وكما أشرنا من قبل، فإن أصحابنا يستدلّون بالآية المباركة ـ بعد تعيين
المراد بأهل البيت فيها بالاَحاديث المتواترة بين الفريقين ـ على عصمة أهل
البيت... وقد جاء ذكر وجه الاستدلال لذلك مشروحاً في كتبهم في العقائد
والاِمامة، وفي تفاسيرهم بذيل الآية المباركة، ويتلخّص في النقاط التالية:
1ـ «إنّما» تفيد الحصر، فالله سبحانه حصر إرادة إذهاب الرجس عنهم.
2ـ «الاِرادة» في الآية الكريمة تكوينية، من قبيل الارادة في قوله تعالى:
(إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)(44) لا تشريعية من قبيل
الارادة في قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(45)
لان لتشريعية تتنافى مع نص الآية بالحصر، إذ لا خصوصيّة لاَهل البيت في تشريع ،
الاَحكام لهم.
وتتنافى مع الاَحاديث، إذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم طبّق الآية عليهم دون غيرهم.
3ـ «الرّجس» في الآية هو «الذنوب».
وتبقى شبهة: إنّ الارادة التكوينية تدلّ على العصمة، لاَنّ تخلّف المراد
عن ارادته عزوجل محال، لكنّ هذا يعني الالتزام بالجبر وهو ما لا تقول
وقد أجاب علماؤنا عن هذه الشّبهة بما حاصله بناءً على نظرية: لا جبر
ولا تفويض، بل أمرٌ بين الاَمرين ـ بما حاصله:
إنّ مفاد الآية أن الله سبحانه لمّا علم أن إرادة
أهل البيت تجري دائماً على وفق ما شرّعه لهم من التشريعات، لِما هم عليه
من الحالات المعنوية العالية، صحَّ له تعالى أنْ يخبر عن ذاته المقدَّسة أنّه لا
يريد لهم بإرادته التكوينية إلاّ إذهاب الذنوب عنهم، لاَنه لا يُوجد من أفعالهم،
ولا يقدرهم إلاّ على هكذا أفعالٍ يقومون بها بإرادتهم لغرض إذهاب الرّجس
عن أنفسهم...
ثم إنّه لولا دلالة الآية المباركة على هذه المنزلة العظيمة لاَهل البيت، كما
حاول أعداؤهم من الخوارج والنواصب إنكارها، بل ونسبتها إلى غيرهم، مع
أنّ أحداً لم يدّع ذلك لنفسه سواهم.
*
*
وجاء العلماء... وهم يعلمون بمدلول الآية المباركة ومفاد الاَحاديث
الصحيحة الواردة بشأنها. وهُم من جهة لا يريدون الاعتراف بذلك، لاَنه في
الحقيقة نسفٌ لعقائدهم في الاَُصول والفروع... ومن جهةٍ أُخرى ينسبون
أنفسهم إلى «السنّة» ويدّعون الاَخذ بها والاتّباع لها... فوقعوا في اضطرابٍ،
وتناقضت كلماتهم فيما بينهم، بل تناقضت كلمات الواحد منهم...
فمنهم من وافق الاِماميّة، بل ـ في الحقيقة ـ تبع السنّة النبوية الثابتة في
المقام وأخذ بها
ومنهم من وافق عكرمة الخارجي ومقاتل المجمع على تركه
ومنهم من أخذ بقول الضحّاك الضَّعيف، خلافاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبار
فهم على طوائف ثلاثة:
ونحن نذكر من كلّ طائفة واحداً أو أثنين:
فمن الطائفة الاَُولى
أبو جعفر الطحاوي(46) قال: «باب بيان مشكل ما روي عن
=
حدّثنا الربيع المرادي، حدّثنا اسد بن موسى، حدّثنا حاتم بن إسماعيل،
حدّثنا بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لمّا نزلت هذه الآية
دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً عليهم السلام ، وقال: اللهم هؤلاء
أهل بيتي.
فكان في هذا الحديث أن المراد بما في هذه الآية هم: رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين.
