صلةقبل

تشييد المراجعات
وتفنيد المكابرات
(5)










السيد علي الميلاني الحسيني



المراجعة ـ 12
حجج الكتاب

قيل:
لا بدَّ قبل التعرض لاستشهاد المؤلّف بالآيات على ما ذهب إليه من كلمةٍ موجزةٍ في منهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم:
إنَّ الدارس للفرق والمذاهب التي نشأت بعد حركة الفتح الاِسلامي واستقراء الاسلام بدولته المترامية، لا بّد وأنه يلاحظ أوّلاً أن هذه الفرق اتّخذت القرآن الكريم وسيلة للاستدلال على آرائها، ولكنّ الفرق بين أصحاب الآراء الصحيحة التي لا تخالف الاَُصول الاسلامية وبين غيرهم من أصحاب المذاهب المبتدعة: أن الاَوائل كانوا تابعين لِما تدل عليه معاني القرآن الكريم، موضّحين لدلالات ألفاظه كما فهمها سلف الاَُمّة وعلماؤها، وكما فسّرها الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، فكانوا
( 145 )
ضمن دائرة التمسّك بالكتاب والسنّة، لم يشذّوا عنها.
أما أصحاب البدع والاَهواء، فقد رأوا آراءً، واعتقدوا اعتقاداتٍ أرادوا أن يروّجوها على الناس، فأعوزتهم الاَدلّة، فالتفتوا إلى القرآن الكريم... وهم كما قال ابن تيمية...
أمثلة من مواقف الشيعة في التفسير: يقول ملا محسن الكاشي في مقدّمة كتابه: (الصّافي في تفسير القرآن الكريم)...
وملاّ محسن الكاشي ممّن يرى أنّ القرآن قد حرّف... ولا يتورّع هذا الرافضي المفتري من الطعن على كبار الصّحابة الكرام، ويرميهم بكلّ نقيصة، ويجرّدهم من كلّ مكرمة، هكذا فعل مع عثمان في تفسير الآيتين 84 و 85 من سورة البقرة، وهكذا فعل مع أبي بكر في تفسير الآية 40 من سورة التوبة، وكذلك طعن في أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة عند تفسيره أول سورة التحريم (يا أيها النبي لِمَ تحرّم ما أحلَّ الله لك... ).
ويعتقد عبدالله بن محمد رضا العلويٍ ـ الشهير بشبّرـ المتوفى سنة أنّ القرآن قد حرّف... وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية 40 من سورة التوبة (ثاني اثنين اذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا فأنزل الله سكينة عليه وأيّده بجنودٍ لم تروها...)(2) الآية، نجده يعرض عن تعيين هذا الذي صحب النبي صلى الله عليه[وآله] وسلم في هجرته وهو أبو بكر، ثم يصرّح أو يلمّح بما ينقص من قدره أو يذهب بفضله المنسوب إليه والمنوّه به في القرآن الكريم، فيقول...».
أقول:
لا بدّ قبل التعرّض لاستدلال السيد ـ رحمه الله ـ بآيات الكتاب الكريم على ولاية أهل البيت عليهم السلام ، على ضوء الاَخبار المتّفق عليها بين
( 146 )
علماء الفريقين، من ذكر الاَُمور التالية بإيجاز:
1ـ إنّه كما لغير الشيعة الاِماميّة الاثني عشرية من الفرق الاِسلامية منهج في تفسير القرآن الكريم، وفهم حقائقه وأحكامه، وأسباب نزول آياته... كذلك الشيعة، وإن منهجهم يتلخّص في الرجوع إلى القرآن وما ورد عن العترة المعصومين بالاَسانيد المعتبرة... وهذا أمر واضح، وللتحقيق فيه مجال آخر.
2ـ الاّ أن منهج البحث في كتب المناظرة يختلف... فإنَّ من الاَُصول التي يجب على الباحث المناظر الالتزام بها هو: الاستدلال بالروايات الورادة عن طريق رجال المذهب الذي يعتنقه الطرف المقابل، وكلمات العلماء المحققين المعروفين من أبناء الطائفة التي ينتمي إليها.
فهذا مما يجب الالتزام به في كلّ بحثٍ يتعلّق بالفرق والمذاهب، وإلا فإنّ كلّ فرقة ترى الحق في كتبها ورواياتها، وتقول ببطلان ما ذهب إليه وقال به غيرها، فتكون المناقشة بلا معنى والمناظرة بلا جدوى.
وعلى هذه القاعدة مشى السيد ـ رحمه الله ـ في (مراجعاته) مع شيخ الاَزهر (الشيخ البشري)...
وفي (حجج الكتاب)... حيث يشير إلى المصادر السنّية المقبولة لدى (الشّيخ)...
فكان القول بنزول الآية المباركة في أمير المؤمنين أو أهل البيت عليهم السلام قولاً متّفقاً عليه بين الطرفين، والحديث الوارد في ذلك سنّةً ثابتةً يجب اتّباعها والتمسّك بها على كلا الفريقين.
وقد كانت هذه طريقة علمائنا المتقدمين...
3ـ ولم نجد الالتزام بهذه الطريقة التي تفرضها طبيعة البحث والحوار في كلمات أكثر علماء أهل السنّة...
ومن أراد التأكّد من هذا الذي نقوله فلينظر ـ مثلاً ـ إلى كتاب « منهاج
( 147 )
الكرامة في إثبات الاِمامة» للعلامة الحلّي، وما قاله ابن تيميّة في (منهاجه) في الردّ عليه، وليقارن بين المنهاجين، خصوصاً في فصل الاستدلال بالكتاب، فبدلاً من أن يلتزم ابن تيميّة بالقواعد والآداب أخذ يسبُّ العلاّمة ويشتمه ويتّهمه بأنواع التهم! ثم يضطر إلى اتّهام كبار أئمة السنّة في التفسير والحديث ـ الذين نقل عنهم العلاّمة القول بنزول الآيات في أهل البيت، كالثعلبي والواحدي والبغوي ونظرائهم ـ بنقل الموضوعات ورواية المكذوبات، وأمثال ذلك من الاتّهامات، وسنتعرّض لذلك في خلال البحث عن الآيات.
ثم إن ابن تيميّة أصبح ـ وللاَسف ـ قدوةً للذين يجدون في أنفسهم حرجاً ممّا قضى الله ورسوله، فلوّوا رؤسهم واستكبروا استكباراً، أمّا الشيخ البشري وأمثاله، فأذعنوا للحق واتّبعوه، فمنهم من أخفى ذلك ومنهم من أجهر به إجهاراً...
4ـ وفضائل الاِمام علي وأهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم، وما نزل فيهم من آياته الكريمة، كثيرة جدّاً، حتى أنّ جماعة من أعلام السنّة أفردوا ذلك بالتأليف...
هكذا، بالرغم من الحصار الشديد المضروب على رواية هذا النوع من الاَحاديث ورواته.
أمّا غير أهل البيت، فلم يُدّع ـ حتى في كتب القوم ـ نزول شيء من الآيات في حقّهم..!
أنظر إلى كلام القاضي عضد الدين الايجي ـ المتوفى سنة 756هـ ـ في كتابه «المواقف في علم الكلام» الذي هو من أجلّ متونهم في علم الكلام، يقول:
«المقصد الرابع: في الاِمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله]
( 148 )
وسلم، وهو عندنا أبو بكر، وعند الشيعة علي، رضي الله عنهما. لنا وجهان: الاَول: إنّ طريقه إمّا النص أو الاِجماع. أما النص فلم يوجد...»(1)
نعم ذكر في المقصد الخامس، في أفضل الناس بعد رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم :« «هو عندنا وأكثر قدماء المعتزلة أبو بكرـ رضي الله عنه ـ وعند الشيعة وأكثر متأخّري المعتزلة علي. لنا وجوه: الاَول: قوله تعالى: (وسيجنّبها الاَتقى * الذي يؤتي ماله يتزكّى)(2). قال أكثر المفسّرين ـ واعتمد عليه العلماء ـ أنها نزلت في أبي بكر . الثاني: قوله عليه السلام ...»(3).
فلم يستدل من الكتاب إلاّ بآيةٍ واحدة، نسب إلى أكثر المفسّرين نزولها في أبي بكر.
فهذه آية واحدة فقط.
وهناك آية ثانية، وهي آية الغار، جعلوها فضيلة لاَبي بكر، وآستدلّوا بها في الكتب.
أمّا آية الغار فمّمن تكلَّم في الاستدلال بها: المأمون العباّسي، الذي وصفه الحافظ السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء وأمراء المؤمنين» فقال: «قرأ العلم في صغره وسمع الحديث من: أبيه، وهشيم، وعبّاد بن العوّام، ويوسف بن عطيّة، وأبي معاوية الضرير، وإسماعيل بن علّية، وحجّاج الاَعور، وطبقتهم. وأدّبه اليزيدي، وجمع الفقهاء من الآفاق، وبرع في الفقه والعربية وأيإم الناس، ولمّا كبر عني بالفلسفة وعلوم الاَوائل ومهر فيها، فجرّه ذلك إلى القول بخلق القرآن.

