
السيد علي حسن مطر
ثالثا : مصطلح الفعل
1 ـ الفعل لغة :
معنى الفعل في اللغة هو (نفي الحدث الذي يحدثه الفاعل من قيام أو قعود أو نحوهما) (1) قال ابن منظور : (الفعل كناية عن كل عمل متعد أو غير متعد . فعل يفعل فعلا وفعلا . . . والاسم : الفعل ، والجمع : الفعال . . . والفعل ـ بالفتح ـ مصدر) (2) .
* * *
2 ـ الفعل اصطلاحا :
الفعل من المصطلحات التي وجدت بوجود النحو ، فقد روي أن الإمام
____________
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد ، ص 14 .
(2) لسان العرب ، ابن منظور ، مادة (فعل) .
(387)
عليا عليه السلام ألقى إلى أبي الأسود الدؤلي صحيفة قسم فيها الكلام كله إلى اسم وفعل وحرف (3) ، وأمره أن يتم عليه (4) ، وينحو نحوه (5) .
وقد سلك النحاة في تعريف الفعل مسلكين :
الأول : تعريفه بذكر صفاته وعلاماته .
قال ابن السراج (ت 316 ه) : (الفعل ما كان خبرا ولا يجوز أن يخبر عنه ، وما أمرت به . فالخبر نحو : يذهب عمرو ، فيذهب حديث عن عمرو ، ولا يجوز أن تقول : جاء يذهب ، والأمر نحو قولك : إذهب) (6) .
وقال أبو علي الفارسي (ت 377 ه) : (وأما الفعل فما كان مستندا إلى شيء ، ولم يسند إليه شيء) (7) .
وإنما عدل من الأخبار إلى الإسناد ، لأن (من الأفعال ما لا يصح إطلاق الأخبار عليه ، كفعل الأمر ، نحو : ليضرب ، إذ الخبر . . . ما دخله الصدق والكذب ، ويصح أن يطلق عليه الإسناد) (8) ، فيكون هذا التعريف شاملا لفعل الأمر بلا حاجة لإلحاقه بعبارة (وما أمرت به) ، ولكنه عرضة للإشكال عليه بدخول أسماء الأفعال ، لأنها تسند ولا يسند إليها .
وعرفه ابن جني (ت 392 ه) بأنه (ما حسن فيه (قد) أو كان أمرا) (9) .
____________
(3) أ ـ إنباه الرواة على أنباه النحاة ، علي بن يوسف القفطي ، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم 1 / 39 ـ 40 . ب ـ معجم الأدباء ، لياقوت ، 1 / 39 . ج ـ الأشباه والنظائر في النحو ، للسيوطي ، تحقيق عبد العال سالم مكرم ، 1 / 12 ـ 13 .
(4) وفيات الأعيان ، ابن خلكان ، تحقيق إحسان عباس ، 20 / 535 .
(5) نزهة الألباء في طبقات الأدباء ، الأنباري ، 4 / 5 .
(6) الموجز في النحو ، ابن السراج ، ص 27 .
(7) المقت ، صد في شرح الايضاح ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق كاظم بحر المرجان ، 1 / 76 .
(8) المقت ، صد في شرح الايضاح 1 / 76 ـ 77 .
(9) اللمع في علم العربية ، ابن جني ، تحقيق فائز فارس ، ص 7 .
(388)
وقال الحريري (ت 516 ه) : الفعل (ما يدخل عليه (قد) و (السين) ، أو تلحقه تاء الفاعل ، أو كان أمرا) (10) .
ويلاحظ على هذين التعريفين أنه كان يمكن الاستغناء عن عبارة (أو كان أمرا) فيهما ، بذكر بعض من علامات فعل الأمر .
وعرفه عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) بقوله : (الفعل ما دخله قد وسوف والسين . . . وتاء الضمير وألفه وواوه . . وتاء التأنيث الساكنة . . . وحرف الجزم) (11) ، وتابعه عليه المطرزي (ت 610 ه) (12) .
ويؤخذ عليه عدم شموله لفعل الأمر .
وسجل ابن فارس عددا من تعريفات الفعل بالعلامة دون أن يعزوها لقائليها ، وأورد إشكالات عليها ، فقال :
(وقال قوم : الفعل ما امتنع من التثنية والجمع .
وللرد على أصحاب هذه المقالة أن يقال : إن الحروف كلها ممتنعة من التثنية والجمع ، وليست أفعالا .
وقال قوم : الفعل ما حسن فيه أمس وغدا ، وهذا على مذهب البصريين غير مستقيم ، لأنهم يقولون : أنا قائم غدا ، كما يقولون : أنا قائم أمس .
وقال قوم : الفعل ما حسنت فيه التاء ، نحو : قمت وذهبت ، وهذا عندنا غلط ، لأنا قد نسميه فعلا قبل دخول التاء عليه) (13) .
