تاريخ تدوين الحديث الشريف وعلومه

أوّلاً: تاريخ تدوين الحديث الشريف وعلومه عند العامّة:

اختلف المؤرّخون لحركة تدوين الاَحاديث عند العامّة اختلافاً
واسعاً في تعيين زمان التدوين الفعلي، بعد اتّفاقهم جميعاً على أنّ
بذور التدوين الاَُولى قد غُرست بيد عمر بن عبدالعزيز الاَُموي (ت
101 هـ)، ثمّ نمت تدريجياً وأينعت في القرن الثالث الهجري، حين برزت
عندهـم المدوّنـات الحـديثيـة المتداولـة اليوم من المسانيـد والصحاح
وغيرها.

فعمر بن عبدالعزيز هو أوّل حاكم أُموي نبّه ـبعد فوات الاَوان ـ على
الخطر الحقيقي الذي أحدق بالحديث الشريف نتيجة الحظر المضروب
عليه من لدن أسلافه اقتداءً منهم بسُنّة الشيخين! ولهذا فقد أصدر أمراً
بتدوينه، ولكن بعد مُضيّ قرن من الزمان على إهماله!

ويبدو أنّه انتدب لهذه المهمّة أكثر من واحد، ففي قول الخطيب
البغدادي: أنّه أرسل رسالة إلى أبي بكر بن محمّـد بن عمرو بن حَزْم
الاَنصاري الخزرجي، قاضي المدينة (ت 120 هـ) يقول فيها: انظر ما كان
من حديث رسول الله فاكتبه، فإنّي قد خشيت دروس العلم وذهاب
العلماء
(1).
____________
(1) تقييد العلم: 106.
( 217 )

وفي قول ابن سعد: أنّه كتب إلى مرّة بن كثير يأمره بذلك
(1).

وفي قول القرطبي (ت 124 هـ): أنّه أمر ابن شهاب الزهري بتدوين
الحديث
(2))ع. كما قيل: أنّه أمر أهل المدينة بذلك.
ويرى البعض منهم تأخّر تدوين الاَحاديث إلى ما بعد وفاة عمر بن
عبدالعزيز، فقد صرّح ابن حجر في مقدمة «فتح الباري» بأنّ أوّل من جمع
الحديث ودوّنه بمكّة هو ابن جريح (ت 150 هـ).
ثمّ ذكر جماعة من مدوّني الحديث الاَوائل بحسب الاَمصار الاِسلامية
التي نشط بها التدوين يومذاك، فكان أوّل من دوّنه منهم بالمدينة المنوّرة:
ابن إسحاق (ت 151 هـ)، وبالبصرة حمّاد بن سلمة (ت 157 هـ)،
وبواسط هشيم بن بشير السلمي (ت 183 هـ)، وباليمن مُعَمَّر
(ت 153 هـ)، وبالريّ جرير بن عبدالحميد الضبّي (ت 188 هـ)،
وبخراسان عبدالله بن المبارك (ت 181 هـ).
وهذه هي المرحلة الاَُولى من مراحل التدوين الرسمي للحديث
الشريف، وقد اتّسمت تلك المرحلة بتدوين الاَحاديث المنسوبة إلى
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أقوال الصحابة وفتاواهم جنباً إلى جنب دونما تنسيق أو
تبويب.
ثمّ جاء دور المرحلة الثانية من التدوين: وفيها أُفردت الاَحاديث
المنسوبة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن أقوال الصحابة وفتاواهم، وذلك عن طريق
جمع المسانيد وترتيبها، وقد ابتدأت تلك المرحلة من أواخر القرن الثاني
____________
(1) الطبقات الكبرى 7|447.
(2) جامع بيان العلم وفضله 1|76، وانظر تدوين السُنّة الشريفة: 16 ـ 17.
( 218 )
وامتدّت إلى الربع الاَوّل من القرن الثالث الهجري، ومن أعلام المدوّنين
فيها عبدالله بن موسى الكوفي، وأسد بن موسى البصري، وأحمد بن حنبل
(ت 240 هـ)، وغيرهم.

أمّا المرحلة الثالثة من تدوين الاَحاديث عند العامّة، فقد ابتدأت بعد
انتهاء دور المرحلة الثانية، وانتهت في أوائل القرن الرابع الهجري، وقد
اتّسمت تلك المرحلة بجمع الاَحاديث وتصنيفها على الاَبواب، بحيث
جُعل لكلّ صنف من الاَحاديث التي تدور حول محور واحد باب خاصّ
به، كما امتاز التصنيف فيها بجوّدة الترتيب بالقياس إلى المرحلتين
السابقتين، هذا مع اختيار المحدّث ما يراه مناسباً للتدوين، كل بما يمليه
عليه علمه واجتهاده ومنهجه.

ومن أهمّ كتب هذه المرحلة هي:

صحيح البخاري (ت 256 هـ)، وصحيح مسلم (ت 261 هـ)،
وسنن ابن ماجة (ت 273 هـ)، وسنن أبي داود السجستاني (ت 275 هـ)،
وسنن الترمذي (ت 279 هـ)، ومجتبى النسائي (ت 303 هـ)، وتسمى
هذه الكتب ـ عند العامّة ـ بالصحاح الستّة، ويلحقها ـ في الرتبة والزمان ـ
صحيح ابن خزيمة (ت 311 هـ)، وصحيح أبي عوانة (ت 316 هـ)
وغيرهما.

ومع أنّ تحرّي الصحيح دون غيره من مستلزمات مدوّني الحديث
لا سيّما في هذه المرحلة التي تعدّ من أهمّ مراحل التدوين عند العامّة،
وكتبها من أصحّ كتب الحديث عندهم، إلاّ أنّها لم تسلم كغيرها من
الاَحاديث الموضوعة، والضعيفة، بسبب الحظر المضروب على الحديث
كما مرّ، ولكون أصحاب هذه الكتب اعتمدوا بشكل مباشر على مسموعات
( 219 )
ومدوَّنات المرحلتين السابقتين التي اختلط فيها الغثّ بالسمين نتيجة
انفصالهما عن العصر النبوي الشريف فترة طويلة سخّر فيها معاوية وحزبه
جملة من الصحابة لوضع الاَحاديث الجمّة في فضائل الثلاثة وتكريس
آرائهم، مع النيل من خصومه السياسيّين بكل ما استطاع إليه سبيلاً، ولو
بالكذب والبهتان.

ولهذا، فقد أدرك علماؤهم ضرورة البحث الرجالي، فألّفوا كتباً في
الرجال، وذلك بعد سنة (260 هـ)؛ لاَنّ أوّل من تكلّم منهم في الرجال هو
شعبة ـ المتوفّى في سنة (260 هـ) ـ كما نصّ على ذلك السيوطي في كتابه
«الاَوائل»
(1)، ثمّ توالى التأليف الرجالي عندهم بعد هذا التاريخ، كما أدركوا
حاجتهم إلى علوم الدراية فظهر أوّل كتاب لهم وهو «المحدّث الفاصل»
للقاضي أبي محمّد الرامهرمزي (ت 360 هـ)، ولم يكن كتابه جامعاً لعلوم
الدراية، ثمّ جاء بعده الحاكم (ت 405 هـ) في «مصطلح الحديث»، ثمّ أبو
نعيم الاَصبهاني (ت 430 هـ)، ثمّ الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) في
كتابه «الكفاية»، إلى أن جاء ابن الصلاح الشهرزوري (ت 643 هـ) فكتب
مقدّمته الشهيرة في علوم الحديث حتّى عُدَّ الخاتمة في هذا الباب
(2).