____________
(1) المواقف في علم الكلام ـ بشرح الجرجاني ـ 8|354.
(2) سورة الليل 92: 17 و18.
(3) المواقف في علم الكلام ـ بشرح الجرجاني ـ 8|365.

( 149 )
روى عنه: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطّيالسي، والاَمير عبدالله بن طاهر، وأحمد بن الحارث الشيعي، ودعبل الخزاعي، وآخرون.
وكان أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماّ، وحلماً وعلماّ، ورأياً ودهاءً،وهيبةً وشجاعةً، وسؤدداً وسماحةً، وله محاسن وسيرة طويلة، لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن، ولم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه، وكان فصيحاً مفوّهاً...»(4).
تكلّم المأمون في آية الغار، في مجلسٍ ضمّ قاضي القضاء يحيى بن أكثم وأئمة العصر في الفقه والحديث، في مسائل كثيرة من أبواب الفضائل والمناقب، فكان أنْ قال لمخاطبه ـ وهو: إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد ؛ والراوي إسحاق نفسه ـ:
«... فما فضله الذي قصدت له الساعة؟ قلت: قول الله عزوجل: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا)(5) فنسبه إلى صحبته.
قال: يا إسحاق، أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك، إني وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافراً ، وهو قوله: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفةٍ ثم سوّاك رجلاً * لكنّا هو الله ربّي ولا أُشرك بربّي أحداً)(6)
قلت: إن ذلك كان صاحباً كافراً، وأبو بكر مؤمن.
قال: فإذا جاز أنْ ينسب إلى صحبة من رضيه كافراً ، جاز أنْ ينسب
____________
(4) تاريخ الخلفاء: 306.
(5) سورة التوبة 9: 40.
(6) سورة الكهف 18: 37 و38.

