صلةقبل

الفصل الثاني
فـي قصّـة المباهلـة

إنّه لمّا كان الغرض الاَهمّ للعلماء، من متكلّمين ومفسّرين ومحدّثين، هو بيان سبب نزول الآية المباركة وذكر الحديث الوارد فيها، وما في ذلك من دلالات... فإنّهم لم يتعرّضوا لشرح الواقعة ورواية جزئيّاتها، ومن تعرّض منهم لها ـ كالزمخشري مثلاً ـ فقد اكتفى بنقل القدر المحتاج إليه في نظره!!
إلاّ أنّا رأينا من المناسب إيراد القصّة بشيءٍ من التفصيل، لما فيها من الفوائد المهمّة، ثمّ نعقب ذلك بما وقع عليه الصلح، وببعض المسنونات المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم أفضل الصلوات والتسليمات، في يوم المباهلة.
ولعلّ ما يرويه السـيّد الجليل، الجامع بين العلم والعمل، العلاّمة السـيّد ابن طاووس الحلّي هو أجمع الروايات لخبر القصّة، وهذا نصّه مع بعض التلخيص بلفظه، قال رحمه الله:
«الباب السادس: في ما يتعلّق بمباهلة سيّـد أهل الوجود لذوي الجحود، الذي لا يُساوى ولا يُجازى، وظهور حجّته على النصارى والحيارى، وإنّ في يوم مثله تصدّق أمير المؤمنين عليه السلام بالخاتم، ونذكر ما نعمل من المراسم، وفيه فصول:
فصـل: في ما نذكره من إنفاذ النبيّ صلوات الله عليه وآله وسلّم
( 97 )
لرسله إلى نصارى نجران ومناظرتهم فيما بينهم وظهور تصديقه في ما ادّعاه، روينا ذلك بالاَسانيد الصحيحة والروايات الصريحة إلى أبي المفضّل محمّـد بن عبـدالمطّلب الشيباني رحمه الله من كتاب (المباهلة)، ومن أصل كتاب الحسن بن إسماعيل بن أشناس من كتاب عمل ذي الحجة، في ما رويناه بالطرق الواضحة، عن ذوي الهمم الصالحة، لا حاجة إلى ذكر أسمائهم، لاَنّ المقصود ذِكر كلامهم، قالوا:
لمّا فتح النبيّ صلّى الله عليه وآله مكّة وانقادت له العرب، وأرسل رسله ودعاته إلى الاَُمم، وكاتب الملِكَين كسرى وقيصر يدعوهما إلى الاِسلام وإلاّ أقرّا بالجزية والصغار، وإلاّ أُذِنا بالحرب العوان، أكبر شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم، من بني عبدالمَدان وجميع بني الحرث بن كعب ومن ضوى إليهم ونزل بهم من دُهَماء الناس ـ على اختلافهم هناك في دين النصرانيّة من الاَروسيّة، والنالوسيّة، وأصحاب دين الملك، والمارونيّة، والعباد، والنسطوريّة ـ وأملاَت قلوبهم ـ على تفاوت منازلهم ـ رهبةً منه ورعباً.
فإنّهم كذلك من شأنهم، إذْ وردت عليهم رسل رسول الله صلّى الله عليه وآله بكتابه، وهم: عتبة بن غزوان، وعبـدالله بن أبي أُميّة، والهدير بن عبـدالله أخو تيم بن مرّة، وصهيب بن سنان أخو النمر بن قاسط، يدعوهم إلى الاِسلام، فإنْ أجابوا فإخوانٌ، وإنْ أبوا واستكبروا فإلى الخُطّة المخوفة إلى أداء الجزية عن يدٍ، فإنْ راغبوا عمّا دعاهم إليه من أحد المنزلتين وعندوا فقد آذنَهم على سواء، وكان في كتابه صلّى الله عليه وآله: (قُلْ يا أَهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كلمةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنكُم ألاّ نَعبُدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ بهِ شيئاً ولا يتّخِذَ بَعضُنا بَعضاً أرْباباً مِن دُونِ اللهِ فإنْ تَولَّوْا فقولوا
( 98 )
اشْهَدوا بِأَنّا مُسلمونَ
)(1).
قالوا: وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يقاتل قوماً حتّى يدعوهم.
فازداد القوم لورود رُسُل نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وكتابه نفوراً وامتراجاً، ففزعوا لذلك إلى بِيعَتهم العظمى، وأمروا ففُرِش أرضُها وأُلبس جُدُرُها بالحرير والديباج، ورفعوا الصليب العظيم، وكان من ذهب مرصّع أنفذه إليهم القيصر الاَكبر، وحضر ذلك بني الحرث بن الكعب، وكانوا ليوث الحرب وفرسان الناس، قد عرفت العرب ذلك لهم في قديم أيّامهم وفي الجاهلية، فاجتمع القوم جميعاً للمشورة والنظر في أُمورهـم، وأسرعت إليهم القبائل من مِذحجٍ وعكٍّ وحميرٍ وأنمارٍ، ومن دنا منهم نسباً وداراً من قبائل سبأ، وكلّهم قد وَرَمَ أنفه غضباً من لُقُومِهم، ونكص من تكلّم منهم بالاِسلام ارتداداً، فخاضوا وأفاضوا في ركز المسير بنفسهم وجمعهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، والنزّول به بيثرب لمناجزته.
فلمّا رأى أبو حارثة حصين بن علقمة ـ أُسقُفُهم الاَوّل وصاحب مدارسهم وعلاّمهم، وكان رجلاً من بني بكر بن وائل ـ ما أزمع القوم عليه من إطلاق الحرب، دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه ـ وقد بلغ يومئذٍ عشرين ومائة سنة ـ ثمّ قام فيهم خطيباً معتمداً على عصـا ـ وكانت فيه بقيّة، وله رأيٌ ورويّة، وكان موحِّداً يؤمن بالمسيح عليه السلام وبالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويكتم إيمانه ذلك من كفرة قومه وأصحابه ـ فقال:

____________
(1) سورة آل عمـران 3: 64.

( 99 )
مهلاً بني عبدالمَدان مهلاً، استديموا العافية والسعادة، فإنّهما مطويّان في الهوادة، دُبّوا إلى قوم في هذا الاَمر دبيب الذرّ، وإيّاكم والسَوْرة العجلى، فإنّ البديهة بها لا ينجب، إنّكم ـ والله ـ على فعل ما لم تفعلوا أقدر منكم على ردّ ما فعلتم، ألا إنّ النجاة مقرونة بالاَناة، ألا رُبّ إحجامٍ أفضل من إقدامٍ، وكائنٍ من قول أبلغ من صولٍ، ثمّ أَمْسَك.
فأقبل عليه كرز بن سبرة الحارثي ـ وكان يومئذٍ زعيم بني الحارث بن كعب وفي بيت شرفهم والمعصب فيهم، وأمير حروبهم ـ فقال: لقد انتفخ سُحَرُك واستُطيرَ قلبُك أبـا حارثة، فظَلْتَ كالمسبوع النزاعة المهلوع، تضرب لنا الاَمثال، وتخوّفنا النزال، لقد عَلِمْتَ ـ وحقِّ المنّان ـ بفضيلة الحفّاظ بالنوء بالعبء وهو عظيم، وتلقح الحرب وهو عقيم، تثْقِفُ إوَدَ المَلِكِ الجبّار، ولنحن أركان الرائش وذوو المنار، الّذين شدَدْنا ملكهما، وأمّرنا مليكهما، فأيّ أيّامِنا يُنكر؟! أمْ لاَيّها ـ ويك ـ تلمز؟! فما أتى على آخر كلامه حتّى انتظم نصلُ نبلةٍ كانت في يده بكفّه غيظاً وهو لا يشعر.
فلمّا أمسك كرز بن سبرة، أقبل عليه العاقب ـ واسمه عبدالمسيح بن شرحبيل، وهو يومئذٍ عميد القوم، وأمير رأيهم، وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون جميعاً إلاّ عن قوله ـ فقال له:
أفلح وجهك، وآنس ربعك، وعزّ جارك، وامتنع ذمارك، ذكرت ـ وحقِّ مغبّرة الجباه ـ حسباً صميماً، وعيصاً كريماً، وعزّاً قديماً، ولكن ـ أبا سبرة ـ لكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ عصرٍ رجال، والمرء بيومه أشبه منه بأمسه، وهي الاَيّام تهلك جيلاً وتديل قبيلاً، والعافية أفضلُ جلباب، وللآفات أسباب، فمن أوكد أسبابها التعرض لاَبوابها. ثمّ صمت العاقب مطرقاً.

( 100 )
فأقبل عليه السـيّد ـ واسمه أهتم بن النعمان، وهو يومئذٍ أُسقف نجران، وكان نظير العاقب في علوّ المنزلة، وهو رجل من عاملة، وعداده في لخم ـ فقال له: سعَدَ جَدّك، وسما جِدّك أبا وائلة، إنّ لكلّ لامعةٍ ضياءً، وعلى كلّ صوابٍ نوراً، ولكن لا يدركه ـ وحقّ واهب العقل ـ إلاّ من كان بصيراً، إنّك أفضيت وهذان فيما تصرّف بكما الكلم إلى سبيلَيْ حَزَنٍ وسهلٍ، ولكلٍ على تفاوتكم حظٌّ من الرأي الربيق والاَمر الوثيق إذا أُصيب به مواضعه.
ثمّ إنّ أخا قريشٍ قد نجدكم لخطبٍ عظيم وأمرٍ جسيم، فما عندكم فيه قولوا وانجزوا، أبخوعٌ وإقرارٌ؟ أم نزوعٌ؟!
قال عتبة والهدير والنفر من أهل نجران: فعاد كرز بن سبرة لكلامه ـ وكان كميّاً أبيّاً ـ فقال:
أنحن نفارق ديناً رسخت عليه عروقنا، ومضى عليه آباؤنا، وعرف ملوك الناس ثمّ العرب ذلك منّا؟! أنتهالك إلى ذلك أم نُقرّ بالجزية وهي الخزية حقّاً؟! لا والله حتى نجرّد البواتر من أغمادها، وتذهل الحلائل عن أولادها، أو نشرق نحن ومحمّـد بدمائنا، ثمّ يديل الله عزّ وجلّ بنصره من يشاء.
قال له السيـّد: أرْبع على نفسك وعلينا أبا سبرة، فإنّ سلّ السيف يُسلّ السيوف، وإنّ محمّـداً قد بخعت له العرب وأعطته طاعتها، وملك رجالها وأعِنّتها، وجرت أحكامه في أهل الوَبر منهم والمدَر، ورمقه الملِكان العظيمان كسرى وقيصر، فلا أراكم ـ والروح ـ لو نَهد لكم إلاّ وقد تصدّع عنكم من خفّ معكم من هذه القبائل، فصرتم جفاءً كأمس الذاهب، أو كلحمٍ على وَضَمٍ.