هذا هو مجمل نشاط العامّة في تاريخ تدوين الحديث وما يتّصل به
من الدراية والرجال بعد رفع الحظر عن تدوينه، بعيداً عن الاِطناب المملّ،
____________
(1) راجع: تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام: 233.
(2) عُنِيَ العامّة بمقدّمة ابن الصلاح كثيراً، فقد شرحها الحافظ العراقي (ت 806 هـ)
وكذلك السخاوي (ت 902 هـ)، واختصرها النووي الشافعي (ت 676 هـ) في
كتابه «التقريب» الذي شرحه السيوطي (ت 911 هـ) في «تدريب الراوي»، كما
اختصرها ابن كثير (ت 774 هـ) في كتابه «الباعث الحثيث على معرفة علوم
الحديث»، وقد ردّ فيه على ابن الصلاح في مواطن كثيرة.
( 220 )
والاِسهاب المخلّ.

ثانياً: تاريخ تدوين الحديث وعلومه عند أهل البيت عليهم السلام
وشيعتهم:

يرجع تاريخ تدوين الحديث الشريف عند الشيعة الاِماميّة إلى وقت
مبكّر جدّاً من عصر صدر الاِسلام، إذْ كان موقفهم صريحاً من الحظر
المفروض على تدوين الحديث الشريف، فرفضوه رفضاً باتّاً جملة
وتفصيلاً، ولم يلزموا أنفسهم به وقاوموه أشّد المقاومة، وسارعوا إلى
نقضه، ولم تثن طلائعهم عن المضيّ قُدماً في تدوين السُنّة تلك الاَزمة
الخانقة التي عاشها غيرهم مدّة قرن من الزمان أو أكثر، ولم توقف عملية
التدوين عندهم تلك العواصف الكثيفة التي حاولت بمكرها ودهائها أن
تميت السُنّة المطهّرة في مهدها، وتحجب أنوارها عن المسلمين، بل زاد
إيمانهم بأنّ أهداف الحظر لم تكن لاَجل الحفاظ على سلامة القرآن
الكريم، وإنّما كانت لصرف الناس عن أهل بيت نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم ، وما يستتبع
ذلك من طمس معالم الدين وتعاليمه، وضياع الحقّ، وفقدان الجزء الاَعظم
من الشريعة، ومن ثمّ إلباسها لباساً جديداً من البدع التي لا تمتّ بصلة إلى
الواقع، فضلاً عن التسامح في الشرع بإضفاء القدسية على تصرّفات ما أنزل
الله بها من سلطان.

لقد ترسّم روّاد التشيع في منهجهم هذا المنهج القرآني السـليم،
والسُنّة الكريمة الآمرة بالتدوين، مع اقتفاء خطى أمير المؤمنين عليه السلام في
ذلك، فهو الرجل الاَوّل في الاِسلام الذي حرص غاية الحرص على
الاَحاديث ودوّنها في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في كتابين تواتر النقل
( 221 )
عنهما، وهما:

1 ـ الصحيفة الجامعة: إنّ الثابت عن عليٍّ عليه السلام هو أنّه أوّل من دوّن
الاَحاديث الشريفة في كتاب، وهو كتاب: (الجامعة) وقد يسمّى
بـ: الصحيفة، أو: الصحيفة الجامعة، أو: كتاب عليّ عليه السلام ، وهو من إملاء
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ عليّ عليه السلام بيده.

فعن الاِمام الصادق عليه السلام : «إنّ عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإنّ
الناس ليحتاجون إلينا، وإنّ عندنا كتاباً إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخطّ
عليّ عليه السلام ، صحيفة فيها كلّ حلال وحرام»
(1).

وقد سُميّت هذه الصحيفة بالجامعة كما في روايات «الكافي»
«وبصائر الدرجات»، من ذلك قول الاِمام الصادق عليه السلام : «وإنّ عندنا
الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟! صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإملائه من فلق فيه، وخط عليّ بيمينه»
(2).

وورد ذكر صحيفة الاِمام عليّ عليه السلام في صحيح البخاري، في باب
كتابة العلم، وباب إثم من تبرّأ من مواليه
(3) ، وهي غير الصحيفة الجامعة.

وقد اعتمد على كتاب عليّ عليه السلام أئمّة أهل البيت عليهم السلام في مواطن
كثيرة، فقد روى عنه كلٌّ من:

الاِمام زين العابدين عليه السلام ، كما في الكافي، والفقيه، والتهذيب
(4).

الاِمام الباقر عليه السلام ، كما في الكافي، والخصال، والتهذيب
(5).
____________
(1) أُصول الكافي 1|241 ـ 242 ح 6، وبصائر الدرجات: 149 ح 14.
(2) أُصول الكافي 1|239 ح 1، وبصائر الدرجات: 151 ـ 152.
(3) صحيح البخاري 1|40 و 4|289.
(4) الكافي 7|40 ح 1، والفقيه 4|151، والتهذيب 9|211 ح 835.
(5) الكافي 4|135 ـ 136، والخصال: 124، والتهذيب 7|432.
( 222 )

الاِمام الصادق عليه السلام ، كما في الكافي، والفقيه، وعلل الشرائع،
والتهذيب، والاستبصار، والوسائل، والبحار
(1).

كما صرّح أصحاب الاَئمّة عليهم السلام برؤية الصحيفة الجامعة عند
الاَئمّة عليهم السلام ، فقد شهد بذلك أبو بصير بأنّه رأى الصحيفة الجامعة عند
الاِمام الباقر عليه السلام ، وسأله عنها، فقال له: «هذه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط
عليّ عليه السلام »
(2).

ونظير هذه الشهادة شهادة عبدالملك بن أعين
(3)، ومحمّد بن مسلم
في مواضع متعدّدة من كتبنا الاَربعة
(4).

كما رأى الحكم بن عيينة ـ أو: عتيبة ـ أبو محمّد الكندي الكوفي
الزيدي البتري (ت 114 هـ أو 115 هـ) كتاب عليٍّ عليه السلام عند الاِمام أبي
جعفر الباقر عليه السلام ، روى ذلك النجاشي في ترجمة محمّد بن عذافر
(5).

وتوجد قطعة من هذا الكتاب ـ الذي هو من إملاء الرسول، وخطّ
عليٍّ صلوات الله عليهما في أمالي الشيخ الصدوق، أوردها في المجلس
السادس والستّين
(6).

كما توجد نسخة من صحيفة الاِمام عليّ عليه السلام ـ وهي كتاب في
____________
(1) الكافي 4|9 ح 4 و 4|304 ح 7 و 8، والفقيه 2|117، وعلل الشرائع 2|
160، والتهذيب 5|355 و 9|2، والاستبصار 2|202، و 4|59، والوسائل
9|438 و 16|334، وبحار الاَنوار 10|254.
(2) بصائر الدرجات: 144.
(3) بصائر الدرجات: 162 و 165.
(4) الكافي 7|93 و 113، والفقيه 4|192، والتهذيب 9|270 و 380.
(5) رجال النجاشي: 359 ـ 360 رقم 966.
(6) أمالي الشيخ الصدوق: 344 ـ 352 المجلس رقم 66، والفقيه 4 : 2 | 1.
( 223 )
الديات ـ عند السيّد حسن الصدر؛ إذ صرّح بذلك فقال: «وعندي منه
نسخة»
(1).

