قبل صلة


(83)

شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا فيها إبر مغروزة ، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقة فأتاه جبريل عليه السلام بالمعوذتين . . . إلى آخره .
    قلت : يقع الكلام على هذا الخبر في إسناده ومتنه :
    أما إسناده : ففيه محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي الفزاري أبو عبد الرحمن الكوفي ، وقد غمزوه وطعنوه .
    قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : ترك الناس حديثه .
    وقال الدوري عن ابن معين : ليس بشيء ولا يكتب حديثه .
    وقال البخاري : تركه ابن المبارك ويحيى .
    وقال النسائي : ليس بثقة ولا يكتب حديثه .
    وقال الفلاس وعلي بن الجنيد والأزدي : متروك الحديث .
    وقال الدار قطني : ضعيف الحديث .
    وقال ابن حبان : كان ردئ الحفظ ، وذهبت كتبه فجعل يحدث من حفظه فيهم ، وكثرت المناكير في روايته .
    تركه ابن مهدي وابن المبارك والقطان وابن معين .
    وقال أبو حاتم : روى عنه شعبة وسليمان على التعجب ، وهو ضعيف الحديث جدا .
    وقال الحاكم في المدخل : متروك الحديث بلا خلاف أعرفه بين أئمة النقل فيه .
    وقال الساجي : منكر الحديث ، أجمع أهل النقل على ترك حديثه ، عنده مناكير ـ كما بترجمته في تهذيب التهذيب (51) .
    وقال الحافظ العلائي : متهم (52) .
____________
(51) تهذيب التهذيب 5 / 207 ـ 208 .
(52) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة 1 / 109 .

(84)

    وأما متنه : ففيه نكارة ظاهرة ، وهي أنه لم يعهد أن أحدا من اليهود خدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ـ فيما نعلم ـ سوى صبي يقال له : عبد القدوس ـ فيما ذكره ابن بشكوال عن حماية صاحب العتبية (53) ـ وقد مات في صباه ـ كما أخرجه البخاري في صحيحه (54) ـ ولبيد بن أعصم قد بلغ مبلغ الرجال وشتان ما بينهما .
    نعم ، رووا عن ابن عباس وعائشة (55) : أنه كان غلام من اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدنت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه بها ، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم رجل من اليهود .
    وهذا صريح في أن الخادم غلام من اليهود غير لبيد ، والله أعلم .
*     *     *

____________
(53) فتح الباري 3 / 262 ، إرشاد الساري 2 / 449 .
(54) صحيح البخاري 2 / 118 ـ بتحقيق ابن شاكر ـ باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه ؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام ؟
(55) تفسير سورة الكافرون والمعوذتين : 47 ، الفتوحات الإلهية (حاشية الجلالين) 4 / 606 للشيخ سليمان بن عمر العجيلي الشافعي الشهير بالجمل .

(85)

تتمة
    أخرج البيهقي في (الدلائل) (56) أيضا قصة السحر من وجه آخر بسنده عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وقال : الاعتماد على الحديث الأول . انتهى .
    يعني حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، الذي أخرجه قبله (57) ، فسقط الاحتجاج به ، وصرح الحافظ في (الفتح) (58) بضعف سنده ، وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع ـ كما في الفتح أيضا ـ .
    وأخرج ابن مردويه (59) من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أيضا حديث السحر ، وفيه : أنه جعل في بئر (ميمون) ، وهو غريب لم يرد في غير هذا اللفظ ، والمشهور في الروايات أنه بئر (ذروان) كما مر .
    وأما عكرمة البربري فحدث عن عظائمه ومغامزه ولا حرج ، ومن ابتغى التفصيل فعليه بمعاجم التراجم (60) .
    وأخرج ابن مردويه أيضا قصة السحر عن أنس بن مالك ـ كما في الدر المنثور (61) .
    وهي ـ مضافا إلى جهالة طريقها ـ مردودة بما سنذكر إن شاء الله تعالى من أمرها وبيان بطلانها ، والله الموفق .
____________
(56) دلائل النبوة 6 / 248 .
(57) دلائل النبوة 6 / 247 .
(58) فتح الباري 10 / 236 .
(59) الدر المنثور 6 / 417 ـ 418 .
(60) راجع تهذيب التهذيب 4 / 169 ـ 170 .
(61) الدر المنثور 6 / 418 .