( 101 )
وكان فيهم رجل يقال لـه: جهير بن سراقة البارقي ـ من زنادقة نصارى العرب، وكان له منزلة من ملوك النصرانية، وكان مثواه بنجران ـ فقال له: أبا سعد قل في أمرنا وأنجدنا برأيك، فهذا مجلس له ما بعده.
فقال: فإنّي أرى لكم أنْ تُقاربوا محمّـداً وتعطوه في بعض ملتمسه عندكم، ولينطلق وفودكم إلى ملوك أهل ملّتكم، إلى الملِك الاَكبر بالروم قيصر، وإلى ملوك هذه الجلدة السوداء الخمسـة ـ يعني ملوك السودان: ملكِ النوبة، وملكِ الحبشة، وملكِ علوه، وملكِ الرعا، وملكِ الواحات، ومريس، والقبط، وكلّ هؤلاء كانوا نصارى ـ.
قال: وكذلك مَن ضوى إلى الشام وحلّ بها من ملوك غسّان، ولُخم، وجذام، وقضاعة، وغيرهم من ذوي يُمنِكم، فهم لكم عشيرة وموالي ومآل، وفي الدين إخوان ـ يعني أنّهم نصارى ـ وكذلك نصارى الحيرة من العبّاد وغيرهم، فقد صَبَتْ إلى دينهم قبائل تغلب نبت وائل وغيرهم من ربيعة بن نزار.
لتسير وفودكم، ثمّ لتخرق إليهم البلاد آغذاذاً فيستصرخونهم لدينكم، فيستنجدكم الروم، وتسير إليكم الاَساودة مسير أصحاب الفيل، وتقبل إليكم نصارى العرب من ربيعة اليمن.
فإذا وصلت الاَمداد واردةً سرتم أنتم في قبائلكم وسائر من ظافركم وبذل نصره ومؤازرته لكم، حتّى تضاهئون مَن أنجدكم وأصرخكم من الاَجناس والقبائل الواردة عليكم، فأُمّوا محمّـداً حتّى تبيّتوا جميعاً، فسيعتق إليكم وافداً لكم من صبا إليه مغلوباً مقهوراً، وينعتق به من كان منهم في مدرته مكثوراً، فيوشك أنْ تصطلموا حوزته، وتطفئوا جمرته، ويكون لكم بذلك الوجه والمكان في الناس، فلا تتمالك العرب حينئذٍ حتّى تتهافت
( 102 )
دخولاً في دينكم، ثمّ لتعظمَنّ بِيعَتكم هذه، ولتشرفنّ حتّى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة.
هذا الرأي فانتهزوه، فلا رأي لكم بعده.
فأعجب القوم كلامُ جهير بن سراقة، ووقع منهم كلّ موقع، فكاد أنْ يتفرّقوا على العمل به، وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة، يدعى حارثة بن أثاك، على دين المسيح عليه السلام، فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير، وقال متمثّلاً:

متى ما تُقد بالباطل الحقّ بابَه * وإنْ قُدرت بالحقّ الرواسي ينقدُ
إذا ما أتيت الاَمرَ من غير بابِه * ضلَلْت وإنْ تقصد إلى الباب تهتدُ

