ولهذا الكلام ما يشهد له أيضاً ممّا سيأتي في فقرات لاحقة.
4 ـ وعليٌّ جدّد التذكير أيضاً بما يبرز حقّه فوق أبي بكر خاصّة، حين
ذكّر الناس بقصة أخذه سورة براءة من أبي بكر! روى النسائي بإسناد صحيح
عن عليٍ عليه السلام : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر،
ثمّ أتبعه بعليٍ فقال له: «خذ الكتاب فامض به إلى أهل مكّة» قال: فلحقته
فأخذتُ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول الله، أنزل
فيَّ شيء؟! قال: «لا، إنّي أُمرت أن أُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي»(202).
وفي كلّ واحد من هذه الاحاديث ردٌّ على مَن يقول إنّ عليّـاً لم يذكر
شيئاً يدلّ على أحقّـيّته في الخلافة! هذا ولمّا ندخل بعد رحاب «نهج
البلاغـة».
5 ـ ومن أشهر أقواله: قوله بعد أن بلغه خبر السقيفة ومبايعة الناس لاَبي
بكر:
«ماذا قالت قريش؟».
قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة!»(203).
6 ـ وفي احتجاجه المشهور على نتائج السقيفة أيضاً، قوله:
7 ـ خطبته الشقشقيّة التي حظيت دائماً بمزيد من التوثيق(1)، وهي
=
من أكثر كلماته المشهورة وضوحاً ودلالة وتفصيلاً:
«أما والله لقد تقمّصها فلان، وإنّه لَيعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من
الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليَّ الطير..
فسدلتُ دونها ثوباً، وطويت عنها كَشحاً، وطفقت أرتئي بين: أن
أصولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طخيةٍ عمياء!... فرأيت أنّ الصبر على هاتا
أحجى، فصبرتُ وفي العين قذىً، وفي الحلق شجاً، أرى تراثي نَهْباً!
حتّى مضى الاَوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده..
فيا عجباً! بينا هو يسـتقيلها(206) في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!!
لشـدَّما تشطّرا ضَرعيها!..
فصبرت على طول المدّة، وشدّة المحنة.. حتّى إذا مضى لسبيله جعلها
في جماعةٍ زَعَم أنّي أحدهم! فيالله وللشورى! متى اعترضَ الريبُ فيَّ مع
الاَوّل منهم حتّى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر؟!...»(207).
إذن أبو بكر أيضاً كان يعلم أنّ محلّ عليٍ من الخلافة محلّ القطب من
الرحى!
وقد يبدو هذا في منتهى الغرابة لمن أَلِفَ التصوّر القدسي لتعاقب
الخلافة، ذاك التصوّر الذي صنعه التاريخ وفق المنهج الذي قرأناه في البحوث
المتقدّمة، ومن هنا استنكروه، كما استنكروا سائر كلامه في الخلافة، وقبله
استنكروا جملة من الحديث النبوي الشريف الذي يصدم تلك القداسة!
لكنّ الحقيقة، كلّ الحقيقة، أنّك لو تلمّست لذك التصوّر القدسي شاهداً
من الواقع مصدّقاً له لعدت بلا شيء.
لم يألف التاريخ الاِصغاء لعليّ!!
التاريخ الذي أثبت، بما لا يدع جمالاً لشبهة، أنّ عليّـاً لم يبايع
لاَبي بكر إلاّ بعد ستّة أشهر، صمّ آذانه عن سماع أيّ حجّـةٍ لعليٍ في
هذا التأخّـر!
تناقضٌ لم يستوقف أحداً من قارئي التأريخ!
وكيف يسـتوقفهم على عيوب نفسه، وهو وحده الذي صاغ تصوّراتهم
وثقافتهم؟!
8 ـ من كلام له بعد الشورى، وقد عزموا على البيعة لعثمان:
«لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله لاَُسلِّمنَّ ما سلمت أُمورُ
المسلمين ولم يكن فيها جَورٌ إلاّ علَيَّ خاصّة؛ التماساً لاَجر ذلك وفضله،
وزهداً في ما تنافستموه من زخرفة وزبرجة»(208).
