قبل صلة

    أن مسلم بن إبراهيم قال : كان من خيار الناس .
    وقال عمرو بن علي : صدوق منكر الحديث .
    وقال أبو بكر بن أبي الأسود : ترك ابن مهدي حديثه ثم حدث عنه وقال : ما كان لي حجة عند ربي .
    وقال ابن عدي : والحسن بن أبي جعفر أحاديثه صالحة ، وهو يروي الغرائب وخاصة عن محمد بن جحادة ، له عنه نسخة يرويها المنذر بن الوليد الجارودي عن أبيه عنه . وله عن محمد بن جحادة غير ما ذكرت أحاديث مستقيمة صالحة ، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب ، وهو صدوق .
    وقال ابن حبان : من خبار عباد الله الخشن ، ضعفه يحيى وتركه أحمد ، وكان من المتعبدين المجابين الدعوة ، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه ، فإذا حدث وهم قلب الأسانيد وهو لا يعلم ، حتى صار ممن لا يحتج به ، وإن كان فاضلا .
    هذه هي الكلمات التي أوردها الحافظ ابن حجر بترجمته ، في مقابلة كلمات الجرح (64) .

    فنقول :
    1 ـ الرجل من رجال الترمذي وابن ماجة .
    2 ـ روى عنه كبار الأئمة .
    3 ـ شهد بعدالته : مسلم بن إبراهيم فقال : كان من خيار الناس .
    فقال المعترض : (وهو تلميذه) .
    قلت : كأنه يريد إسقاط هذه الشهادة ، لكون الشاهد تلميذا ، وكأن الرجل لا يدري أن هذا المورد ليس من موارد عدم قبول الشهادة ، بل الأمر
____________
(64) تهذيب التهذيب 2 / 227 .
(154)

بالعكس ، إذ المفروض عدالة الشاهد ، فإذا كان تلميذا كان أكثر معرفة بحال المشهود له من غيره .
    4 ـ شهد بعدالته : عمرو بن علي الفلاس إذ قال : صدوق . وسيأتي الكلام على قوله بعد ذلك : (منكر الحديث) .
    5 ـ شهد بعدالته : ابن عدي .
    6 ـ قال ابن حبان : من خيار عباد الله الخشن ، وكان من المتعبدين المجابين الدعوة ، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه ، فإذا حدث وهم وقلب الأسانيد وهو لا يعلم ، حتى صار ممن لا يحتج به وإن كان فاضلا .
    أقول : هذه عبارة ابن حبان . . . فقارن بينها وبين ما أورده المعترض :
    (وقال ابن حبان : كان الجفري من المتعبدين المجابين الدعوة ، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث ، فلا يحتج به) .
    ولاحظ ! ممن هذا التحريف والتصرف ؟ !
    يقول ابن حبان ـ بعد الشهادة بكون (الحسن) من خيار عباد الله الخشن ، وأنه كان من المتعبدين المجابين الدعوة ـ : ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه ، فإذا حدث وهم وقلب الأسانيد وهو لا يعلم حتى صار ممن لا يحتج به وإن كان فاضلا .
    فغاية ما كان من (الحسن) أنه : (إذا حدث وهم وقلب الأسانيد) لكن (وهو لا يعلم) أي : فهو ـ كما قال ابن عدي ـ : (ممن لا يتعمد الكذب ، وهو صدوق) . ولذا قال عنه الفلاس (65) ـ بعد أن قال : (صدوق) ـ : (منكر الحديث) .
    فظهر :
    أولا : لم ينقل المعترض كلمات التعديل والثناء .
____________
(65) ولا يخفى أن (عمرو بن علي الفلاس) هو نفسه من رواة حديث السفينة ، عن طريق (الحسن ابن أبي جعفر الجفري) أخرجه عنه أبو بكر البزار في مسنده ، وهذا مما يشهد بما ذكرناه .
(155)

    وثانيا : دق حرف بعض الكلمات في حق الرجل .
    وثالثا : قد ظلم الرجل إذ لم يتحقق كلمات الجرح ، وأنها إنما ترجع إلى وهم الرجل في روايته عن غفلة ، وأما هو في ذاته فصدوق جليل من خيار عباد الله الخشن .
    * وأما (علي بن زيد) فقد أخرج عنه : البخاري في (الأدب المفرد) ، ومسلم ، والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة ، كما ذكر ابن حجر (66) ، وهؤلاء أرباب الصحاح الستة عندهم .
    وذكر ابن حجر كلمات عدة من الأئمة في وثاقته وصدقه والثناء عليه . . . ونحن لا نحتاج إلى الإطناب في ترجمته لأمرين :
    الأول : كونه من رجال مسلم والأربعة والبخاري في (الأدب المفرد) ، وهذا فوق المطلوب .
    والثاني : إن السبب الأصلي لجرح من جرحه هو التشيع ! فلاحظ عباراتهم في (تهذيب التهذيب) ونكتفي بإيراد واحدة منها :
    (وقال يزيد بن زريع : رأيته ولم أحمل عنه لأنه كان رافضيا) .
    وقد جعلوا أنكر ما روى : ما حدث به حماد بن سلمة ، عنه ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، رفعه : إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه . قاله ابن حجر .
    قلت : فإذا كان هذا الأمر ـ الحق الذي وافقه في روايته كثيرون ، وهو من الأحاديث الصادرة قطعا ـ هو أنكر ما روي عنه ، فاعرف حال بقية أحاديثه !
    وعاشرا : لنا أن نحتج بكل من :
    عبد الله بن داهر .
    وابن لهيعة .
____________
(66) تهذيب التهذيب 7 / 283 .
(156)