والظاهر أنّ هذه الصحيفة الاَخيرة هي التي روى عنها البخاري كما
تقدّم وليست هي الصحيفة الجامعة التي فيها كلّ حلال وحرام حتى ارش
الخدش، فهي غيرها وإن اشتبه بها الكثيرون.

2 ـ كتاب الجَفْر: وإلى جانب ذلك، يوجد كتاب آخر لعليٍّ عليه السلام
باسم كتاب «الجَفْر»، والجَفْرُ لغةً: من أولاد الشاء إذا عَظُم واستكرش، قال
أبو عبيد: إذا بلغ ولد المعزى أربعة أشهر وجَفَرَ جنباه، وفُصل عن أُمه،
وأُخذ في الرعي فهو جَفَرٌ
(2).

والمراد منه في الحديث على حذف مضاف، أيّ: جلد الجفر، ولعلّه
صار كالعلم على جلد مخصوص لثور أو شاة؛ لكثرة الاستعمال
(3)، وحقيقة
الجَفْر:هو كتاب كُتِب على جلد الجَفْر أيّ: جلد ثور أو شاة، ولذا سمّي
بكتاب الجفر، وهو أيضاً من إملاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ الوصيّ عليه السلام ، وعلى
ذلك تضافرت الروايات عند الشيعة.

واعترف بهذا الكتاب بعض علماء العامة أيضاً:

قال الشريف الجرجاني (ت 816 هـ) في«شرح المواقف»
لعضدالدين الاِيجي (ت 756 هـ) عن كتاب الجفر والجامعة: «وهما كتابان
لعليٍّ رضي الله عنه ـ إلى أن قال: ـ وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه عليّ
____________
(1) تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام: 279.
(2) لسان العرب 2|304.
(3) أعيان الشيعة 1|94.
( 224 )
بن موسى الرضا رضي الله عنهما إلى المأمون: إنّك قد عرفت من حقوقنا ما
لم يعرفه آباؤك، فقبلت منك عهدك، إلاّ أنّ الجفر والجامعة يدلاّن على أنّه
لا يتمّ»
(1).

كما اعترف به صاحب «كشف الظنون»، وقال عن العلم المودع في
الجفر بعد كلام له: «وهذا علم توارثه أهل البيت، ومن ينتمي إليهم..
وكانوا يكتمونه عن غيرهم كلّ الكتمان، وقيل: لا يقف [لا يفقه] في هذا
الكتاب حقيقة إلاّ المهديّ المنتظر خروجه في آخر الزمان» ثمّ نقل قصّة
الاِمام الرضا عليه السلام مع المأمون وقوله عليه السلام : الاّ أنّ الجفر والجامعة يدلاّن على
أنّ هذا الاَمر لا يتمّ.

فعقّب عليه بقوله: «وكان كما قال؛ لاَنّ المأمون استشعر فتنة من بني
هاشم فسمَّه، كذا في «مفتاح السعادة».

ثمّ قال: قال ابن طلحة: الجفر والجامعة كتابان جليلان، أحدهما
ذكره الاِمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يخطب بالكوفة على المنبر،
والآخر أسرَّه [إليه] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمره بتدوينه.

إلى أن قال: ومن الكتب المصنّفة فيه، الجفر الجامع والنور اللامع
للشيخ كمال الدين أبي سالم محمّد بن طلحة النصيبي الشافعي، المتوّفى
سنة 652 اثنتين وخمسين وستّمائة»
(2).

كما اعترف بكتاب الجفر ابن خلدون الاَُموي (ت 808 هـ) في
تاريخه، مشيراً إلى ما كان من تحذير الاِمام الصادق عليه السلام لبني الحسن
____________
(1) شرح المواقف 6|22 في المقصد الثاني، مبحث العلم الواحد الحادث هل يجوز
تعلّقه بمعلومين؟
(2) كشف الظنون 1|591 ـ 592 تحت عنوان: «علم الجفر والجامعة».
( 225 )
وإخبارهم بمصارعهم استناداً إلى آثار النبوّة
(1).

ولاَبي العلاء المعرّي ابيات شعرية يردّ فيها على من ينكر حقيقة
العلم الموجود في كتاب الجفر، يقول فيها:
لقد عـَجِبوا لاَهلِ البيتِ لمّا * أروهُمْ عِلمَهُمْ في مَسْكِ جَفْرِ
وَمِرآةُ المُنَجِّمِ وهي صُغرى * أَرتْهُ كُلَّ عَامِرَةٍ وَقَفْرٍ(2)

وأمّا عن أحاديث الجَفْر في كتب الشيعة فلا شكّ في تواترها عن
أهل البيت عليهم السلام ، ففي «بصائر الدرجات» وحده أكثر من عشرين طريقاً
متّصلاً بأبي عبدالله الصادق عليه السلام ، في خصوص كتاب الجفر
(3)، هذا فضلاً
عمّا في غيره
(4).

وبالجملة، فإنّ لاَهل البيت عليهم السلام اهتماماً بالغاً في صيانة حديث
المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وخير ما يدلّك على هذا ما رواه محمّد بن جرير الطبري
الآملي في «دلائل الاِمامة» مسنداً إلى ابن مسعود أنّه قال: «جاء رجل إلى
فاطمة عليها السلام ، فقال: يا ابنة رسول الله، هل ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندك
شيئاً تطرفينيه؟ فقالت عليها السلام : يا جارية، هات تلك الجريدة؛ فطلبتها فلم
تجدها، فقالت عليها السلام : ويحكِ اطلبيها، فإنّها تعدل عندي حسناً وحسيناً؛
____________
(1) تاريخ ابن خلدون 1|589 الفصل 53.
(2) لزوم ما لا يلزم 2|748 طبعة دمشق، وانظر: أعيان الشيعة 1|96، والمَسْك ـ
بفتح الميم ـ هو الجلد.
(3) بصائر الدرجات: 170 ـ 181 ح 1 ـ 7 و 9 ـ 16 و 19 ـ 22 و24 و 30 و 31 و
33 و 34.
(4) انظر: أُصول الكافي 1|185 ـ 188 ح 1 و 3 ـ 7، و1|249 ح 2، وكمال
الدين 2|352 ح 50، والفقيه 4|300 ح 910 والغيبة ـ للشيخ الطوسي ـ: 167
ح 129 وبحار الاَنوار 51|21 ح 9 وقد أحصى السيّد الاَمين في أعيان الشيعة 1|
96 طرق الجفر فبلغت أكثر من أربعين طريقاً.
( 226 )
فطلبتها، فإذا هي قد قممتها في قمامتها، فإذا فيها:

قال محمّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : ليس من المؤمنين من لم يأمن جارُه بوائِقَه،
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت، إنّ الله يُحبّ الخيِّر الحليم المتعفف،
ويبغض الفاحش البذّاء السائل الملحف، إنّ الحياء من الاِيمان والاِيمان من
الجنّة، وإنّ الفحش من البذاء والبذاء في النار»
(1).