( 150 )
الى صحبة نبيّه مؤمناً، وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث.
قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ قدر الآية عظيم. إنّ الله يقول :(ثاني أثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا).
قال: يا إسحاق، تأبى الآن إلاّ أن أُخرجك إلى الاستقصاء عليك؛ أخبرني عن حزن أبي بكر، أكان رضاً أم سخطاً؟
قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله صلى الله عليه ] آله [وسلم خوفاً عليه وغمّاً أنْ يصل إلى رسول الله شيء من المكروه.
قال: ليس هذا جوابي. إنما كان جوابي أنْ تقول رضاً أم سخط.
قلت: بل كان رضاً لله.
قال: وكان الله جلّ ذكره بعث إلينا رسولاً ينهى عن رضاً الله عزوجل وعن طاعته؟!
قلت: أعوذ بالله.
قال: أو ليس قد زعمت أنّ حزن أبي بكر رضاً لله؟!
قلت: بلى.
قال: أو لم تجد أنّ القرآن يشهد أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم قال: لا تحزن. نهياً له عن الحزن؟!
قلت: أعوذ بالله!
قال: يا إسحاق، إن مذهبي الرفق بك، لعلّ الله يردّك إلى الحق ويعدل بك عن الباطل، لكثرة ما تستعيذ به.
وحدّثني عن قول الله:(فأنزل الله سكينة عليه) من عني بذلك، رسول الله أم أبي بكر؟
قلت: بل رسول الله.
قال: صدقت ..

( 151 )
قال: فحدّثني عن قول الله عزوجل: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) إلى قوله ( ثم أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)(7) أتعلم من المؤمنين الذين أراد الله في هذا الموضع؟
قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين.
قال: الناس جميعاً انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم إلاّ سبعة نفر من بني هاشم، علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله، والخمسة محدقون به خوفاً من أنْ يناله من جراج القوم شيء، حتى أعطى الله لرسوله الظفر، فالمؤمنون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني هاشم.
قال: فمن أفضل؟ من كان مع رسول الله صلى الله عليه [ آله] وسلّم في ذلك الوقت، أم من انهزم عنه ولم يره الله موضعاً لينزلها عليه؟
قلت: بل من أُنزلت عليه السكينة.
قال: يا إسحاق، من أفضل؟ من كان معه في الغار، أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه حتى تم لرسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلّم ما أراد من الهجرة؟
إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أنْ يأمر عليّاً بالنوم على فراشه وأنْ يقي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم بنفسه. فأمره رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بذلك، فبكى علي ـ رضي الله ـ عنه ، فقال له رسول الله: ما يبكيك يا علي؟! أجزعاً من الموت؟!
قال: لا، والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ولكنْ خوفاً عليك،
____________
(7) سورة التوبة 9: 25 و26..

( 152 )
أفتسلم يا رسول الله؟
قال: نعم.
قال: سمعاً وطاعة وطيبة نفسي بالفداء لك يا رسول الله.
ثم أتى مضجعه واضطجع وتسجّى بثوبه. وجاء المشركون من قريش فحفّوا به لا يشكّون أنه رسول الله، وقد أجمعوا أن يضربه من كلّ بطنٍ من بطون قريش ضربةً بالسيف لئلاّ يطلب الهاشميّون من البطون بطناً بدمه، وعلي يسمع ما القوم فيه من تلاف نفسه، ولم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار.
ولم يزل علي صابراً محتسباً فبعث الله ملائكته فمنعته من مشركي قريش، حتى أصبح، فلما أصبح قام، فنظر القوم إليه، فقالوا: أين محمد؟! قال: وما علمي بمحمد أين هو! قالوا: فلا نراك إلاّ مغروراً بنفسك منذ ليلتنا.
فلم يزل علي أفضل ما بدا به يزيد ولا ينقص، حتى قبضه الله إليه»(8).
وأمّا الآية الاَُخرى، فقد ذكرنا في تعليقة «المواقف» في الجواب عن الاستدلال بها وجوهاً:
الاَول: إن نزولها في أبي بكر غير متفقٍ عليه بين المفسّرين من أهل السنّة، وحتى كونه قول أكثر المفسّرين غير ثابت، وإنْ جاء ذلك في شرح المواقف(9).
ومن المفسّرين من حمل الآية على العموم، ومنهم من قال بنزولها في
____________
(8) العقد الفريد 5|349.
(9) شرح المواقف 8|366.

( 153 )
قصة أبي الدحداح وصاحب النخلة، كما ذكر السّيوطي(10).
والثانى: إنّ رواة نزولها في حق أبي بكر ما هم إلاّ آل الزبير، وهؤلاء قوم منحرفون عن أمير المؤمنين الامام عليّ عليه السلام ذلك.
والثالث: إن سند خبر نزولها في أبي بكر غير معتبر، قال الحافظ الهيثمي:
«عن عبدالله بن الزبير قال: نزلت في أبي بكر الصدّيق: ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى * الا ابتغاء وجه ربه الاعلى * ولسوف يرضى )(11)
رواة الطبراني، وفيه: مصعب بن ثابت. وفيه ضعف»(12).
قلت:
وهذا الرجل هو: مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير؛ ولاحظ الكلمات في تضعيفه بترجمته(13).
هذا بالنسبة إلى أبي بكر.
وأمّا عمر وعثمان، فلم يزعموا نزول شيء فيهما من القرآن...
5ـ بل لو تتبّعت كتبهم في مختلف العلوم لوجدت للقوم مثالب في القرآن الكريم، ونحن الآن في غنىً عن التعرّض لمثل هذه الاَُمور، غير أنا نشير إلى أنّ نزول قوله تعالى: (يا أيّها النّبي لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلّة
____________
(10)الدر المنثور 6|358.
(11) سورة الليل 92: 19 ـ 21.
(12) مجمع الزوائد 9|50.
(13) تهذيب التهذيب 10|144.