    * أما (عبد الله بن داهر) فذنبه عند القوم أنه : (رافضي خبيث) وأن : (عامة ما يرويه في فضائل علي وهو متهم في ذلك) .
    وقد أورد في (الميزان) و (لسان الميزان) أحاديث عنه في فضل علي وأهل البيت عليهم السلام ، منها ما رواه بإسناده عن ابن عباس :
    (ستكون فتنة فمن أدركها فعليه بالقرآن وعلي بن أبي طالب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ـ وهو آخذ بيد علي ـ : هذا أول من آمن بي ، وأول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمة ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو خليفتي من بعدي) (67) .
    * وأما (ابن لهيعة) فقد روى عنه كبار الأئمة من المتقدمين ، كالثوري ، والشعبي ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وابن المبارك .
    وهو من رجال : مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة .
    قال أبو داود عن أحمد : ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه ؟ !
    وعن الثوري : عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع ، وحججت حجا لالقى ابن لهيعة .
    وقال أبو طاهر بن السرح : سمعت ابن وهب يقول : حدثني ـ والله ـ الصادق البار عبد الله بن لهيعة .
    وقال يعقوب بن سفيان : سمعت أحمد بن صالح ـ وكان من خيار المتقنين ـ يثني عليه .
    وعنه أيضا : ابن لهيعة صحيح الكتاب . . .
    وعن ابن معين : قد كتبت حديث ابن لهيعة ، وما زال ابن وهب يكتب
____________
(67) ميزان الاعتدال 2 / 417 ، لسان الميزان 3 / 283 .
(157)

عنه حتى مات .
    وقال الحاكم : استشهد به مسلم في موضعين .
    وقال ابن شاهين : قال أحمد بن صالح : ابن لهيعة ثقة ، وما روي عنه من الأحاديث فيها تخليط يطرح ذلك التخليط .
    وقال مسعود عن الحاكم : لم يقصد الكذب ، وإنما حدث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ .
    وقال ابن عدي : حديثه كأنه نسيان ، وهو ممن يكتب حديثه (68) .
    أقول : ألا يكفي هذا للاحتجاج بما رواه ؟ !

    بقي الكلام :
    في : (حنش الكناني) و (سويد بن سعيد) .
    * أما (حنش) فقد عرفت أنه من التابعين المشاهير ، وقد دأب القوم على تعديل التابعين أخذا بما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أحاديث : خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم . . . بل ذكره ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة كما ذكر ابن حجر .
    وأورد ابن حجر كلمات التوثيق له عن أبي داود والعجلي وغيرهما .
    وقد أخذ عليه أنه كان ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات ! ! حتى صار ممن لا يحتج بحديثه ! ! (69)
    * وأما (سويد بن سعيد) فهو من رجال صحيح مسلم وصحيح ابن ماجة . قال ابن حجر :
    (وعنه : مسلم ، وابن ماجة ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، ويعقوب بن شيبة ، وعبد الله بن أحمد ، ومطين ، وبقي بن مخلد ، وأبو الأزهر . . .) .
____________
(68) تهذيب التهذيب 5 / 327 .
(69) تهذيب التهذيب 3 / 51 .

(158)

    قال ابن حجر : (قال عبد الله بن أحمد : عرضت على أبي أحاديث سويد عن ضمام بن إسماعيل فقال لي : اكتبها كلها فإنه صالح . أو قال : ثقة . وقال الميموني عن أحمد : ما علمت إلا خيرا . وقال البغوي : كان من الحفاظ ، وكان أحمد ينتقي عليه لولديه فيسمعان منه . وقال أبو داود عن أحمد : أرجو أن يكون صدوقا . وقال : لا بأس به . وقال أبو حاتم : كان صدوقا وكان يدلس ويكثر . وقال البخاري : كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه . وقال يعقوب بن شيبة : صدوق مضطرب الحفظ ولا سيما بعد ما عمي . وقال صالح بن محمد : صدوق إلا أنه كان عمي فكان يلقن أحاديث ليست من حديثه . . .) (70) .
    وقال الذهبي : (الحافظ الرحال المعمر ، حدث عن مالك بالموطأ وعنه : م ، ق ، ومطين ، وابن ناجية ، وعبد الله بن أحمد ، والباغندي ، والبغوي ، وخلق كثير . قال البغوي : كان من الحفاظ ، كان أحمد بن حنبل ينتقي عليه لولديه . وقال أبو حاتم : صدوق كثير التدليس . وقال أبو زرعة : أما كتبه فصحاح ، وأما إذا حدث من حفظه فلا) (71) .
    وقال ابن حجر : (صدوق في نفسه ، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه . وأفحش فيه ابن معين القول) (72) .
    أقول : تلخص :
    1 ـ هو من رجال مسلم وابن ماجة ، ومن مشايخ كثير من الأئمة .
    2 ـ هو (صدوق) عند أحمد وجماعة من أئمة الجرح والتعديل .
    3 ـ عمدة ما انتقد عليه أنه لما عمي لقن ما ليس من حديثه .
    4 ـ أفحش القول فيه يحيى بن معين . . . فقوله مردود عند الأئمة .
    واعلم أن هذا المعترض ذكر العبارة التالية :
____________
(70) تهذيب التهذيب 4 / 272 ـ 275 .
(71) تذكرة الحفاظ 2 / 454 .
(72) تقريب التهذيب 1 / 340 .