وجد ابن أبي الحديد أنّ هذه الكلمة هي آخر ما قاله عليٌّ عليه السلام آنذاك
في كلام نقله هنا بعد أن أزاح عنه كلّ شكّ في صحّته، فقال: نحن نذكر في
هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى، وقد
روى الناس ذلك فأكثروا، والذي صحّ عندنا أنّه لم يكن الاَمر كما روي من
ثمّ قال لهم: أنشدكم الله؛ أفيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين
نفسه غيري؟! قالوا: لا.
قال: أفيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «مَن كنتُ مولاه فهذا مولاه»
غيري؟! قالوا: لا.
قال: أفيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «أنت منّي بمنزلة هارون من
موسى» غيري؟! قالوا: لا.
قال: أفيكم من اؤتُمِنَ على سورة براءة وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
«إّنه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي» غيري؟! قالوا: لا.
قال: ألا تعلمون أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرّوا عنه في مأقِط
الحرب(209) في غير موطن، وما فررتُ قطّ؟! قالوا: بلى.
قال: ألا تعلمون أنّي أوّل الناس إسلاماً؟! قالوا: بلى.
قال: فأيّنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسـباً؟! قالوا: أنت.
فقطع عليه عبد الرحمن بن عوف كلامه، وقال: يا عليّ، قد أبى الناسُ
إلاّ عثمان! فلا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً!
ثمّ توجّه عبد الرحمن إلى أبي طلحة الاَنصاري(210)، فقال له:
يا أبا طلحة، ما الذي أمرك عمر؟
قال: أن أقتل من شقّ عصا الجماعة!
فقال عبد الرحمن لعليٍ: بايعْ إذن، وإلاّ كنتَ متّبعاً غير سبيل
المؤمنين!! وأنفذنا فيك ما أُمرنا به!!
فقال عليٌّ عليه السلام كلمته هذه: «لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري، ووالله
لاَُسلِّمـنَّ ما سلمتْ أُمور المسلمين ولم يكن فيها جورٌ إلاّ علَيَّ
خاصّة...»(211).
9 ـ «وقد قال قائل: إنّك على هذا الاَمر يابنَ أبي طالب لحريص.
فقلتُ: بل أنتم والله لاَحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبتُ
حقّاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه!
فلمّا قرّعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبَّ كأنّه بُهِتَ لا يدري
ما يجيبني به!!»(212).
والقائل إمّا سعد بن أبي وقّاص يوم الشورى على قول أهل السُـنّة، أو
أبو عبيدة بعد يوم السقيفة على قول الشيعة، وأيّـاً كان فهذا الكلام مشهور
يرويه الناس كافّة كما يقول المعتزلي السُـنّي ابن أبي الحديد(213).
10 ـ «اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومَن أعانهم، فإنّهم قطعوا
رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي، ثمّ قالوا:
ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه وفي الحقّ أن تتركه!»(214).
11 ـ «أمّا بعـد.. فإنّه لمّا قبض الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم قلنا: نحن أهله وورثته
وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقّنا
طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّـنا، فصارت الاِمرة لغيرنا...».
هذه هي مقدّمة خطبته في المدينة المنوّرة في أوّل إمارته ولمّا يمض
على إمارته أكثر من شهر!(215).
12 ـ «أمّا الاسـتبداد علينا بهذا المقام... فإنّها كانت أثرةً شَـحَّت عليها
نفوس قوم، وسَـخَتْ عنها نفوس آخرين، والحَكَمُ اللهُ، والمعْوَدُ إليه القيامة».
قاله في جواب سائل سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم
أحـقّ بـه؟!
ثمّ يصل جوابه بما ينقله إلى ما هو أَوْلى بالاسـتنكار، فيقول:
وهلمّ الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد
إبكائـه...»(216).
مثل ما ظهر هناك من وضوح وتركيز في استعراض حقّه خاصّة، يظهر
هنا في شأن أهل البيت في جملة من كلماته:
1 ـ «لا يُقاسُ بآل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الاَُمّة أحد..
هم أساس الدِين، وعماد اليقين..
ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة..»(217).
فبعد ذِكر حقّ الولاية، هذا واحد من مواضع يذكر فيها الوصيّة تصريحاً
أو تلميحاً(218)، ثمّ هو الموضع الاَكثر صراحةً في نسـبة الوصيّة إلى نفسه
هذا كلّه لاَجل أن يدعم مقالةً حلّق فيها بدءاً حين نسب كلمة «وصيّ»
في الحديث النبوي «أنت أخي ووصيّي» إلى صنع الشيعة الّذين وضعوها بدلاً
من كلمة «وزيري»!(219) مع أنّ الرواية السُـنّيّة للحديث لم تعرف غير كلمة
«وصيّي»!(220).
2 ـ «إنّ الاَئمّة من قريش، غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح
على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم»(221).
وقد وقفنا قبلُ على طائفة من النصوص الصحيحة التي اصطفت بني
هاشم من قريش وقدّمتهم عليهم، وطائفة من الوقائع وأحداث السيرة التي
قدّمت بني هاشم على سواهم، فلا تحتجّ قريش بحجّة إلاّ وكان بنو هاشم
أَوْلى بهـا.
3 ـ «أين تذهبون؟! وأنّى تؤفكون؟! والاَعلام قائمة، والآيات
واضحة، والمنار منصوبة، فأين يُتاه بكم؟!
وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّـكم وهم أزمّة الحقّ، وأعلام الدين،
وألسـنة الصدق؟!
فأنزِلوهم بأحسن منازل القرآن، ورِدُوهم ورود الهيم العطاش.
أيّها الناس، خذوها عن خاتم النبيّـين صلى الله عليه وآله وسلم : إنّه يموت من مات منّا
وليس بميّت، ويبلى من بلي منّا وليس ببالٍ»(222).
استنكار لاذع، وأسف على هؤلاء الناس الّذين تركوا عترة نبيّهم، رغم
وضوح الدلائل على لزوم اتّباعهم!
4 ـ «إنّا سنخُ أصلاب أصحاب السفينة، وكما نجا في هاتيك من نجا،
ينجو في هذه مَن ينجو، ويلٌ رهينٌ لمن تخلّف عنهم.. وإنّي فيكم كالكهف
لاَهل الكهف، وإنّي فيكم باب حطّة، مَن دخل منه نجا ومن تخلّف عنه
هلك، حجّةٌ من ذي الحجّة في حجّة الوداع: (إنّي تركت بين أظهركم ما إنْ
تمسّـكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)»(223).
5 ـ «انظروا أهل بيت نبيّـكم، فالزموا سَمْتَهم، واتّبعوا أثَرهم، فلن
يخرجوكم من هدىً، ولن يعيدوكم في ردى.. فإنْ لَبَدوا فالبدوا، وإنْ نهضوا
فانهضوا.. ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا»(224).
6 ـ «.. ألم أعمل فيكم بالثَقَل الاَكبر، وأتركَ فيكم الثَقَل
الاَصغـر؟!»(225).
7 ـ «المهديّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة»، مسند أحمد، عن
عليٍ عليه السلام (226).
«المهديّ منّا، من وُلْد فاطمة»، السيوطي عن عليٍ عليه السلام (227).
وهكذا تقسّمت كلمات عليٍ هذه بين حديث نبويّ بحرفه أو
بمضمونه، وبين وصف أو تقييم لحدثٍ تاريخيّ حاسم، وليس في
هذا كلّه على الاِطلاق ما يشذّ عن وقائع التاريخ في صغيرة ولا كبيرة.
أيقن عليٌّ عليه السلام بحقّه في الخلافة يقيناً من موقعه الممتاز عند
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن حياته الخالصة في الاِسلام، فلقد كان في حياة
الرسول يقول: «إنّ الله يقول: (أفإن مات أو قُتل انقلبتم على
أعقابكم)(228) واللهِ لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، واللهِ لئن مات أو قُتل
لاَُقاتِلنَّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، واللهِ إنّي لاَخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه،
فمن أحقّ به منّي؟!»(229).