أقول : اعتراضه الأخير ليس واردا ، لأن صاحب القول المذكور ، لم يشترط في (الفعل) دخول التاء عليه فعلا ، وإنما اشترط صلاحيته لدخولها عليه ، وهذه الصلاحية متحققة قبل دخول التاء عليه ، هذا مع الإشارة إلى أنه
____________
(10) ملحة الإعراب ، القاسم بن علي الحريري ، ص 3 .
(2) الجمل ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر ، ص 5 .
(12) المصباح في علم النحو ، المطرزي ، تحقيق الدكتور عبد الحميد السيد طلب ، ص 39 .
(13) الصاحبي في فقه اللغة ، ابن فارس ، تحقيق مصطفى الشويمي ، ص 85 ـ 86 .
(389)
لا وجه لاستعماله (قد) في قوله : (لأنا قد نسميه فعلا) ، لأن تسميته بالفعل حينئذ مقطوع بها . نعم ، يصح الاعتراض على التعريف بعدم شموله فعل الأمر .
وعرفه ابن مالك (ت 672 ه) بقوله : (الفعل كلمة تسند أبدا ، قابلة لعلامة فرعية المسند إليه) (14) .
وقال السلسيلي في شرحه : خرج بقوله (تسند) (الحرف وبعض الأسماء كياء الضمير في (غلامي) . قوله : (أبدا) احترز به من بعض الأسماء التي تسند وقتا دون وقت ، نحو قولك : زيد القائم ، ثم تقول : القائم زيد . قوله : (قابلة . . إلى آخره) كتاء التأنيث وتاء الخطاب والألف والواو والنون . وتحرز ب (قابلة) من أسماء الأفعال ، فإنها تسند أبدا ، وليست أفعالا ، لأنها لا تقبل علامة فرعية المسند إليه) (15) .
وعرفه ابن مالك أيضا بعلاماته في أرجوزته الألفية ، فقال :
بتا فعلت وأتت ويا افعلي ونون أقبلن فعل ينجلي
وقوله (يا افعلي) أفضل من قول بعضهم (الياء أو ياء الضمير) : لأنها تكون في الاسم نحو : غلامي ، وفي الحرف نحو : كأني (16) .
وعرفه أبو حيان (ت 745 ه) بقوله : (ويعرف الفعل بتاء التأنيث الساكنة ، وبالياء وبلم ، نحو : قامت وقومي ولم يضرب) (17) .
ويؤخذ عليه ما ذكرناه توا من دخول الياء على كل من الاسم والحرف أيضا .
____________
(14) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات ، ص 3 .
(15) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، السلسيلي ، تحقيق عبد الله البركاتي ، 1 / 97 .
(16) حاشية الملوي على شرح المكودي على الألفية ، ص 7 .
(17) شرح اللمحة البدرية في علم العربية ، ابن هشام ، تحقيق الدكتور هادي نهر ، 1 / 223 .
(390)
المسلك الثاني : تعريف الفعل ببيان حده وحقيقته .
قال سيبويه (ت 180 ه) : (وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى ، ولما يكون ولم يقع ، وما هو كائن لم ينقطع . . والأحداث نحو : الضرب والحمد والقتل) (18) .
وواضح أنه : أن (المراد بأحداث الأسماء ما كان فيها عبارة عن الحدث وهو المصدر) (19) .
أي أن الأفعال أبنية أو صيغ مأخوذة من المصادر ، فهي تدل بمادتها على المصدر أو الحدث ، وبصيغتها على زمان وقوعه ، من ماض أو حاضر أو مستقبل .
وعرفه ابن السراج (ت 316 ه) بقوله : (الفعل ما دل على معنى وزمان ، وذلك الزمان إما ماض وإما حاضر وإما مستقبل ، وقلنا : (وزمان) لنفرق بينه وبين الاسم الذي يدل على معنى فقط) (20) .
وأما إشارته إلى أن المراد بالزمن أقسامه الثلاثة ، فالظاهر أنها لمجرد البيان ، وسيأتي أن بعض النحاة عدوا ذلك قيدا احترازيا مما دل على حدث وزمان مبهم كالمصدر .
وقد أشكل أبو علي الفارسي على مثل هذا الحد ، بأن من الأفعال ما هو عند النحويين دال على زمن غير مقترن بحدث ، نحو (كان) المفتقرة إلى الاسم المنصوب [ أي الناقصة ] ، وهو عندهم فعل ، ومع ذلك فهو دال على الزمان المجرد من الحدث) (21) .
____________
(18) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون ، 1 / 12 .
(19) مسائل خلافية في النحو ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق محمد خير الحلواني ، ص 69 .
(20) الأصول في النحو ، ابن السراج ، تحقيق عبد الحسين الفتلي ، 1 / 41 .
(21) المسائل العسكريات ، أبو علي الفارسي ، تحقيق علي جابر المنصوري ، ص 76 .