( 154 )
أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذْ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلمّا نبّأت به وأظهره الله عليه عرف عرفربعضه عن بعض فلمّا نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير * إنْ تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإنْ تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إنْ طلقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات....)(14)في عائشه وحفصة مذكور في أشهر كتب القوم من الصحاح وغيرها، فراجع إن شئت:
مسند أحمد بن حنبل 1|33.
صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب في موعظة الرجل ابنته.
صحيح البخاري: كتاب التفسير، بتفسير الآية: (تبتغي مرضات أزواجك).
صحيح مسلم: كتاب الرضاع، باب في الايلاء واعتزال النساء.
صحيح الترمذي: 2|231.
صحيح النسائي: 2|140.
وفي هذا القدر كفاية، لتعلم أنّ القصّة التي أوردها الشيخ محسن الكاشاني مذكورة في كتبهم، ولتعرف من المتقوّل المفتري!!
وبعد المقدمة، وقبل الورود في (تشييد المراجعات) نقول:
لقد كان ابن تيميّة ـ كما أشرنا من قبل ـ قدوةً للمكابرين من بعده، فهم متى ما أعوزهم الدليل، وعجزوا عن المناقشة، لجأوا إلى كلماته المضطربة المتهافتة، التي لا علاقة لها بالمطلب ، ولا أساس لها من الصحّـة... ومن ذلك هذا المورد، وبيان ذلك بإيجاز هو:

____________
(14) سورة التحريم 66 : 1 ـ 5.

( 155 )
إنْ المقام ليس مقام البحث عن المناهج التفسيرية عند هذه الفرقة أو تلك، وإنما المقصود ذكر الأخبار والاَقوال الواردة في كتب أهل السنّة المعروفة، في طائفة من آيات الكتاب النازلة في حق أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام ... فهذا هو المقصود.
وأمّا أن منهج الشيعة في التفسير ما هو؟ ومنهج غيرهم ما هو؟ وأيّ منهما هو الصحيح؟ فتلك بحوث تطرح في محلّها.
ثم إنّ للشيعي أنْ يقول نفس هذا الكلام الذي قاله القائل، فيقول: «إنّ الدارس للفرق والمذاهب... ولكن الفرق بين أصحاب الآراء الصحيحة التي لا تخالف الاَُصول الاِسلاميّة، وبين غيرهم من أصحاب المذاهب المبتدعة...».
لكنْ من هم «أصحاب الآراء الصحيحة»؟! ومن هم «أصحاب المذاهب المبتدعة»؟!
فنحن نقول: إنْ «أصحاب الآراء الصحيحة» في فهم القرآن الكريم، هم أتباع الاَئمة الطاهرون من أهل البيت، كالاِمامين الباقر والصادق عليهما السلام ...
و إنْ «أصحاب المذاهب المبتدعة» هم: عكرمة البربري ... وأمثاله.
وسنفصّل الكلام في التعريف بعكرمة وأمثاله على ضوء كلمات أهل السنّة.
وعلى الجملة: فإنْ السيدـ رحمه الله ـ لم يستدل في بحوثه هذه بالآيات الكريمة على «منهج الشيعة في التفسير»، وإنما استدل بروايات أهل السنّة وأقوال مفسّريهم المشاهير على ما هو «منهج البحث والمناظرة».
وتعرّض هذا القائل هنا لمسألة « تحريف القرآن».. وهذه أيضاً لا علاقة
( 156 )
لها بالبحث، وإنما الغرض من ذكرها هنا تشويش ذهن القارىَ وتشويه مذهب الشيعة، ونحن نحيل القارىَ المنصف إلى كتابنا المطبوع المنتشر في الموضوع وهو: «التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف»(15) ليظهر له رأينا في المسألة، ويتبيّن له مَن القائل بالتحريف؟
فلنشرع في (تشييد المراجعات): في (حجج الكتاب):




____________
(15) نشر أولاً في حلقات في مجلة تراثنا، في الاعداد 6 ـ 14، ثم نشرته مؤسّسة دأر القرآن الكريم في 371 صحفة، ولعلّة خير كتابٍ أخرج للناس في موضوعه.

( 157 )

آيـة الـتـطـهـير

قال السيّد،
مخاطباً الشيخ سليم البشري:
«إنّكم ـ بحمد الله ـ ممّن وسعوا الكتاب علماً، وأحاطوا بجليّه وخفيّه خبراً، فهل نزل من آياته الباهرة في أحدٍ ما نزل في العترة الطاهرة؟! هل حكمت محكماته بذهاب الرجس عن غيرهم؟! وهل لاَحدٍ من العالمين كآية تطهيرهم؟!».

أقول:
هذه الآية المباركة هي قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(16).
وقد استدلّ بها أصحابنا ـ تبعاً لاَئمّة العترة الطاهرة ـ على عصمة «أهل البيت» ومن ثمّ فهي من أدلّة إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والاَئمة الطّاهرين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد كابر بشأنها، الخوارج، والنواصب، والمخالفون لـ«أهل البيت» منذ اليوم الاَول، وإلى يومنا هذا... ولذا كانت هذه الآية موضع البحث والتحقيق، والاَخذ والردّ، وكتبت حولها الكتب والدّراسات الكثيرة(17).

____________
(16) سورة الاحزاب 33 : 34.
(17) ولنا فيها كتاب ردّاً على كتيّب الدكتور علي أحمد السالوس ،أسماه :«آية التطهير بين أمّهات المؤمنين وأهل الكساء» وهوتحت الطبع وسيصدر قريباً بإذن الله... وهناك التفصيل الاَكثر.