لكنّه «أراده حقّـاً يطلبه الناس، ولا يسـبقهم إلى طلبه»(230).
لقد آمن أهل السُـنّة بلا شكّ بالكثير من فضائل أهل البيت عليهم السلام ، وعلى
تفاوت بينهم في مدى هذا الاِيمان، لكنّه مهما ترقّى في درجاته فهو دائماً
ومن هنا أنكر متكلّموهم صحّة نسبة « نهج البلاغة» إلى الاِمام عليٍ
لاَجل احتوائه على تلك النصوص وأمثالها، فيما اكتفى المدافعون عن «نهج
البلاغة» من شرّاحه خاصّةً بشرح غريبه فقط دون الوقوف عند مفاهيم كلماته
ومدلولاتها.. وكِلا الموقفَين ينطوي على الفرار من مواجهة التناقض الذي
يبدو حاسماً في مواضع كثيرة بين نصوص « نهج البلاغة» وذلك الواقع
الجـديـد.
فلم تقف هذه النصوص عند نقد وسيلة اختيار الخلفاء، كما صوّرها
الدكتور صبحي ملتمساً ذلك من بعض تعليقات ابن أبي الحديد(231).
بل في تعليقات ابن أبي الحديد ما يشير بوضوح إلى أنّ في كلامه عليه السلام
ما يفيد تعيينه عليه السلام خليفةً بالنصّ، الاَمر الذي اسـتنكروا بعض لوازمه،
فاسـتنكروه لذلك! فيما حاول المعتزلة أن يتّخذوا منه موقفاً وسطاً:
قال ابن أبي الحديد: وأصحابنا يحملون ذلك كلّه على ادّعائه الاَمر
بالاَفضلية والاَحقّية، وهو الحقّ والصواب، فإنّ حمله على الاستحقاق بالنصّ
تكفيرٌ أو تفسيق لوجوه المهاجرين والاَنصار!
قال: ولكنّ الاِمامية والزيدية حملوا هذه الاَقوال على ظواهرها،
وارتكبوا بها مركباً صعباً!
ثمّ قال: ولعمري إنّ هذه الاَلفاظ موهمةٌ مغلّبةٌ على الظنّ ما يقوله القوم
ـ أي الاِمامية والزيدية ـ لكنّ تصفّح الاَحوال يبطل ذلك الظنّ، ويدرأ ذلك
ومرّةً أُخرى يرى ابن أبي الحديد أنّ بعض كلمات عمر دالّة صراحة
على وجود النصّ على عليٍ عليه السلام ، لكنّه يسـتبعد من الصحابة ردّ النصّ.
يقول: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمّـد بن أبي زيد، وقد
قرأت عليه طائفة من الاَخبار المرويّة عن عمر، فقلت له: ما أراها إلاّ
تكاد تكون دالّة على النصّ، ولكن أسـتبعد أن يجتمع الصحابة على دفع نصّ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على شخص بعينه!! فقال لي رحمه الله أبيتَ إلاّ مَيْلاً إلى
المعتزلة!(233).
كيف يقال إذن: غاية رأي عليٍ في كيفية نصب الاِمام أنّه نقد وسيلة
اختيار الخلفاء قبله ولكنّه لم ينقد الاختيار عامّةً كوسيلة مؤدّية إلى نصب
الاِمـام؟!
إنّه استقراء ناقص، لكنّه بلا شكّ أقرب إلى الموضوعية كثيراً من نفي
أيّ نقد يمسّ وسيلة اختيار الخلفاء!
إنّ المعتزلة لو استطاعوا أن يدفعوا شبهة التكفير أو التفسيق المترتّبة
ظاهراً على ما تفيده ظواهر كلمات الاِمام عليٍ عليه السلام من استحقاقه الخلافة
بالنصّ، لآمنوا بها كما هي دون اللجوء إلى هذا التأويل بالذات!
بل لو استطاع الاَشاعرة وأصحاب الحديث وغيرهم من أنصار مدرسة
الخلفاء دفع هذه الشبهة لَما اضطرّوا إلى التكذيب بهذه الكلمات كلّها أو جلّها!
لكن لماذا لم يدفعوا هذه الشبهة بناءً على تصفّح الاَحوال؟!