حدّثنا فهد، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير بن عبدالحميد، عن
الاَعمش، عن جعفر، عن عبدالرحمن البجلي، عن حكيم بن سعيد، عن أُم
سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن
وحسين عليهم السلام (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيراً).
ففي هذا الحديث الذي في الاَول».
ثم أنّه أخرج بأسانيد عديدة هذا الحديث عن أُمّ سلمة، وفيها الدلالة
الصريحة على اختصاص الآية بأهل البيت الطّاهرين، وهي الاَحاديث التي جاء
فيها أن أم سلمة سألت: «وأنا معهم؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
وقالت: «فقلت: يا رسول الله، أنا من أهل البيت؟ فقال: إنْ لكِ
عند
وقالت: «فرفعت الكساء لاَدخل معهم، فجذب رسول الله وقال: إنكِ
على خير».
قال الطحاوي: «فدلَّ ما روينا من هذه الآثار ـ ممّا كان من رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أُم سلمةـ مما ذكرنا فيها لم يرد به أنها كانت مما أُريد به مما في
الآية المتلوّة في هذا الباب، وأن المراد بما فيها هم: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي
وفاطمة والحسن والحسين دون ما سواهم ـ يدل على مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
بقوله لام سلمة في هذه الآثار من قوله لها: ( أنتِ من أهلي ):
ما قد حدّثنا محمد بن الحجاج الحضرمي وسليمان الكيساني قالا:
حدّثنا بشر بن بكر، عن الاَوزاعي، أخبرني أبو عمار، حدّثني واثلة...
فقلت: يا رسول الله: وأنا من أهلك؟ فقال: وأنت من أهلي.
قال واثلة: فإنها من أرجى ما أرجو!
وواثلة أبعد منه عليه السلام من أُم سلمة منه، لاَنّه إنما هو رجل من بني ليث،
ليس من قريش. وأُم سلمة موضعها من قريش موضعها الذي هي به منه.
فكان قوله لواثلة: أنت من أهلي، على معنى: لاتّباعك إيّاي وايمانك بي،
فدخلت بذلك في جملتي.
وقد وجدنا الله تعالى قد ذكر في كتابه ما يدل على هذه المعنى بقوله:
فمثل ذلك أيضاً ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جواباً لاَُم سلمة: «أنتِ
من أهلي» يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضاً، وأن يكون قوله ذلك
كقوله مثله لواثلة.
وحديث سعدٍ وما ذكرناه معه من الاَحاديث في أول الباب معقول بها
من أهل الآية المتلوة فيها، لاَنا قد أحطنا علماً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا دعا من
أهله عند نزولها لم يبق من أهلها المرادين فيها أحد سواهم، واذ كان ذلك
كذلك استحال أن يدخل معهم فيما أريد به سواهم. وفيما ذكرنا من ذلك بيان
ما وصفنا.
فإنْ قال قائل: فإنّ كتاب الله تعالى يدل على أن أزواج النبي هم
المقصودون بتلك الآية، لاَنه قال قبلها في السورة التي هي فيها: (يا أيها
النبي قل لاَزواجك...)(49) فكان ذلك كله يؤذن به، لاَنّه على خطاب
النساء لا على خطاب الرجال، ثم قال: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس) الآية.
فكان جوابنا له: إن الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله: (إنّما يريد الله )
الآية. خطاب لاَزواجه، ثم اعقب ذلك بخطابه لاَهله بقوله تعالى: (إنّما
يريد الله )الآية، فجاء به على خطاب الرجال، لاَنه قال فيه: (ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهّركم) وهكذا خطاب الرجال، وما قبله فجاء
فعقلنا أن قوله: (إنّما يريد الله) الآية، خطاب لمن أراده من الرجال
بذلك، ليعلمهم تشريفه لهم ورفعه لمقدارهم أن جعل نساءهم ممن قد وصفه
لما وصفه به مما في الآيات المتلوة قبل الذي خاطبهم به تعالى.
ومما دلّ على ذلك أيضاً ما حدّثنا... عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كان اذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت (إنّما يريد
الله ) الآية.
