صلةقبل


اختلاف الاَحاديث في تشخيص
اسم والد المهديّ عليه السلام

إنّ تشخيص اسم والد المهديّ عليه السلام في كتب الحديث يعدُّ من موارد الاختلاف المهمّة التي يجب تسليط الضوء عليها في هذا البحث، خصوصاً وأنّ منكري الاعتقاد بصحّة أحاديث المهديّ قد تذرّعوا في إنكارهم بأنّ الاَحاديث الواردة في هذا الحقل لم تتّفق على اسم معيّن، بل وحتّى القائلين بتواتر أحاديث المهديّ من علماء الاِسلام لم تتّفق كلمتهم على اسم المهديّ الكامل تبعاً لاختلاف الموارد في بيان اسم أبيه.
فبعضها يقول: إنّ اسـم والد المهـديّ «عبـدالله» كاسـم والـد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لحديث «اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي»، وهو ما سيأتي مفصّلاً.
وبعضها ينفي ذلك ويقول: إنّ اسم والده هو «الحسن» وبالتحديد الاِمام الحسن العسكري ابن الاِمام عليّ الهادي عليهما السلام ، وقد تبنّى هذا القول الشيعة الاِمامية الاثني عشرية برمّتهم، ووافقهم عليه جملة من علماء أهل السُـنّة أيضاً كما ستأتي الاِشارة إليه في محلّه.
والمهمّ هنا هو اعتقاد الفريقين بظهور الاِمام المهديّ في آخر الزمان مع قطعهم بأنّ مثل هذا الاختلاف لا يبرّر للمسلم إنكار ما بشّر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لاَنّه من قبيل الاختلاف في تفاصيل شيء ثابت، والقدر المشترك بين جميع أحاديث المهديّ على اختلافها هو لا بُـدّيّة ظهوره في آخر الزمان، أمّا تعيين من هو المهديّ؟ فلا شكّ أنّ الاختلاف في نسبه، وأوصافه، وعلامات
( 49 )
ظهوره، ومدّة حكمه، واسم أبيه، لم يصدر كلّه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، شأنه بذلك كشأن اختلاف المسلمين في أُمور لا مجال لاِنكارها، بل يعدُّ منكرها كافراً بالاتّفاق، هذا مع اختلافهم في تفاصيلها.
والحقّ أنّ اختلاف المسلمين في بعض تفاصيل مسائل العقائد والاَحكام واتّفاقهم على أُصولها لا يبرّر للعاقل بقاءهم على هذه الحال، ففي فرقتهم إذلالهم واستعبادهم، وفي وحدتهم عزّتهم وكرامتهم.
ومن هذا المنطلق فإنّ بحثَ أو إثارة ومناقشة بعض تلك التفاصيل ـ كتفاصيل قضيّة المهديّ المتّفق على أصلها ـ في جوٍّ من الاِخاء الاِسلامي، وبروح علمية، لا يسودها أيُّ نوعٍ من التعصّب، لا ينكره إلاّ مَن يرغب ببقاء ما عند الطرف الآخر غامضاً مبهماً، أمّا مع فهم وتحليل تلك التفاصيل ومناقشتها نقاشاً علمياً هادئاً، فهو لا شكّ من الحكمة التي أُمرنا بأخذها من أيِّ طريق كان، والمؤمن حقّـاً من تكون الحكمة ضالّته.
ولهذا سيكون البحث منصبّـاً على بيان حقيقة هذا الاختلاف في اسم أبِ المهـديّ هل هو (عبـدالله) أم (الحسن)، لنرى مقدار صحّة أيٍّ منها، ودرجة ثبوته، وقوة معارضته للآخر. ونبدأ أوّلاً بالاسم الاَوّل: (عبـدالله)، فنقـول:
هناك عدّة أحاديث مختلفة الاَلفاظ متّحدة المعنى في تحديد اسم أبِ المهديّ، ألا وهو (عبـدالله) كاسم أبِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . ونودّ الاِشارة قبل بيان تلك الاَحاديث إلى جملة من الاَُمور وهي:
1 ـ إنّ بعضاً من تلك الاَحاديث أخرجها الفريقان (الشيعة وأهل السُنّة) في كتبهم.
هـذا، مع اعتقاد الشيعة الاِمامية ـ كما تقدّم ـ بخلاف ذلك، لاَنّ تلك الاَحاديث مخالفة لاَُصول مذهبهم، فكانت روايتها من أعظم الاَدلّة على
( 50 )
أمانتهم في النقل من دون تحريف أو زيادة أو نقصان، وهذا من فضل الاِسلام الذي أدّب أتباعه على الصدق والاَمانة.
2 ـ أخرج الشيعة بعض تلك الاَحاديث من كتب السُـنّة مصرّحين بالنقل عنها، ولم يخرجوا حديثاً واحداً من طرقهم.
3 ـ في تاريخنا الاِسلامي شخصيّتان بارزتان ادُّعي لكلٍّ منها المهدويّة، وهمـا:
أ ـ محمّـد بن عبـدالله بن الحسن المثنّى، الذي ثار في زمن المنصور العبّاسي (136 ـ 158 هـ) وانتهت ثورته بقتله سنة (145 هـ).
ب ـ محمّـد بن عبـدالله المنصور، الخليفة العبّاسـي الملقّب بـ: المهديّ (158 ـ 169 هـ).
والاَول حسـنيّ، والثاني عبّاسـي!
4 ـ أشرنا إلى محاولة التفاف العبّاسـيّين حول أحاديث كون المهديّ من وُلْد العبّاس عند مناقشة حديث الرايات، وستأتي أيضاً محاولة التفاف الحسـنيّين على أنّ المهديّ الموعود هو من وُلْد الاِمام الحسـن عليه السلام .
5 ـ لا ينبغي الشكّ في كون ادّعاء كلّ فريق من العبّاسـيّين والحسـنيّين انطباق أحاديث المهديّ على صاحبه، وحرصهم على خلقها وإشاعتها فيه، وبثّها بين الناس لِما في ذلك من أهداف ومصالح كبيرة لا تخفى على أحد، وربّما لا يمكن الوصول إليها بغير هذا الطريق الذي هو الاَمل المنشود لكلّ المؤمنين، خصوصاً وأنّ كلاًّ من هاتين الشخصيّتين من ذوي النفوذ والمكانة الاجتماعية والسياسية، فالاَوّل قائد ثورة والثاني خليفة، ومن يكون هكذا فهو بحاجة إلى مدد وعون يؤمِّن بمكانته الروحية في المجتمع.
6 ـ سيأتي ـ وعلى طبق ما بأيدينا من أدلّة (مشتركة) ـ أنّ الاَحاديث التي شخّصت اسم والد المهديّ بعبـدالله موضوعة على الاَقوى، وأمّا مع
( 51 )
افتراض صحّتها، فلا بُـدّ من تأويها بما يتّفق مع الاسم الآخر كما صرّح به أهل هذا الفنّ من الفريقين.
وبعد بيان هذه الاَُمور نستعرض ما وقفنا عليه من تلك الاَحاديث وهي:

الحديث الاَوّل:
«لا تذهب الدنيا حتّى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي».
اسمي، واسم أبيه اسم أبي».
وأهمّ من أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة، والطبراني، والحاكم، كلهم؛ من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، عن عبـدالله بن مسعود، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (108).
كما أخرجه من الشيعة المجلسيُّ الثاني في «بحار الاَنوار»، عن الاِربلّي، ونقله الاَخير عن كتاب «الاَربعين» لاَبي نعيم الاَصبهاني(109).

الحديث الثاني:
«لا تقوم الساعة حتّى يملك الناس رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي».
والذي أخرج هذا الحديث هو أبو عمرو الداني، وكذلك الخطيب البغدادي، أخرجاه من طريق عاصم بن أبي النجود بسنده عن ابن مسعود
____________
(108) المصنّف 15|198 رقم 19493، المعجم الكبير 10|163 رقم 10213 و 10|166 رقم 10222، المستدرك على الصحيحين 4|442.
(109) بحار الاَنوار 51|82 رقم 21، نقله عن كشف الغمّة 3|261، والاَخير عن «الاَربعين» لاَبي نعيم الاَصبهاني.

( 52 )
أيضاً(110)‌، ولم يخرجه الشيعة.

الحديث الثالث:
«المهديّ يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي».
وأهمّ من أخرجه من أهل السُـنّة: الخطيب البغدادي، وابن حجر، وقد أخرجاه من طريق عاصم أيضاً بسنده عن ابن مسعود(111).
وأخرجه من الشيعة ابن طاووس، نقلاً عن ابن حمّاد(112).
هذا، وقد وقع في سند الخطيب لهذا الحديث: أبو نعيم، والطبراني، وابن أبي حاتم، وابن حمّاد، فهؤلاء كلّهم من رواته.
وهذه الاَحاديث الثلاثة هي أهمّ ما روي في هذا الشأن، ومن أخرجها من العلماء ـ كما تقدّم ـ أصبحوا الاَساس لجميع من تأخّر من العلماء الّذين أوردوها عنهم، وقلّما انفرد بعضهم بطريق آخر لم يتّصل بعاصم بن أبي النجود، فهو العمدة في المقام كما صرّح به الاَعلام.

مناقشة أحاديث «واسم أبيه اسم أبي»:
إنّ ممّا يُلحظ على الاَحاديث الثلاثة المتقدّمة أنّها غير معروفة عند غالبية الحفّاظ والمحدِّثين، مع تصريحهم بأنّ الاَكثر والاَغلب على رواية:
(واسمه اسمي) فقط. من غير زيادة (واسم أبيه اسم أبي).