( 158 )
ونحن نذكر وجه الاستدلال، ولينظر النّاظرون هل هو «ضمن دائرة التمسّك بالكتاب والسنّة».. أو لا؟!
وهذه هي الاَقوال في المسألة نقلاً عن أحد المتعصّبين ضد الشيعة الاِماميّة:
«وفي المراد بأهل البيت ها هناثلاثة أقوال:
أحدهما: انهم نساء رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلم ، لأنهنَّ في بيته. رواه سعيد بن جبيرعن أبن عبّاس. وبه قال عكرمة وابن السائب ومقاتل. ويؤكّد هذا القول أنّ ما قبله ومابعده متعلّق بأزواج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم. وعلى أرباب هذا القول اعتراض وهو: إن جمع المؤنّث بالنون فكيف قيل (عنكم) و(يطهّركم). فالجواب: إن رسول الله صلىالله عليه [وآله] وسلم فيهنَّ فغلّب المذكر.
والثاني: إنه خاص في: رسول الله صلى الله عليه [آله]وسلم وعلي، وفاطمة والحسن، والحسين. قاله أبو سعيد الخدري، وروي عن: أنس وعائشة وأُم سلمة نحو ذلك.
والثالث: إنهم أهل رسول الله صلى الله عليه[وآله]وسلم وأزواجه، قاله الضحّاك»(18).
فهذه عبارة الحافظ ابن الجوزي...
فالقائل باختصاص الآية بالرسول وبضعته ووصيّه وسبطيه عليهم الصلاة والسلام ، هم جماعة من الصحابة، وعلى رأسهم: أم سلمة وعائشة... من زوجاته...
____________
(18) زاد المسير في علم التفسيرـ للحافظ ابن الجوزي، المتوفى سنة 597 ـ 6 | 381 ـ 382.

( 159 )
وعلى رأس القائلين بكونها خاصة بالاَزواج: عكرمة ا لبربري... لما سيأتي من أن ابن عباس من القائلين بالقول الثاني.
أمّا القول الثالث فلم يحكه إلاّ عن الضحاك!
فمن هُم «أصحاب الآراء الصّحيحة»؟! ومن هم «أصحاب البدع والاَهواء»؟!
ولماذ أعرض الذين ادّعوا أنهم «كانوا تابعين لِما تدل عليه معاني القرآن الكريم، موضّحين لدلالات ألفاظه كما فهمها سلف الاَُمّة وعلماؤها، وكما فسّرها الرسول صلّى الله عليه [وآله] وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان» عن قول أُم سلمة وعائشة وجماعةٍ من كبار الصّحابة ومشاهيرهم ـ كما سيجيء ـ وأخذوا بقول «عكرمة» الذي ستعرفه، وأمثاله؟!
وأمّا تفصيل المطلب، ففي فصول:

( 160 )

الفصـل الاَول
في تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولاً وفعلاً
المراد من «أهل البيت»

فقد أخرج جماعة من كبار الاَئمّة والحفّاظ والاَئمّة حديث الكساء، الصريح في اختصاص الآيه المباركة بالرّسول وأهل بيته الطاهرين عليهم الصلاة والسلام، عن عشراتٍ من الصّحابة:

من الصّحابة الرّواة لحديث الكساء:
ونحن نذكر عدّةً منهم فقط:
1ـ عائشة بنت أبي بكر.
2ـ أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
3ـ عبدالله بن العبّاس.
4ـ سعد بن أبي وقاص.
5ـ أبو الدرداء.
6ـ أنس بن مالك.
7ـ أبو سعيد الخدري.
8ـ واثلة بن الاَسقع.
9ـ جابر بن عبدالله الاَنصاري.
10ـ زيد بن أرقم.
11ـ عمر بن أبي سلمة.

( 161 )
12ـ ثوبانه مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

من الاَئمّة الرّواة لحديث الكساء:
ونكتفي بذكر أشهر المشاهير منهم:
1ـ أحمد بن حنبل، المتوفى سنة 241.
2ـ عبد بن حميد الكشي، المتوفى سنة 249.
3ـ مسلم بن الحجاج، صاحب الصحيح، المتوفى سنة 261.
4ـ أبو حاتم محمد بن إدريس الرّازي، المتوفى سنة 277.
5ـ أحمد بن عبد الخالق البزار، المتوفي سنة 297.
6ـ محمد بن عيسى الترمذي، المتوفي سنة 297 .
7ـ أحمد بن شهيب النسائي، المتوفى سنة 303.
8ـ أبو عبدالله محمد بن علي الحكيم الترمذي، المتوفى سنة.
9ـ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310.
10ـ عبدالرحمن بن محمد بن ادريس الرازي، الشهير بابن أبي حاتم، المتوفى سنة 327.
11ـ سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفى سنة 360.
12ـ أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، المتوفى سنة 405.
13ـ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الاَصفهاني، المتوفى سنة 430.
14ـ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة 458.
15ـ أبو بكر أحمد بن عليّ المعروف بالخطيب البغدادي، المتوفى سنة 463.
16ـ أبو السعادات المبارك بن محمد، المعروف بابن الاَثير، المتوفى
( 162 )
سنة 606.
17 ـ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، المتوفى سنة 748. 18ـ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة 911.

من ألفاظ الحديث في الصّحاح والمسانيد وغيرها:
وهذه نبذة من ألفاظ الحديث بأسانيدها(19):
ففي المسند: «حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا عبدالله بن نمير، قال: ثنا عبدالملك ـ يعني ابن أبي سليمان ـ ،عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدّثني من سمع أُم سلمة تذكر أنّ النبي صلى الله عليه[وآله] وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك.
قالت: فجاء علي والحسن والحسين فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري.
قالت: وأنا أصلّي في الحجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)
قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يارسول الله؟
____________
(19) نعم، هذه نبذة من الروايات، اذ لم نورد كلّ ما في المسند أو المستدرك أو غيرهما، بل لم نورد شيئاً من تفسير الطبري وقد أخرجه من أربعة عشر طريقاً، ولا من كثير من المصادر المعتبرة في التفسير والحديث وتراجم الصّحابة وغيرها.