ومن الجدير بالاِشارة، هو أنّ الكتب التي وصلت إلى آخر أئمّة أهل
البيت عليهم السلام وهو الاِمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، لم تكن
محصورة بما ذكرناه من الجَفْر والجامعة، بل وصلت إليهم عليهم السلام كتب
وصحف كثيرة ورثوها كابراً عن كابر.

وممّا يؤيّد هذا في كتب العامّة، هو ما أخرجه القندوزي الحنفي
(ت 1270 هـ) عن «فرائد السمطين» للجويني الشافعي (ت 730 هـ)
بسنده عن الاِمام الباقر، عن أبيه، عن جَدِّه أمير المؤمنين عليهم السلام ، أنّه قال:

«قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا عليّ! أُكتب ما أُملي عليك.

قلت: يا رسول الله، أتخاف عَلَيَّ النسيان؟

قال: لا، وقد دعوت الله عزّ وجلّ أن يُحَفِّظك ولا يُنَسِّيك، ولكن
أُكتب لشركائك.

قلت: ومن شركائي يا نبيّ الله؟

قال: الاَئمّة من ولدك...»
(2).
____________
(1) دلائل الاِمامة: 1، وانظر: مستدرك الوسائل 12|80 ـ 81 ح 13571 (4) من
الباب|71.
(2) فرائد السمطين 2|259 باب 50 ح 527، وانظر: ينابيع المودّة 1|73 ح 8
باب 3 من الطبعة المحقّقة.
( 227 )

وممّا يؤيّده في أحاديث الشيعة، ما أخرجه الصفّار (ت 290 هـ)
بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال في وصف ما عنده من الصحائف
والكتب التي ورثها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جاء فيه: «أيم الله، لو
أنشط، ويؤذن لي لحدّثتكم حتّى يحول الحول لا أُعيد حرفاً.

وأيم الله، عندي لصحف كثيرة، قطائع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »
(1).

وهناك عشرات الاَحاديث الصحيحة في كتب الشيعة الروائية
المعتبرة، كالبصائر، والكافي، والاِرشاد، وغيرها تعكس ـ وبصورة واضحة ـ
اهتمام كلّ إمام من أئمّة أهل البيت عليهم السلام بتلك الكتب والصحائف اهتماماً
منقطع النظير بحيث يجعلها في مقدّمة وصاياه إلى من سيخلفه من ولده،
وقد جمع العلاّمة المجلسي تلك الاَحاديث، وأوردها في بحار الاَنوار،
فراجع.

مراحل تدوين الحديث عند الشيعة:

مرّ تدوين الحديث الشريف عند الشيعة بمراحل متعدّدة قبل تدوين
كتبهم الحديثيّة الاَربعة، ابتداءً من العصر النبوي الشريف، وانتهاءً بحلول
الغيبة الصغرى سنة 260 هـ.

وهذا يعني امتياز الشيعة عن غيرها من الاتجاهات الفكرية والسياسية
والعقائدية بميزتين أساسيّتين، وهما:

1 ـ النشأة، ويدلّ عليها ما جاء في كتاب «الزينة» لاَبي حاتم سهل
____________
(1) بصائر الدرجات: 149.
( 228 )
بن محمّد السجستاني (ت 250 هـ) من أنّ أوّل اسم ظهر على عهد
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو اسم الشيعة، قال: وكان هذا لقب أربعة من الصحابة،
وهم: أبوذرّ، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الاَسود، وعمّار بن ياسر
(1).

2 ـ النشاط العلمي، ويدلّ عليه، أنّ السبق الزمني إلى ميادين
التدوين كان حليف الشيعة منذ نشأتها.

فقد عُرف عن أبي ذرّ الغفاري جندب بن جنادة (ت 32 هـ)،
وسلمان الفارسي (ت 36 هـ) بأنّهما أوّل من صنّف في الآثار، إذ صنّف
أبوذر رحمه الله كتاباً عُرف باسم «الخطبة» ذكر فيه ما جرى من أُمور بعد
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .

كما صنّف سلمان رحمه الله كتاباً بعنوان «حديث الجاثليق»، ذكرهما الشيخ
الطوسي (ت 460 هـ) في ترجمتيهما في كتابه «الفهرست».

وأمّا فيما يتّصل بدورهم ونشاطهم الحديثي، فإنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ
تاريخ تدوين الحديث عندهم لم يمرّ بفترة انقطاع بخلاف ما عرفناه عند
غيرهم.

وقد مرّ أنّ أوّل من دوّن الحديث في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سماعاً عنه
وإملاءً من فلق فيه الشريف، هو سيّد الموحّدين أمير المؤمنين عليّ بن أبي
طالب عليه السلام .

ومن هنا برز دور الشيعة في تدوين الحديث؛ لاقتدائهم بهدي القرآن
الكريم الذي أمر بآياته، كآية النفر، وبسورهِ كسورة القلم، وغيرها
بالتعلّم والتعليم، واهتداءً بالسُنّة المطهّرة الآمرة بالتدوين، وبفعل
____________
(1) راجع: تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام: 280.
( 229 )
أمير المؤمنين عليه السلام .

فقد صنّف مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحب أمير المؤمنين عليه السلام
وخازنه على بيت أموال المسلمين بالكوفة، الصحابي الجليل أسلم أبو
رافع، كتاباً بعنوان «كتاب السنن والاَحكام والقضايا»، واشتمل هذا الكتاب
المبوّب على أبواب الصلاة والصيام، والحجّ، والزكاة، والقضايا، على
الاَحاديث الشريفة المصنّفة على تلك الاَبواب.

مات أبو رافع رضي الله عنه بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام سنة 40 هـ،
وقيل في أوّل خلافته عليه السلام ، أي: في سنة 35 هـ.

ومنه يعلم أنّه أوّل من دوّن الحديث مبوّباً بعد أمير المؤمنين عليه السلام ،
وهو من شيعته بلا خلاف بين سائر أرباب الرجال والتراجم.

وبهذا تكون المرحلة الاَُولى من مراحل تدوين الاَحاديث عند الشيعة
قد ابتدأت وانتهت في عصر صدر الاِسلام.

ثمّ جاءت المرحلة الثانية، ويمثّلها خلّص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام
من الّذين لم يدركوا العصر النبوي، بل كانوا من رؤوس التابعين، فخلّفوا
لمن جاء بعدهم كتباً كثيرة في الحديث الشريف، وقد برز منهم: الاَصبغ بن
نباتة، والحرث بن عبدالله، وربيعة بن سميع، وسُلَيم بن قيس الهلالي،
وعُبيدالله بن الحرّ، وعُبيدالله بن أبي رافع، وأخوه عليّ بن أبي رافع ـ وكانا
كاتبيّن لعليٍّ عليه السلام ـ ومحمّد بن قيس البجلي، وميثم التمّار (ت 60 هـ)
ويعلى بن مرّة، وغيرهم.

وقد انحصر التدوين في هذه المرحلة في النصف الثاني من القرن
الاَوّل الهجري، بعد اشغال النصف الاَوّل منه بمدوّنات الاَوائل من الصحابة
الشيعة، إذ كان عمر التدوين في هاتين المرحلتين ممتدّاً على طول زمان
( 230 )
الحظر الرسمي عليه من لدن السلطة، إذ مرّ أنّ أوّل من رفع الحظر
المضروب على الحديث هو عمر بن عبدالعزيز الاَُموي (ت 101 هـ).