(86)

تنبيه زعم علي القاري في (مرقاة المفاتيح) (62) وقوع نوعين من السحر له صلى الله عليه وآله وسلم ليكون أجره مرتين ! ! وأن أحدهما وقع من لبيد والآخر من بناته . انتهى .
    وهذه دعوى بلا نية ، زاد بها في الطنبور رنة :
والدعاوى ما لم تقيموا عليها        بينات أبناؤها أدعياء
كيف وأن الثابت في الأحاديث وقوع سحر واحد تولاه لبيد بن الأعصم اليهودي لا بناته ـ كما جاء في الصحيح (63) ـ ؟ !
    نعم ، يجوز أن يكون اليهودي قد استعان ببناته في ذلك ، وهذا غير مدفوع إلا أن الذي تولى كبره منهم إنما هو لبيد فحسب .
    ولعل القاري استند في دعواه إلى قول أبي عبيدة وغيره : إن بنات لبيد بن أعصم سحرن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس بسديد ـ كما قال ابن قيم الجوزية (64) ـ .
    هذا ، والأنكى من ذلك كله ما وقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقام أربعين ليلة مسحورا ، يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، ويخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله ، وفي رواية وهيب عن هشام عند أحمد (ستة أشهر) ، وفي (جامع معمر) عن الزهري أنه لبث ستة أشهر (65) ! !
    قال شيخ الإسلام شهاب الدين ابن حجر في (الفتح) : وقد وجدنا ه
____________
(62) مرقاة المفاتيح 5 / 455 .
(63) تفسير سورة الكافرون والمعوذتين : 43 .
(64) تفسير سورة الكافرون والمعوذتين : 43 .
(65) كما في فتح الباري 10 / 237 .

(87)

موصولا بإسناد الصحيح ، فهو المعتمد (66) . انتهى .
    وفي إرشاد الساري (67) : إنه لبث سنة ! !
    وليت شعري كيف يجوز تصديق هذا الزخرف من القول ؟ ! أم كيف تحتمل العقول السليمة أن يدع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ماكثا في السحر هذه المدة على تلك الحال لا يأبه به ولا يستجيب دعاءه ولا يفرج عنه كربته ؟ !
    فوعزة الحق إن هذا لمما تستنكره عقول بني آدم ، وتستخف بقائله ، وتعزوه إلى الهجر والهذيان ، نعوذ بالله من تسويل الشيطان ، وبه نستجير من التسور على مقام سيد ولد عدنان ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى السلام ، والله المستعان على ما يصفون .

*     *     *

____________
(66) فتح الباري 10 / 237 .
(67) إرشاد الساري 8 / 405 .

(88)

فصل
    ثم إنه لو جاز ذلك في حق الأنبياء عليهم السلام لكان ذريعة لعبث أهل الكفر بالأنبياء والمرسلين ، ولكانوا عرضة لمساءتهم ، إذ لم تنفك عصورهم من وجود ساحر عليم ، مع أنه لم يحك وقوع ذلك إلا في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعيد جدا أن لا يكون الأنبياء عليهم السلام قد سحروا وأثر السحر فيهم ـ لو جاز ذلك في حقهم ـ لأنهم قوتلوا بالسيف والسنان ، ولا حامل عليه لو كان للسحر تأثير فيهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
    بل السحر أدعى للمشركين إلى الطعن في رسل الله وإيذائهم ، لأن فيه تعطيل الأنبياء عليهم السلام والتسلط على جوارحهم ، بل قد يسحرون مدة عمرهم فيسقط النفع بهم ـ والعياذ بالله ـ وهو أنجع في نيل الغرض وجعلهم عرضة للاستهزاء والسخرية ، مع أنه أيسر من المقاتلة في الميدان ، والمحاربة بالسيف والسنان ، ولا أظن منصفا يرتاب في ذلك .
    وبالجملة : فإن في فتح هذا الباب ـ أعني تجويز تأثير السحر في الأنبياء عليهم السلام ولو في الجملة ـ سد لباب النبوة ، وفيه ما فيه !