( 163 )
قال: إنكِ إلى خير، إنكِ إلى خير.
قال عبدالملك: وحدّثني أبو ليلى عن أُم سلمة مثل حديث عطاء سواء.
قال عبدالملك: وحدّثني داود بن أبي عوف الجحاف، عن(20) حوشب، عن أُم سلمة بمثله سواء»(21).
وفي المسند: « حدثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة قال، ثنا علي بن زيد، عن شهر بن حوشب، عن أُم سلمة: ان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لفاطمة: ائتيني بزوجك وابنيك؛ فجاءت بهم، فألقى عليهم كساءً فدكيّاً.
قال: ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم إنّ هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، انك حميد مجيد.
قالت أُم سلمة: فرفعت الكساء لاَدخل معهم، فجذبه من يدي وقال: إنكِ على خير»(22).
وفي المسند: «حدّثنا عبدالله، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانه، ثنا أبو بلج، ثنا عمرو بن ميمون، قال: إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس، إما أن تقوم معنا وإما أنْ تخلونا هؤلاء.
قال: فقال ابن عباس: بل أقوم معكم.
قال: وهو يومئذٍ صحيح قبل أنْ يعمى. قال: فاتندوا فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا.
____________
(20) كذا.
(21) مسند أحمد 6|292.
(22) مسند أحمد 6|323.

( 164 )
قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أُفٍ وتف، وقعوا في رجلٍ له عشر، وقعوا في رجلٍ قال له النبي صلى الله عليه[وآله] وسلم (فذكر مناقب لعليٍ، منها:) «وأخذ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(23).
وفي صحيح مسلم : «حدّثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ومحمد بن عبدالله بن نمير ـ واللفظ لاَبي بكرـ قالا: حدّثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه[وآله] وسلم غداةً وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(24).
وفي جامع الاَُصول: «6689 ت، أُم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) قالت: وأنا جالسة عند الباب فقلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ فقال: إنكِ إلى خير، أنتِ من أزواج رسول الله صلى الله عليه [وآله] و سٌلم.
قالت: وفي البيت: رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وفي رواية: إن النبي صلى الله عليه[وآله] وسلم جلل على الحسن
____________
(23) مسند أحمد 1|330.
(24) صحيح مسلم 7|130.

( 165 )
والحسين وعلي وفاطمة، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قالت أُم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: إنكِ إلى خير.
أخرج الترمذي الرواية الآخرة، والاَُولى ذكرها رزين.
وفي جمع الأصول6690 ت، عمر بن أبي سلمة ـ رضي الله عنه ـ قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم:(إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) في بيت أُم سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساءٍ وعلي خلف ظهره، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قالت أُم سلمة: وأنا معهم يانبي الله.
قال: أنتِ على مكاِنكِ، وأنتِ على خير.
أخرجه الترمذي.
6690 ت، أنس بن مالك رضي الله عنه ـ إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يمرّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصّلاة حين نزلت هذه الآية، قريباً من ستّة أشهر ، يقول: الصلاة أهل البيت (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)(1)
أخرجه الترمذي.
6692 م، عائشة ـ رضي الله عنها ـ قال: خرج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وعليه مرط مرجل أسود، فجاءه الحسن فأدخله، ثم جاءه الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) الآية.

( 166 )
أخرجه مسلم»(25).
وفي الخصائص: «أخبرنا محمد بن المثنّى، قال: أخبرنا أبو بكر الحنفي قال: حدّثنا بكر بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص:
ما يمنعك أنْ تسبَّ ابن أبي طالب؟!
قال: لا أسبّه ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، لئِنْ يكون لي واحدة منهنَّ أحبّ إليّ من حمر النعم:
لا أسبّه ما ذكرت حين نزل الوحي عليه، فأخذ علياً وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: ربّ هؤلاء أهل بيتي وأهلي.
ولاأ سبّه ما ذكرت حين خلّفه في غزوةٍ غزاها...
ولا أسبّه ما ذكرت يوم خيبر...»(26).
وفي الخصائص: «أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي وهشام بن عمار الدمشقي، قالا: حدّثنا حاتم، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: أمر معاوية سعداً فقال: مايمنعك أنْ تسبَّ أبا تراب؟!
فقال: أنا ذكرت ثلاثاً قالهنَّ رسول الله صلى الله عليم [وآله] وسلم فلن أسبّه لاَن يكون لي واحدة منها أحب إليَّ من حمر النعم:
سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول له، وخلَّفه في بعض مغازيه...
وسمعته يقول يوم خيبر:...
ولمّا نزلت (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
____________
(25) جامع الاصول 10 | 100 ـ 101.
(26) خصائص عليّ: 81 طبعة النجف الاشرف.

( 167 )
ويطهركم تطهيراَ) دعا رسول الله صلى الله عليه [وآله]وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي»(27).