____________
(110) سنن أبي عمرو الداني: 94 ـ 95 ـ نقلنا عنه بتوسّط معجم أحاديث الاِمام المهديّ عليه السلام ، تاريخ بغداد 1|370.
(111) تاريخ بغداد 5|391، والقول المختصر 4|4 وقد رواه مرسَلاً.
(112) الملاحم: 74 باب 162، نقله عن ابن حمّاد.

( 53 )
فالحديث الاَوّل مثلاً، رواه الاِمام أحمد في مسنده في عدّة مواضع من غير تلك الزيادة(113).
كما رواه الترمذي من غير هذه الزيادة أيضاً، وقال: «وفي الباب: عن عليٍ، وأبي سـعيد، وأُمّ سـلمة، وأبي هريرة، وهـذا حـديث حسـن صحيـح»(114).
أمّا الطبراني، فقد أخرج الحديث الاَوّل بأكثر من عشرة طرق من غير هذه الزيادة، وذلك في الاَحاديث التي تحمل الاَرقام التالية: 10214 و 10215 و 10217 و 10218 و 10219 و 10220 و 10221 و 10223 و 10225 و 10226 و 10227 و 10229 و 10230، وهكذا فعل غيره مثل ابن أبي شيبة والحاكم وغيرهما من أقطاب المحدِّثين.
وممّا يزيد الاَمر وضوحاً هو تصريح من أورد الحديث الاَوّل بعدم وجود (واسم أبيه اسم أبي) في أكثر كتب الحفّاظ، قال المقدسي الشافعي بعد أنْ أورد الحديث عن أبي داود: «أخرجه جماعة من أئمّة الحديث في كتبهم، منهم الاِمام أبو عيسى الترمذي في جامعه، والاِمام أبي داود في سننه، والحافظ أبو بكر البيهقي، والشيخ أبو عمرو الداني، كلّهم هكذا»(115)، يريد: (اسمه اسمي) فقط بدون زيادة (واسم أبيه اسم أبي).
ولا يمكن أْن يكون هؤلاء الاَئمّة الحفّاظ لا علم لهم بهذه الزيادة المرويّة من طريق عاصم بن أبي النجود، مع أنّهم أخرجوا تلك الاَحاديث من طريق عاصم نفسه، وهذا يدلّ على عدم اعتقادهم بصحّة هذه الزيادة، وإلاّ لَما أعرضوا عن روايتها، ولا يتّهم أحدهم بأنّه قد أسقطها عمداً، خصوصاً وأنّ
____________
(113) مسند أحمد 1|376 و 377 و 430 و 448.
(114) سنن الترمذي 4|505 رقم 2230.
(115) عقد الدرر: 27 باب 2.

( 54 )
لهذه الزيادة أهمّـيّتها في النقض على ما يدعيه الطرف الآخر من اسم والد المهـديّ عليه السلام .
ومن هنا يتبيّن أّن عبارة (واسم أبيه اسم أبي) هي من زيادة أحد الرواة، عن عاصم؛ ترويجاً لفكرة كون المهديّ هو محمّـد بن عبـدالله بن الحسـن، أو ابن المنصور الخليفة العبّاسي.
وممّا يؤكّد هذا أنّ في لسان الاَوّل رتّةً، وإذا بنا نجد من يضع على الصحابي أبي هريرة حديثاً يشهد على نفسه بافتقاره لمخائل الصدق وهو حديث: «إنّ المهديّ اسمه محمّـد بن عبـدالله، في لسانه رتّةٌ»(116).
هـذا، وقد ردّ زيادة (واسم أبيه اسم أبي) ـ زيادةً على من أعرض عن روايتها ـ بعض أعلام هذا الفنّ من أهل السُـنّة، منهم الآبري (ت 363 هـ) على ما في «البيان» للكنجي الشافعي، إذ روى الكنجي عن كتاب أبي الحسن الآبري المسمّى بـ «مناقب الشافعي»، فقال: «َذَكَر هذا الحديث، وقال فيه: وزاد زائدة في روايته: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يومٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث الله رجلاً منّي، أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملاَ الاَرض قِسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(117).
ولمّا كانت الاَحاديث الثلاثة المتقدّمة كلّها من رواية عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، عن عبـدالله بن مسعود، فلا بأس ببيان ما جمعه الحافظ أبو نعيم من طرق هذا الحديث المنتهية إلى عاصم، والّتي اتّفقت جميعها على روايته بلفظ: «واسمه اسمي» فقط، ولم يرد في طريق واحد منها لفظ: «واسم أبيه اسم أبي»، فيما صرّح به الكنجي الشافعي في كتابه «البيان».

____________
(116) نقله في معجم أحاديث الاِمام المهديّ عليه السلام عن مقاتل الطالبيّين: 163 ـ 164.
(117) البيان في أخبار صاحب الزمان: 482.

