قبل صلة

تشييد المراجعات
وتفنيد المكابرات

(3)

السيد علي الحسيني الميلاني



    قيل :
    (قوله (ونقل هذه الكلمة عنه جماعة كثيرون ، أحدهم ابن حجر . . .) لا يغني عنه شيئا ، فهل يتحول الكذب إلى صدق إذ كثر ناقلوه ؟) .

    أقول :
    هذا كلام باطل ، لأن الكذب لا يتحول إلى صدق إذا كثر ناقلوه ، لكن هذا الحديث حق وصدق لا (كذب) . على أنه لو كان كذبا لم يخل حال ناقليه عن أحد حالين :
    إما أن يكونوا جاهلين بكونه كذبا . . . وهذا لا يلتزم به هذا القائل ولا غيره ، وكيف يلتزم بجهل نقلة هذا الحديث بحاله ، وهم أئمة الحديث المرجع إليهم في روايته ومعرفته ؟ ! إذ فيهم :
    محمد بن سليمان المطين .
    و عبد الله بن أحمد بن حنبل .
    والحسن بن عمر الفقيمي .
    والحسن بن صالح بن حي .


(115)

    وأبو أحمد الزبيري الحبال .
    وعمر بن شبة .
    وأبو طاهر المخلص .
    وابن السمرقندي .
    وابن عساكر .
    والسخاوي . . .
    وإما أن يكونوا عالمين بكونه كذبا . . . وهذا أيضا لا يلتزم به القائل ولا غيره ، لأن معناه أن يتعمد هؤلاء الأئمة الثقات الفطاحل نقل حديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيسقطون عن العدالة والوثاقة ، ويعدون في جملة من تعمد الكذب عليه ، ومن كذب على الرسول الأمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين !

    * قال السيد :
    (وخطب الإمام المجتبى أبو محمد الحسن السبط سيد شباب أهل الجنة فقال : إتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم) .
    قال في الهامش : (فراجعها في أواخر باب وصية النبي بهم ، من الصواعق المحرقة لابن حجر ، صفحة 137 .)

    قيل :
    (راجعناها في الصواعق 229 ، فوجدنا المؤلف الموسوي قد سلخها من كلام الحسن لأمر ما . يقول ابن حجر : وقد صرح الحسن رضي الله عنه بذلك ، فإنه حين استخلف وثب عليه رجل من بني أسد فطعنه وهو ساجد بخنجر لم يبلغ منه مبلغا ، ولذا عاش بعده عشر سنين فقال : يا أهل العراق ، اتقوا الله فينا ، فإنا أمراؤكم وضيفاكم ، ونحن أهل البيت الذين قال الله عز وجل فيهم : ( إنما


(116)

يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) . قالوا : ولأنتم هم ؟ قال : نعم .
    ويكفي هذا الكلام ضعفا أن رواه الثعلبي في تفسيره كما صرح بذلك في الصواعق) .

    أقول :
    أولا : يكفي وروده في كتب أهل السنة ، إذ يكون بذلك مورد اتفاق المسلمين ، ولا ريب في وجوب الأخذ بكل أمر حق وقع الاتفاق عليه .
    وثانيا : هذا الكلام رواه الحافظ الطبراني ، ونص الحافظ نور الدين الهيثمي ـ في كتابه الذي اعتمد عليه المعترض في مواضع ! ـ على أن (رجاله ثقات) . وهذا نص الرواية في باب فضل أهل البيت رضي الله عنهم :
    (وعن أبي جميلة : إن الحسن بن علي حين قتل علي استخلف ، فبينا هو يصلي بالناس إذ وثب إليه رجل فطعنه بخنجر في وركه ، فتمرض منها أشهرا . ثم قام فخطب على المنبر فقال : يا أهل العراق ، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل البيت الذين قال الله عز وجل : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) . فما زال يومئذ يتكلم حتى ما ترى في المسجد إلا باكيا .
    رواه الطبراني . ورجاله ثقات) (1) .
    وفيه فوائد :
    1 ـ قوله عليه السلام : (إتقوا الله فينا) . ثم علل أمره بتقوى الله فيهم بقوله : (فإنا أمراؤكم) .
    2 ـ قوله عليه السلام : (ونحن أهل البيت الذين . . .) يفيد بكل وضوح
____________
(1) مجمع الزوائد 9 / 172 .
(117)