*     *     *

(89)

فصل
    ويقدح فيما تضمنته تلك الأحاديث من أن قصة السحر كانت بالمدينة ، وأن المعوذتين أنزلتا لتعويذه صلى الله عليه وآله وسلم بهما ، ما ذهب إليه بعض أهل العلم من كون المعوذتين مكيتين أو خصوص سورة الفلق ـ على الخلاف ـ .
    فقد أخرج البيهقي في (دلائل النبوة) (68) بإسناده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن ، قالا : أنزل الله من القرآن بمكة (إقرأ باسم ربك) ـ وساق الأثر إلى قولهما : ـ والفلق ، وقل أعوذ برب الناس . . . إلى آخره .
    وأخرج ابن الضريس في (فضائل القرآن) (69) بسنده عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : كانت إذا أنزلت فاتحة الكتاب بمكة كتبت بمكة ، ثم يزيد الله فيها ما شاء ، وكان أول ما أنزل من القرآن (إقرأ باسم ربك) إلى أن قال : ـ ثم (قل أعوذ برب الفلق) ثم (قل أعوذ برب الناس) ـ وعد سورا أخرى وقال : ـ فهذا ما أنزل الله بمكة .
    وقال أبو عبيد في (فضائل القرآن) (70) : حدثنا عبد الله بن صالح ومعاوية ابن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، قال : نزلت بالمدينة سورة البقرة وآل عمران ـ وذكر سورا ليست المعوذات منها ـ ثم قال : وسائر ذلك بمكة .
    وأخرج أبو بكر بن الأنباري نحوه عن قتادة ـ كما في الاتقان (71) ـ .
    وحكى أبو عبد الله محمد بن حزم في كتاب (معرفة الناسخ
____________
(68) الاتقان 1 / 40 ، دلائل النبوة 7 / 142 .
(69) الاتقان 1 / 42 .
(70) الاتقان 1 / 43 ـ 44 .
(71) الاتقان 1 / 44 .

(90)

والمنسوخ) (72) : عن الضحاك والسدي أنهما مكيتان .
    وذكر أبو الحسن بن الحصار في كتابه (الناسخ والمنسوخ) أن المعوذتين مما اختلف فيه .
    هذا ، وقد ذهب ثلة من متقدمي المفسرين ومتأخريهم إلى أن سورة الفلق مكية ، فكأنهم لم يعبأوا بما روي من قصة السحر وكونها سبب النزول .
    واختار الجلال السيوطي في (الاتقان) (73) ـ تبعا لجماعة ـ أن المعوذتين مدنيتان ، لأنهما نزلتا في قصة سحر لبيد بن الأعصم كما أخرجه البيهقي في (الدلائل) . انتهى .
    وهو أول الكلام وعين المتنازع فيه ، فكيف ينهض دليلا في محل النزاع ؟ ! على أنك قد عرفت ما في رواية البيهقي في (دلائل النبوة) فراجع ثمة إن شئت .
    ومنه يعلم ما في كلام الشهاب الخفاجي في (حاشية البيضاوي) (74) إذ زعم أنه لا وجه للاختلاف في مكيتهما ومدنيتهما ، وأن الصحيح مدنيتهما معولا على قصة السحر ، وقد تقدم الكلام على ذلك آنفا .
____________
(72) معرفة الناسخ والمنسوخ ، المطبوع بهامش تفسير الجلالين 2 / 160 .
(73) الاتقان 1 / 55 .
(74) عناية القاضي وكفاية الراضي 8 / 414 .