لماذا لا يكون تصفّح الاَحوال قرينةً على دفع شبهة التكفير أو التفسيق،
مع الاِبقاء على ما تفيده ظواهر كلماته المتعدّدة المتعاضدة من استحقاقه الاِمامة
بالنصّ؟! خصوصاً مع وفرة ما يؤيّدها من نصوص نبوية متّفق عليها؟!
إنّهم لو فعلوا ذلك لاَصابوا حقيقةً لا يضطربون بعدها، ولا يفرّطون بهذا
الكمّ الكبير من الاَحاديث الهادية ـ أحاديث النبيّ وعليٍ ـ نفياً، أو تأويلاً يشبه
التعطيـل..
ولو فعلوا ذلك لاَْتَـلَفوا من بعد اختلاف، ولعادت الطوائف التي
تعدّدت أُمّةً واحدة كأنْ لم تختلف قطّ، ولعاد الاختلاف الذي عقب وفاة
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم درساً من دروس التاريخ لا يسـتهوي أحداً أبداً..
ولو فعلوا ذلك لارتفعوا كثيراً فوق مواطن الاضطراب التي تكشف عن
ضعف وهزيمة ورغبة مذهلة في غلق ذلك الملفّ..
إنّ الشيعة الّذين تمسّـكوا بهذه النصوص من دون تأويل، لم يُلزِموا
أنفسهم تكفير أحد بناءً على هذه النصوص، بل اسـتبعدوه كثيراً..(234).
لكنّ المعتزلة حين ابتكروا مقولتهم التي تميّزوا بها، مقولة المنزلة بين
المنزلتين، فمرتكب الكبيرة عندهم ليس بكافر، لكنّه أيضاً ليس بمؤمن، إنّما
هو فاسق! فحينئذٍ وجدوا أنفسهم مضطرّين إلى القول بفسق عدد كبير من
الصحابة لو أنّهم أخذوا بظاهر تلك النصوص! فلم يذهبوا إذاً إلى تعديل
مقولتهم عملاً بالنصوص وموافقةً لتصفّح الاَحوال، بل ذهبوا إلى تأويل
النصوص حفظاً لسلامة مقولتهم!
وهذا هو الخطر الكبير الذي يرتكبه التقليد المذهبي، فمقولة المذهب
وإذا قدّرنا أنّ كلّ مذهب من المذاهب الاِسلامية المتعدّدة سوف يفعل
مثل هذا إزاء كلّ نصّ يصطدم مع مقولاته، فسوف نقترب من إدراك مدى
الانحرافات الطارئة على مسار الاِسلام فكراً وعقيدةً!
لقد كان حَرِيّاً بهم أن يوفّقوا بين تلك النصوص وبين الثابت من أحوال
صاحب النصوص وحقائق التاريخ، ليخرجوا بالحكم الموضوعي المتماسك،
لكنّهم أدخلوا إلى عناصر الحكم مصدراً آخر، وهو مقدّماتهم الاعتقادية التي
ارتكزت عليها مذاهبهم وتميّزت بها، وهذا العنصر الاَخير هو الاَصل الثابت
دائماً وفق الرؤية المذهبية، فلا يخرج عنه فهم لشيء من نصوص الشريعة،
أو اسـتنباط شيء من أحكامها، أو تفسير ظاهرة ما!
هذا الذي صرف المعتزلة إذن عن هذه النصوص.
غير أنّ لبعض طوائف المعتزلة كلاماً قد يكون أقرب إلى التوفيق بين
النصّ وأحوال صاحب النصّ، منه إلى التأويل.. أبو القاسم البلخي وأصحابه
قالوا: لو أنّ عليّـاً نازع عقيب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلّ سيفه، لحكمنا
بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر
نفسه، ولكنّه مالك الاَمر وصاحب الخلافة، إذا طلبها وجب علينا القول
بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى
له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لاَنّه قد ثبت عنه في
عندئذٍ قال ابن أبي الحديد: هذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي،
وبه أقول!(236).
وغنيٌّ عن التذكير أنّ إغضاء صاحب الحقّ عن حقّه لا يعني دائماً الاِقرار
بعدالة خصمه.