أقول:
أخرجه ابن حجر العسقلاني باللفظ الاَول في «فتح الباري» بشرح حديث: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون...»: فقال:
«ووقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عند مسلم والترمذي، قال: قال معاوية لسعد: ما منعك أنْ تسب أبا تراب؟!
قال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فلن أسبّه؛ فذكر هذا الحديث.
وقوله: لاَعطين الراية رجلاً يحبّه الله ورسوله.
وقوله لمٌا نزلت (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي»(29).
وهذا تحريفٌ للحديث! اذ أُسقط أولاً: «فأدخلهم تحت ثوبه»، ثم جُعلت الآية النازلة هي آية المباهلة لا آية التطهير.
وفي الخصائص:أخرج حديث عمرو بن ميمون عن ابن عبّاس، المتقدم عن المسند(30).
وفي المستدرك:«حدّثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب، ثنا العبّاس بن محمد الدوري، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، ثنا
____________
(27) خصائص علي: 49.
(28) سورة آل عمران 3: 61.
(29) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري 7|60.
(30) خصائص علي: 62.

( 168 )
شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أُم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:
في بيتي نزلت هذه الآية :(أنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) ، قالت : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي.
قالت أُم سلمة: يارسول الله، وأنا من أهل البيت؟
قال: إنكِ أهلي خير(31) وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهلي أحق.
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبا العباس بن الوليد بن مزيد: أخبرني أبي، قال: سمعت الاَوزاعي يقول: حدّثني أبو عمار، قال: حدّثني واثلة بن الاَسقع ـ رضي الله عنه ـ قال: جئت علياـً رضي الله عنه ـ فلم أجده. فقالت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ: إنطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه فاجلس، فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل ودخلت معهما. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسناً وحسيناً فأجلس كلّ واحدٍ منهما على فخذه وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثم لفّ عليهم ثوبه وأنا شاهد، فقال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) أللهم هؤلاء أهل بيتي.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»(32).
وفي تلخيص المستدرك:وافق الحاكم على التصحيح(33).

____________
(31) كذا.
(32) المستدرك على الصحيحين 2 | 416 كتاب التفسير.
(33) تلخيص المستدرك 2 | 416.

( 169 )
ورواه الذهبي بإسنادٍ له عن شهر بن حوشب عن أُم سلمة، وفيه: «قالت: فأدخلت رأسي فقلت: يا رسول الله، وأنا معكم؟
قال: أنتِ إلى خير ـ مرتين ـ».
ثم قال: « رواه الترمذي مختصراً وصحّحه من طريق الثوري، عن زبيد، عن شهر بن حوشب»(34).
وفي الصواعق المحرقة:«الآية الاَُولى: قال الله تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) أكثر المفسّرين: على أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين. لتذكير ضمير (عنكم) وما بعده»(35)‌.

ممن نصَّ على صحّة الحديث:
هذا، وقد قال جماعة من الاَئمة بصحّة الحديث الدال على اختصاص الآية الكريمة بأهل البيت عليهم السلام ، إذ أخرجوه في الصحيح أو نصّوا على صحّته، ومن هؤلاء:
1ـ أحمد بن حنبل. بناءً على التزامه بالصّحة في «المسند».
2ـ مسلم بن الحجاج، إذ أخرجه في (صحيحه).
3ـ ابن حبّان، إذ أخرجه في (صحيحه).
4ـ الحاكم النيسابوري، إذ صحّحه في «المستدرك».
5ـ الذهبي، إذ صحّحه في « تلخيص المستدرك» تبعاً للحاكم.
6ـ ابن تيميّة، إذ قال: «فصل ـ وأمّا حديث الكساء فهو صحيح، رواه
____________
(34) سير أعلام النبلاء 10|346.
(35) الصواعق المحرقة: 85.

( 170 )
أحمد والترمذي من حديث ام سلمة، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة...»(36).

ما دلّت عليه الاَحاديث:
وهذه الاَحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد ومعاجم الحديث، بأسانيد صحيحة متكاثرة جداً، أفادت نقطتين:
أولاً: إنْ المراد بـ «أهل البيت» في الآية المباركة هم: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لا يشركهم أحد، لا من الاَزواج ولا من غيرهن مطلقاً.
أمّا الازواج، فلاَن الاَحاديث نصّت على أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن بدخول واحدةٍ منهن تحت الكساء.
وأمّا غيرهنّ، فلاَن النبي إنّما أمر فاطمة بأنْ تجىَ بزوجها وولديها فحسب، فلو أراد أحداً غيرهم ـ حتّى من الاُسرة النبويّةـ لاَمر بإحضاره.
وثانياً: إنْ الآية المباركة نزلت في واقعةٍ معينة وقضيّةٍ خاصّة، ولا علاقة لها بما قبلها وما بعدها... ولا ينافيه وضعها بين الآيات المتعلّقة بنساء النبي، إذ ما أكثر الآيات المدنية بين الآيات المكيّة وبالعكس، ويشهد بذلك:
1ـ مجىَ الضمير: «عنكم» و«يطهركم» دون: عنكنّ ويطهركنّ.
2ـ إتّصال الآيات التي بعد آية التطهير بالتي قبلها، بحيث لو رفعت آية التطهير لم يختل الكلام أصلاً... فليست هي عجزاً لآية ولا صدراً لاَُخرى... كما لا يخفى.

____________
(36) منهاج السنّة 5 | 13.

( 171 )
ثم ما ألطف ما جاء في الحديث جواباً لقول أُم سلمة: «ألست من أهل البيت»؟ قال: «أنتِ من أزواج رسول الله»!! فإنّه يعطي التفصيل مفهوماً ومصداقاً بين العنوانين: عنوان «أهل البيت» وعنوان «الاَزواج» أو «نساء النبي».
فتكون الآيات المبدوّة ـ في سورة الاَحزاب ـ بـ: ( يا نساء النبي)(37) خاصةً بـ « الاَزواج » والآية (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) خاصة بالعترة الطاهرة.
وحديث مروره صلى الله عليه وآله وسلم بباب فاطمة وقوله: الصّلاة أهل البيت (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا )..رواه كثيرون كذلك لا نطيل بذكرها.

