
كلمـة العـدد:
الكونية الحضارية
«رسالة الاِنترنيت»

اللغة لها فلسفتها، وليس طبيعتها التعبيرية وحسب، وما بين الزمان
والمكان واحدة من صور تلك الفلسفة..

فالمكان ذلك الثابت الساكن الوطيد الذي لا يتزحزح ولا يتقلقل؛ إنّه
الجبال الراسيات، والسهول المنبسطات، والوديان الغائرات، لكنّ الزمان
غير ذلك، إنّه الحركة المجنونة التي لا تعرف السكون، بل ولا التباطؤ، إنّه
القلق المتزلزل أبداً الذي لا يعبأ برصانة المكان وهيبته.. ومن مهابة المكان
وثبوته عُرف الثابت المستقر بـ «المكين».. فهل يكون «الزَمِن» المتقلقل
مرآة مكينة لقلقلة الزمان؟!

إنّ الزمان المتحرك أبداً لا يرتضي لنفسه إلاّ المرآة التي تحكيه على
نحو أصدق، فطفق يبثّ فيها ألواناً من المرآيا تلو المرآيا، فعرّفنا بالمذياع
الذي طوى لنا المسافات بشكل لم نعهده من قبل، وبعد فترة وجيزة ظهر
عجز المذياع أن يلبي لوحده طموحات الزمن المسرع، فولدت الشاشات
المرئية بأنواعها وأحجامها وأشكالها المختلفة، وما زالت الصحائف
المقروءة تواكب المرئي والمسموع، حتّى كَلَّ الجميع عن تلبية احتياجات
( 8 )
حركة الزمان اللامحدودة.

فانبثق الفضاء التخيّليّ (السبراني) مستخدماً أرقّ الاَلواح الالكترونية
وأعجبها، مُعرباً عن قدرته في محو حواجز المكان وإلغائها بالكامل، ليس
فقط الحواجز الطبيعيّة، بل السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة أيضاً، منذراً بعهد
جديد من عهود التعامل بين بني الاِنسان، حيث تنتفي الحدود، وتعيش
المليارات السبع في مكان واحد، بل في نقطة واحدة متحركة على شريط
الزمان الدّؤوب.. ذلك ما يخوضه «الاِنترنيت» اليوم وما يطمح لتحقيقه
غداً، وإنّ غداً لآت..

ولم يعد السؤال: ما هو «الاِنترنيت»؟ ذي معنى اليوم!! وقد ناهز عدد
المشتركين في شبكته الخمسين مليوناً، وبعد أن أخذت شبكته تنمو بنسبة
183 % وهي في زيادة مطّردة في مواكبة حركة الزمن الذي لا ينتظر أحداً..

إنّها الشبكات التي تبثّ على مدى الاَربع وعشرين ساعة، كما هو
الزمن...

لكن السؤال الجدير ذكره هو: هل هذا «الاِنترنيت» خيرٌ كلّه، أم هو
خير يحمل في باطنه الشر؟ أم هو شرّ كلّه، أم شرٌ في باطنه خير؟

إنّ «الاِنترنيت» ـ أي الشبكة العالمية الالكترونية ـ يمكن أن يحمل
معه كلّ شيء ممّا نحبه وننتظره..

ففي شبكات «الاِنترنيت» كلّ ما تعطيه الجامعات والمعاهد الاَكاديمية
لطلابها، وكلّ ما تحمله المجلاّت العلمية المتدفّقة كل يوم تقريباً في أنحاء
العالم، وكلّ ما يحتاج إليه المبتدىء أيضاً من معرفة بالعلوم الطبيعية وأسرار
الكون.. وفيها لغة التجارة والمعاملات التجارية على مختلف مستوياتها،
بل في مبتكراتها ما يسمّى بالنقود الالكترونية .....
( 9 )

وفيها كلّ الآداب العالمية وفنونها، وكلّ ما يحتاج إليه المسافرون من
الخدمات المعلوماتية، إضافة إلى كلّ ما تبثّه وسائل الاِعلام المختلفة من
أنباء في السياسة والاِقتصاد والاجتماع والفنّ والاَدب والرياضة.

بل الصحافة المتطوّرة اليوم تعتمد شبكات «الاِنترنيت» لتظهر في كلّ
محطات الاِشتراك في الوقت ذاته، بلا حاجة إلى البريد الجوّي، أو الفاكس
الذي يستغرق طويلاً من الوقت قياساً إلى هذه الشبكات!

وأيضاً فيها إمكان التعلّم دون الذهاب إلى المدرسة، وفيها كلّ أنواع
الهوايات..

غير أنّه الى جنب ذلك كلّه؛ يمكن أن يحمل معه كلّ شيء ممّا نخافه
ونحذره؛ ففيه كلّ ما يمكن عرضه من أساليب الفحش والتبذّل، وكلّ ما
تقترفه بيوت الدعارة الكبرى في أشرطة مصورة... وفيه إمكان التجسس
على كلّ ما يجري عبر أسلاك الاتصال من أسرار الدول والقيادات، وحتّى
الاَسرار المنزلية وشؤون الاَفراد الخاصّة... وفي شبكاته القدرة على تحقيق
أفضل الخدمات للقراصنة ولصوص الليل والنهار... هذا غير ما تحمله
الشبكات من لغات التبشير المختلفة وما تبثه من أفكار منحرفة ومغرضة
خدمةً لمصالح مروّجيها...