لقد رأينا كثيراً من الاَساتذة المعاصرين من أهل السُـنّة قد أُعجب بالفكر
المعتزلي وثرائه، لكن دون أن يذهبوا معهم إلى القول بأنّ عليّـاً «مالك الاَمر،
وصاحب الخلافة» الذي هو أقرب شيء إلى القول بالنصّ!
أمّا الذي صرف عنها الجمهور فقياسهم الاَشياء، نصوصاً ووقائع، على
أساس التسليم بصحّة وشرعيّة نظام الخلافة الذي تحقّق بعد الرسول، وكلّ
نصّ أو حالٍ لا ينسجم مع هذا فهو عندهم مرفوض أو مؤوَّل.
وتبرز هنا مساحة أكبر للتنكّر لوقائع التاريخ أو الاِغضاء عنها! تمشّياً مع
المبدأ، عُرف فيما بعد بمبدأ «عدالة الصحابة» الذي أصبح حاكماً على النصّ
وعلى وقائع التاريخ أيضاً، علماً أنّ هذه النصوص والوقائع قد حُفظت غالباً
في دواوينهم الحديثية والتاريخية، على تفاوت في الكمّ والتفصيل، حتّى بلغ
الكثير والاَهمّ منها حدّ التواتر في مجموع تلك الدواوين: كحديث «مَن كنتُ
مولاه فعليٌّ مولاه»، وحديث الثَقَلَين «كتاب الله وعترتي» فيما لم تردِ الرواية
الاَُخرى «كتاب الله وسُـنّتي» إلى مرسَلةً في مصدر واحد من مصادرهم المهمّة
(موطّأ مالك)(237)، وقد وصل إسنادها بعدها ابنُ عبد البرّ فكان إسناداً واهياً
كلّ ذلك لاَنّها لا تحفظ لهم سلامة الواقع الجديد بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ،
وربّما مسّـت مبدأ عدالة الصحابة أيضاً!
وآخرون أدركوا حقّاً أنّ التمسّك برواية «وسُـنّتي» لا تغني وحدها في
الخلاص من تبعة الرواية الاَصحّ والاَشهر «كتاب الله وعترتي» فذهبوا إلى
تأويل الاَخيرة تأويلاً عجيباً، ومبتدع هذا التأويل هو ابن تيميّة، حيث يقول:
الحديث الذي في مسلم إذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد قاله فليس فيه إلاّ الوصيّة
باتّباع الكتاب، وهو لم يأمر باتّباع العترة، ولكن قال: «أُذكّركم الله في
أهل بيـتي»!(239).
ورغم أنّ تأويل ابن تيميّة هذا كان مكابَرةً صارخة بوجه النصّ، قد
تكون أيضاً مدعاةً للسخرية، إلاّ أنّ هناك من يأنس به ويطمئنّ به مهرباً من
إلزام النـصّ!
ما العمل إذا كان الناس يأنسون ويسـتمتعون انتصاراً لمذاهبهم ولو بمثل
هذا التصرّف المتهافت؟!
ولعلّ «منهاج السُـنّة» لابن تيميّة هو أكبر موسوعة سُـنّية في تأويل
الاَحاديث الخاصّة في عليٍ وأهل البيت عليهم السلام وفي التنكّر للوقائع الهائمة التي
قدّمتهم على غيرهم تقديماً لا يبقى معه أيّ مسوّغ لصرف الخلافة عنهم(240).
ويلحظ المتتـبّع لتأويلات ابن تيميّة في هذا القسم من الحديث أنّه قد
تأثّر كثيراً بطريقة القاضي عبد الجبّار المعتزلي في كتابه «المغني» وأخذ عنه
كثيراً من تأويلاته.. لكنّ الفارق يبقى كبيراً بين الطرفين، فمنزلة عليٍ عند
المعتزلة هي أسمى منها بكثير عند ابن تيميّة!