* * *


____________
(37) سورة الاحزاب 33: 32.

( 172 )

الفصل الثاني
في سقوط القولين الآخرين

وبهذه الاَحاديث الصحيحة المتّفق عليها بين المسلمين يسقط القولان الآخران، لاَنّ المفروض أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسّر بنفسه ـ قولاً وفعلاً ـ الآية المباركة، وعيّن من نزلت فيه، فلا يسمع ـ والحال هذه ـ ما يخالف تفسيره كائناً من كان القائل، فكيف والقائل بالقول الاَول هو «عكرمة»؟‍!!
وقد كان هذا الرجل أشدُّ الناس مخالفةً لنزول الآية في العترة الطاهرة فقط.
فقد حكي عنه أنّه كان ينادي في الاَسواق بنزولها في زوجات النبي فقط(38) وأنه كان يقول: «من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي خاصة»(39).
وقد كان القول بنزولها في العترة هو الرأي الذي عليه المسلمون، كما يبدو من هذه الكلمات، بل جاء التصريح به في كلامه حيث قال: «ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم »(40).
إلاّ أن من غير الجائر الآخذ بقول عكرمة في هذا المقام وأمثاله!

* * *


____________
(38) تفسير الطبري ، تفسير ابن كثير 3 | 415 ، اسباب النزول: 268.
(39) الدر المنثور 5 | 198، تفسير ابن كثير 3 | 415.
(40) الدر المنثور 5 | 198.

( 173 )
ترجمة عكرمة :
فإنّ عكرمة البربري من أشهر الزنادقة الذين وضعوا الاَحاديث للطعن في الاِسلام! وإليك طرفاً من تراجمه في الكتب المعتبرة المشهورة(41):

1ـ طعنه في الدين:
لقد ذكروا أن هذا الرجل كان طاعناً في الاسلام، مستهترئاً بالدين، من أعلام الضلالة ودعاة السوء.
فقد نقلوا عنه أن قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به!.
وقال في وقت الموسم: وددت أني اليوم بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً!
وأنه وقف على باب مسجد النبي وقال: ما فيه إلاّ كافر!
وذكروا أنّه كان لا يصلّي، وأنه كان في يده خاتم من الذهب، وأنه كان يلعب بالنرد، وأنه كان يستمع الغناء.

2ـ كان من دعاة الخوارج:
وأنّه إنما أخذ أهل أفريقية رأي الصفرية ـ وهم من غلاة الخوارج ـ منه، وقد ذكروا أنه نحل ذلك الرأي إلى ابن عبّاس!
وعن يحيى بن معين: إنما لم يذكر مالك عكرمة، لاَن عكرمة كان
____________
(41) طبقات ابن سعد 5|287، الضعفاء الكبير 3|373، تهذيب الكمال 20|264، وفيات الاَعيان 1|319، ميزان الاعتدال 3|93 المغني في الضعفاء 2|84، سير أعلام النبلاء 5|9، تهذيب التهذيب 7|263 ـ 273.

( 174 )
ينتحل رأي الصفرية.
وقال الذهبي: قد تكلّم الناس في عكرمة، لاَنه كان يرى رأي الخوارج.

3ـ كان كذاباً:
كذب على سيده ابن عباس حتى أوثقه علي بن عبدالله بن عباس على باب كنيف الدار. فقيل له: أتفعلون هذا بمولاكم؟! قال: إن هذا يكذب على أبي.
وعن سعيد بن المسيّب، انه قال لمولاه: يا برد، إيّاك أن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.
وعن ابن عمر، أنه قال لمولاه: اتق الله، ويحك يا نافع، لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.
وعن القاسم: إن عكرمة كذّاب.
وعن ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك: كذاب.
وعن ابن ذويب: كان غير ثقة.
وحرّم مالك الرواية عنه.
وأعرض عنه مسلم بن الحجاج.
وقال محمد بن سعد: ليس يحتجّ بحديثه.

4ـ ترك الناس جنازته:
ولهذه الامور وغيرها ترك الناس جنازته؛ قيل: فما حمله أحد، حتى آكتروا له أربعة رجال من السودان.

* * *


( 175 )
ترجمة مقاتل:
ومقاتل حاله كحال عكرمة، فقد أدرجه كلٌّ من: الدارقطني، والعقيلي، وابن الجوزي، والذهبي في (الضعفاء)... وتكفينا كلمة الذهبي: «أجمعوا على تركه»(42).

ترجمة الضحّاك:
وأمّا القول الآخر فقد عزاه ابن الجوزي الى الضحّاك بن مزاحم فقط:
وهذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه كالعقيلي في (الضعفاء) وتبعهما الذهبي فأدرجه في «المغني في الضعفاء»... ونفوا أنْ يكون لقي ابن عبّاس، بل ذكر بعضهم أنه لم يشافه أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن يحيى بن سعيد: كان الضحاك عندنا ضعيفاً.
قالوا: وكانت أُمّه حاملاً به سنتين!(43).
هذا، ولكن في نسبة هذا القول ـ كنسبة القول الاول الى ابن السائب الكلبي ـ كلام، فقد نُسب اليهما القول باختصاص الآية بالخمسة الاطهار في المصادر وهو الصحيح، كما حققنا ذلك في الرد على السالسوس.
* * *


____________
(42) سير أعلام النبلاء 7|201.
(43) تهذيب الكمال 13|291، ميزان الاعتدال 2|325، المغني في الضعفاء 1|312.