وما قد حدّثنا... حدّثني أبو الحمراء قال: صحبت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ...
وفي هذا أيضاً دليل على أنّ هذه الآية فيهم. وبالله التوفيق»(50)
ومن الطائفة الثانية:
ابن الجوزي(51) والذهبي(52).. فإنّهما تبعا عكرمة البربري الخارجي،
ومقاتل بن سليمان، على ما هو مقتضى تعصّبهما وعنادهما لاَهل
البيت عليهم السلام !
ومن الطائفة الثانية
ابن كثير.. فإنّه بعد أن ذكر فرية عكرمة قال: «فإنّ كان المراد أنهن
كن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح؛ وإنْ أُريد أنهن المراد فقط
ثم أورد عدةً كثيرة من تلك الاَحاديث التي هي نصٌّ في اختصاص الآية
بالرسول والوصي والحسنين والصديقة الطاهرة عليهم الصلاة والسلام ـ وأن
قول عكرمة مخالف للكتاب والسنّة...
غير أن تعصّبه لم يسمح له بالاِذعان بذلك، حتى قال بدخول الزوجات
في المراد بالآية! متشبّثاً بالسّياق، فقال: «ثم الذي لا يشك فيه من تدبّر القرآن
أن نساء النبي صلى الله عليه [وآله]وسلٌم داخلات في قوله تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فإنّ سياق الكلام معهن...»(53).
اعتراف ابن تيمية بصّحة الحديث:
والعجب أنّ ابن تيميّة لا يقول بهذا ولا بذاك! بل يذعن بصحّة الحديث
كما استدل العلاّمة الحلي ـ ، قال العلامة:
« ونحن نذكر هنا شيئاً يسيراً مّا هو صحيح عندهم، ونقلوه في المعتمد
من قولهم وكتبهم، ليكون حجةً عليهم يوم القيامة، فمن ذلك:
ما رواه أبو الحسن الاَندلسي(54) في «الجمع بين الصحاح الستّة»:
قالت: وفي البيت رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجلّلهم بكساء وقال: اللهم
هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».
فقال ابن تيميّة:
« فصل : وأما حديث الكساء فهو صحيح، رواه أحمد والترمذي من
حديث أُم سلمة، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة، قال: خرج
النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي
فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء
علي فأدخله، ثم قال: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم
تطهيراً).
وهذا الحديث قد شركه فيه فاطمة وحسن وحسين ـ رضي الله عنهم ـ
فليس هو من خصائصه، ومعلوم أن المرأة لا تصلح للاِمامة، فعلم أن هذه
الفضيلة لا تختص بالاَئمة بل يشركهم فيها غيرهم.
ثم إن مضمون هذا الحديث أنّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم دعا لهم بأن يذهب عنهم
الرجس ويطهرهم تطهيراً.
وغاية ذلك أنْ يكون دعا لهم بأنْ يكونوا من المتّقين الذين أذهب الله
قال الله تعالى: (ما يريد الله
ليجعل عليكم من حرج ولكنْ يريد ليطهّركم وليتمّ نعمته عليكم)(55) وقال:
(خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها)(56) وقال تعالى: (إنّ الله
يحب التوّابين ويحب المتطهرين)(57)
فغاية هذا أنْ يكون هذا دعاءً لهم بفعل المأمور وترك المحظور،
والصدّيق رضي الله عنه قد أخبر الله عنه بأنّه (الاَتقى *الذي يؤتي ماله يتزكّى وما
لاَحدٍ عنه من نعمةٍ تجزى *إلاّ ابتغاء وجه ربّه الاَعلى ولسوف يرضى)(58)
وأيضاً: فإنّ السابقين الاَوّلين من المهاجرين والاَنصار والذين اتّبعوهم
بإحسان( رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري من تحتها الاَنهار
خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم)(59) لا بدّ أنْ يكونوا قد فعلوا المأمور
وتركوا المحظور، فإنّ هذا الرضوان وهذا الجزاء إنما ينال بذلك، وحينئذٍ
فيكون ذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من الذنوب بعض صفاتهم.