وبعد انقضاء المرحلة الثانية، تلتها المرحلة الثالثة في تدوين
الاَحاديث عند الشيعة، وكان طلائع تلك المرحلة قد عاشوا زمان الانفتاح
على التدوين عند العامّة، وبعبارة أدقّ، أنّهم عاشوا في الفترة الممتدّة من
عصر الاِمام السجّاد زين العابدين عليه السلام (ت 95 هـ) إلى سنة 150 هـ، بحيث
أدركوا زمان الاِمام السجّاد عليه السلام ورووا عنه.

ومن أعلام المدوّنين في هذه المرحلة للاَحاديث الشريفة: زيد
الشهيد سنة 122 هـ رحمه الله، وجابر الجعفي (ت 127 هـ)، والحسين بن ثور،
وأبان بن تغلب (ت 141 هـ) وكان من أشهر المحدّثين والفقهاء من
أصحاب الاَئمّة عليهم السلام في ذلك العهد، وزياد بن المنذر المعروف
بأبي الجارود (ت 150 هـ)، وغيرهم.

وبعد هذه المراحل الثلاث جاء دور تلاميذ الاِمامين الباقر (ت 114 هـ)
والصادق (ت 148 هـ) عليهما السلام ، ليشكّلوا مرحلة رابعة في تاريخ تدوين
الحديث عند الشيعة، وهم كثيرون جدّاً، إلاّ أنّ أشهرهم: زرارة بن أعين
(ت 150 هـ)، ومحمّد بن مسلم (ت 150 هـ)، وعبدالمؤمن بن القاسم
الاَنصاري (ت 147 هـ)، ويحيى بن القاسم، يكنّى أبا بصير، وبسّام
الصيرفي، وزكريّا بن عبدالله، وجحدر بن المغيرة، وحجر بن زائد،
وعبدالله بن ميمون القدّاح، ومعاوية بن عمّار (ت 175 هـ)، وغيرهم
الكثير من الّذين تركوا كتباً في الحديث لا زالت أسماؤها محفوظة، والطرق
إليها معلومة.

ثمّ توالى التدوين بعد ذلك بشكل منقطع النظير لا سيّما في عصر
( 231 )
الاِمام الصادق عليه السلام كما سنشير إليه في محلّه.

لقد بيَّنَتْ فهارس الكتب الشيعية ـ كفهرست النجاشي، وفهرست
الشيخ الطوسي ـ أسماء المدوّنين في تلك المراحل الاَربع وما بعدها، مع
أسماء مدوّناتهم بكلّ دقّة وتفصيل.

كما فصّل السيّد حسن الصدر في «تأسيس الشيعة» مؤلّفات الشيعة
المتقدّمة في ذلك العهد من عمر التدوين، مع ترتيبها بحسب المراحل
التاريخية.

وبالجملة، فإنّ المدوّنات الشيعية لاَحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
وأهل بيته عليهم السلام ابتداءً من عصر صدر الاِسلام وانتهاءً بسنة 260 هـ، بلغت
أكثر من ستّة آلاف وستّمائة كتاب، فيما أحصاه المحدّث الشهير والفقيه
المتتبّع الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله في آخر الفائدة الرابعة من خاتمة «وسائل
الشيعة»
(1).

وفي «نهاية الدراية» للسيّد حسن الصدر ما يؤيّد هذا العدد حيث
سمّى المؤلّفَ من الرواة، وعدد ما ألّفه من الاَُصول، أو الكتب، أو
المجاميع، أو المسانيد، ونحوها كما قاله هو نفسه رحمه الله في «تأسيس
الشيعة»
(2).

وقد نصّ ابن النديم على بعض ما اشتهر منها في كتابه
«الفهرست»
(3).
____________
(1) وسائل الشيعة 30|165، الفائدة الرابعة من الخاتمة.
(2) تأسيس الشيعة: 288.
(3) فهرست ابن النديم: 275 ـ 278، وفيه أكثر من خمسين مصنّفاً من مصنّفات
الشيعة الاَوائل.
( 232 )

وممّا لا شكّ فيه أنّ عدداً وافراً من مجموع الاِحصاء الذي ذكره
الشيخ الحرّ رحمه الله قد أُلّف في عصر الاِمام الصادق عليه السلام ، إذ بلغ النشاط العلمي
للشيعة الاِمامية في عهده عليه السلام ـ وعلى يده ـ الذروة والقمّة، خصوصاً وقد
وجد الاِمام العظيم متنفّساً بخلاف ما كان عليه آباؤه الكرام الّذين أحاطت
بهم عيون السلطة الحاكمة من كلّ جانب!

وكدليل على ذلك النشاط، هو ما قاله الشيخ المفيد (ت 413 هـ):
«إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم
في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل»
(1).

وقد تصدّى ابن عقدة الحافظ (ت 333 هـ) إلى جمع أسماء الرجال
الّذين رووا عنه عليه السلام ، في كتابه المعروف بـ «اسماء الرجال الّذين رووا عن
الصادق عليه السلام » فبلغوا أربعة آلاف رجل، وقد ذكر فيه لكلّ واحد فيهم
الحديث الذي رواه
(2).

وقال المحقّق الحلّي في كتاب «المعتبر» واصفاً دور الاِمام
الصادق عليه السلام في نشر العلم والمعرفة على أوسع نطاق، وما خرّجته مدرسته
العلمية من الفضلاء والفقهاء والعلماء بشتى فنون الشريعة:

«فإنّه انتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول، حتّى غلا فيه
جماعة وأخرجوه إلى حدّ الاَلوهية، وروى عنه من الرجال ما يقارب أربعة
آلاف رجل، وبرز بتعليمه من الفقهاء جمّ غفير، كزرارة بن أعين، وأخويه:
بُكير وحمران، وجميل بن درّاج، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية،
____________
(1) الاِرشاد 2|179، ومناقب ابن شهرآشوب 4|247، وإعلام الورى: 384 الفصل
الرابع.
(2) رجال العلاّمة الحلّي: 203 ـ 204 رقم 13 من القسم الثاني.
( 233 )
والهشامين (هشام بن سالم، وهشام بن الحكم)، وأبي بصير، وعبيدالله
ومحمّد الحلبيّين، وعبدالله بن سنان، وأبي الصباح الكناني، وغيرهم من
أعيان الفضلاء. كُتِبَ من أجوبة مسائله أربعمائة مُصَنَّفٍ، سمّوها:
أُصولاً»
(1).

وفي ترجمة الحسن بن عليّ بن زياد الوشّاء، الثقة الجليل، ما يدلّ
على كثرة من تخرّج من المحدّثين على يد الاِمام الصادق عليه السلام ، فقد شهد
على نفسه بأنّه أدرك في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ، كلٌّ يقول: «حدّثني
جعفر ابن محمّد عليهما السلام
(2).

ولا يبعد أن يكون معظم أصحاب الاَُصول الاَربعمائة من جملة
المشايخ الّذين أدركهم الوشّاء، وسمع عنهم في مسجد الكوفة.

الاَُصول الاَربعمائة:

إنّ من المسلّم به عند علماء الشيعة هو اشتهار أربعمائة مُصَنَّفٍ ـ من
بين تراثهم الحديثي المدوّن في عصور الاَئمّة عليهم السلام ـ لاَربعمائة مُصَنِّفٍ من
أصحاب الاِمامين الباقر (ت 114 هـ) والصادق (ت 148هـ) عليهما السلام .