ثمّ استقبل السـيّد والعاقب والقسّيسين والرهبان وكافّة نصارى نجران بوجهه، لم يُخلّط معهم غيرهم، فقال: سمعاً سمعاً يا أبناء الحكمة، وبقايا حملة الحجّة، إنّ السعيد والله مَن نفعته الموعظة، ولم يعشُ عن التذكرة، ألا وإنّي أُنذركم وأُذكّركم قول مسيح الله عزّ وجلّ.
ثمّ شرح وصيّته ونصّه على وصيّه شمعون بن يوحنّا، وما يحدث على أُمّته من الاِفتراق، ثمّ ذكر عيسى عليه السلام، وقال: إنّ الله جلّ جلاله أوحى إليه:
فخذ يا بن أمَتي كتابي بقوّةٍ، ثمّ فسّرهُ لاَهل سوريا بلسانهم، وأخبرهم إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا الحيُّ القيّوم، البديع الدائم، الذي لا أحول ولا أزول، وإنّي بعثت رسلي وأنزلت كتبي رحمةً ونوراً وعصمةً لخلقي، ثمّ إنّي باعث بذلك نجيب رسالتي، أحمد، صفوتي من برّيتي، الفارقليطا عبدي، أُرسلُه في خلوٍّ من الزمان، أبتعثه بمولده فاران، من مقام أبيه إبراهيم عليه السلام، أُنزل عليه توراةً حديثةً، أفتح بها أعْيُناً عُمياً، وآذاناً
( 103 )
صُمّاً، وقلوباً غُلفاً، طوبى لمن شهد أيّامه، وسمع كلامه، فآمَنَ به واتّبعَ النور الذي جاء به.
فإذا ذكرتَ يا عيسى ذلك النبيّ فصلّ عليه فإنّي وملائكتي نصلّي عليه.
قال: فما أتى حارثة بن أثاك على قوله هذا حتى اظلمّ بالسيّـد والعاقب مكانهما، وكرها ما قام به في الناس معرباً ومُخبراً عن المسيح عليه السلام بما أخبر وأقدم من ذِكر النبيّ محمّـد صلّى الله عليه وآله وسلّم، لاَنّهما كانا قد أصابا بموضعهما من دينهما شرفاً بنجران، ووجهاً عند ملوك النصرانية جميعاً، وكذا عند سُوقتهم وعربهم في البلاد، فأشفقا أنْ يكون ذلك سبباً لانصراف قومهما عن طاعتهما لدينهما، وفسخاً لمنزلتهما في الناس.
فأقبل العاقب على حارثة فقال: أمْسِكْ عليك يا حار، فإنّ رادّ هذا الكلام عليك أكثر من قابله، ورُبّ قولٍ يكون بليّةً على قائله، وللقلوب نفرات عند الاِصداع بمظنون الحكمة، فاتّقِ نفورها، فلكلّ نبأٍ أهل، ولكلّ خطبٍ محلّ، وإنّما الدَرَك ما أخذ لك بمواضي النجاة وألبسك جُنّة السلامة، فلا تعدلنّ بهما حظّاً، فإنّي لم آلُكَ ـ لا أباً لك ـ نصحاً. ثمّ أرّم يعني أمْسك.
فأوجب السـيّد أن يشرك العاقب في كلامه، فأقبل على حارثـة، فقال:
إنّي لـم أزلْ أتعرّف لك فضلاً تميل إليه الاَلباب، فإيّاك أنْ تقعد مطيّة اللجاج، وأنْ ترجف إلى السراب، فمن عُذِرَ بذلك فلستَ فيه أيّها المرء بمعذور، وقد أغفلك أبو واثلة وهو وليّ أمرنا وسيّـد حضرنا عتاباً، فأوْلهِ
( 104 )
اعتباراً. ثمّ تعلم أنّ ناجم قريش ـ يعني رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ يكون رزؤه قليلاً ثمّ ينقطع ويخلو.
إنّ بعد ذلك قرناً يبعث في آخره النبي المبعوث بالحكمة والبيان، والسيف والسلطان، ويملك مُلكاً مؤجّلاً تطبق فيه أُمّتّه المشارق والمغارب، ومن ذرّيته الاَمير الظاهر، يظهر على جميع الملكات والاَديان، ويبلغ مُلكه ما طلع عليه الليل والنهار، وذلك ـ يا حار ـ أملٌ من ورائه أمدٌ ومن دونه أجلٌ، فتمسّك من دينك بما تعلم وتمنّع ـ لله أبوك ـ من انس متصرّمٍ بالزمان أو لعارضٍ من الحدَثان، فإنّما نحن ليومنا ولغدٍ أهلُه.
فأجابه حارثـة بن أثاك، فقال: إيهاً عليك أبا قرّة! فإنّه لا حظّ في يومه لمن لا دَرَك له في غدوه، اتّقِ الله تجد الله جلّ وتعالى بحيث لا مفزع إلاّ إليه، وعرضت مشيّداً بذكر أبي واثلة، فهو العزيز المطاع، الرحب الباع، وإليكما معاً يلقى الرحل، فلو أُضربت التذكرة عن أحدٍ لتبزيز فضلٍ لكنتماه، لكنّها أبكار الكلام تهدى لاَربابها، ونصيحة كنتما أحقّ من أصغى لها، إنّكما مليكا ثمرات قلوبنا، ووليّا طاعتنا في ديننا فالكيّس الكيّس ـ يا أيّها المعظّمان ـ عليكما به، أرمقا ما يدهكما نواحيه وأهجرا التسويف في ما أنتما بعرضه، آثرا الله في ما كان يُؤثركما بالمزيد من فضله، ولا تخلدا في ما أظلّكما إلى الونية، فإنّه من أطال عنان الاَمر أهلكته الغرّة، ومن اقتعد مطيّة الحذر كان بسبيلٍ آمنٍ من المتالف، ومن استنصح عقله كانت العبرة له لا به، ومن نصح لله عزّ وجلّ آنسه الله جلّ وتعالى بعزِّ الحياة وسعادة المنقلب.
ثمّ أقبل على العاقب معاتباً فقال:
وزعمت ـ أبا واثلة ـ أنّ رادّ ما قلت أكثر من قائله، وأنت لعمر الله
( 105 )
حريّ ألاّ يؤثر هذا عنك، فقد علمت وعلمنا أُمّة الاِنجيل معاً بسيرة مـا قام به المسيح عليه السلام في حواريه ومن آمن له من قومه، وهذه منك فهّة لا يرحضها إلاّ التوبة والاِقرار بما سبق به الاِنكار.
فلمّا أتى على هذا الكلام صرف إلى السـيّد وجهه، فقال: لا سيف إلاّ ذو نبوةٍ ولا عليم إلاّ ذو هفوةٍ، فمن نزع عن وهلةٍ وأقلع فهو السعيد الرشيد، وإنّما الآفة في الاِصرار، وأعرضت بذكر نبييّن يُخلقان بعد ابن البتول، فأين يذهب بك عمّا خلا في الصحف من ذكرى ذلك؟! ألمْ تعلم ما أنْبَأَ به المسيح عليه السلام في بني إسرائيل؟! وقوله لهم: كيف بكم إذا ذهب بي إلى أبي وأبيكم وخلّف بعد إعصارٍ يخلو من بعدي وبعدكم صادقٌ وكاذبٌ؟!
قالوا: ومن هما يا مسيح الله؟
قال: نبيّ من ذرّيّة إسماعيل عليهما السلام صادقٌ، ومتنبّىَ من بني إسرائيل كاذبٌ، فالصادق منبعث منهما برحمةٍ وملحمةٍ، يكون له الملك والسلطان ما دامت الدنيا، وأمّا الكاذب فله بند يذكر به المسيح الدجال يملك فواقاً ثمّ يقتله الله بيدي إذا رُجِع بي.
قال حارثة: وأُحذّركم يا قوم أن يكون مَن قَبلكم من اليهود أُسوة لكم، إنّهم أُنذِروا بمسيحين، مسيح رحمةٍ وهدى، ومسيح ضلالةٍ، وجعل لهم على كلّ واحدٍ منهما آية وأمارةً، فجحدوا مسيح الهدى وكذّبوا به، وآمنوا بمسيح الضلالة الدجّال، وأقبلوا على انتظاره وأضربوا في الفتنة وركبوا نصحها، ومن قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وقتلوا أنبياءه والقوّامين بالقسط من عباده، فحجب الله عزّ وجلّ عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كسبت أيديهم، ونزع ملكهم منهم ببغيهم وألزمهم الذلّة
( 106 )
والصَغار، وجعل منقلبهم إلى النار.
قال العاقب: فما أشعرك ـ يا حار ـ أنْ يكون هذا النبيّ المذكور في الكتب هو قاطنُ يثرب، ولعلّه ابن عمّك صاحب اليمامة، فإنّه يذكر من النبوّة ما يذكر منها أخو قريش، وكلاهما من ذرّيّة إسماعيل، ولجميعهما أتباع وأصحاب يشهدون بنبوّته، ويقرّون له برسالته، فهل تجد بينهما في ذلك من فاصلة فتذكرها؟
قال حارثة: أجل والله أجدها والله أكبر، وأبعد ممّا بين السحاب والتراب، وهي الاَسباب التي بها وبمثلها تثبت حجّة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وأنبيائه.
وأمّا صاحب اليمامة فيكفيك فيه ما أخبركم به سفهاؤكم وغيركم، والمنتجعة منكم أرضه، ومن قدم من أهل اليمامة عليكم، ألمْ يخبركم جميعاً عن روّاد مسيلمة وسمّاعيه، ومن أوفده صاحبهم إلى أحمد بيثرب فعادوا إليه جميعاً بما تعّرفوا هناك في بني قيلة وتبيّنوا به؟!
قالوا: قدم علينا أحمدُ يثرب وبيارنا ثماد، ومياهنا ملحةٌ، وكنّا من قبله لا نستطيب ولا نستعذب، فبصق في بعضها ومجّ في بعض، فعادت عِذاباً محلوليّة، وجاش منها ما كان ماؤها ثماداً فحار بحراً.
قالوا: وتفل محمّـد في عيون رجالٍ ذوي رمد، وعلى كُلومِ رجال ذوي جراح، فبرئت لوقته عيونهم فما اشتكوها واندملت جراحهم فما ألِموها، في كثير ممّا أدّوا ونبّؤوا عن محمّـد صلّى الله عليه وآله من دلالة وآية.
وأرادوا صاحبهم مسيلمة على بعض ذلك، فأنعم لهم كارهاً، وأقبل بهم إلى بعض بيارهم فمجّ فيها وكانت الركى معذوذبة فحارت ملحاً لا
( 107 )
يستطاع شرابه، وبصق في بئر كان ماؤها وشَلاً فعادت فلم تَبض بقطرة من ماء، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت، وعلى جراحٍ ـ أو قالوا: جراحٍ آخر ـ فاكتسى جلده برصاً.
فقالوا لمسيلمة في ما أبصروا في ذلك منه، واستبرؤوه.
فقال: ويحكم بئس الاَُمّة أنتم لنبيّكم والعشيرة لابن عمّكم أنْ كنتم تحيفوني يا هؤلاء من قبل أنْ يوحى إليّ في شيءٍ ممّا سألتم، والآن فقد أُذِن لي في أجسادكم وأشعاركم دون بياركم ومياهكم، هذا لمن كان منكم بي مؤمناً، وأمّا من كان مرتاباً فإنّه لا يزيده تفلتي عليه إلاّ بلاءً، فمن شاء الآن منكم فليأتِ لاَتفلَ في عينه وعلى جلده.
قالوا: ما فينا ـ وأبيك ـ أحدٌ يشاء ذلك، إنّا نخاف أن يشمت بك أهل يثرب؛ وأضربوا عنه حميّة لنسبه فيهم وتذمّماً لمكانه منهم.
فضحك السـيّد والعاقب حتى فحصا الاَرض بأرجلهما، وقالا: ما النور والظّلام والحقّ والباطل بأشدّ بياناً وتفاوتاً ممّا بين هذين الرجلين صدقاً وكذباً.
قالوا: وكان العاقب أحبّ ـ مع ما تبيّن من ذلك ـ أنْ يشيّد مـا فرّط من تقريظه مُسيلمة ويوثل منزلته ليجعل لرسول الله صلّى الله عليه وآله كُفؤاً، استظهاراً بذلك في بقاء عزّه وما طار له من السمو في أهل ملّته، فقال: ولئن فخر أخو بني حنيفة في زعمه أنّ الله عزّ وجلّ أرسله، وقال من ذلك ما ليس له بحقّ، فلقد برّ في أنْ نقل قومه من عبادة الاَوثان إلى الاِيمان بالرحمن.
قال حارثة: أنشدك بالله الذي دحاها، وأشرق باسمه قمراها، هل تجد في ما أنزل الله عزّ وجلّ في الكتب السابقة: يقول الله عزّ وجلّ: أنا الله
( 108 )
لا إله إلاّ أنا ديّان يوم الدين، أنزلت كتبي وأرسلت رسلي لاَستنقذ بهم عبادي من حبائل الشيطان، وجعلتهم في بريّتي وأرضي كالنجوم الدراري في سمائي، يهدون بوحيي وأمري، مَن أطاعهم أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، وإنّي لعنت وملائكتي في سمائي وأرضي واللاعنون من خلقي مَن جحد ربوبيّتي، أو عدل بي شيئاً من بريّتي، أو كذّب بأحدٍ من أنبيائي ورسلي، أو قال أُوحي إليّ ولم يوحَ إليه شيء، أو غمص سلطاني، أو تقمّصه متبرئاً، وأكْمهَ عبادي وأضلّهم عنيّ، ألا وإنّما يعبدني من عرف ما أريد في عبادتي وطاعتي من خلقي، فمن لم يقصد إليّ من السبيل التي نهجتها برسلي لم يزدد في عبادته منيّ إلاّ بُعداً.
قال العاقب: رويدك، فأشهدُ لقد نبّأت حقّاً.
قال حارثة: فما دون الحقّ من مقنع، وما بعده لامرىٍَ مفزعٌ، ولذلك قلت الذي قلت.
فاعترضه السـيّد ـ وكان ذا مجال وجدال شديد ـ فقال: ما أحرى وما أرى أخا قريش مرسلاً إلاّ إلى قومه بني إسماعيل دينه، وهو مع ذلك يزعم أنّ الله عزّ وجل أرسله إلى الناس جميعاً.
قال حارثة: أفتعلم أنت يا أبا قرّة أنّ محمّـداً مرسلٌ من ربّه إلى قومه خاصّة؟!
قال: أجل.
قال: أتشهد له بذلك؟!
قال: ويحك، وهل يستطاع دفع الشواهد؟! نعم، أشهد غير مرتاب بذلك، وبذلك شهدت له الصحف الدارسة والاَنباء الخالية.
فأطرق حارثة ضاحكاً ينكت الاَرض بسبّابته.

( 109 )
قال السـيّد: ما يضحكك يا ابن أثاك.
قال: عجبت فضحكت.
قال: أوَ عجب ما تسمع؟!
قال: نعم، العجب أجمع، أليس ـ بالاِله ـ بعجيب من رجل أُوتي أثرةً من علم وحكمة يزعم أنّ الله عزّ وجلّ اصطفى لنبوّته، واختصّ برسالته، وأيّد بروحه وحكمته، رجلاً خرّاصاً يكذب عليه ويقول: أُوحى إليّ ولم يوحَ إليه، فيخلّط كالكاهن كذباً بصدقٍ، وباطلاً بحقّ!
فارتدع السـيّد وعلم أنّه قد وهل فأمسك محجوجاً.
قالوا: وكان حارثة بنجران حثيثاً ـ يعني غريباً ـ فأقبل عليه العاقب وقد قطعه ما فرط إلى السـيّد من قوله، فقال له: عليك أخا بني قيس بن ثعلبة، واحبس عليك ذلق لسانك وما لم تزل تستخمّ لنا من مثابة سفهك، فرُبّ كلمة ترفع صاحبها رأساً قد ألقته في قعر مظلمة، ورُبّ كلمة لامت ورابتْ قلوباً نغلةً، فدعْ عنك ما يسبق إلى القلوب إنكاره وإنْ كان عندك ما ليس لنا اعتذاره.
ثم قال: وذكرت أخا قريش وما جاء به من الآيات والنذر، فأطلْت وأعرضْت، ولقد برزت، فنحن بمحمّـد عالمون، وبه جدّاً موقنون، شهدْتُ لقد انتظمت له الآيات والبيّنات، سالفها وآنفها إلاّ آية هي أسعاها وأشرفها، وإنّما مثلها في ما جاء به كمثل الرأس للجسد، فما حال جسد لا رأس له؟! فامهل رويداً نتجسّس الاَخبار ونعتبر الآثار، ولنستشف ما ألفينا ممّا أفضى إلينا، فإنْ آنسنا الآية الجامعة الخاتمة لديه فنحن إليه أسرع وله أطوع، وإلاّ فأعلم ما نذكر به النبوّة والسفارة عن الربّ الذي لا تفاوت في أمره، ولا تغاير في حكمه.