فما دعا به النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لاَهل الكساء هو بعض ما وصف
الله به السابقين الاَوّلين.
والنبي دعا لاَقوامٍ كثيرين بالجنّة والمغفرة وغير ذلك، مما هو أعظم من
هذا نص كلام ابن تيمية، وأنت ترى فيه:
1ـ الاعتراف بصحة الحديث الدال على نزول الآية المباركة في أهل
الكساء دون غيرهم.
2ـ الاعتراف بأنّه فضيلة.
3ـ الاعتراف بعدم شمول الفضيلة لغير علي وفاطمة والحسن
والحسين عليهم السلام .
فأين قول عكرمة؟! وأين السّياق؟! وأين ما ذهب إليه ابن كثير؟!
سقوط كلمات ابن تيميّة
وتبقى كلمات ابن تيميّة، فإنّه بعد أن أعرض عن قول عكرمة، وعن
قول من قال بالجمع، واعترف بالاختصاص بالعترة ،أجاب عن الاستدلال بالآية
المباركة بوجوهٍ واضحة البطلان:
* فأول شيء قاله هو: «هذا الحديث ق شركه فيه فاطمة...».
وفيه: إن العلاّمة الحلي لم يدّع كون الحديث من خصائص علي عليه السلام ،
بل الآية المباركة والحديث يدلاّن على عصمة «أهل البيت» وهم: النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وعلي وفاطمة والحسن والحسين ...
والمعصوم هو المتعيَّن للاِمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، غير أنّ المرأة لا تصلح للاِمامة.
* ثم قال: «ثم إن مضمون هذا الحديث أن النبي دعا لهم... بأنْ يكونوا
من المتّقين الذين أذهب الله عنهم الرجس... فغاية هذا أن يكون هذا دعاءً
لهم بفعل المأمور وترك المحظور».
وهذا من قلة فهمه أو شدّة تعصّبه:
أمّا أولاً: فلاَنّه ينافي صريح الآية المباركة، لاَنّ «إنّما» دالّة على
الحصر، وكلامه دال على عدم الحصر، فما ذكره ردّ على الله والرسول.
أمّا ثانياً: فلاَنّ في كثيرٍ من «الصحاح» أنّ الآية نزلت، فدعا رسول الله
علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي...
فالله عزوجل يقول: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت...)
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يُعيّن «أهل البيت» وأنّهم هؤلاء دون غيرهم.
وأما ثالثاً: فلاَنه لو كان المراد هو مجرّد الدّعاء لهم بأنْ يكونوا «من
المتقين» و «الطهارة مأمور بها كلّ مؤمن» «فغاية هذا أن يكون دعاءً لهم بفعل
المأمور وترك المحظور» فلا فضيلة في الحديث، وهذا يناقض قوله من قبل
«فعلم أن هذه الفضيلة...».
وأمّا رابعاً: فلاَنّه لو كان «غاية ذلك أن يكون دعاءً لهم بفعل المأمور
وترك المحظور» فلماذا لم يأذن لاَُم سلمة بالدخول معهم؟!
أكانت «من المتقين الذين أذهب الله عنهم الرجس...» فلا حاجة لها إلى الدعاء؟! أو لم يكن
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد منها أن تكون «من المتقين...»؟
وأمّا خامساً: فلو سلّمنا أنّ «غاية هذا أنْ يكون دعاءً لهم...» لكنْ اذا
* فقال: «والصدّيق قد أخبر الله عنه...».
وحاصله: إن غاية ما كان في حقّ «أهل البيت» هو «الدعاء» وليس في
الآية ولا الحديث إشارة إلى «استجابة» هذا الدعاء، فقد يكون وقد لا يكون،
وأمّا ما كان في حق «أبي بكر» فهو «الاِخبار» فهو كائن، فهو أفضل من «أهل
البيت»!!
وفيه:
أولاً: في «أهل البيت» في الآية شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ريب في
أفضليته المطلقة.