أو من أصحاب سائر الاَئمّة الاَطهار عليهم السلام على رأي آخر، والاَوّل هو
الاَشهر.

ولا يخفى أنّ (الاَصل) مأخوذ فيه لغةً معنى الاعتماد، كما عرّفه
الاَُصوليّون بأنّه: ما يبتنى عليه غيره، فيكون بمثابة الاَساس لذلك الغير.
____________
(1) المعتبر: 26 من المقدّمة.
(2) رجال النجاشي: 39 ـ 40 رقم 80.
( 234 )
وعلى هذا تكون الاَُصول الاَربعمائة هي المعوّل عليها والمرجع والمعتمد
لدى أصحاب المجاميع الحديثية المتأخّرة عنها، كالكتب الاَربعة وغيرها.

وقد جاء في «زاد المجتهدين»: «إنّك لا ترى بالاستقراء أحداً من
أهل الاَُصول قد رُمي بالضعف أصلاً، إلاّ شاذّاً شديد الشذوذ كالحسن بن
صالح بن حيّ، ولعلّه ممّن اتّفقت له حالتان كما في كثير منهم، وبأنّ أكثر
هذه الاَُصول مرويّة عن ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، والحسن بن
محبوب ونظرائهم»
(1).

إذن، ما يميز الاَُصول الاَربعمائة عن غيرها من المؤلّفات الاَُخرى ـ
في ذلك الحين ـ، هو وثاقة جُلّ مؤلّفيها حتّى اختار بعضهم القول بحسن
من له «أصل» وإنْ لم يرد فيه توثيق، وقال آخرون بوثاقته، هذا مع شدّة
اعتماد العلماء عليها وتقديمها على غيرها.

والمهمّ في الاَُصول الاَربعمائة هو الاِجماع على عدّها حاكية لكلام
المعصوم عليه السلام ، بصورة مباشرة، وبلا واسطة في السماع غالباً، مع صحّة
نسبتها ـ عند علماء الشيعة الاِمامية ـ إلى مؤلّفيها، بل تواترها عنهم على ما
صرّح به كثير من الاَعلام.

وقد اختصّت الاَُصول الاَربعمائة بتدوين الاَحاديث الشريفة دون
سيرة المعصوم عليه السلام أو آثاره الاَُخرى، بخلاف المؤلّفات الاَُخرى التي تجمع
مع الحديث آثار الاِمام وسيرته عليه السلام .

وربّما تكون ـ على ما قيل ـ مختصّة بمطلق آثار الاِمام المعصوم عليه السلام
ولكن من غير تبويب، بخلاف الكتب التي تكون عادة مبوّبة ومفصّلة على
____________
(1) زاد المجتهدين في شرح بلغة المحدّثين: 164.
( 235 )
أبواب الفقه وفصوله.

وهذا لا يمنع من أن تكون للاَُصول طريقة خاصّة في الترتيب، كما
يظهر من كلام الشيخ الطوسي في ترجمة أحمد بن محمّد بن نوح، قال:
«وله كتب ـ في الفقه ـ على ترتيب الاَُصول»
(1).

ومن مميّزات الاَُصول أيضاً أنّها خالية من آراء مصنّفيها وترجيحاتهم
بخلاف كتب الحديث التي لا تكاد تخلو من آراء مصنّفيها، أو ترجيحاتهم،
أو بياناتهم لبعض المطالب الغامضة، كشرح عبارة في حديث، ونحو
ذلك
(2).

أمّا متى سمّيت تلك المؤلّفات بالاَُصول الاَربعمائة؟

فالظاهر أنّها لم تكن معروفة بهذا الاسم في زمان مصنفيها بل عرفت
به فيما بعد.

وأقدم نصّ ـ وقفت عليه ـ يصرّح بلفظ الاَصل، هو ما ذكره الشيخ
النعماني محمّد بن إبراهيم، من أعلام القرن الرابع الهجري، ومن تلاميذ
ثقة الاِسلام الكليني، قال في تقريظ كتاب سُليم بن قيس الهلالي: «وليس
بين جميع الشيعة ـ ممّن حمل العلم ورواه عن الاَئمّة عليهم السلام ـ خلاف في أن
كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الاَُصول التي رواها أهل
____________
(1) فهرست الشيخ الطوسي: 37 رقم 117.
(2) راجع معنى قولهم: «له أصل» في كتب الدراية الشيعية، مع كتب الرجال، كهداية
المحدّثين: 307، وفوائد الوحيد: 32، وزاد المجتهدين 1|158 و 164،
ومعراج أهل الكمال: 17، وعدّة الرجال 1|95، ومنتهى المقال 1|69، ورجال
الخاقاني: 22، ومقباس الهداية 3|20، وقاموس الرجال 1|64 فصل 22.
( 236 )
العلم من حملة حديث أهل البيت عليهم السلام ، وأقدمها؛ لاَنّ جميع ما اشتمل
عليه هذا الاَصل إنّما هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمير المؤمنين عليه السلام .

وهو من الاَُصول التي ترجع الشيعة إليها، وتعوّل عليها...»
(1).

ويظهر من هذا الكلام، أنّ الاَُصول كانت معروفة قبل زمان الشيخ
النعماني رحمه الله، وأنّها كانت مميّزة عن غيرها عند أصحاب الاَئمّة عليهم السلام ،
ولكن لا يُعلم مَن أطلق عليها اسم (الاَُصول الاَربعمائة) ومتى؟

نعم، يُحتمل أن تكون تسميتها بذلك قد صدرت من محقّقي التراث
الشيعي الّذين عاشوا في أواخر عصر الاَئمّة عليهم السلام ، وبعضهم في فترة الغيبة
الصغرى (260 هـ ـ 329 هـ) من أمثال أحمد بن محمّد بن عيسى، ومحمّد
بن الحسن الصفّار، والحميري، وابن قولويه، وسعد بن عبدالله بن أبي
خلف، وعلي بن الحسين بن موسى بن بابويه، ومجدّد المذهب على رأس
المائة الثالثة ثقة الاِسلام الكليني، ونظرائهم من أقطاب التشيّع في ذلك
الحين في المدينة المنوّرة، والكوفة، وبغداد، وقم، والريّ، وغيرها.

وقد تكون تلك التسمية راجعة إلى مشايخ الشيعة من القمّيّين دون
غيرهم، نظراً لما اشتهروا به من كونهم أشدّ الناس حرصاً على محاكمة
الآثار وتقييمها.

ومهما يكن، فإنّ الاَُصول الاَربعمائة كانت معروفة متداولة في زمان
المحمّدين الثلاثة أصحاب الكتب الاَربعة وهم:

الكليني (ت 329 هـ)، والصدوق (ت 381 هـ) والطوسي
(ت 460هـ) رحمهم الله تعالى.
____________
(1) كتاب الغيبة ـ للنعماني ـ: 101 ـ 102 ذيل الحديث 30، من الباب الرابع.
( 237 )
التدوين المبكّر عند الشيعة في علمَي الرجال والدراية:

لقد حرص علماء الشيعة أشدّ الحرص على تحقيق الغاية من تدوين
الاَحاديث الشريفة وصيانتها، وذلك لاَجل الوصول إلى الحكم الشرعي
ومعرفته؛ ولهذا تتبّعوا أحوال الرواة واحداً بعد آخر، وبالغوا في ذلك أشدّ
المبالغة، ولم يكفهم التصريح بكذب الكاذب، ولعن الغلاة، والبراءة منهم
على رؤوس الاَشهاد، والتحذير منهم ومن مرويّاتهم، بل ذهبوا إلى أبعد
من ذلك بكثير لا سيّما في مدينة قم حاضرة الشيعة في أواخر عصر النصّ.