فحين لا يريد ابن تيميّة لحديث «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» أن
يتجاوز حدود المحبّة التي يشاركه فيها جميع المسلمين، فلا مزيّة فيه لعليٍ
على أحد!(241).. يرى فيه المعتزلة لعليٍ منزلة لا يشاركه فيها أحد، فإذا
أوجب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موالاته عليه السلام ولم يقيّده بوقت فيجب أن يكون باطنه
كظاهره في سائر الاَوقات، وهذه منزلة عظيمة تفوق منزلة الاِمامة(242)،
ويختصّ بها هو دون غيره(243).
ويبالغ ابن تيميّة فينكر الشطر الثاني من الحديث «اللّهمّ والِ مَن والاه،
وعادِ من عاداه»(244) لاَنّها قادحة بلا شكّ بمبدأ «عدالة الصحابة»! ولاَنّها
ستلزمه قطعاً البراءةَ من رجال دخلوا في عداد الصحابة لم يتورّعوا في إظهار
بغضهم لعليٍ وعدائهم له ومحاربتهم إيّاه، فيما لم يتردّد المعتزلة في القول
بهلاك هـؤلاء!(245).
وجدير بالتذكير أنّ ابن تيميّة الذي كان من أوسع الناس تأويلاً لهذا
الباب من الحديث، حفظاً للمذهب، هو من أشدّ الناس طعناً في التأويل
وأكثرهم تمسّـكاً حرفياً بظواهر مفردات النصّ، في باب الصفات خاصّةً،
حفظاً لمذهبه في التجسيم!
النصّ المعارض كان يخوض المعركة جنباً إلى جنب مع تأويل النصّ
وتكذيب الحَـدَث..
فلمّا كان الحديث الصحيح حديث السيّدة صفيّة، تسأل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
قبيل وفاته: إنْ حَدَث بك حَدَثٌ فإلى مَن؟ فيقول: «إلى عليّ بن
أبي طالـب»(246).
جاء الحديث المعارِض «إنْ لم تجديني فَأْتِ أبا بكر» عن سلسلة من
الرواة ذوي الاَهواء الاَُموية(247)، جاء ليذاع ويشتهر فيكتسح الحديث الاَوّل،
حتّى أتى الشيخان فوجداه مألوفاً على ألسن الرواة ومنهم من لا يُتّهم بكذب،
فأدخلاه في المختار من صحيحيهما..
ولمّا كان حديث عائشة في تكذيب أحاديث الوصيّة، هو المنسجم مع
العهد الجديد دون حديث السيّدة أُمّ سَلَمة، فكان لا بُدّ أن يذاع بواسطة عروة
ابن الزبير والزهري وأصحابهما، إلى صدور الحفّاظ وبطون الدواوين، حتّى
يجده الشيخان أَوْلى بالنقل من غيره(248).
ثمّ يأتي المتأخّرون فيعضّون بالنواجذ على كلّ ما أورده الشيخان
ويسقطون من الاعتبار كلّ ما خالفها، ليكون الاَوّل ديناً يدان به بحجّة اختيار
الشيخين أو اتّفاقهما.. وما انتخبه الشيخان حتّى وجداه ديناً يدان به.. وهذا
حقّ.. ولكن خطوة واحدة إلى الاَمام ستفتح العينين على كلّ الحقّ..
إنّ الحقّ كلّ الحقّ أنّ الشيخان ما وجداه ديناً إلاّ بفضل كفاح دؤوب
واصله حرّاس العهد الجديد مئتا عام حتّى جاء الشيخان!!
مئتا عام، قبل مجيء الشيخين وتدوين أوسع دواوين الحديث، قضاها
خصوم عليٍ وبنيه في كفاح دؤوب لاِقصاء ما لا يروق لهم ونشر ما يريدون،
بكلّ ما عرفوه من فنون الاِقصاء والنشر!(249).
مئتا عام والتيّار هادر، لم يسكن إلاّ أيّاماً لا تكفي حتّى لمراجعة
الذاكـرة!(250).
فكم بين نصيب أحاديث تجري بعكس اتّجاه ذاك التيّار، ونصيب
أحاديث حملها ذاك التيّار على ظهره؟!
هذا ما لم يلتفت إليه المتأخّرون.. لاَنّ لفتةً واحدةً إليه ستعني الكثير..