حصر الآية الكريمة فيه وفي والديه وأخيه .
    3 ـ ليس في هذه الرواية الصحيحة ـ باعتراف الحافظ الهيثمي ـ جملة : (لأنتم هم ؟ قال : نعم . وعدمها في هذه الرواية الصحيحة دليل على أمور :
    أحدها : إذعان المسلمين بكون (أهل البيت) في الآية ونحوها هم : الحسنان ووالداهما ، دون غيرهم ، وكون هذا المعنى مسلما مفروغا عنه بينهم .
    والثاني : إن بعض النواصب لما رأوا دلالة هذا الحديث على ما ذكرنا زادوا فيه تلك الجملة ، لتفيد جهل المسلمين أو شكهم فيما قاله الإمام عليه السلام واستدل به .
    والثالث : إن ابن حجر المكي اختار اللفظ المشتمل على الجملة ، وما أشار إلى رواية الطبراني ! وما ذلك إلا كونه بصدد الطعن في فضائل أهل البيت والرد على شيعتهم . . . اللهم إلا أن يكون مضطرا إلى الإقرار بصحة حديث منها .
    وثالثا : قوله : (يكفي هذا الكلام ضعفا أن رواه الثعلبي في تفسيره كما صرح بذلك في الصواعق) مردود بوجوه :
    1 ـ قد ظهر أن الكلام صحيح لا ضعيف .
    2 ـ قد ظهر أن روايته غير منحصرة بالثعلبي في تفسيره .
    3 ـ إن رواية الثعلبي لفضيلة من فضائل أهل البيت عليهم السلام كافية لشيعتهم في مقام الاستدلال ، وذلك :
    أ ـ لأن مجرد وجودها في كتب القوم كاف .
    ب ـ لأن الرواية إذا صح سندها يجب الأخذ بها في أي كتاب من كتبهم كانت ، وهذا ما نص عليه المعترض .
    ج ـ ولأن الثعلبي موصوف عندهم بصفات جليلة ، وتفسيره (الكشف والبيان) من التفاسير المعتمدة عندهم ، كما لا يخفى على من راجع ترجمته في المصادر التالية :


(118)

    وفيات الأعيان 1 / 61 ، الوافي بالوفيات 7 / 307 ، العبر 3 / 161 ، مرآة الجنان 3 / 46 ، تتمة المختصر 1 / 477 ، بغية الوعاة : 154 ، طبقات المفسرين 1 / 65 ، طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ 4 / 58 ، طبقات الشافعية ـ للأسنوي ـ 1 / 429 ، وغيرها .
    قال السبكي : (وكان أوحد زمانه في علم القرآن . . .) .
    وقال الأسنوي : (ذكره ابن الصلاح والنووي من الفقهاء الشافعية ، وكان إماما في اللغة والنحو . . .) .
    وقال الداودي : (كان أوحد أهل زمانه في علم القرآن ، حافظ للغة ، بارعا في العربية ، واعظا ، موثقا) .
    لكن الثعلبي لما أكثر من نقل روايات فضائل العترة وأخبار نزول الآيات فيهم . . . رماه ابن تيمية وأتباعه بالتساهل في النقل ، وحاولوا إسقاط رواياته المسندة عن الاعتبار .
    بقي : قوله : (قد سلخها من كلام الحسن لأمر ما).
    ولا يخفى : أنه كلام جاهل أو متجاهل ، إذ المهم هو الاستشهاد بكلام الإمام عليه السلام الثابت بالسند الصحيح . . . أما أنه في أي مناسبة قاله ؟ وما كان المورد له ؟ فهذا لا علاقة له بالبحث ، ولا يخصص مدلول الكتاب البتة .

* قال السيد :
    (وكان الإمام أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين وسيد الساجدين إذا تلا قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) يدعو الله عز وجل دعاء طويلا . . .) .
    قال في الهامش : (فراجعه في صفحة 90 من الصواعق المحرقة لابن حجر ، في تفسير الآية الخامسة : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) من الآيات التي أوردها في الفصل الأول من الباب 11) .


(119)

أقول :
    لم يتقول المعترض بشيء حول هذا الكلام المنقول عن الإمام زين العابدين عليه السلام .
    وفي هذه الرواية فوائد :
    1 ـ إشارة إلى نزول قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) فيهم عليهم السلام .
    2 ـ إشارة إلى نزول قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فيهم عليهم السلام .
    3 ـ إشارة إلى نزول قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فيهم عليهم السلام .
    4 ـ إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي . . .) .
    5 ـ تصريح بانحصار (الموقوف به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم) فيهم .
    6 ـ تصريح بأنهم (الذين احتج الله بهم على عباده ولم يدع الخلق سدى من غير حجة) .
    وسكوت الرجل عن هذه الرواية ـ وهو في مقام الرد ـ دليل على إقراره بصحة سندها ، ولا مناص له من قبولها والالتزام بمضامينها .
    ولا يخفى أن ذكر ابن حجر المكي هذه الرواية بتفسير قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) شاهد على أن المراد من (حبل الله) فيها هم الأئمة من العترة النبوية ، وهو مروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، وبه قال بعض المفسرين (2) .
____________
(2) منهم : الثعلبي الذي أشرنا إلى ترجمته قريبا ، نقل ذلك عنه جماعة منهم ابن حجر في (الصواعق) .
(120)

المراجعة ـ 8

    * قال السيد رحمه الله :
    (حيث قلنا إنه صلى الله عليه وآله وسلم قرنهم بمحكم الكتاب ، وجعلهم قدوة لأولي الألباب ، وسفن النجاة ، وأمان الأمة ، وباب حطة : إشارة إلى المأثور من هذه المضامين من السنن الصحيحة والنصوص الصريحة . . .) .