فقد تميّزت قم عن غيرها بكونها من حصون التشيّع المنيعة، مع
ملاحقة مشايخها لكلّ من يُتّهم في حديثه، ولهم في ذلك مواقف عجيبة
من المنحرفين تعدّت حدود إهانتهم أمام الناس وضربهم، وطردهم من قم
كلّها، كما حصل ذلك مع الحلاّج الكذّاب على يد فقيه القمّيّين وشيخهم
عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي
(1)، حتّى وصلت إلى درجة
ترصّد أخبار من يُشكّ بكذبهم وغلوّهم، فإذا ما ثبت لهم العكس تركوه
(2)،
وإلاّ تربّصوا به الدوائر
(3)؛ لكفره بالكذب على الله ورسوله وأهل بيته مع
الخروج بهم عليهم السلام إلى حدّ الاَلوهية عن كونهم (
عباد مُكرَمون *
لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)
(4).

ويكفي في ذلك، أنّهم أخرجوا من قم بعض مشايخها الاَجلاّء
____________
(1) كتاب الغيبة ـ للشيخ الطوسي ـ: 402 رقم 377.
(2) كما في رجال النجاشي: 329 رقم 891.
(3) كما في رجال الكشّي 2|807 رقم 1006.
(4) سورة الاَنبياء 21: 26 ـ 27.
( 238 )
لمجرّد شبهة الغلوّ فيهم، كما حصل لهم مع الثقة الجليل أحمد بن
محمّد بن خالد البرقي (ت 274 أو 280 هـ) ثمّ أعادوه إليها مكرّماً مبجّلاً
بعد أن تحرّوا أخباره ومحّصوا آثاره.

كما سعى القمّيّون وغيرهم من علماء الشيعة إلى التصنيف الرجالي
المبكّر، فقد أدركوا بوضوح حاجتهم إلى هذا النوع من التأليف، لا سيّما
بعد نموّ واتّساع حركة الاِجتهاد عندهم بعد انتهاء عصر النصّ.

علماً أنّ العناية بهذا العلم كانت في عصور الاَئمّة عليهم السلام ، فقد صنف
عليّ بن الحسن بن فضّال ( ت \ 224 هـ ) كتاباً في الرجال، وهو ممّن أدرك زمان الاِمام
الرضا عليه السلام (ت 203 هـ).

وصنّف أبو محمّد عبدالله بن جبَلَة بن أبْجَر بن الكِناني كتاباً في
الرجال، وهو أسبق كتاب رجاليّ صُنّف في الاِسلام، إذ كانت وفاة
مصنّفه رحمه الله سنة 219 هـ، وكان فقيهاً ثقة مشهوراً أدرك عصر الاِمام
الكاظم عليه السلام .

كما صنّف شيخ الشيعة وعالمُهم، وكبير القمّيّين في وقته وفقيههم،
الشيخ محمّد بن أحمد بن داود بن عليّ كتاب «الممدوحين والمذمومين»،
وللشيخ الجليل البرقي (ت 274 هـ) كتاب في الرجال، ولثقة الاِسلام
الكليني (ت 329 هـ) كتاب في الرجال، وللعيّاشي (ت 320 هـ) كتاب
«معيار الاَخبار»، إلى غيرها من الكتب الكثيرة التي نصّت عليها فهارس
كتب الشيعة.

ولهذا نجد الشيخ الطوسي يصرّح باهتمام علماء الشيعة الاَوائل بهذا
العلم، قال: «إنّا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الاَخبار، فوثّقت
الثقات منهم، وضعّفت الضعفاء، وفرّقوا بين من يُعتمد على حديثه
( 239 )
وروايته، ومن لا يُعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذمّوا
المذموم، وقالوا: فلان متّهم في حديثه، وفلان كذّاب، وفلان مُخَلّط،
وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، أو غير
ذلك من الطعون التي ذكروها، وصنّفوا في ذلك الكتب»
(1).

وهنا لا بُدّ من الاِشارة السريعة إلى رجوع الفضل في معرفة أُصول
الحديث وأصناف الرواة إلى أهل البيت عليهم السلام لا سيّما أمير المؤمنين عليه السلام ،
ولا زالت كتب الشيعة الاِمامية تحتفظ له عليه السلام إلى اليوم بأقدم وثيقة درائية
ورجالية في الاِسلام.

ففي «نهج البلاغة» من كلام لاَمير المؤمنين عليه السلام ، وقد سأله سائل عن
أحاديث البدع، وعمّا في أيدي الناس من اختلاف الخبر، فقال عليه السلام :

«إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكَذِباً، وناسخاً ومنسوخاً،
عامّاً وخاصّاً، ومحكَماً ومتشابهاً، وحِفظاً ووهماً، ولقد كُذِبَ على
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عهده، حتّى قام خطيباً فقال: من كَذَبَ علَيَّ متعمِّداً
فليتبوّأ مقْعَدَهُ من النار.

وإنّما أتاك بالحديث أربعةُ رجالٍ ليس لهم خامسُ:

* رجلٌ منافق مظهرٌ للاِيمانِ متصنِّعٌ بالاِسلام، لا يتأثّمُ ولا يتحرّجُ،
يَكْذِبُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعمِّداً، فلو عَلِمَ الناس أنّهُ منافق كاذب لم
يقبلوا منه، ولم يُصدِّقوا قولَهُ؛ ولكنَّهم قالوا: صاحبُ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى وسمع منه ولَقِفَ عنه! فيأخذون بقوله.

وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك.
____________
(1) عدّة الاَُصول ـ الشيخ الطوسي ـ مخطوط، ج2 ورقة 53| أ.
( 240 )

ثم بقوا بعدَه عليه وآله السلام فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى
النار بالزُور والبهتان، فولَّوْهُمُ الاَعمال وجعلوهم حكاماً على رقاب النّاس،
أكلوا بهم الدنيا، وإنّما الناسُ مع الملوكِ والدنيا إلاّ من عصم الله، فهو أحد
الاَربعة.

* ورجلٌ سَمِعَ من رسول الله شيئاً لم يحفَظْه على وجهه، فَوهِمَ فيه،
ولم يتعمّد كذباً، فهو في يديه، ويرويه، ويعمل به، ويقول: أنا سَمِعْتُهُ من
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فلو عَلِم المسلمون أنّه وَهِمَ فيه لم يقبلوا منه، ولو علم هو أنّه كذلك
لَرَفَضَهُ.

* ورجل ثالثٌ سَمِعَ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً يأمرُ به ثمّ نهى عنه،
وهو لا يعلم. أو سَمِعَه ينهى عن شيءٍ، ثمّ أمر به وهو لا يعلم. فَحَفِظَ
المنسوخ ولم يحفظ الناسخ.