وثانياً: في «أهل البيت» في الآية فاطمة الزهراء، وقد اعترف غير
واحدٍ من أعلام القوم بأفضليّتها من أبي بكر:
فقد ذكر العلاّمة المناوي بشرح الحديث المتفق عليه بين المسلمين:
«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»:«استدل به السهيلي(61) على أن من
سبّها كفر، لاَنه يغضبه، وأنها أفضل من الشيخين».
وقال: «قال الشريف السمهودي: ومعلوم أنّ أولادها بضعة منها،
فيكونون بواسطتها بضعة منه، ومن ثمَّ لمّا رأت أُم الفضل في النوم أن بضغةً
منه وضعت في حجرها أوّلها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بأنْ تلد
قال ابن حجر: وفيه تحريم أذى من يتأذّى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بتأذّيه،
فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء فتأذّت به فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يتأذى بشهادة
هذا الخبر، ولا شيء أعظم من إدخال الاَذى عليها من قبل ولدها، ولهذا
عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا (ولعذاب الآخرة
أشد)(62)»(63)
وثالثاً: في «أهل البيت» في الآية: الحسن والحسين، وإنّ نفس الدليل
الذي أقامه الحافظ السهيلي وغيره على تفضيل الزهراء دليل على أفضليّة
الحسنين، بالاِضافة إلى الاَدلة الاَُخرى، ومنها «آية التطهير» و«حديث الثقلين»
الدالّين على «العصمة»، ولا ريب في أفضلية المعصوم من غيره.
ورابعاً: في «أهل البيت» في الآية:أمير المؤمنين عليه السلام ، وهي ـ مع أدلّةٍ
غيرها لا تحصى ـ تدل على أفضليته على ميع الخلائق بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وخامساً: كون المراد من الآية: (الاَتقى...) أبو بكر» هو قول
انفرد القوم به، فلا يجوز أنه يعارض به القول المتّفق عليه.
وسادساً: كون المراد بها «أبو بكر» أوّل الكلام، وقد تقدم الكلام على
ذلك.
* قال: «وأيضاً: فإن السابقين الاَوّلين من المهاجرين والاَنصار... فما
دعا به النبيّ...».
وحاصله: أفضليّة «السابقين الاَوّلين...» من «أهل البيت» المذكورين.
ويرد عليه: ما ورد على كلامه السابق، فإنّ هذا فرع أن يكون الواقع من
النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو صرف «الدعاء»... وقد عرفت أنّ الآية تدل على أنّ الارادة
الاِلهية تعلّقت بإذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم تطهيراً، فهي دالة
على عصمة «أهل البيت» وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن للاَُمّة الاِسلامية أنهم:هو
عليٌِ وفاطمةوالحس والحسين
ثم إنّ الآية: (والسّابقون الاَوّلون...)(64)ها أمير المؤمنين عليه السلام ،
ويشهد بذلك تفسير قوله تعالى: (والسابقون السابقون*أولئك
المقرّبون)(65) بعلي عليه السلام .
فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:«السبٌق
ثلاثة، السّابق إلى موسى: يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى: صاحب
ياسين، والسابق إلى محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم
قال الهيثمي: «رواه الطبراني، وفيه: حسين بن حسن الاَشقر، وثّقه ابن
حبان، وضعّفه الجمهور، وبقيّة رجاله حديثهم حسن أو صحيح»
قلت:
«الحسين بن حسن «الاَشقر» من رجال النّسائي في (صحيحه) وقد
وقد حكى الحافظ بترجمته، عن العقيلي، عن أحمد بن محمد
بن هانئ، قال: قالت لآبي عبدالله ـ يعني ابن حنبل ـ تحدث عن حسين»(65)
وذكر عنه التشيّع فقال له العباس بن عبدالعظيم: انّه يحدّث في أبي بكر وعمر. وقلت أنا: يا أبا عبدالله!انّه
صنّف باباً في معايبهما. فقال: ليس هذا بأهلٍ أنْ يحدّث عنه»(69).