( 110 )
قال له حارثة: قد ناديت فأسمعتْ، وفزعت فصدعت، وسمعتُ وأطعت، فما هذه الآية التي أوحش بعد الاَُنسة فقدها، وأعقب الشكَّ بعد البيّنة عدمها؟
قال له العاقب: قد أثلجك أبو قرّة بها فذهبت عنها في غير مذهب، وجاوزتها فأطلت في غير ما طائل وحاورتنا.
قال حارثة: وإلى ذلك فحلّها الآن لي فداك أبي وأُمّي.
قال العاقب: أفلح من سلّم للحقّ وصدع به، ولم يرغب عنه وقد أحاط به علماً، فقد علمنا وعلمت من أنباء الكتب المستودعة علم القرون، وما كان وما يكون، فإنها استهلّت بلسان كلّ أُمّة منهم معربةً مبشّرةً ومنذرةً بأحمد النبي العاقب، الذي تطبق أُمّته المشارق والمغارب.
قالوا: وكان هذا مجلساً ثالثاً في يومٍ ثالثٍ من اجتماعهم للنظر في أمرهم، فقال السـيّد: يا حارثة! ألمْ ينبّئك أبو واثلة بأفصح لفظٍ اخترق أُذناً، ودعا ذلك بمثله مخبراً، فألقاك مع غرمائك بموارده حجراً، وها أنا ذا اؤكد عليك التذكرة بذلك من معدنٍ ثالثٍ.
فأُنشدك الله وما أنزل إلى كلمته من كلماته، هل تجد في الزاجرة المنقولة من لسان أهل سوريا إلى لسان العرب ـ يعني صحيفة شمعون بن حمون الصفا التي توارثها عنه أهل النجران ـ؟
قال السـيّد: ألمْ يقل بعد بند طويل من كلام: فإذا طبقت وقطعت الاَرحام، وعفت الاَعلام، بعث الله عبده الفارقليطا بالرحمة والمعدِلة.
قالوا: وما الفارقليطا يا روح الله؟
قال: أحمد النبيّ الخاتم الوارث ذلك الذي يُصلّى عليه حيّاً ويُصلّى عليه بعدما يقبضه إليه، بابنه الطاهر الخائر، ينشره الله في آخر الزمان بعدما
( 111 )
انقضّتْ عُرى الدين، وخبتْ مصابيح الناموس، فأفِلتْ نجومه، فلا يلبث ذلك العبد الصالح إلاّ أُمماً حتى يعود الدين به كما بدأ، ويقرّ الله عزّ وجلّ سلطانه في عبده ثمّ في الصالحين من عقبه، وينشر منه حتى يبلغ ملكه منقطع التراب.
قال حارثة: كلّ ما قد أنشدتما حقّ، لا وحْشة مع الحقّ، ولا أنس في غيره، فَمَهْ؟
قال السـيّد: فإنّ من الحقّ أنْ لا حظّ في هذه الاَُكرومة للاَبتر.
قال حارثة: إنّه لكذلك، أليس بمحمّـد؟!
قال السـيّد: إنّك ما عملت إلاّ لدّاً، ألمْ يخبرنا سفرنا وأصحابنا في ما تجسّسنا من خبره أنّ ولديه الذكرين القُرشيّة والقِبطيّة بادا ـ يعني هلكا ـ وغودر محمّـد كقرن الاَعضب موفٍ على ضريحه، فلو كان له بقيّة لكان لك بذلك مقالاً إذا ولّت أنباؤه الذي يذكر.
قال حارثة: العِبَر ـ لعمرو الله ـ كثيرة والاعتبار بها قليل، والدليل موفٍ على سنن السبيل إنْ لم يَعْشُ عنه ناظر، وكما أنّ أبصار الرمـدة لا تستطيع النظر في قرص الشمس لسقمها؛ فكذلك البصائر القصيرة لا تتعلّق بنور الحكمة لعجزها، ألا ومَن كان كذلك فلستماه ـ وأشار إلى السيّـد والعاقب ـ.
إنّكما ـ ويمين الله ـ لمحجوجان بما آتاكما الله عزّ وجلّ من ميراث الحكمة واستودعكما من بقايا الحجّة، ثمّ بما أوجب لكما من الشرف والمنزلة في الناس، فقد جعل الله عزّ وجلّ من آتاه سلطاناً ملوكاً على الناس وأرباباً، وجعلكما حكماً وقوّاماً على ملوك ملّتنا وذادة لهم، يفزعون إليكما في دينهم ولا تفزعان إليهم، وتأمرانهم فيأتمرون لكما وحقّ لكلّ
( 112 )
ملِك أو مُوَطّأ الاَكتاف أنْ يتواضع لله عزّ وجلّ إذْ رفعه، وأنْ ينصح لله عزّ وجلّ في عباده ولا يدهن في أمره، وذكرتما محمّـداً بما حكمت له الشهادات الصادقة، وبيّنتْه فيه الاَسفار المستحفظة، ورأيتماه مع ذلك مرسلاً إلى قومه لا إلى الناس جميعاً وأنّه ليس بالخاتم الحاشر، ولا الوارث العاقب، لاَنّكما زعمتماه أبْتراً، أليس كذلك؟
قالا: نعم.
قال: أريتكما لو كان له بقيّة وعقب، هل كنتما تمتريان لما تجدان وبما تكذّبان من الوراثة والظهور على النواميس أنّه النبيّ الخاتم والمرسل إلى كافّة البشر؟
قالا: لا.
قال: أفليس هذا القيل ـ هذه الحال مع طول اللوائم والخصائم ـ عندكما مستقرّاً.
قالا: أجل.
قال: الله أكبر.
قالا: كبّرت كبيراً، فما دعاك إلى ذلك.
قال حارثة: الحقّ أبلج، والباطل لجلج، ولَنقْل ماء البحر ولَشقّ الصخر أهون من إماتة ما أحياه الله عزّ وجلّ وإحياء ما أماته، الآن فاعلما أنّ محمّـداً غير أبْتر، وأنّه الخاتم الوارث والعاقب الحاشر حقّاً فلا نبيّ بعده وعلى أُمّته تقوم الساعة ويرث الله الاَرض ومَن عليها وأنّ من ذرّيّته الاَمير الصالح الذى بيّنتما ونبّأتما أنّه يملك مشارق الاَرض ومغاربها ويظهره الله عزّ وجلّ بالحنفيّة الاِبراهيميّة على النواميس كلها.
قالا: أوْلى لك يا حارثة، لقد أغفلناك وتأبى إلاّ مراوغةً كالثعالبة، فما
( 113 )
تسأم المنازعة ولا تملّ من المراجعة، ولقد زعمت مع ذلك عظيماً، فما برهانك به؟
قال: أما ـ وجدّكما ـ لاَنبّئكما ببرهانٍ يجير من الشبهة ويشفي به جوى الصدور.
ثمّ أقبل على أبي حارثة حصين بن علقمة، شيخهم وأُسقُفهم الاَوّل فقال: إنْ رأيت أيّها الاَب الاَثير أن تؤنس قلوبنا وتثلج صدورنا بإحضار الجامعة والزاجرة.
قالوا: وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع، وذلـك لما خلقت الاَرض وركدت، وفي زمن قيظ شديد، فأقبلا على حارثة فقالا: أرْج هذا إلى غدٍ فقد بلغت القلوب منّا الصدور. فتفرّقوا على إحضار الزاجرة والجامعة من غدٍ للنظر فيهما والعمل بما يتراءان منهما.
فلمّا كان من الغد صار أهل نجران إلى بِيعتهم لاعتبار ما أجمع صاحباهم مع حارثة على اقتباسه وتبيّنه من الجامعة، ولمّا رأى السيّـد والعاقب اجتماع الناس لذلك قُطع بهما لعلمهما بصواب قول حارثة، واعترضاه ليصدّانه عن تصفّح الصحف على أعين الناس، وكانا من شياطين الاِنس، فقال السيّد: إنّك قد أكثرت وأمللت قُضّ الحديث لنا مع قَضّه ودعنا من تبيانه.
فقال حارثة: وهل هذا إلاّ منك وصاحبك! فمن الآن فقولا ما شئتما،
فقال العاقب: ما من مقال إلاّ قلناه، وسنعود فنخبّر بعض ذلك لك تخبيراً غير كاتمين لله عزّ وجلّ من حجةٍ، ولا جاحدين له آية، ولا مفترين مع ذلك على الله عزّ وجلّ لعبدٍ أنّه مرسلٌ منه وليس برسوله، فنحن نعترف ـ يا هذا ـ بمحمّدٍ صلّى الله عليه وآله أنّه رسول من الله عزّ وجلّ إلى قومه
( 114 )
من بني إسماعيل عليه السلام في غير أن نُجب له بذلك على غيرهم من عُرب الناس ولا أعاجمهم، تباعةً ولا طاعةً، بخروج له عن ملّةٍ، ولا دخول معه في ملّةٍ، إلاّ الاِقرار له بالنبوّة والرسالة إلى أعيان قومه ودينه.
قال حارثة: وبمَ شهدتما بما شهدتما له بالنبوّة والاَمر؟
قالا: حيث جاءتنا فيه البيّنة من تباشير الاَناجيل والكتب الخالية.
فقال: منذ وجب هذا لمحمّدٍ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليكما في طويل الكلام وقصيره، وبدئه وعودِه، فمن أين زعمتما أنّه ليس بالوارث الحاشر، ولا المرسل إلى كافّة البشر؟
قالا: لقد علمت وعلمنا، فما نمتري بأنّ حجّة الله عزّ وجلّ لم ينتهِ أمرها، وأنّها كلمة الله جارية في الاَعقاب ما اعتقب الليل والنهار، وما بقي من الناس شخصان، وقد ظننّا من قبل أنّ محمّـداً ربّها، وأنّه القائد بزمامها، فلمّا أعقمه الله عزّ وجلّ بمهلك الذكورة من ولده علمنا أنّه ليس به، لاَنّ محمّـداً أبتر، وحجّة الله عزّ وجلّ الباقية، ونبيّه الخاتم بشهادة كتب الله عزّ وجلّ المُنَزَلة ليس بأبتر، فإذن هو نبيّ يأتي ويخلد بعد محمّـد، اشْتُقّ اسمه من اسم محمّـد وهو أحمد الذي نبّأ المسيح باسمه وبنبوّته ورسالته الخاتمة، ويملك ابنه القاهر الجامعة للناس جميعاً على ناموس الله عزّ وجلّ الاَعظم، ليس بمُظهرة دينه، ولكنّه من ذرّيّته وعقبه، يملك قرى الاَرض وما بينهما، من لوبٍ وسهل وصخر وبحر، ملكاً مورّثاً موطّأً، وهذا نبأٌ أحاطت سَفَرَةُ الاَناجيل به علماً، وقد أوسعناك بهذا القيل سمعاً وعُدنا لك به آنفةً بعد سالفة، فما أربك إلى تكراره؟!
قال حارثة: قد أعلم أنا وإيّاكما في رجع من القول منذ ثلاث وما ذاك إلاّ ليذكر ناس، ويرجع فارط، وتظهر لنا الكلم، وذكرتما نبيين يبعثان
( 115 )
يعتقبان بين مسيح الله عزّ وجلّ والساعة، قلتما وكلاهما من بني إسماعيل، أوّلهم: محمّد بيثرب، وثانيهما: أحمد العاقب.
فتنادى الناس في كلّ ناحية وقالوا: الجامعة يا أبا حارثة الجامعة!
وذلك لما مسّهم في طول تحاور الثلاثة من السآمة والملل، وظنّ القوم مع ذلك أنّ الفلج لصاحبيهما بما كانا يدّعيان في تلك المجالس من ذلك.
فأقبل أبو حارثة إلى علج واقف منه فقال: امض يا غلام فأْتِ بها.
فجاء بالجامعة يحملها على رأسه وهو لا يكاد يتماسك بها لثقلها، قال: فحدّثني رجلٌ صدقٌ من النجرانيّة ممّن كان يلزم السـيّد والعاقب ويخفّ لهما في بعض أُمورهما ويطّلع على كثيرٍ من شأنهما، قال: لمّا حضرت الجامعة بلغ ذلك من السـيّد والعاقب كلّ مبلغٍ، لعلمهما بما يهجمان عليه في تصفّحهما من دلائل رسول الله صلّى الله عليه وآله وصفته، وذِكر أهل بيته وأزواجه وذرّيّته، وما يحدث في أُمّته وأصحابه من بوائق الاَُمور من بعده إلى فناء الدنيا وانقطاعها.
فأقبل أحدهما على صاحبه، فقال: هذا يوم ما بورك لنا في طلوع شمسه، لقد شهدته أجسامنا وغابت عنه آراؤنا بحضور طغاتنا وسفلتنا ولعلّ ما شهد سفهاء قوم مَجمعةً إلاّ كانت لهم الغلبة.
قال الآخر: فهم شرّ غالبٍ لمن غلب، إنّ أحدهم ليفيق بأدنى كلمةٍ ويفسد في بعض ساعةٍ ما لا يستطيع الآسي الحليم له رتقاً، ولا الخَوَلّي النفيس إصلاحاً له في حولٍ محرّم، ذلك لاَنّ السفيه هادمٌ والحليم بانٍ، وشتّان البناء والهدم.
قال: فانتهز حارثة الفرصة فأرسل في خفيةٍ وسرٍّ إلى النفر من
( 116 )
أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله فاستحضرهم استظهاراً بمشهدهم، فحضروا، فلم يستطع الرجلان فضّ ذلك المجلس ولا إرجاؤهُ، وذلك لما بينّا من تطّلع عامّتهما من نصارى نجران إلى معرفة ما تضمّنت الجامعة من صفة رسول الله صلّى الله عليه وآله لذلك، وتأليب حارثة عليهما فيه وصَفوَ أبي حارثة شيخهم إليه.
قال: قال لي ذلك الرجل النجراني: فكان الرأي عندهما أنْ ينقادا لما يدهمهما من هذا الخطب، ولا يظهران شماساً منه ولا نفوراً، حِذار أنْ يطرقا الظنّة فيه إليهما، وأنْ يكونا أيضاً أوّل معتبرٍ للجامعة ومستحثٍّ لها، لئلاّ يفتات في شيءٍ من ذلك المقام والمنزلة عليهما، ثمّ يستبينان الصواب في الحال ويستنجدانه لياخذا بموجبه، فتقدّما ـ لما تقدم في أنفسهما من ذلك ـ إلى الجامعة وهي بين يدي أبي حارثة، وحاذاهما حارثة بن أثاك، وتطاولت إليهما فيه الاَعناق وحفّت رسل رسول الله صلّى الله عليه وآله بهم.
فأمر أبو حارثة بالجامعة، ففتح طرفها واستخرج منها صحيفة آدَم الكبرى، المستودعة علم ملكوت الله عزّ وجلّ جلاله وما ذرأ وما برأ في أرضه وسمائه وما وصلهما جلّ جلاله من ذكر عالميه، وهي الصحيفة التي ورثها شيث من أبيه آدم عليه السلام عمّا دعا من الذكر المحفوظ، فقرأ القوم السيّد والعاقب وحارثة في الصحيفة تطلّباً لما تنازعوا فيه من نعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وصفته، ومن حضرهم يومئذٍ من الناس إليهم يصغون مرتقبون لما يُستدرك من ذِكرى ذلك، فألفوا في المفتاح الثاني من فواصلها:
بسم الله الرحمن الرحيم، أنا الله لا إله إلاّ أنا الحيُّ القيوم، معقّب
( 117 )
الدهور وفاصل الاَُمور، سبقت بمشيّتي الاَسباب، وذلّلْت بقدرتي الصعاب، فأنا العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم، ارحم تُرحم، سبَقتْ رحمَتي غَضبي، وعفوي عقوبتي، خلقتُ عبادي لعبادتي، وألزَمْتهم حُجّتي، ألا إنّي باعثٌ فيهم رُسُلي ومنزلٌ عليهم كُتبي، أُبرم ذلك من لدن أوّل مذكورٍ من بشرٍ إلى أحمد نبيّي وخاتم رُسُلي، ذاك الذي أجعل عليه صلواتي وأسلُك في قلبه بركاتي، وبه أُكمل أنبيائي ونُذري.
قال آدم عليه السلام: إلهي! مَن هؤلاء الرسل؟ ومَن أحمد هذا الذي رفعت وشرّفتَ؟
قال: كلٌّ من ذرّيّتك وأحمد عاقبهم.
قال: ربّ! بما أنت باعثُهم ومُرسِلهم؟
قال: بتوحيدي، ثمّ أُقفّي ذلك بثلاثمائة وثلاثين شريعة أنظمها وأكملها لاَحمد جميعاً، فأذنت لمنْ جاءني بشريعةٍ منها مع الاِيمان بي وبرُسُلي أنْ أُدخله الجنّة.
ثمّ ذكر ما جملته: أنّ الله تعالى عرض على آدم عليه السلام معرفة الاَنبياء عليهم السلام وذرّيّتهم، ونظرهم آدم عليه السلام.
ثمّ قال ما هذا لفظه: ثمّ نظر آدم عليه السلام إلى نورٍ قد لمع فسدّ الجوّ المنخرق فأخذ بالمطالع من المشارق، ثمّ سرى كذلك حتّى طبق المغارب، ثمّ سمـا حتى بلغ ملكوت السماء، فنظر فإذا هو نورُ محمّـد رسول الله صلّى الله عليه وآله وإذا الاَكناف به قد تضوّعتْ طيباً، وإذا أنوار أربعة قد اكتنفته عن يمينه وشماله ومن خلفه وأمامه، أشبه شيء به أرجاً ونوراً ويتلوها أنوارٌ من بعدها تستمدّ منها، وإذا هي شبيه بها في ضيائها وعظمها ونشرها، ثمّ دَنتْ منها فتكلّلتْ عليها وحَفّت بها، ونظر فإذا أنوارٌ
( 118 )
من بعد ذلك في مثل عدد الكواكب ودون منازل الاَوائل جدّاً جدّاً، وبعض هذه أضْوَء من بعض وهي في ذلك متفاوتون جدّاً.
ثمّ طلع عليه سواد كالليلِ وكالسيل ينسلون من كل وجهة وأوبٍ فأقبلوا كذلك حتى ملؤوا القاع والاَُكم فإذا هم أقبح شيءٍ صوراً وهيئةً، وأنتنه ريحاً.
فبهر آدم عليه السلام ما رأى من ذلك، وقال: يا عالم الغيوب وغافر الذنوب، ويا ذا القدرة الباهرة والمشيئة الغالبة، مَن هذا الخلق السعيد الذي كرّمت ورفعت على العالمين؟ ومَن هذه الاَنوار المنيفة المكتنفة له؟
فأوحى الله عزّ وجلّ إليه:
يا آدم هذا وهؤلاء وسيلتك ووسيلة من أسْعدتُ من خلقي، هؤلاء السابقون المقرّبون، والشافعون المشفّعون، وهذا أحمد سيّـدهم وسيّـد بريّتي، اخترته بعلمي واشتققت اسمه من اسمي، فأنا المحمود وهو محمّد، وهذا صنوه ووصيّه، آزرته به، وجعلت بركاتي وتطهيري في عقبه، وهذه سيّـدة إمائي والبقيّة في علمي من أحمد نبيّي، وهذان السبطان والخلفان لهم، وهذه الاَعيان المضاوع نورُها أنوارهم، بقيّة منهم، ألا إنّ كلاًّ اصطفيتُ وطهّرتُ، وعلى كلٍّ باركت وترحّمت، فكلاًّ بعلمي جعلت قدوة عبادي ونور بلادي.
ونظر فإذا شيخ في آخرهم يزهر في ذلك الصفيح كما يزهر كوكب الصبح لاَهل الدنيا، فقال الله تبارك وتعالى: وبعبدي هذا السعيد أفكُّ عن عبادي الاَغلال وأضع عنهم الآصار، وأملاَُ أرضي به حناناً ورأفةً وعدلاً، كما ملئت من قبله قسوةً وقشعريةً وجوراً.
قال آدم عليه السلام: ربّ إنّ الكريم من كرّمت، وإنّ الشريف من
( 119 )
شرّفت، وحقٌّ يا إلهي لمن رفعت وأعليت أنْ يكون كذلك.
فياذا النعم التي لا تنقطع، والاِحسان الذي لا يجازى ولا ينفد، بم بلغ عبادك هؤلاء العالون هذه المنزلة من شرف عطائك وعظيم فضلك وحبائك، وكذلك من كرّمت من عبادك المرسلين؟
قال الله تبارك وتعالى: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، عالم الغيوب ومضمرات القلوب، أعلم ما لم يكن ممّا يكون كيف يكون، وما لا يكون كيف لو كان يكون، وإنّي اطّلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي، فلم أرَ فيهم أطوع لي ولا أنصحَ لخلقي من أنبيائي ورسلي، فجعلت لذلك فيهم روحي وكلمتي، وألزمتهم عبء حجّتي، واصطفيتهم على البرايا برسالتي ووحيي، ثمّ ألقيت بمكاناتهم تلك في منازلهم حوامّهم وأوصيائهم من بعدهم، ودائع حجّتي والسادة في بريّتي، لاَجبر بهم كسر عبادي، وأقيم بهم أودهم، ذلك أنّي بهم وبقلوبهم لطيفٌ خبيرٌ.
ثمّ اطّلعت على قلوب المصطفين من رسلي فلم أجد فيهم أطوع ولا أنصح لخلقي من محمّد خيرتي وخالصتي، فاخترته على علم ورفعت ذِكره إلى ذِكري، ثمّ وجدت قلوب حامّته اللاّتي من بعده على صبغة قلبه، فألحقتهم به وجعلتهم ورثة كتابي ووحيي وأوكار حكمتي ونوري، وآليت بي ألاّ أُعذّب بناري من لقيني معتصماً بتوحيدي وحبل مودّتهم أبداً.
ثمّ أمرهم أبو حارثة أنْ يصيروا إلى صحيفة شيث الكبرى التي انتهى ميراثها إلى إدريس النبيّ عليه السلام، قال: وكان كتابتها بالقلم السرياني القديم، وهو الذي كُتب من بعد نوح عليه السلام من ملوك الهياطلة، وهم النماردة، قال: فاقتص القوم الصحيفة وأفضوا منها إلى هذا الرسم، قال:

( 120 )
اجتمع إلى إدريس عليه السلام قومه وصحابته ـ وهو يومئذٍ في بيت عبادته من أرض كوفان ـ فخبّرهم فيما اقتص عليهم، قال: إنّ بني أبيكم آدم عليه السلام الصُلبيّة وبني بنيه وذرّيّته اختصموا فيما بينهم، وقالوا: أيّ الخلق عندكم أكرم على الله عزّ وجلّ وأرفع لديه مكانةً وأقرب منه منزلةً؟
فقال بعضهم: أبوكم آدم عليه السلام، خلقه الله عزّ وجلّ بيده، وأسجد له ملائكته، وجعله الخليفة في أرضه، وسخّر له جميع خلقه.
وقال آخرون: بل الملائكة الّذين لم يعصوا الله عزّ وجلّ.
وقال بعضهم: لا، بل رؤساء الملائكة الثلاثة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام.
وقال بعضهم: لا، بل أمين الله جبرئيل عليه السلام.
فانطلقوا إلى آدم فذكروا الذي قالوا واختلفوا فيه، فقال: يا بني أنا أُخبركم بأكرم الخلائق جميعاً على الله عزّ وجلّ.
إنّه والله لمّا أنْ نفخ فيَّ الروح حتى استويت جالساً، فبرق لي العرش العظيم فنظرت فيه، فإذا فيه: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله فلان أمين الله فلان خيرة الله عزّ وجلّ ـ فذكر عدة أسماء مقرونةٍ بمحمّـدٍ صلّى الله عليه وآله ـ ثمّ لم أرَ في السماء موضع أديم ـ أو قال: صفيح ـ منها إلاّ وفيه مكتوب: لا إله إلاّ الله، وما من موضع فيه مكتوب لا إله إلاّ الله إلاّ وفيه مكتوب، خلقاً لا خطّاً: محمّد رسول الله، وما من موضعٍ مكتوب فيه محمّـد رسول الله، إلاّ ومكتوب: فلانٌ خيرة الله، فلانٌ صفوة الله، فلانٌ أمين الله عزّ وجلّ ـ فذكر عدة أسماء تنتظم حساب المعدود ـ.
قال آدم عليه السلام: فمحمّـد صلّى الله عليه وآلـه ـ يا بنيَّ ـ ومَن خُطَّ من تلك الاَسماء معه أكرم الخلائق على الله جميعاً.