فلو عَلِمَ أنّه منسوخٌ لَرَفَضَهُ، ولو علم المسلمون إذْ سَمِعُوهُ منه أنّه
منسوخٌ لَرَفَضُوهُ.

* وآخر رابعٌ لم يَكْذِبْ على الله ولا على رسوله، مبغضٌ للكَذِب؛
خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يَهِمْ
(1) بل حَفِظَ ما سَمِعَ على
وجهه، جاء به على سَمْعِه لم يزد فيه، ولم يَنْقُصْ منه. فحفظ الناسخ
فَعَمِلَ به، وحفظ المنسوخَ فَجَنَّبَ عنه، وعرف الخاصَّ والعامّ. فوضع كلَّ
شيءٍ موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه.

وقد كان يكونُ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلامُ له وجهان: فكلام
____________
(1) لم يهم: لم يخطىَ، ولم يظنّ خلاف الواقع.
( 241 )
خاصٌّ، وكلام عام. فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به، ولا ما عنى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيحملهُ السامعُ ويُوَجِّهَهُ على غير معرفة بمعناه، وما
قُصِد به، وما خرج من أجله.

وليس كلّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان يسألُهُ ويستفْهِمُهُ، حتّى
أن كانوا ليحبُّونَ أنْ يجيءَ الاَعرابيُّ والطارىَُ فيسألَهُ عليه السلام حتّى يسمعوا.
وكان لا يَمُرُّ بي من ذلك شيءٌ إلاَّ سألتُ عنه، وحفِظتُهُ.

فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافِهم وَعِلَلِهِمْ في رواياتهم»
(1).

وإلى جانب هذا النصّ الذي يُعّدُّ كقاعدة ينطلق منها الرجاليّون في
تقييمهم للرواة مع ما اشتمل عليه من مفردات علم دراية الحديث، توجد
نصوص أُخرى تمثل النواة الاَُولى لعلوم الحديث دراية ورواية، وكلّها
مرويّة بالاِسناد عن أهل البيت عليهم السلام .

وفيما يأتي بعض المطالب العلمية المبحوثة في كتب الدراية الشيعية،
وكان لها أصل في أحاديث أهل البيت عليهم السلام المدوّنة في المصادر المعتمدة:
أهميّة علم الدراية:

قال أمير المؤمنين عليه السلام : «اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية
لا عقل رواية، فإنّ رواةَ العلم كثيرٌ ورعاته قليلٌ»
(2).
____________
(1) نهج البلاغة 1|449 شرح محمّد عبده، وشرح ابن أبي الحديد 11|38 خطبة
2030، وأُصول الكافي 1|114 ح 1، الغيبة ـ للنعماني ـ 75|10 من الباب
الرابع، الخصال: 255 ح 131 باب الاَربعة.
(2) نهج البلاغة| قصار الحكم (98).
( 242 )
الحث على ذِكر الاِسناد عند التحديث:

عن الاِمام الصادق عليه السلام ، قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام : إذا حدّثتم
بحديث فاسندوه إلى الذي حدّثكم، فإنْ كان حقاً فلكم، وإنْ كان كذباً
فعليه»
(1).

وهذا الحديث يُشعر بضرورة تجنّب الارسال في الاَحاديث.

ضبط الحديث والاَمانة في روايته:

سئل الاِمام الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: (
الَّذينَ يستَمِعُونَ القَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ)
(2).

فقال عليه السلام : «هو الرجل يسمع الحديث فيحدّث به كما سمعه، لا يزيد
فيه ولا ينقص منه»
(3).

طلب الاِسناد العالي:

قال الاِمام الصادق عليه السلام لجميل بن درّاج: «ما سمعت منّي فاروه عن
أبي»
(4).

وهذا القول يدلّ على أُمور كثيرة:

منها: أنّ كلامهم عليهم السلام واحد.
____________
(1) أُصول الكافي 1|103 ح 7.
(2) سورة الزمر 39: 18.
(3) أُصول الكافي 1|102 ح 1.
(4) أُصول الكافي 1|102 ح 4.
( 243 )

ومنها: التقيّة؛ لاَنّ ذلك أبعد من الشهرة التي تؤدّي إلى المؤاخذة.

ومنها: أنّ علوّ الاِسناد وقربه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ممّا له رجحان عند
الناس في قبول الرواية، خصوصاً عند اختلافها مع غيرها من الروايات.

ومنها: التحرّز عن إيهام الكذب فيما إذا سُمع من الاَب شيءٌ، ثمّ
سُمعَ بخصوصه من الابن من غير نسبة إلى أبيه عليهما السلام .

والمعنى: أنّ المسموع من أبي أحبُّ إليَّ من روايته عنّي؛ للوجوه
المذكورة
(1).

بيان الاِمام الصادق عليه السلام سند أحاديثه:

عن هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيرهما، قالوا: سمعنا
أبا عبدالله الصادق عليه السلام يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث
جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن،
وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليهم السلام ، وحديث أمير المؤمنين
حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ»
(2).

التحذير من التدليس في الحديث:

عن الاِمام الصادق عليه السلام ، قال: «إيّاكم والكذب المفترع، قيل له: وما
الكذب المفترع؟ قال عليه السلام : أنْ يحدّثك الرجل بالحديث فتتركه وترويه عن
الذي حدّثك به»
(3)، أيّ: عن الشيخ الذي حدّثك الرجل بحديثه.

قال العلاّمة المجلسي: «قيل: يريد أن يرفع حديثه بإسقاط
____________
(1) مرآة العقول 1|176 شرح الحديث الرابع.
(2) أُصول الكافي 1|103 ـ 104 ح 14.
(3) أُصول الكافي 1|103 ـ 104 ح 12.
( 244 )
الواسطة، أو المراد به الكذب الذي يزيل عن الراوي ما يوجب قبول
روايته»
(1).

* الأمر بترك شواذّ الاَخبار والاَخذ بالمشهور:

في مقبولة عمر بن حنظلة، عن الصادق عليه السلام : «... ينظر إلى ما كان
من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمَع عليه من أصحابك، فيؤخذ
به من حكمنا، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمَع
عليه لا ريب فيه...»
(2).

* جواز نقل الرواية بالمعنى:

سأل محمد بن مسلم الاِمام الصادق عليه السلام قائلاً: «أسمع الحديث منك
فأزيد وأنقص؟ قال: إنْ كنت تريد معانيه فلا بأس»
(3).

وعن داود بن فرقد قال: «قلت لاَبي عبد الله عليه السلام : إنّي أسمع منك،
فأُريد أن أرويه كما سمعته منك فلا يجيء؟ قال: فتعمّد الكذب؟ قلت:
لا. فقال: تريد المعاني؟ قلت: نعم. قال: فلا بأس»
(4).

وهذان الحديثان وغيرهما دالاّن على جواز نقل الحديث بالمعنى
بالنسبة للعالم بحقائق الاَلفاظ ومجازاتها، ومنطوقها ومفهومها، ومقاصدها،
ومع هذا فإنّه لا يجوز لمن يتعمّد ترك النصّ في نقل معناه.
____________
(1) مرآة العقول 1|181 شرح الحديث الثاني عشر.
(2) أُصول الكافي 1|120 ح 10.
(3) أُصول الكافي 1|102 ح 2.
(4) أُصول الكافي 1|102 ح 3.