ستعني إدانة التاريخ الذي عشقوه حتّىأ شرّبت قلوبهم حبه.
حاول بعض المعاصرين أن يكتشف طريقاً جديداً يأخذ به بعيداً عن
أسر كلمات عليٍ عليه السلام ، فراح يبرهن على أنّ أهل البيت لم يذكروا ما يدلّ على
وهكذا ببساطة يُعرِضون عن كلّ ما أُثر عن عليٍ عليه السلام !
وأكثر من هذا، حاولوا حين حرّفوا شرط الاِمام الحسن عليه السلام على
معاوية في بنود الصلح الذي تمّ بينهما، فقالوا: إنّ الحسن عليه السلام كتب في
شروطه على معاوية: «وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من
بعده عهداً، بل يكون الاَمر من بعده شورى بين المسلمين»!
إذن أقرّ الحسن عليه السلام مبدأ الشورى، ولم يدع مجالاً لدعوى النصّ حتّى
على عليٍ عليه السلام خاصّة!(252).
لقد ارتضوا من هذا العهد نصّه المحرَّف، لا غير، نصرةً للمذهب، دون
تحقيـق!
ونصّ هذا العهد ينقله: ابن قتيـبة، وابن الاَثير، وابن كثير، وابن حجر
العسقلاني، وغيرهم، وفيه: «أنّ لمعاوية الاِمامة ما دام حيّاً، فإذا مات فالاَمر
للحسـن من بعده»(253).
فليس لمعاوية إذن أن يعهد لاَحدٍ من بعده، لاَنّ الخلافة بعده
للحسـن عليه السلام ، ولا شيء وراء ذلك!
الدكتور محمّـد عمارة أدرك هذا التحريف، لكنّه لا يريد أن يفرّط بذاك
النصّ المحرَّف، لاَنّه كان عمدته في ما أراد، فلفّق بين النصّين باعتماد الاَصل
المحرَّف أساساً للعهد، فقال: كتب الحسن في العهد: «ليس لمعاوية أن يعهد
لاَحد من بعده ـ أي من بعد الحسن ـ وأن يكون الاَمر شورى»(254).
فأدخل عبارة (أي من بعد الحسن) لكي لا يقع في لائمة ترك النصّ
الصحيح.. وارتضى هذا النوع من تدليس الاَخبار على ما فيه من بُعد ونكارة
لا ترتضيها لغة العرب!
والاَكثر غرابةً أن نرى هذا النصّ المحرّف «ليس لمعاوية أن يعهد لاَحد
من بعده، بل يكون الاَمر بعده شورى» يتسرّب إلى مصادر شيعية معاصرة!
لقد تناقله كتّاب جيّدون لهم منازل مرموقة في البحث والمعرفة، لكنّي
لا أشكّ في أنّهم نقلوه غفلةً، عن حسن قصد وحسن ظنّ حين رأوا كثرة من
تناوله من كتّاب معاصرين خاصّة، ومن هؤلاء السادة: الشيخ محمّـد جواد
مغنيّة، والدكتور حسن عبّاس حسن، ولجنة التأليف في مؤسّـسة البلاغ(255).
كما وردت عند بعضهم زيادة أُخرى على النصّ لم نعثر لها على مصدر
أسبق من النسّابة ابن عنبة الحسني (828 هـ) جعل الشرط فيه: أنّ للحسن
ولاية الاَمر بعد معاوية، فإن حدث به حدث فللحسـين(256).
وهذا ليس ممّا يُسـتنكر، لكنّه صحّ أو لم يصحّ ليس فيه مزيد أثر على
ما نحن فيـه.
بعد هذه الجولة اليسيرة جدّاً في موضوع طويل كهذا نستطيع أن
نشـخّص أُمّهات المشاكل التي حجبت الحقيقة الواحدة عن الناس جيلاً بعد
جيـل..
رأينا كيف ساهم: التاريخ السياسي، والرؤى المذهبية، والغفلة أحياناً،
في إضفاء الغموض ومزيد من الغموض على قضيّة حاسمة في معرفة الوجهة
الاَصحّ في مسار الاِسلام كلّه.
*
*