( 55 )
ونودّ قبل نقل كلامه الاِشارة السريعة إلى أنّ تلك الزيادة قد رواها أيضاً البزّار في مسنده، والطبراني في المعجم الكبير والاَوسط من طريق داود بن المحبّر بن قحذم، عن أبيه، كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي، وهذا الطريق وإن اختلف عن طريق عاصم إلاّ أنّه ضعيف بداود وأبيه كلاهما كما نصَّ على ذلك الهيثمي(118).
إذن العمدة في المقام هو حديث عاصم، وفيه قال الكنجي الشافعي:
«وجمع الحافظ أبو نعيم طرق هذا الحديث عن الجمّ الغفير في مناقب المهديّ، كلّهم عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ، عن عبـدالله [بن مسعود]، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ».
ثمّ أخذ في بيان من روى الحديث عن عاصم بلفظ: «واسمه اسمي» فقط بلا زيادة: «واسم أبيه اسم أبي» حتّى أوصلهم إلى أكثر من ثلاثين راوياً وهـم:
1 ـ سفيان بن عيينة، وطرقه عنه بطرق شتّى.
2 ـ فطر بن خليفة، وطرقه عنه بطرق شتّى.
3 ـ الاَعمش، وطرقه عنه بطرق شتّى.
4 ـ أبو إسحاق سليمان بن فيروز الشـيباني، وطرقه عنه بطرق شتّى.
5 ـ حفص بن عمر.
6 ـ سفيان الثوري، وطرقه عنه بطرق شتّى.
7 ـ شعبة، وطرقه عنه بطرق شتّى.
8 ـ واسط بن الحارث.
9 ـ يزيد بن معاوية أبو شيبة، له فيه طريقان.

____________
(118) مجمع الزوائد 7|314 باب ما جاء في المهديّ.

( 56 )
10 ـ سليمان بن حزم، وطرقه عنه بطرق شتّى.
11 ـ جعفر الاَحمر، وقيس بن الربيع، وسليمان بن حزم؛ جميعهم في سند واحد.
12 ـ سلام بن المنذر.
13 ـ أبو شهاب محمّـد بن إبراهيم الكتّاني، وطرقه عنه بطرق شتّى.
14 ـ عمر بن عبيد الطنافسي، وطرقه عنه بطرق شتّى.
15 ـ أبو بكر بن عيّاش، وطرقه عنه بطرق شتّى.
16 ـ أبو الجحّاف داود بن أبي العوف، وطرقه عنه بطرق شتّى.
17 ـ عثمان بن شبرمة، وطرقه عنه بطرق شتّى.
18 ـ عبـد الملك بن أبي عتبة.
19 ـ محمّـد بن عيّاش، عن عمرو العامري وطرقه عنه بطرق شتّى. وذكر مسنداً وقال فيه: حدّثنا أبو غسّان، حدّثنا قيس، ولم ينسـبه.
20 ـ عمرو بن قيس الملاّئي.
21 ـ عمّار بن زريق.
22 ـ عبـدالله بن حكيم بن جبير الاَسدي.
23 ـ عمر بن عبـدالله بن بشر.
24 ـ أبو الاَحوص.
25 ـ سعد بن الحسن ابن أُخت ثعلبة.
26 ـ معاذ بن هشام، قال: حدّثني ابن أبي عاصم.
27 ـ يوسف بن يونس.
28 ـ غالب بن عثمان.
29 ـ حمزة الزيّات.

( 57 )
30 ـ شـيبان.
31 ـ الحكم بن هشام.
ثمّ قال: «ورواه غير عاصم، عن زرّ، وهو عمرو بن حرّة، عن زرّ؛ كلّ هؤلاء رووا (اسمه اسمي)؛ إلاّ ما كان من عبيـدالله بن موسى، عن زائدة، عن عاصم، فإنّه قال فيه: (واسم أبيه اسم أبي).
ولا يرتاب اللبيب أنّ هذه الزيادة لا اعتبار بها، مع اجتماع هؤلاء الاَئمّة على خلافها، والله العالم»(119).
وقد حاول بعض علماء الفنّ من الفريقين تأويل هذه الزيادة على فرض صحّة صدورها، وقد تعرّض الكنجي الشافعي إلى بعض تأويلاتهم في المقام؛ إلاّ أنّه استنكرها بقوله: «وهذا تكلُّـفٌ في تأويل هذه الرواية، والقول الفصل في ذلك: إنّ الاِمام أحمد مع ضبطه وإتقانه، روى هذا الحديث في مسنده [في] عدّة مواضع: واسمه اسمي»(120).
ومن هنا يتّضح: أنّ حديث: «واسم أبيه اسم أبي» لا يصحّ ـ في حسابات فنّ الدراية ـ أْن يكون متعارضاً مع أحاديث كون اسم والد المهديّ هو الحسن عليهما السلام ، المرويّة بعشرات الطرق من الفريقين، مع موافقته لحديث: «واسمه اسمي» المرويّ عن عليٍّ عليه السلام ، وابن مسعود، وأبي سعيد، وحذيفة، وسلمان، وأبي هريرة، وابن عمر، وأُمّ سلمة، وغيرهم(121).