( 121 )
ثمّ ذكر أنّ أبا حارثة سأل السيّـد والعاقب أنْ يقفا على صلوات إبراهيم عليه السلام الذي جاء بها الاَملاك من عند الله عزّ وجلّ، فقنعوا بما وقفوا عليه في الجامعة، قال أبو حارثة: لا، بل شارِفوها بأجمعها واسبروها، فإنّه أصرم للعذور، وأرفع لحكّة الصدور، وأجدر ألاّ ترتابوا في الاَمر من بعد.
فلم يجدا من المصير إلى قوله من بُدٍّ، فعمد القوم إلى تابوت إبراهيم عليه السلام، قال: وفيه: وكان الله عزّ وجلّ ـ بفضله على من يشاء من خلقه ـ قد اصطفى إبراهيم عليه بخُلّته، وشرّفه بصلواته وبركاته، وجعله قبلةً وإماماً لمن يأتي من بعده، وجعل النبوّة والاِمامة والكتاب في ذرّيّته، يتلقّاها آخرٌ عن أوّلٍ، وورّثه تابوت آدم عليه السلام المتضمّن للحكمة والعلم الذي فضّله الله عزّ وجلّ به على الملائكة طُرّاً.
فنظر إبراهيم عليه السلام في ذلك التابوت، فأبصر فيه بيوتاً بعدد ذوي العزم من الاَنبياء المرسلين وأوصيائهم من بعدهم، ونظرهم فإذا بيت محمّد صلّى الله عليه وآله آخر الاَنبياء، عن يمينه عليّ بن أبي طالبٍ آخذٌ بحجرته، فإذا شكل عظيم يتلاَلاَ نوراً فيه هذا صنوه ووصيّه المؤيّد بالنصر.
فقال إبراهيم عليه السلام: إلهي وسيّدي! مَن هذا الخلق الشريف؟
فأوحى الله عزّ وجلّ: هذا عبدي وصفوتي، الفاتح الخاتم، وهذا وصيّه الوارث.
قال: ربّ ما الفاتح الخاتم؟
قال: هذا محمّد خيرتي، وبكر فطرتي، وحجّتي الكبرى في بريّتي، نبّأْتُه واجتبيته إذْ آدم بين الطين والجسد، ثمّ إنّي باعثه عند انقطاع الزمان لتكملة ديني، وخاتمٌ به رسالاتي ونذري، وهذا عليّ أخوه وصدّيقه الاَكبر،
( 122 )
آخيت بينهما واخترتهما وصلّيت وباركت عليهما، وطهّرتهما وأخلصتهما، والاَبرار منهما وذرّيّتهما قبل أنْ أخلق سمائي وأرضي وما فيهما من خلقي، وذلك لعلمي بهم وبقلوبهم، إنّي بعبادي عليم خبيرٌ.
قال: ونظر إبراهيم عليه السلام فإذا اثنا عشر عظيماً تكاد تلاَلاَ أشكالهم لحسنها نوراً، فسأل ربّه جلّ وتعالى فقال: ربّ نبّئني بأسماء هذه الصور المقرونة بصورة محمّـد ووصيّه؛ وذلك لما رأى من رفيع درجاتهم والتحاقهم بشكلَيْ محمّدٍ ووصيّه عليهم السلام، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه:
هذه أمَتي والبقيّة من نبيّي، فاطمة الصدّيقة الزهراء، وجعلتها مع خليلها عصبةً لذرّيّة نبيّ هؤلاء، وهذان الحسنان، وهذا فلان، وهذا فلان، وهذا كلمتي التي أنشر به رحمتي في بلادي، وبه أنتاش ديني وعبادي ذلك بعد إياسٍ منهم وقنوطٍ منهم من غياثي، فإذا ذكرت محمّداً نبيّي لصلواتك فصلّ عليهم معه يا إبراهيم.
قال: فعندها صلّى عليهم إبراهيم صلى الله عليه وآله، فقال: ربّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما اجتبيتهم وأخلصتهم إخلاصاً.
فأوحى الله عزّ وجل: لتهنك كرامتي وفضلي عليك، فإنّي صائر بسلالة محمّـدٍ صلّى الله عليه وآله ومن اصطفيت معه منهم إلى قناة صُلبك ومخرجهم منك ثمّ من بكرك إسماعيل، فابشر يا إبراهيم فإنّي واصلٌ صلواتك بصلواتهم ومتبع ذلك بركاتي وترحّمي عليك وعليهم، وجاعلُ حسناتي وحجّتي إلى الاَمد المعدود واليوم الموعود، الذي أرث فيه سمائي وأرضي وأبعث له خلقي لفصل قضائي وإفاضة رحمتي وعدلي.
قال: فلمّا سمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله ما أفضى إليه القوم من تلاوة ما تضمّنت الجامعة والصحف الدارسة من نعت رسول الله
( 123 )
صلّى الله عليه وصفة أهل بيته المذكورين معه بما هم به منه، وبما شاهدوا من مكانتهم عنده، ازداد القوم بذلك يقيناً وإيماناً واستطيروا له فرحاً.
قال: ثمّ صار القوم إلى ما نزل على موسى عليه السلام فألْفَوا في السِفْرِ الثاني من التوراة: إنّي باعثٌ في الاَُميّين من ولد إسماعيل رسولاً، أُنزِل عليه كتابي وأبعثه بالشريعة القيّمة إلى جميع خلقي، أُوتيتُه حكمتي وأيّدته بملائكتي وجنودي، تكون ذرّيّته من ابنةٍ له مباركةٍ، باركتها، ثمّ من شبلين لهما كإسماعيل وإسحاق، أصلين لشعبتين عظيمتين، أُكثّرهم جدّاً جدّاً، يكون منهم اثنا عشر في ما أُكمل بمحمّـدٍ صلّى الله عليه وآله وبما أُرسله به من بلاغٍ وحكمةٍ ديني، وأختم به أنبيائي ورسلي، فعلى محمّـد صلّى الله عليه وآله وأُمّته تقوم الساعة.
فقال حارثة: الآن أسْفر الصبح لذي عينين، ووضح الحق لمن رضي به ديناً، فهل في أنفسكما من مرضٍ تستشفيان به؟!
فلم يرجعا إليه قولاً، فقال أبو حارثة: اعتبروا الاَمارة الخاتمة من قول سيّدكم المسيح عليه السلام.
فصار إلى الكتب والاَناجيل التي جاء بها عيسى عليه السلام فألْفَوا في المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح عليه السلام:
يا عيسى يا بن الطاهرة البتول، اسمع قولي وجُدّ في أمري، أنّي خلقتك من غير فحلٍ، وجعلتك آيةً للعالمين، فإيّاي فاعبد وعليّ فتوكّل، وخُذ الكتاب بقوةٍ ثمّ فَسِّره لاَهل سوريا، واخبرهم أنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا الحيُّ القيّوم، الذي لا أحول ولا أزول، فآمنوا بي وبرسولي النبيّ الاَُمّـيّ الذي يكون في آخر الزمان، نبيّ الرحمة والملحمة، الاَوّل والآخر.
قال: أوّل النبيّين خلقاً وآخرهم مبعثاً، ذلك العاقب الحاشر، فبشّر به
( 124 )
بني إسرائيل.
قال عيسى عليه السلام: يا مالك الدُهور وعلاّم الغيوب، مَن هذا العبد الصالح الذي قد أحبّه قلبي ولم ترهُ عيني؟
قال: ذلك خالصتي ورسولي، المجاهد بيده في سبيلي، يوافق قوله فعله وسريرته علانيته، أُنزل عليه توراةً حديثةً أفتح بها أعيناً عمْياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً، فيها ينابيع العلم وفهم الحكمة وربيع القلوب، وطوباه طوبى أُمّته.
قال: ربّ ما اسمه وعلامته؟ وما أكلُ أُمّته ـ يقول مُلكُ أُمّته ـ؟ وهل له من بقيّةٍ ـ يعني ذرّيّةٍ ـ؟
قال: سأنبّئك بما سألت، اسمه أحمد صلّى الله عليه وآله، منتخبٌ من ذرّيّة إبراهيم، ومصطفى من سلالة إسماعيل عليه السلام، ذو الوجه الاَقمر، والجبين الاَزهر، راكب الجمل، تنام عيناه ولا ينام قلبه، يبعثه الله في أُمّةٍ أُمّيّةٍ ما بقي الليل والنهار، مولده في بلد أبيه إسماعيل ـ يعني مكة ـ، كثير الاَزواج قليل الاَولاد، نسله من مباركة صدّيقة، يكون له منها ابنةٌ لها فرخان سيّدان يُستشهدان، أجْعل نسل أحمد منهما، فطوباهما ولمن أحبّهما وشهد أيّامهما فنصرهما.
قال عيسى عليه السلام: إلهي! وما طوبى؟
قال: شجرةٌ في الجنّة ساقها وأغصانها من ذهبٍ، وورقها حُلل، وحملها كثدي الاَبكار، أحلى من العسل وألْين من الزبد، وماؤها من تسنيم، لو أنّ غُراباً طار وهو فرخ لاَدركه الهرم من قبل أنْ يقطعها، وليس منزلٌ من منازل أهل الجنّة إلاّ وظلاله فَنَنٌ من تلك الشجرة.
قال: فلمّا أتى القوم على دراسة ما أوحى الله عزّ وجلّ إلى المسيح
( 125 )
عليه السلام من نعت محمّـدٍ رسول الله صلّى الله عليه وآله وصفته، ومُلك أُمّته، وذِكر ذرّيّته وأهل بيته، أمسك الرجلان مخصومَيْن، وانقطع التحاور بينهم في ذلك.
قال: فلمّا فلج حارثة على السـيّد والعاقب بالجامعة وما بيّنوه في الصحف القديمة ولم يتمّ لهما ما قدّروا من تحريفها، ولم يمكنهما أنْ يُلبسا على الناس في التأويل، أمسكا عن المنازعة من هذا الوجه، وعلما أنّهما قد أخطَـآ سبيل الصواب، فصارا إلى بِيعتهم آسفيْن لينظرا ويرتئيا، وفزع إليهما نصارى نجران، فسألوهما عن رأيهما وما يعملان في دينهما، فقالا ما معناه: تمسّكوا بدينكم حتّى يكشف دين محمّـد، وسنسير إلى نبيّ قريش إلى يثرب، وننظر إلى ما جاء به وإلى ما يدعو إليه.
قال: فلمّا تجهّـز السيّد والعاقب للمسير إلى رسول الله بالمدينة، انتدب معهما أربعة عشر راكباً من نصارى نجران، هم من أكابرهم فضلاً وعلماً في أنفسهم، وسبعون رجلاً من أشراف بني الحرث بن كعب وسادتهم.
قال: وكان قيس بن الحصين ذو العصّة ويزيد بن عبدالمدان ببلاد حضرموت، فقدما نجران على بقيّة مسير قومهم فشخصا معهم فاغترز القوم في أطوار مطاياهم وجنبوا خيلهم وأقبلوا لوجوههم حتى وردوا المدينة.
قال: ولمّا استراث رسول الله صلّى الله عليه وآله خبر أصحابه أنفذ إليهم خالد بن الوليد في خيل سرجها معه لمشارفة أمرهم، فألْفوهم وهم عامدون إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قال: ولمّا دنوا إلى المدينة أحبّ السـيّد والعاقب أنْ يباهيا المسلمين
( 126 )
وأهل المدينة بأصحابهما وبمن حفّ من بني الحـرث معهما، فاعترضاهم فقالا: لو كففتم صدور ركابكم ومسستم الاَرض فألْقيتم عنكم تفثكم وثياب سفركم وشنيتم عليكم من باقي مياهكم كان ذلك أمْثل، فانحدر القوم عن الركاب فأماطوا من شعثهم وألْقوا عنهم ثياب بذلتهم ولبسوا ثياب صونهم من الاَنجميّات والحرير والحبر وذرّوا المسك في لممهم ومفارقهم، ثمّ ركبوا الخيل، واعترضوا بالرماح على مناسج خيلهم، وأقبلوا يسيرون رزدقاً واحداً، وكانوا من أجمل العرب صوراً وأتمّهم أجساماً وخلقاً، فلمّا تشرّفهم الناس أقبلوا نحوهم وقالوا: ما رأينا وفداً أجمل من هؤلاء.
فأقبل القوم حتّى دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله في مسجده، وحانت صلواتهم فقاموا يصلّون إلى المشرق، فأراد الناس أنْ ينهوهم عن ذلك فكفّهم رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ أمهلهم وأمهلوه ثلاثاً، فلم يدْعُهم ولم يسألوه لينظروا إلى هُداه ويعتبروا ما يشاهدون منه ممّا يجدون من صفته.
فلمّا كان بعد ثلاثة دعاهم صلّى الله عليه وآله إلى الاِسلام.
فقالوا: يا أبا القاسم! ما أخبرتْنا كتب الله عزّ وجلّ بشيءٍ من صفة النبيّ المبعوث بعد الروح عيسى عليه السلام إلاّ وقد تعرّفناه فيك، إلاّ خُلّةً هي أعظم الخلال آيةً ومنزلةً، وأجْلاها أمارةً ودلالةً.
قال صلّـى الله عليـه وآله : وما هي؟
قالوا: إنّا نجد في الاِنجيل من صفة النبيّ الغابر من بعد المسيح أنّه يُصدّق به ويؤمن به، وأنت تسبّه وتكذّب به وتزعم أنّه عبد.
قال: فلم تكن خصومتهم ولا منازعتهم للنبيّ صلوات الله عليه وآله إلاّ في عيسى عليه السلام.