    قيل :
    (نحن مع تسليمنا بصحة بعض الأخبار الواردة في مناقب علي ـ رضي الله عنه ـ وفي بنيه ، لكننا لا نقر أن هذه الأخبار فيها حصر وجوب الاتباع لهم . ولذلك فإن تضييق مدلولات هذه الأخبار وقصرها على فئة من الصحابة دون فئة مما يأباه منطوق هذه النصوص ، فضلا عن أن صريح الكتاب والسنة وعمل الصحابة على غير ذلك . ومعلوم أن كثيرا من احتجاجات الرافضة لا تخلو من أحد خطأين : إما خطأ في الدليل ، وإما خطأ في المدلول ، وقد يجتمع فيها الخطآن معا . أما خطؤهم في الدليل فمن مثل احتجاجهم على أهل السنة بأحاديث ضعيفة وهالكة ، من أجل إقامة الحجة عليهم . وأما خطؤهم في المدلول فكاحتجاجهم بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة ليس فيها دليل على ما يثيرونه من قضايا . وقد يحتجون بأحاديث ضعيفة أو موضوعة على قضايا غير صحيحة) .

    أقول :
    هذا كلامه ! ثم استشهد بكلام لشيخ إسلامه ابن تيمية يفيد نفس الذي


(121)

قاله ، فلم يأت بشيء جديد .
    ومن المراد بكلمة (نحن) في أهل هذا الكلام ؟ !
    إن كان المراد : علماء أهل السنة المحققين الشارحين للأحاديث النبوية ، والمبينين لما تدل عليه السنة المحمدية ، والذين عليهم الاعتماد وإليهم الاستناد في هذا الباب ، فسننقل أقاريرهم في دلالة تلك الأخبار المعتبرة على حصر وجوب الاتباع بأمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام .
    وإن كان المراد ـ من (نحن) ـ : هو المتكلم نفسه . . . فقد وجدنا سكوته في قبال بعض الأدلة ـ ومنها الرواية المتقدمة قريبا عن الإمام السجاد عليه السلام ـ وسكوته في هكذا مواضع إقرار .
    على أنه إذا لم يقر في موضع فهو محجوج بإقرار أئمة مذهبه ، ولا أظن أن يدعى هذا الرجل كونه أعلم وأفهم للأخبار من كبار علماء طائفته !

    * قال السيد :
    (3 ـ وإليك بيان ما أشرنا إليه من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أهاب في الجاهلين ، وصرخ في الغافلين ، فنادى :
    * يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي) .
    قال في الهامش : (أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر ، ونقله عنهما المتقي الهندي في أول باب الاعتصام بالكتاب والسنة من كنز العمال ، ص 44 من جزئه الأول) .
    * (وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
    إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) .


(122)

    قال في الهامش : (أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم ، وهو الحديث 874 من أحاديث كنز العمال ، في ص 44 من جزئه الأول) .
    * (وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
    إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ـ أو : ما بين السماء إلى الأرض ـ وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) .
    قال في الهامش : (أخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت ، بطريقين صحيحين ، أحدهما في أول صفحة 182 ، والثاني في آخر صفحة 189 من الجزء الخامس . أيضا : ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد عن أبي سعيد . وهو الحديث 945 من أحاديث الكنز ، في ص 47 من جزئه الأول) .
    * (وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
    إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) .
    قال في الهامش : (أخرجه الحاكم في ص 148 من الجزء الثالث من المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفا بصحته على شرط الشيخين) .
    * (وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
    إني أوشك أن أدعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عز وجل ، وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) .
    قال في الهامش : (أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري


(123)

من طريقين ، أحدهما في آخر ص 17 والثاني في آخر ص 26 من الجزء الثالث من مسنده . وأخرجه أيضا : ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد . وهو الحديث 945 من أحاديث الكنز في ص 47 من جزئه الأول) .
    * (ولما رجع صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحات فقممن ، فقال :
    كأني دعيت فأجبت ، وإني قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى ، وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
    ثم قال : إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن .
    ثم أخذ بيد علي فقال : من كنت مولاه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) الحديث بطوله .
    قال في الهامش : (أخرجه الحاكم عن زيد بن أرقم مرفوعا في صفحة 109 من الجزء الثالث من المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله . وأخرجه عن طريق آخر عن زيد بن أرقم في ص 533 من الجزء الثالث من المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
    قلت : وأورده الذهبي في تلخيصه معترفا بصحته) .
    * (وعن عبد الله بن حنطب ، قال : خطب رسول الله بالجحفة فقال :
    ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : فإني سائلكم عن اثنين : القرآن وعترتي) .
    قال في الهامش : (أخرجه الطبراني كما في الأربعين للنبهاني . وفي إحياء الميت للسيوطي .
    وأنت تعلم بأن خطبته صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ لم تكن مقصورة على هذه الكلمة ، فإنه لا يقال عمن اقتصر عليها : إنه خطبنا . لكن السياسة