____________
(119) البيان في أخبار صاحب الزمان: 483 ـ 485.
(120) البيان في أخبار صاحب الزمان: 483، مطالب السؤول: 293.
(121) مسند أحمد 1|376 و 377، سنن الترمذي 4|505 رقم 2230 و2231، سنن أبي داود 4|107 رقم 4282، المعجم الكبير 10|164 رقم 10218 و 10219 و ص 165 رقم 10220 و ص 168 رقم 10229 و 10230، ذِكر أخبار أصبهان 1|129، مسند أبي يعلى الموصلي 2|367 رقم 1128، صحيح ابن حبّان 8|291 رقم 6786 و 6787، البدء والتاريخ 2|80، تذكرة الخواصّ: 363، المنار المنيف: 148 رقم 329 فصل 500، القول المختصر 7|37 باب 1، فرائد السمطين 2|325 رقم 575، منهاج السُـنّة 4|211، ينابيع المودّة: 492.

( 58 )
هـذا، زيادة على إطباق كلمة أهل البيت عليهم السلام من لدن الاِمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى الاِمام الحسن العسكري عليهم السلام على ذلك، مضافاً إلى تأييد مائة وثمانية وعشرين عالماً ومحدِّثاً ومؤرّخاً من أهل السُـنّة إلى أحاديث كون المهديّ من وُلْد الاِمام الحسن العسكري، وقد فصّلنا الكلام عنهم وعن أسمائهم وأقوالهم، ورتّبناهم بحسب القرون ابتداءً من القرن الرابع الهجري وانتهاءً بالقرن الرابع عشر الهجري(122).
وهذا ما يجعل حديث: «واسم أبيه اسم أبي» على فرض صحّته ليس بقوّة ثبوت الحديث الآخر، ممّا يجب طرحه أو تأويله، وسيأتي عند الحديث عن كون المهديّ من أولاد الحسن أو الحسين عليهم السلام ما له علاقة وطيدة ببيان الاسم الصحيح لوالد الاِمام المهديّ عليه السلام .


* * *




____________
(122) دفاع عن الكافي 1|569 ـ 592.

( 59 )

حديث: المهديّ من وُلْد الاِمام الحسن عليهما السلام

لا يخفى أنّ هذا الحديث يؤيّد النتيجة المتّفق عليها بين أهل الاِسلام، وهي كون المهديّ الموعود بظهوره في آخر الزمان هو من وُلْد فاطمة عليها السلام كما تقدّم في أوّل البحث، وهو مقيّد لِما في تلك النتيجة من إطلاق؛ لاَنّ من ينتـسب بالبنوّة إلى الاِمام الحسين عليه السلام مباشرة كالاِمام زين العابدين عليه السلام ، أو بواحد أو أكثر من الآباء، كما هو حال الاَئمّة الطاهرين من ذرّيّته عليهم السلام ، لا شكّ أنّهم كلّهم من أولاد فاطمة عليها السلام .
ففي الحديث إذن تأييد وتقييد للنتيجة، وليس فيه اختلاف أو تعارض معها، بل التعارض الظاهر فيه إنّما هو لاَحاديث كون المهديّ من وُلْد السبط الشهيد الاِمام أبي عبـدالله الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام ، المؤيّدة لنفس النتيجة والمقيّدة لها أيضاً. ولهذا عقدنا هذا العنوان، لبيان أمرين:
أحدهما: واقع هذا الحديث، إذ تمسّك به بعضهم للردّ على من يقول بأنّ المهديّ من وُلْد الاِمام الحسين عليه السلام .
الآخر: حقيقة التعارض الظاهر فيه، إذ اتُّخِذَ هذا التعارض ذريعةً عند بعض الجهلاء لاِنكار أصل القضية، فنقول:
قال أبو داود في سـننه: «حُدِّثت عن هارون بن المغيرة، قال: حدّثنا عمر بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه ـ ونظر إلى ابنه الحسن ـ فقال: إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّـكم، يشبهه في الخُلُق، ولا يشبهه في الخَلْق؛ ثمّ ذكر قصّة: يملاَ الاَرض عدلاً»(123) انتهى الحديث
____________
(123) سنن أبي داود 4|108 رقم 4290 باب المهديّ.