وكأنَّ هذا هو السبّب في تضعيف غير أحمد، وعن الجوزجاني: غالٍ،
من الشتّامين للخيرة(70). ولذا يقولوان: له مناكير، وأمثال هذه الكلمة ممّا يدل
على طعنهم في أحاديث الرجل في فضل علي أو الحط من مناوئيه، وليس
لهم طعن في الرجل نفسه، ولذا قال ابن معين: كان من الشيعة الغالية. فقيل
له: فكيف حديثه؟! قال: لا بأس به. قيل: صدوق؟ قال: نعم، كتبت عنه(71).
ومن هنا قال الحافظ: «الحسين بن حسن الاَشقر، الفزاري، الكوفي،
صدوق، يهم ويغلو في التشيع، من العاشرة، مات سنة 208، س»(72).
وأمّا أبو بكر... فلم يكن من السّابقين الاَوّلين:
قال أبو جعفر الطبري: «وقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة. ذكر
من قال ذلك: حدّثنا ابن حميد، قال حدّثنا كنانة بن جبلة، عن إبراهيم بن
طهمان، عن الحجّاج بن الحجّاج، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن
محمد بن سعد قال: قلت لاَبي:
أكان أبو بكر أوّلكم إسلاماً؟
فقال: لا؛ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين؛ ولكنْ كان أفضلنا
إسلاماً»(73).
تناقض ابن تيميّة:
ثمّ إن ابن تيميّة تعرض لآية التطهير في موضعٍ آخر، ولكنه هذه المرّة
لم ينص على صحة الحديث! ولم يعترف بمفاده! بل ادّعى كون الاَزواج من أهل
البيت! وهو القول الثالث الذي نسبه ابن الجوزي إلى الضحّاك بن مزاحم، وهذه هي عبارته:
« وأمّا آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس
عنهم، وإنما فيها الاَمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم، فإن
قوله: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)
وقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكنْ يريد ليطهّركم)
وقوله: (يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب
عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أنْ يتوب عليكم ويريد الذين يتّبعون
الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله ان يخفّف عنكم وخلق
الاِنسان ضعيفاً)(74)
فالاِرادة هنا متضمّنة للاَمر والمحبة والرضا، وليست هي المشيئة
المستلزمة لوقوع المراد، فإنه لو كان كذلك لكان قد طهّر كلّ من أراد
طهارته. وهذا على قول هؤلاء القدرية الشيعة أوجه، فإن عندهم أنّ الله يريد
ما لا يكون! ويكون ما لا يريد!
فقوله: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم
تطهيراً) إذا كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور كان ذلك متعلّقاً بإرادتهم
وأفعالهم، فإنْ فعلوا ما أُمروا به طهّروا والاّ فلا.
وهم يقولون: إن الله لا يخلق أفعالهم ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب
الرجس عنهم، وأما المثبتون للقدر فيقولون: إن الله قادر على ذلك، فإذا
ألهمهم فعل ما أمر وترك ما حظر حصلت الطهارة وذهاب الرجس.
وممّا يبيّن أن هذا مما أُمروا به لا مما أُخبروا بوقوعه: ما ثبت في
الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أدار الكساء على علي وفاطمة وحسن وحسين ثم قال:
اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. وهذا الحديث
رواه مسلم في صحيحه عن عائشة، ورواه أهل السنن عن أُم سلمة.
وهو يدل على ضد قول الرافضة من وجهين:
أحدهما: أنّه دعا لهم بذلك. وهذا دليل على أنّ الآية لم تخبر بوقوع
ذلك، فإنّه لو كان قد وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك، ولا
يقتصر على مجرّد الدعاء به.
الثاني: إنّ هذا يدل على أنّ الله قادر على إذهاب الرجس عنهم
وتطهيرهم، وذلك يدل على أنّه خالق أفعال العباد.
وممّا يبيّن أن الآية متضمّنة للاَمر والنهي قوله في سياق الكلام: (يا
نساء النبي من يأتِ منكنَّ بفاحشةٍ... إنّما يريد الله ليذهب...
وهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي.
ويدل على أن أزواج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم من أهل بيته، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهنَّ.
