفسير، أمّا في التفسير فمرضيّ عندهم، وقد روى عنه أكابر الاَئمّة، كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك، وابن جريج، وشعبة، ومحمّـد بن إسحاق، وغيرهم(2)، وفيهم من لا يروي إلاّ عن ثقة، كشعبة بن الحجّاج، كما ذكروا بتراجمه.
وأمّا أبو صالح: فهو باذام مولى أُمّ هانىَ بنت أبي طالب عليه السلام، وهو من رجال أربعةٍ من الكتب الستّة، ووثّقه غير واحدٍ من الاَئمّة.
وعن يحيـى القطّـان: «لـم أرَ أحداً من أصحابنـا ترك أبا صالح مولى أُمّ هانىَ».
وهذا القدر يكفينا للاحتجاج بحديثه.
وتكلّم فيه بعضهم لاَجل التدليس.

____________
(1) تهذيب الكمال 5|339، تاريخ بغداد 8|255، ميزان الاعتدال 1|449.
(2) تهذيب الكمال 25|246، تهذيب التهذيب 9|159، طبقات المفسّرين 2|149.

( 37 )

أقـول:
وهكذا يمكن تصحيح غيره الاَسانيد... ولكنّا لضيق المجال نرجىَ ذلك إلى وقت آخر، فنكتفي بما ذكرناه، وبتصحيح السند الذي طعن فيه ابن الجوزي. وبالله التوفيق.

* * *