(159)

    (وقال الحاكم : ويقال إن يحيى لما ذكر له هذا الحديث قال : لو كان لي فرس ورمح غزوت سويدا) .
    لكن ما هو المراد من (هذا الحديث) ؟ !
    حديث السفينة ؟ !
    لا ، بل حديث آخر . . . لكن الرجل دلس وحرف ! !
    قال ابن حجر : (وقال ابن حبان : كان أتى عن الثقات بالمعضلات : روى عن أبي مسهر ـ يعني عن أبي يحيى القتات ـ عن مجاهد ، عن ابن عباس ، رفعه : من عشق وكتم وعف ومات مات شهيدا . قال : ومن روى مثل هذا الخبر عن أبي مسهر تجب مجانبة رواياته . هذا إلى ما لا يحصى من الآثار وتلك الأخبار .
    وقال فيه يحيى بن معين : لو كان لي فرس ورمح لكنت أغزوه . قاله لما روى سويد هذا الحديث .
    وكذا قال الحاكم أن ابن معين قال هذا في الحديث) (73) .

    أقول :
    هكذا يريدون الرد على كتبنا ، فاعرفوهم أيها المنصفون واحذروهم أيها المسلمون ! !

    * قال السيد رحمه الله :
    (وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ا لنجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف (في الدين) فإذا خالفتها قبيلة من العرب (يعني : في أحكام الله عز وجل) اختلفوا فصاروا حزب إبليس) .
____________
(73) تهذيب التهذيب 4 / 241 .
(160)

    قال في الهامش : (أخرجه الحاكم في ص 149 من الجزء الثالث من المستدرك عن ابن عباس . ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه) .

    قيل :
    (رواه الحاكم 3 / 149 . وفي سنده ابن أركون ، قال الذهبي : ضعفوه . وكذا خليد ضعفه أحمد وغيره . وهو حديث موضوع كما ذكر الذهبي) .

    أقول :
    قال الحاكم : (حدثنا مكرم بن أحمد القاضي ، ثنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا إسحاق بن سعيد بن أركون الدمشقي ، ثنا خليد بن دعلج أبو عمرو السدوسي ، أظنه عن قتادة ، عن عطاء ، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله . . . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) .
    وقد رواه عن الحاكم أعيان علماء الحديث المتأخرين عنه وارتضوا تصحيحه ، ومنهم :
    الحافظ السيوطي ، في : الخصائص الكبرى 3 / 364 ، وإحياء الميت بفضائل أهل البيت : رقم 29 .
    والحافظ السمهودي ، في : جواهر العقدين ـ مخطوط .
    والشبراوي ، في : الإتحاف بحب الأشراف : 20 .
    والحمزاوي ، في : مشارق الأنوار : 86 .
    والصبان ، في : إسعاف الراغبين ـ هامش نور الأبصار : 130 . فنحن نستدل برواية هؤلاء . . .
    أما الذهبي فقد عرفنا حاله وطريقته ، ولا يعتد بكلامه إلا من كان على شاكلته . . .


(161)

    ثم إن لهذا الحديث الشريف مؤيدات كثيرة . . . كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (النجوم أمان لأهل الأرض ، وأهل بيتي أمان لأمتي) . أخرجه : ابن أبي شيبة ، ومسدد ، والحكيم الترمذي ، وأبو يعلى ، والطبراني ، وابن عساكر وعنهم المتقي الهندي (74) .
    ولهذا نجدهم يعقدون في كتبهم أبوابا بهذا العنوان :
    قال الحافظ محب الدين الطبري : (ذكر أنهم أمان لأمة محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم . . .) (75) .
    وقال الحافظ السخاوي : (باب الأمان ببقائهم والنجاة في اقتفائهم . . .) (76) .
    وقال الحافظ السمهودي : (الذكر الخامس : ذكر أنهم أمان الأمة ، وأنهم كسفينة نوح . . .) (77) .

للبحث صلة . . .

____________
(74) كنز العمال 13 / 88 .
(75) ذخائر العقبى : 17 .
(76) استجلاب ارتقاء الغرف ـ مخطوط .
(77) جواهر العقدين ـ مخطوط .