ويدل على أن قوله (ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت) عم غير أزواجه، كعلي وفاطمة وحسن وحسين رضي
الله عنهم، لاَنه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنّث. وهؤلاء خصّوا
بكونهم من أهل البيت من أزواجه، فلهذا خصّهم بالدعاء لما أدخلهم في
الكساء، كما أنّ مسجد قباء أُسّس على التقوى، ومسجده صلى الله عليه [وآله] وسلم أيضاً أُسّس على
التقوى وهو اكمل في ذلك. فلما نزل قوله تعالى: (لمسجد أُسّس على
التقوى من أول يوم...)(75) بسبب مسجد قباء تناول اللفظ لمسجد قباء
ولمسجده بطريق الاَولى.
وقد تنازع العلماء: هل أزواجه من آله؟ على قولين، هما روايتان عن
أحمد، أصحّهما أنهّن من آله وأهل بيته، كما دلّ على ذلك ما في الصحيحين
من قوله: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته. وهذا مبسوط في
موضع آخر»(76).
أقول:
لقد حاول ابن تيميّة التهرّب من الالتزام بمفاد الآية المباركة والسنّة
وقد ذكرنا نحن أيضاً طائفةً من الاَحاديث المشتملة على وقوع
إذهاب الرّجس عن أهل البيت وتطهيرهم عنه من الله سبحانه بإراته التكوينية
غير المنافية لمذهب أهل البيت في مسألة الجبر والاختيار.
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عيّن المراد من «أهل البيت» عليهم السلام في الآية المباركة
بعد نزول الآية المباركة ودعا لهم أيضاً ولا ريب في أن دعائه مستجاب.
كما علمنا من الخصوصيات الموجودة في نفس الآية، ومن الاَحاديث
الصحيحة الواردة في معناها أنّ الآية خاصة بأهل البيت ـ وهذا ما اعترف به
جماعة من أئمّة الحديث كالطحاوي وابن حبان تبعاً لاَزواج النبي وأعلام الصحابة ـ وأنها
نازلة في قضيةٍ خاصة، غير أنها وضعت ضمن آيات نساء النبي، وكم له من
نظير، حيث وضعت الآية المكية ضمن آياتٍ مدنيةٍ أو المدنية ضمن آيات
مكيّة.
وقد دلّت الآية المباركة والاَحاديث المذكورة وغيرها على أنّ عنوان
«أهل البيت» ـ أي: أهل بيت النبي ـ لا يعم أزواجه، بل لا يعم أحداً من
عشيرته واُسرته إلاّ بقرينةٍ.
هذا، وفي صحيح مسلم في ذيل حديث الثقلين عن زيد بن أرقم، أنه
سئل: هل نساؤه من أهل بيته؟ قال: «لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل
العصر من الدهر ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها».
هذا هو الذي دلّت عليه الاَحاديث.
وأمّا ما رووه عنه من أنْ:«أهل بيته من حرم الصدقة من بعده» فيردّ
تطبيقه على ما نحن فيه الاَحاديث المتواترة المذكورة بعضها، ومن الواضح
عدم جواز رفع اليد عن مفادها بقول زيد هذا.
*
*
وتلخّص: أنّ الآية المباركة لم تنزل إلاّ في العترة الطّاهرة، وهذا ما أشار
إليه السيد ـ رحمه الله ـ بقوله: «هل حكمت محكماته بذهاب الرجس عن غيرهم؟! وهل
لاَحدٍ من العالمين كآية تطهيرهم؟!».
فقيل:
«هذه الآية لم تنزل في آل البيت ـ كما يفهم المؤلّف ـ بل نزلت في نساء
النبي صلى الله عليه [وآله]وسلم، وأنْ كان معناها متضمّناً لآل البيت بالمفهوم الضيّق الذي يفهمه
الشيعة، وهم أبناء علي وفاطمة.
وليس فيها إخبار بذهاب الرجس وبالطهارة، وإنّما فيها الاَمر بما يوجب
طهارتهم وذهاب الرجس عنهم، وذلك كقوله تعالى (المائدة: 6): 2 (ما
يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكنْ يريد ليطهركم) وكقوله تعالى:
(النساء: 26): (يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم) وكقوله (النساء: 28):
(يريد الله أنْ يخفّف عنكم)...