( 127 )
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: لا بل أُصدّقه وأُصدّق به وأؤمن به وأشهد أنّه النبيّ المرسل من ربّه عزّ وجلّ، وأقول: إنّه عبدٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
قالوا: وهل يستطيع العبد أنْ يفعل ما كان يفعل؟ وهل جاءت الاَنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة؟! ألمْ يكن يُحيي الموتى ويُبرىَ الاَكمه والاَبرص وينبّئهم بما يكنّون في صدورهم وما يدّخرون في بيوتهم؟ فهل يستطيع هذا إلاّ الله عزّ وجلّ أو ابن الله؟! وقالوا في الغلّو فيه وأكثروا، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
فقال صلّى الله عليه وآله: قد كان عيسى ـ أخي ـ كما قلتم يحيي الموتى، ويبرىَ الاَكمه والاَبرص، ويُخبِر قومه بما في نفوسهم، ومـا يدّخرون في بيوتهم، وكلّ ذلك بإذن الله عزّ وجلّ، وهو لله عزّ وجلّ عبد، وذلك عليه غير عارٍ، وهو منه غير مُستنكِفٍ، فقد كان لحماً ودماً وشعراً وعظماً وعصباً وأمشاجاً، يأكل الطعام ويَظمأ وينصّب باديه، وربّه الاَحد الحقّ الذي ليس كمثله شيء وليس له ندٌ.
قالوا: فأرِنا مثله مَن جاء من غير فحلٍ ولا أبٍ؟!
قال: هذا آدم عليه السلام أعجب منه خلقاً، جاء من غير أبٍ ولا أُمٍّ، وليس شيءٌ من الخلق بأهون على الله عزّ وجلّ في قدرته من شيءٍ ولا أصعب، إنّما أمره إذا أراد شيئاً أنْ يقول له كنْ فيكون، وتلا عليهم (إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقهُ من ترابٍ ثمّ قال لهُ كنْ فيكون).
قالا: فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلاّ تبايناً، وهذا الاَمر الذي لا نقرّ لك، فهلُمّ فلْنُلاعنك أيّنا أوْلى بالحقّ، فنجعل لعنة الله على الكاذبين، فإنّها مُثْلة وآيةٌ معجّلة.