( 60 )
بعين لفظـه.
وهذا الحديث ـ على فرض صحّته ـ فهو صريح بكون المهديّ الموعود هو من ذرّيّـة الاِمام الحسن السبط المجتبى عليه السلام ، وهو يعارض حديث كونه من ذرّيّـة الاِمام السبط الشهيد الحسين عليه السلام المرويّ في كتب أهل السُـنّة بعشرات الطرق(124) وعليه فلا بُـدّ من دراسة حديث أبي داود دراسة علمية موضوعية مفصّلة، لكي يُسـتبان أمره بجلاء، وهل حقّـاً يصحّ أنْ يكون معارضاً للحديث الآخر أوْ لا؟! وأوّل ما يلحظ عليه:
1 ـ إنّه لم يخرجه أحد من المحدِّثين غير أبي داود، لا قبله ولا بعده، وكلّ من أورده من المتأخّرين عن عصر أبي داود فهو قد نقله عنه.
2 ـ اختلاف النقل عن أبي داود في هذا الحديث، فقد قال الجزري الشافعي (ت 833 هـ) في كتابه «أسمى المناقب» ـ بعد أنْ ذكر ما يخصّ كون المهديّ من ذرّيّـة الاِمام الحسن عليه السلام ـ ما هذا نصّه:
«والاَصحّ أنّه من ذرّيّـة الحسين بن عليّ لنصّ أمير المؤمنين عليٍّ على ذلك في ما أخبرنا به شيخنا المسند رحلة زمانه عمر بن الحسن الرقّي قراءة
____________
(124) انظر: المنار المنيف: 148 رقم 329 فصل 50 عن «المعجم الاَوسط» للطبراني، عقد الدرر: 24 باب 1 عن كتاب «الاَربعين» لاَبي نعيم الاَصبهاني، ذخائر العقبى: 136 وقد جعل حديث المهديّ من وُلْد الاِمام الحسين عليهما السلام مقيّداً لِما أُطلق قبله، فرائد السمطين 2|325 رقم 575 باب 61، القول المختصر: 7|37 باب 1، فرائد فوائد الفكر: 2 باب 1، السيرة الحلبية 1|193، مقتل الحسين عليه السلام ـ للخوارزمي الحنفي ـ 1|196، ينابيع المودّة: 224 باب 56 و 492، كشف الغمّة 3|259، كشف اليقين: 117، إثبات الهداة 3|617 رقم 174 باب 32، حلية الاَبرار 2|701 رقم 54 باب 41، غاية المرام: 694 رقم 17 باب 141، منتخب الاَثر: 154 رقم 40 باب 1 وفيه أحاديث كثيرة جدّاً من طرق أهل السُـنّة تثبت كون الاِمام المهديّ من وُلْد الحسين وإنّ أباه هو الحسن العسكري عليهم السلام .

( 61 )
عليه، قال: أنبأنا أبو الحسن البخاري، أنبأنا عمر بن محمّـد الدارقزي، أنبأنا أبو البدر الكرخي، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أبو عمر الهاشمي، أنبأنا أبو علي اللؤلؤي، أنبأنا أبو داود الحافظ، قال:
حُدِّثت عن هارون بن المغيرة، قال: حدّثنا عمر بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال:
قال عليٌّ عليه السلام ـ ونظر إلى ابنه الحسين ـ فقال: إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّـكم، يشبهه في الخُلُق، ولا يشبهه في الخَلْق.
ثمّ ذكر قصّة يملاَ الاَرض عدلاً.
هكذا رواه أبو داود في سـننه وسكت عنه»(125) انتهى بعين لفظه.
وفي «عقد الدرر» للمقدسي نقل حديث أبي داود من سننه، وفيه أنّ عليّـاً عليه السلام نظر إلى ابنه الحسين لا الحسن عليهما السلام ، كما سيأتي في كلام السيّد صدر الدين الصدر.
3 ـ الحديث منقطع، ولا حجّة في المنقطع؛ لاَنّ من رواه عن عليٍّ عليه السلام هو أبو إسحاق، والمراد منه السُـبيعي، وهو ممّن لم تثبت له رواية واحدة سماعاً عن أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام ؛ لاَنّه رأي عليّـاً عليه السلام رؤيةً كما نصَّ عليه المنذري في شرح حديث أبي داود(126)، وكان عُمْر السُـبيعي عند شهادة أمير المؤمنين عليه السلام سنة 40 هـ سبع سنين؛ لاَنّه وُلِدَ ـ كما في قول ابن حجر ـ لسـنتين بقيتا من خلافة عثمان(127).
4 ـ الحديث بالاِضافة إلى انقطاعه، فقد رواه أبو داود عن مجهول لم
____________
(125 أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب: 165 ـ 168 رقم 61.
(126 مختصر سنن أبي داود 6|162 رقم 4121.
(127 تهذيب التهذيب 8|56 رقم 100.

( 62 )
يُـسَـمِّهِ، حيث قال ـ كما مرّ ـ: «حُـدِّثْـتُ عن هارون» ثمّ ساق الحديث، وهذا وحده يكفي لاِبطاله.
على أنّ السيّد صدر الدين الصدر قد ناقش هذا الحديث وردّه بستّة وجوه، فقال ما نصّه:
«أقول: بحسب القواعد المقرّرة في أُصول الفقه لا يصحُّ الاستناد إلى رواية أبي داود المذكورة لاَُمور:
الاَوّل: اختلاف النقل عن أبي داود، فإنّ في عقد الدرر، نقلها عن أبي داود في سـننه، وفيها: أنّ عليّـاً نظر إلى ابنه الحسين.
الثاني: إنّ جماعة من الحفّاظ نقلوا هذه القصّة بعينها، وفيها: أنّ عليّـاً نظر إلى ابنه الحسين، كالترمذي، والنسائي، والبيهقي كما في عقد الدرر.
الثالث: احتمال التصحيف فيها، فإنّ لفظ (الحسين) و(الحسن) في الكتابة، وقوع الاشـتباه فيه قريب جدّاً سيّما في الخطّ الكوفي.
الرابع: إنّها مخالفة لِما عليه المشهور من علمائهم كما نصَّ عليه بعضهـم.
الخامس: إنّها معارضة بأخبار كثيرة أصحُّ سنداً وأظهر دلالة.
السادس: إنّ احتمال الوضع وكونها صنيعة الدرهم والدينار قريب جدّاً، تقرّباً إلى محمّـد بن عبـدالله المعروف بالنفس الزكية»(128).