ومما يبيّن أن ذلك مما أُمروا به لا مما أخبر بوقوعه: أن النبي صلى الله عليه [وآله]وسلم أدار
الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي
فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. رواه مسلم من حديث عائشة، ورواه
أصحاب السنن من حديث أُم سلمة. وفيه دليل على أنّه تعالى قادر على
إذهاب الرجس والتطهير.
وممّا يبيّن أنّ الآية متضمّنة للاَمر والنهي قوله في سياق الكلام
فهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي، وأن الزوجات من أهل
البيت، فإنّ السياق انما هو في مخاطبتهن. ويدل الضمير المذكر على أنه عم
غير زوجاته كعلي وفاطمة وابنيهما، كما أن مسجد قبا اسّس على التقوى،
ومسجده أيضاً أسس على التقوى وهو أكمل في ذلك، فلما نزلت (التوبة:
108): (لمسجد أُسّس على التقوى) تناول اللفظ مسجد قبا ولمسجده
بطريق الاَولى.
وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن أسلم(77): (... وأهل بيتي،
أذكركم الله في أهل بيتي. ثلاثاً).
فقال الحصين: ومن أهل بيته يا زيد؟! أليس
نساؤه من أهل بيته؟!
قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟
قال آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.
قال: كلّ هؤلاء حرم الصدقة؟! قال: نعم. (مسلم 7|122 ـ 123.
وفي الصحيحين: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته.
(المنتقى: 169.
وعلى هذا، فإنّ كلام المؤلف عن هذه بأنها قد حكمت بذهاب الرجس
أقول:
وهذا الكلام هو كلام ابن تيميّة، وقد ذكرنا غير مرةٍ أن هؤلاء
المتأخّرين، المناوئين لاَهل البيت الطاهرين، يلجأون إلى كلمات ابن تيميّة متى
ما أعوزهم الدليل، وقد عرفت التهافت والتناقض في كلمات ابن تيميّة حول
آية التطهير.
لكنّ هذا الرجل اختار هذا الكلام دون كلامه السابق، لخلوّ هذا من
التصريح بصحّة الحديث وكونه فضيلةً خاصّة بأهل البيت عليهم السلام!!
على أنّ نفس هذا الكلام أيضاً متهافتٌ ـ كما لا يخفى على أهل النظر
والتدقيق ـ لاَنّه يقول أوّلاً: «هذه الآية لم تنزل في آل البيت كما يفهم المؤلّف»
ففي مَن نزلت؟!
يقول: « بل نزلت في نساء النبي صلى لله عليه [وآله] وسلم».
وهذا قول عكرمة الخارجي!
لكنه يستدرك قائلاً: «وإنْ كان معناها متضمّناً لآل البيت...».
وهذا عدول عن رأي عكرمة وقبول للقول الآخر.
ثم يناقض نفسه فيقول: «ويدل الضمير المذكّر على أنه عمّ غير زوجاته
كعلي وفاطمة وابنيهما» لاَن ظاهر قوله: «كان معناها متضمّمناً...» نزول الآية
في النساء فقط وهو قول عكرمة، وقوله: «ويدل الضمير المذكّر...».
صريح في شمول الآية لغير النساء...
لكنّ قوله ـ تبعاً لابن تيميّة ـ: «كعلي...» خروج عمّا ذهب إليه
وعلى كلّ حالٍ، فإنّها محاولات يائسة... للتملّص عما جاءت به السنّة
النبوية الشريفة الثابتة لدى المسلمين...
وما كلّ هذه التمحلات والمكابرات وامثالها من الكُتاب المتأخرين
ـ كالدكتور السالوس ، كما في كتابنا: مع الدكتور السالسوس في آية التطهير ـ إلاّ
لعلم القوم بما تنطوي عليه الآية المباركة والاَحاديث الورادة في معناها من
دلالات...
والله هو العاصم وهو ولي التوفيق.
للبحث صلة...