(91)

فصل     ومن أقوى الأسباب الموجبة للإعراض عن هاتيك الأخبار وردها ، أنها توجب صدق قول الكفرة بأنه صلى الله عليه وآله وسلم مسحور ، وقد قال الله تعالى : (وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) (75) .
    وزعم قوم ممن أثبت تأثير السحر فيه صلى الله عليه وآله وسلم : أن الآية لا دلالة فيها على ذلك ، لأن المراد بها ـ والله أعلم ـ أنه صلى الله عليه وآله وسلم مجنون بواسطة السحر ـ كما قاله البيضاوي وغيره (76) ـ .
    وقال الفخر الرازي في تفسيره (77) : إن الكفار كانوا يريدون بكونه (مسحورا) أنه مجنون أزيل عقله بواسطة السحر فلذلك ترك دينهم . انتهى .
    وفي تفسير الجلالين 1 / 141 : (مسحورا) مخدوعا مغلوبا على عقله . وأنت ـ يرحمك الله ـ إذا تأملت الآية الشريفة ونظيرتها في سورة الإسراء ، وأنعمت فيهما نظر التحقيق ، لعرفت أنهم ملزمون بما قالوا ، ومسلمون الحجة لخصمهم من غير أن يشعروا ، كيف لا ؟ ! وكل مقر بأن المسحور من أصابه السحر فأثر فيه سواء في عقله أو سائر حواسه وجوارحه .
    وظاهر أن المجنون الذي جن بغير السحر لا يقال له : مسحور ، بل يقال له : مجنون ، كما قالوه في حقه صلى الله عليه وآله وسلم ، وحكاه الله تعالى
____________
(75) سورة الفرقان 25 : 8 ـ 9 .
(76) أنوار التنزيل 1 / 587 .
(77) التفسير الكبير (مفاتح الغيب) 32 / 188 .

(92)

عنهم بقوله : (ويقولون إنه لمجنون) (78) (ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون) (79) (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (80) فلا يطلق المسحور إلا على من سحر فخولط عقله وغلب عليه بسبب السحر ، وهذا لا ينكره الخصم ، بل قد أفصح عنه الرازي فيما تقدم من كلامه ، وصرح به الآلوسي في تفسيره حيث قال : أي سحر فجن (81) .
    ويشهد لذلك ما في التنزيل حكاية عن الكفار قولهم : (بل نحن قوم مسحورون) (82) وفي التنزيل أيضا : (فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا) (83) والله تعالى أعلى وأعلم .
    فتبين أن المنفي ـ بنحو الأشعار ـ في الآيتين الكريمتين ليس الجنون المحض ، فإن ذلك منفي صريحا في آيات أخر ، بل ضرب خاص منه ـ أعني الجنون المسبب عن تأثير السحر الذي ادعوه في حقه صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فهما نافيتان للمسبب بلسان نفي السبب كما لا يخفى على المتأمل الفطن .
    وعلى هذا فلا يلزم من دعوى المثبت أن لا يكون السحر قد أثر في عقله صلى الله عليه وآله وسلم باعتقاد المشركين ـ والعياذ بالله ـ بل زعمهم التأثير أدعى لنفي دعواهم ورد افترائهم بأنه عليه وآله الصلاة والسلام إنما ترك عبادة آلهتهم لخلل في عقله ، وأنه مجنون أزل عقله بالسحر حيث ترك دينهم ـ كما عن السعد التفتازاني في شرح المقاصد (84) ـ وإلا فهم لا يزعمون تأثير السحر
____________
(78) سورة القلم 68 : 51 .
(79) سورة الصافات : 37 : 36 .
(80) سورة الحجر 15 : 6 .
(81) روح المعاني 15 / 89 .
(82) سورة الحجر 15 : 15 .
(83) سورة الإسراء 17 : 101 .
(84) شرح المقاصد 5 / 81 .