( 128 )
فأنزل الله عزّ وجلّ آية المباهلة على رسول الله صلّى الله عليه وآله (فمنْ حاجّكَ فيه من بعد ما جاءك من العلمِ فقلُ تعالوْا ندْعُ أبناءنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءَكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهلْ فنجعلْ لعنةَ اللهِ على الكاذبين) فتلا عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله ما نُزّل عليه في ذلك من القرآن، فقال صلّى الله عليه وآله: إنّ الله قد أمرني [أن] أصير إلى مُلتمسكم، وأمرني بمباهلتكم إنْ أقمتم وأصررتهم على قولكم.
قالا: وذلك آية ما بيننا وبينك، إذا كان غداً باهلناك.
ثمّ قاما وأصحابهما من النصارى معهما، فلمّا أبعدا ـ وقد كانوا أنزلوا بالحرّة ـ أقبل بعضهم على بعضٍ فقالوا: قد جاءكُم هذا بالفصلِ من أمره وأمركم، فانظروا أوّلاً بمن يباهلكم، أبكافّة أتباعه، أمْ بأهل الكتابة من أصحابه، أو بذوي التخشّع والتمسكن والصفوة ديناً وهم القليل منهم عـدداً؟ فإنْ جاءكم بالكثرة وذوي الشدّة منهم، فإنّما جاءكم مباهياً كما يصنع الملوك، فالفلج إذن لكم دونه، وإنْ أتاكم بنفرٍ قليلٍ ذوي تخشّع فهؤلاء سجيّة الاَنبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم، فإيّاكم والاِقدام إذن على مباهلتهم، فهذه لكم أمارةٌ، وانظروا حينئذٍ ما تصنعون ما بينكم وبينه، فقد أعذر منْ أنذر.
فأمر صلّى الله عليه وآله بشجرتين فقُصدتا وكُسح ما بينهما، وأمهل حتّى إذا كان من الغد أمر بكساءٍ أسودٍ رقيقٍ فنشر على الشجرتين، فلمّا أبصر السيّد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صبغةُالمحسن وعبدالمنعم وسارة ومريم، وخرج معهما نصارى نجران، وركب فرسان بني الحرث بن الكعب في أحسن هيئةٍ، وأقبل الناس من أهل المدينة من المهاجرين والاَنصار وغيرهم من الناس في قبائلهم وشَعارِهم من راياتهم وألْويتهم
( 129 )
وأحسن شارتهم وهيئتهم، لينظروا ما يكون من الاَمر، ولبث رسول الله صلّى الله عليه وآله في حجرته حتّى متع النهار.
ثمّ خرج آخذاً بيد عليٍّ والحسن والحسين أمامه وفاطمة عليها السلام من خلفهم، فأقبل بهم حتّى أتى الشجرتين، فوقف من بينهما من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها من حجرته، فأرسلَ إليهما يدعوهما إلى ما دعواه إليه من المباهلة.
فأقبلا إليه فقالا: بمَنْ تباهلنا يا أبا القاسم؟
قال: بخير أهل الاَرض وأكرمهم على الله عزّ وجلّ، وأشار لهما إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات اللهِ عليهم.
قالا: فما نراك جئت لمباهلتنا بالكبر ولا من الكثر ولا أهل الشارة ممّن نرى ممّن آمن بك واتّبعك! وما نرى ها هنا معك إلاّ هذا الشابّ والمرأة والصبيّين! أفَبِهؤلاء تباهلنا؟!
قال صلّى الله عليه وآله: نعم، أوَ لمْ أُخبركم بذلك آنفاً، نعم بهؤلاءِ أُمرتُ والذي بعثني بالحقّ أنْ أُباهلكم.
فاصْفارّتْ حينئذٍ ألْوانهما وحوكرا، وعادا إلى أصحابهما وموقفهما، فلمّا رأى أصحابهما ما بهما وما دخلهما، قالوا: ما خطبكما؟! فتماسكا وقالا: ما كان ثمّة من خطبٍ فنخبركم.
وأقبل عليهم شابّ كان من خيارهم قد أُوتي فيهم علماً، فقال: ويْحكم! لا تفعلوا، واذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفاته، فوالله إنّكم لتعلمون حقّ العلم إنّه لصادقٌ، وإنّما عهدكم بإخوانكم حديثٌ قد مُسخوا قردةً وخنازير.
فعلموا أنّه قد نصح لهم فأمسكوا.

( 130 )
قال: وكان للمنذر بن علقمة أخي أُسْقُفِهم أبي حارثة حظٌّ من العلم فيهم يعرفونه له، وكان نازحاً عن نجران في وقت تنازعهم، فقدِم وقـد اجتمع القوم على الرحلة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، فشخص معهم، فلمّا رأى المنذر انتشار القوم يومئذٍ وتردّدهم في رأيهم، أخذ بيد السيّـد والعاقب على أصحابه، فقال: اخْلوني وهذين، فاعتزل بهما، ثمّ أقبل عليهما فقال: إنّ الرائد لا يكذب أهله، وأنا لكما جَدّ شفيقٌ، فإنْ نظرتما لاَنفسكما نجيْتما، وإنْ تركتما ذلك هلكتما وأهلكتما.
قالا: أنت الناصح حبيباً، المأمون عيباً، فهاتِ.
قال: أتعلمان أنّه ما باهل قوم نبيّاً قطْ إلاّ كان مهلكهم كلمح البصر، وقد علمتما وكلّ ذي إرَبٍ من ورثة الكتب معكما أنّ محمّـداً أبا القاسم هذا هو الرسول الذي بَشّرتْ به الاَنبياء عليهم السلام وأفصحت ببيعتهم وأهل بيتهم الاَُمناء.
وأُخرى أُنذركما بها فلا تعشوا عنها!
قالا: وما هي يا أبا المثنّى؟
قال: انظرا إلى النجم قد استطلع إلى الاَرض، وإلى خشوع الشجر وتساقط الطير بإزائكما لوجوههما، قد نشرت على الاَرض أجنحتها، وفات ما في حواصلها، وما عليها لله عزّ وجلّ من تبعةٍ، ليس ذلك إلاّ ما قد أظلّ من العذاب.
وانظرا إلى اقشعرار الجبال، وإلى الدُخان المنتشر وفَزَعِ السحاب!
هذا، ونحن في حمّارة القيْظ وأيّان الهجير.
وانظروا إلى محمّـد صلّى الله عليه وآله رافعاً يده والاَربعة من أهله معه إنّما ينتظر ما تجيبان به.

( 131 )
ثمّ اعلموا أنّه إنْ نطق فوهُ بكلمة من بَهْلةٍ لم نتدارك هلاكاً، ولم نرجع إلى أهلٍ ولا مالٍ.
فنظرا فأبصرا أمراً عظيماً فأيْقنا أنّه الحقّ من الله تعالى فزلزلت أقدامهما، وكادت أنْ تطيش عقولهما، واستشعرا أنّ العذاب واقعٌ بهما.
فلمّا أبصر المنذر بن علقمة ما قد لقيا من الخيفة والرهبة قال لهما: إنّكما إنْ أسلَمْتما له سَلِمْتما في عاجله وآجله، وإنْ آثرتما دينكما وغضارة أيْكَتِكما وشمختما بمنزلتكما من الشرف في قومكما فلسْتُ أحجر عليكما الضنين بما نِلْتما من ذلك، ولكنّكما بدهتما محمّداً صلّى الله عليه وآله بتطالب المباهلة، وجعلتماها حجازاً وآيةً بينكما وبينه، وشخصتما من نجران وذلك من تألّككما، فأسرع محمّـدٌ صلّى الله عليه وآله إلى ما بغيتما منه، والاَنبياء إذا أظهرت بأمر لم ترجع إلاّ بقضائه وفعله، فإذا نكلْتما عن ذلك وأذْهَلتْكما مخافةُ ما تريان، فالحظّ في النكولِ لكما.
فالْوحا يا إخوتي الْوحا، صالِحا محمّـداً صلّى الله عليه وآله وأرضياه، ولا تُرجيا ذلك، فإنّكما وأنا معكما بمنزلة قوم يونس لمّا غشيَهم العذاب.
قالا: فكنْ أنت الذي تلقى محمّـداً صلّى الله عليه وآله بكفالة ما يبتغيه لدينا، والْتمسْ لنا إليه ابن عمّه هذا ليكون هو الذي يُبرم الاَمر بيننا وبينه، فإنّه ذو الوجه والزعيم عنده، ولا تبطئن به ما ترجع إلينا به.
وانطلق المنذر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنْ لا إله إلاّ الله الذي ابتعثك، وأنّك وعيسى عبدان لله عزّ وجلّ مُرسَلان.
فأسْلَم وبلّغه ما جاء له، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام لمصالحة القوم، فقال عليٌّ عليه السلام: بأبي أنت، على ما
( 132 )
أصالِحُهم؟
فقال له: رأيك يا أبا الحسن فيما تبرم معهم رأيي.
فصار إليهم فصالحاه على ألف حُلّةٍ وألف دينارٍ خَرْجاً في كلِّ عام، يؤدّيان شطر ذلك في المحرّم وشطراً في رجب.
فصار عليٌّ عليه السلام بهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ذليلين صاغرين، وأخبره بما صالحهما عليه وأقرّا له بالخرج والصغار.
فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: قد قبلتُ ذلك منكم، أما إنّكم لو باهلتموني بمٌنْ تحت الكساء لاَضرم الله عليكم الوادي ناراً تأجّج، ثمّ لساقها الله عزّ وجلّ إلى من ورائكم في أسرع من طرف العين فحرّقهم تأجّجاً.
فلمّا رجع النبي صلّى الله عليه وآله بأهل بيته وصار إلى مسجده هبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّـد! إنّ الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام ويقول: إنّ عبدي موسى عليه السلام باهل عدوّه قارون بأخيه هارون وبنيه، فخسفت بقارون وأهله وما لَه وبمَن آزره من قومه، وبعزّتي أقسم وبجلالي ـ يا أحمد ـ لو باهلتَ بك وبمَن تحت الكساء من أهلك أهل الاَرض والخلائق جميعاً لتقطّعت السماء كسفاً والجبال زبراً، ولساخت الاَرض فلم تستقرّ أبداً إلاّ أنْ أشاء ذلك.
فسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله ووضع على الاَرض وجهه، ثمّ رفع يديه حتّى تبيّن للناس عفرة إبطيه فقال: شكراً للمنعم ـ قالها ثلاثاً ـ.
فسُئل النبيّ صلّى الله عليه وآله عن سجدته وعمّا رأى من تباشير السرور في وجهه، فقال: شكراً لله عزّ وجلّ لِما أبلاني من الكرامة في أهل
( 133 )
بيتي، ثمّ حدّثهم بما جاء به جبرئيل عليه السلام»(1).


كتاب الصلح:
وجاء في غير واحدٍ من الكتب أنّ عليّاً عليه السلام كتب لهم كتاباً بأمرٍ من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم(2) وذكر ابن شبّـة والبلاذري وغيرهما نصّ الكتاب، ويظهر منه أنّ القوم كانوا يحتفظون به، قال البلاذري: «وقال يحيى بن آدم: وقد رأيت كتاباً في أيدي النجرانيّين كانت نسخته شبيهةً بهذه النسخة وفي أسفله: وكتب علي بن أبي طالب»(3).


القربات يوم المباهلة:
وبما أنّ يوم المباهلة يوم أظهر الله فيه حقيّة نبوّة رسوله على النصارى، وأبان فيه مقام عليٌّ وأهل البيت للعالمين، فهو من أعظم الاَعياد الاِسلامية، وأشرف أيام سرور المؤمنين، وكان من واجب كلّ فردٍ أن يقوم بشكر هذه النعمة بما أمكنه من مظاهر الشكر...
ومن هنا فقد ذُكر هذا اليوم من مسارّ الشيعة، وهو اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة(4).
ووردت فيه أعمالٌ وقرباتٌ، من الغُسل، والصوم، والصلاة، والدعاء... كما لا يخفى على من يراجع كتب هذا الشأن(5).

____________
(1) الاِقبال بصالح الاَعمال: 496 ـ 513، من الطبعة الحجرية.
(2) ومن ذلك أيضاً: سنن البيهقي 10|120.
(3) فتوح البلدان: 76 ـ 77.
(4) مسارّ الشيعة ـ للشيخ للمفيد ـ: 41.
(5) مصباح المتهجّد: 758 ـ 767، الاِقبال بصالح الاَعمال: 515.