إنّ مصدر القلق العالمي من شبكات «الاِنترنيت» هو في حريتها
المطلقة، في ما تحمل وما تلتقط وما تبثّ، وفي أنّها آتية الى كلّ بيت في
الغد القريب وبأسعار يتمكن منها حتّى الفقراء...

وهذا هو الذي دعا بعضهم إلى التكهّن بزوال عهد الايديولوجيات
واستقرار «العولمة» هذه المقولة التي ولّدها انفجار المعلوماتية بواسطة
شبكات «الاِنترنيت»، والتي هي عبارة عن «زحزحة متواصلة للمركز،
( 10 )
وتغيير دائم للاتجاه»، فالعولمة مفادها :« فقدان الكائن لاتجاهه، والمجتمع
لانتظامه، والاقتصاد لنظامه، بل هي فقدان الشأن السياسي لصدارته وأولويّته
من جرّاء شبكات الاِنترنيت»!

لقد أصبحت الصورة أكثر وضوحاً لتبرير مقولة الآخرين ـ وعلى
رأسهم الياباني الاَصل الاَمريكي الجنسية، فوكوياما ـ بنهاية التاريخ!!

فهل كان هؤلاء محقّون في وصفهم « العولمة » وتقريرهم « نهاية
التاريخ »؟!

إنّ أقلّ ما يُقال في تلك إنّها مقولات لاتملك أن تقود مسار التاريخ
كما تشتهي، وإنّما هي تنتظر التاريخ نفسه ليشهد عليها بالصدق أو
بالكذب!

وأمّا مقولة نهاية التاريخ؛ فهي مفارقة ـ تاريخية سلطانية ـ يقع فيها
فيلسوف التاريخ الذي يذوب في واحدة من الايديولوجيات حتّى يرى آخر
ما يمكن أن يبلغه البشر من نموٍ فكري ومعرفي وحضاري، ولقد وقع فيها
قديماً «هيجل » حين رأى في الثورة الفرنسية آخر تجلّيات المطلق في
المحدود المتحرك نحو غايته، فأجابه التاريخ بأقسى جواب يرتقبه، حتّى
عُدّت مقولته هذه إخفاقته الكبرى في فلسفته البعيدة الاَغوار..

وفوكوياما الذي ردّد هذه المقولة اليوم، هو الآخر يذوب في آخر ما
بلغته الديمقراطية الليبرالية الاَمريكية من نحوٍ واتّساع وهيمنة، لم يَعد يرى
وراءها للتاريخ حركة تُرتجى ، وكما قد عُرف «هيجل » من قبل بفيلسوف
السلطان، فإنّ فوكوياما هو الآخر كذلك، فهو الموظف القديم في صناعة
السياسة الخارجية الاَمريكية!!

إنّه من العبث التّكهن بتجمّد حركة التاريخ وفي الاِنسان «محتواه
( 11 )
الداخلي» الخلاّق، وأمامه تحدّيات الكون والمعارف، وبين عينيه تحدّي
«الموت» الجاثم الذي لا تعلو عليه خفقات العولمة ولا ضرباتها،
و«المحتوى الداخلي» للاِنسان الذي صنع التاريخ مذ عُرف الاِنسان، هو
ذاته المحتوى الداخلي الذي تنظّمه أيديولوجية ما، لتبعث من بين يديه
تاريخاً جديداً، تتبادل أدواره الاَُمم، لكنّه لا يعرف السبات أبداً...

فإذا كان ذلك كذلك فلدينا مع «الاِنترنيت» أكثر من حيلة ووسيلة
ليكون أداةً مسخّرةً في نمو الحضارات واختصار الزمن على المشاريع
الكبيرة والصغيرة...

فثمّة وسائل الوقاية التقنية التي تحدّ من حرية «الاِنترنيت» حين
تتمرّد حريته على سائر الحرّيات، وثمّة وسائل الوقاية التربوية المطلوبة في
كلّ حين، وثمّة وسائل الدخول الفعلي البنّاء في تغذية شبكاته بلغاتنا
وأطروحاتنا لنغزوا نحنّ كما نُغزى، ونُخشى نحن كما نَخشى .

إذن، يتحتّم على المصلحين في العالم الاستعداد للاستفادة من هذه
الشبكة واستخدامها في سبيل كلّ ما فيه الخير والفلاح في شتّى أرجاء
العالم، بإشاعة الآداب الكريمة والقيم السامية وتنمية الروح الاِنسانية، كي
يسود العالم الصّلح والصفاء والاَُخوة بين أبناء الاَنام، وعليهم أيضاً الحيلولة
ـ بقدر الاِمكان ـ دون الاستفادة السيئة منها من قِبل المغرضين في العالم
الذين لا يهتمون إلاّ بمصالحهم الخاصّة ومآربهم الشخصية.

كما أنّ علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نكون واعين يقظين إزاء هذه
الشبكة والاستفادة منها، فربما يقصد المستعمرون ـ وأياديهم في داخل
البلاد الاِسلامية ـ إستخدام هذه الوسيلة للتفرقة بين المسلمين وضرب
بعضهم ببعض وللدعاية ضد هذه الفرقة أو تلك...
( 12 )

علينا أن نحول دون ذلك، ونقف أمام تلك الاستفادات، بلّ نسعى
وراء الاستفادة الصحيحة من هذه الوسيلة للتعريف بالدّين الحنيف على
واقعه بما لا يدع مجالاً لاِبقاء النفاق بين المسلمين، وبما يحمل الآخرين
على التّوجه إلى الاِسلام إذا عرفوه على الوجه الصحيح... والله من وراء
القصد، وهو ولي التوفيق.
هيئة التحرير