أقـول:
لو سلّمنا بصحّة الحديث على الرغم ممّا فيه، فيمكن والحال هذه رفع تعارضه مع أحاديث كون المهديّ الموعود هو من أولاد الاِمام الحسين عليه السلام،
____________
128) المهديّ: 59.

( 63 )
إذْ ليس التعارض فيه على نحو التدافع من كلّ وجه، ذلك لاَنّ أحاديث كون المهديّ من أولاد الحسين متضمّنة لمعنى كونه من أولاد الحسن عليهما السلام أيضاً.
وبمعنىً آخر: إنّ عملية الجمع بينهما ممكنة، وهذا يتمّ على تقدير أنّ المهديّ الموعود إنّما هو الاِمام محمّـد بن الحسن بن عليّ بن محمّـد بن عليّ ابن موسى بن جعفر الصادق بن محمّـد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام ، وفيما يعنيه هذا النسب الطاهر أنّ المهديّ الموعود هو من ذرّيّـة السبطين الحسن والحسين حقيقةً؛ لاَنّ أُمَّ الاِمام محمّـد الباقر زوجة الاِمام عليّ بن الحسين عليهما السلام هي فاطمة بنت الاِمام الحسن عليه السلام ، فالباقر إذن حُسينيّ الاَب حَسنيّ الاَُمّ، وهو أوّل ثمرة مباركة من عَلَوِيَّـيْن، وعقبه من هذه الشجرة الطيّبة ومهديّ هذه الاَُمّة هو غصنها النديّ الرطيب.
وكما إنّ عيسـى عليه السلام أُلحِقَ بذراري الاَنبيـاء عليهم السلام من جهة الاَُمّ وهي مريم عليها السلام؛ لقوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ كُـلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ)(129).
فكذلك أُلحقت ذرّيّـة الاِمام الباقر بذرّيّـة الاِمام الحسن من جهة الاَُمّ، كما أُلحقت ذرّيّـة الزهراء البتول برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وللهِ دَرُّ القائل:

نَسَبٌ عَلَيْهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى * نُورٌ، وَمِنْ فَلَقِ الصَّباحِ عَمُودُ


* * *


____________
(129) سورة الاَنعام 6: 84 ـ 85.

( 64 )

حديث: كون المهديّ هو عيسى بن مريم عليهما السلام !!

وهذا الحديث هو ممّا قد يتمسّك به دعاة الاستشراق على نفي ظهور مهديّ هذه الاَُمّة عليه السلام المبشَّر به على لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد يظنّ البعض معارضته للاَحاديث الصحيحة، وتعادله معها في كلّ شيء، بحيث لا مجال للحكم سوى التسقيط.
وقبل بيان حقيقة هذا الحديث والتعامل معه وفق المعايير النقدية الثابتة لدى علماء الاِسلام، نؤكّد أنّ من أخرجه ـ وهو ابن ماجة في سننه ـ قد أخرج حديث: «المهديّ حقٌّ وهو من وُلْد فاطمة»(130) الذي تقدّمت الاِشارة إلى مصادره الاِسلامية الجمّة، كما تقدّمت الاِشارة إلى من قال بصحّته وتواتره على نحو الاِجمال..
نعـم.. روى ابن ماجة بسـنده عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «لا يزداد الاَمر إلاّ شدّة، ولا الدنيا إلاّ إدباراً، ولا الناس إلاّ شُحّاً، ولا تقوم الساعة إلاّ على شرار الناس، ولا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم»(131).
وهذا الحديث قد ضعّفه جميع من أورده من أهل السُـنّة، وقد سُئل عنه ابن القيّم في ما حكاه هو في «المنار المنيف»، قال: «وسُـئلت عن حديث: لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم، فكيف يأتلف هذا مع أحاديث المهديّ وخروجه؟ وما وجه الجمع فيها؟ وهل في المهديّ حديث، أمْ لا؟»(132).
فقال في جواب هذا السؤال: «فأمّا حديث: (لا مهدي إلاّ عيسى بن
____________
(130) سنن ابن ماجة 2|1368 رقم 4086.
(131) سنن ابن ماجة 2|1340 رقم 4039.
(132) المنار المنيف: 129 رقم 325.

( 65 )
مريم) فرواه ابن ماجة في سننه، عن يونس بن عبـد الاَعلى، عن الشافعي، عن محمّـد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهو ما تفرّد به محمّـد بن خالد.
قال أبو الحسين محمّـد بن الحسين الآبري فى كتاب «مناقب الشافعي»: محمّـد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل..
وقال البيهقي: تفرّد به محمّـد بن خالد.
هذا، وقد قال الحاكم أبو عبـدالله: مجهول وقد اختُلِفَ عليه في إسناده، فروي عنه، عن أبان بن أبي عيّاش، عن الحسن ـ مرسلاً ـ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: فرجع الحديث إلى رواية محمّـد بن خالد وهو ـ مجهول ـ، عن أبان بن أبي عيّاش ـ وهو متروك ـ، عن الحسن، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو منقطـع.
والاَحاديث على خروج المهديّ أصحّ إسناداً»(133).
وقد روى الحاكم هذا الحديث في مستدركه أيضاً، ولم يتركه على علاّته، إذ صرّح بأنّه أورده في مستدركه تعجّباً لا محتجّـاً به على الشيخين: البخاري ومسلم(134)، علماً بأنّه روى الحديث المذكور بطريق آخر، عن أبي أُمامة على النحو المذكور في سنن ابن ماجة، ولكن ليس فيه عبارة: (ولا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم)، وقال عنه: «هذا حديث صحيح الاِسناد ولم يخرجاه»(135).
وكذلك الحال مع الطبراني في المعجم الكبير، فقد أخرج الحديث
____________
(133) المنار المنيف: 130 رقم 325.
(134) مستدرك الحاكم 4|441.
(135) مستدرك الحاكم 4|440.

( 66 )
بسنده عن أبي أُمامة وليس فيه العبارة المتقدّمة(136).
ولمّا كان في سند ابن ماجة مجهول، ومتروك، وحديثه منقطع إذن، تعيّن مصدر تلك الزيادة في حديث ابن ماجة، والظاهر من تراجم رجال سند الحديث أنّ مصدر هذه الزيادة هو محمّـد بن خالد الجندي الذي يبدو من ترجمته في «تهذيب التهذيب» أنّه كان وضّاعاً لمثل هذه الزيادات، كزيادته عبارة: «ومسجد الجند» في ما رواه هو من حديث: «تعمل الرحال إلى أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الاَقصى، ومسجد الجند» كما أشار إليه ابن حجر في (التهذيب) ذاكراً حديثه هذا ومن طعن به وبحديثه كالبيهقي، والحاكم، وأبي عمرو، وأبي الفتح الاَزدي، وغيرهم(137).
وقال عنه الذهبي في «ميزان الاعتدال»: «قال الاَزدي: منكَر الحديث؛ وقال أبو عبـدالله الحاكم: مجهول؛ قلت: حديثه (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم) وهو خبر منكَر أخرجه ابن ماجة»(138).
وقال القرطبي: «فقوله: (ولا مهدي إلاّ عيسى) يعارض أحاديث هذا الباب ـ ثمّ نقل ما قيل في محمّـد بن خالد الجندي من سيّئ القول، وقال: ـ والاَحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في التنصيص على خروج المهديّ من عترته من وُلد فاطمة ثابتة أصحّ من هذا الحديث، فالحكم لها دونه»(139).
وقال ابن حجر ـ صاحب الصواعق ـ عن حديث ابن ماجة: «وقال البيهقي: تفرّد به محمّـد بن خالد، وقال الحاكم: إنّه مجهول، واختُلِفَ عنه في إسناده، وصرّح النسائي بأنّه منكَر، وجزم غيره من الحفّاظ بأنّ الاَحاديث
____________
(136) المعجم الكبير 8|214 رقم 7757.
(137) تهذيب التهذيب 9|125 رقم 202.
(138) ميزان الاعتدال 3|535 رقم 7479.
(139) التذكرة 2|710.

( 67 )
التي قبله ـ أيّ الناصّة على أنّ المهديّ من وُلْد فاطمة ـ أصحُّ إسناداً»(140).
كما وصف أبو نعيم في (الحلية) حديث ابن ماجة بالغرابة، وقال: لم نكتبه إلاّ من حديث الشافعي»(141).
هـذا، وقد ناقش أبو الفيض الغماري الشافعي حديث ابن ماجة وأثبت بطلانه بثمانية من الوجوه، وهي في غاية الجودة والمتانة(142).
وأطرف ما في الاَمر في ردّ حديث ابن ماجة الذي رواه بسنده عن الشافعي، عن محمّـد بن خالد الجندي، هو ما ذكره ابن كثير، وهو أنّ أحد أتباع الاِمام الشافعي قد رأى الاِمام الشافعي في المنام وهو يقول: «كذَّبَ عَليَّ يونسُ بن عبـد الاَعلى، ليس هذا من حديثي»(143).


* * *

____________
(140) الصواعق المحرقة: 164.
(141) حلية الأولياء 9|61.
(142) ابراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون: 538.
(143) النهاية في الفتن والملاحم: 32.