قبلصلة
       كلمة العدد
الهجمة الثقافية على التشيع
وصلتها بمذبحة الحرم الرضوي المقدس



    ليس هناك ثمة أدنى شك بأن الحوار الفكري ، والسجال العقائدي المبتني على الأسس الأخلاقية المنبعثة عن الشريعة الإسلامية السمحاء ، يشكل في أوضح أبعاده المنظورة مرتعا خصبا ، ومنبرا معطاء تفصح فيه جملة الأفكار المتناظرة عن هويتها الحقيقية على بساط البحث والمناظرة ، في سعي رصين يحاول أن يجد لمدعياته موطئ قدم على أرض الواقع قبالة غيرها من الأطروحات المختلفة ، مضافا إلى ما في ذلك من النقد الرصين لمواطن الخلل ـ إن وجدت ـ وصولا إلى إنضاج البعض من تلك الأفكار ، أو تبين عوارها وسقوطها لعجزها عن الوقوف أمام الحقائق التي يجب أن تمثل الهيكل العام للعقيدة الإسلامية .
    ولا غرو في ذلك ، فقد سجل لنا التاريخ الإسلامي الجم الوفير من تلك المناظرات الفكرية ، بأشكالها المتعددة ، حيث أفصحت عن ترتيب جملة واسعة من التصورات التي كان لها الأكثر الكبير في ترصين مواقع الأطروحات السليمة والصحيحة بعيدا عن التشكيلات الجاهزة والمنقولة في حقائب الوسطاء ، وقصاصاتهم الباهتة الصفراء .
    ولا ريب قطعا في ذلك ، فإن الاستقراء المتأني في التراث الفكري


(8)

للعقائد الإسلامية يوضي بوضوح وجلاء إلى حقيقة وصواب ما أشرنا إليه ، وكنا وما زلنا نذكر بوجوب التعاطي معه بعقلانية وفطنة تجنبا من مغبة السقوط في مهاوي التجني والتعدي على جملة أفكار وعقائد هي أنقى من الثوب الأبيض الخالي من الأدران .
    ولا يخفى على ذلك المستقرئ الفطن بأن عقائد الشيعة الإمامية قد كانت ـ وطوال قرون متلاحقة ـ في حالة سجال متواصل ، وجدال مستمر ، بأشكال وأبعاد متعددة ، معلنة بوضوح لا لبس فيه حقيقة ما تؤمن به ، وما تدين به ، وهو ما يمثل ـ بلا محاباة ـ صلب العقيدة الإسلامية النقية ، وأسسها التي ترتكز عليها ، ولما لم يجد قبالتها محاجوها ومناظروها إلا التسليم بصوابها ، والقطع بصحتها ، والنكوص عن مجاراتها ، متوزعين بين طرفي الإيمان والتسليم الباحث عن الحقيقة التي هي ضالة المؤمن ، وبين النكوص والتذرع بحجج واهية باطلة لا تنطلي على أحد ، مثيرين النقع قبال تلك الحقائق الثابتة والرصينة من خلال الكذب والافتراء ، والتلاعب بمفردات الحديث ، وهذا هو بحق سلاح العاجزين !
    بيد أن ردود الفعل السلبية تلك كانت لا تلبث أن تذوي وتتهاوى لأنها لا تعتمد أية أسس علمية سليمة تدفع المتأمل بها للإيمان بدعاويها وتقولاتها السقيمة والساقطة ، حين لا ينفك علماء الشيعة ومفكروها مرارا وتكرارا من التصدي لإبطال هذه التهم الفاسدة ، وإيضاح حقيقة ما عمد الآخرون ـ بإصرار ممجوج سمج ـ إلى الطعن به ، بمدعيات عارية من الصحة . ولعل الأسفار التي تزدان بها المكتبة الشيعية خير شاهد ومصدق لما نقول ، والتي هي بمتناول الجميع ، لا يعسر على طالب حاجة اقتناؤها وسبر أغوارها .
    وحقا نقول : إن حجم وأبعاد تلك الهجمات الفكرية كانت ولا زالت تتناسب طرديا مع توسع ونفوذ الفكر الشيعي قبال الأفكار الأخرى ، مادية كانت أسسها أم دينية ، إذ تحرك كلا أغراضه ونياته ، وما أكثر ما تلاقت أهداف تلك


(9)

الأفكار ـ رغم تنافرها العقائدي قطعا ـ في غرز نصال الحقد سوية في جسد الفكر الشيعي ، دون إدراك منهم بأن ذلك خير مبعث للانطلاق من قبل مفكري الشيعة نحو آفاق أوسع وأبعد على الساحة الفكرية بأشكالها المختلفة .
    ثم إن الملفت لنظر الباحث في مدعيات كل أولئك المتجلببين بما يوافق ويخدم أغراضهم من المسميات المختلفة ـ سواء باسم الدفاع عن حريم الإسلام ، أو العقيدة الإنسانية قبالة تسرب الأفكار الشيعية ! ! ـ قد بقوا ـ ورغم تقادم الدهور والعصور ـ يجترون عين التقولات التي اخترعتها مخيلة أسلافهم ـ من الذين لا تخفى على أحد حقيقة نياتهم وأغراضهم ـ دون إضافة أو تجديد ، وكانوا مصداقا واقعيا لمن يقول : لا جديد تحت الشمس ، فأصبحوا أضحوكة الباحثين والدارسين ، من الذين سموا الإعادة والتكرار لما ثبت بطلان مدعاه ، وسقوط فحواه .
    نعم ـ ولا أدنى تجن فيما نقول ـ إن كل أولئك يدورون في عين الحلقة المفرغة التي أصبحت مألوفة معروفة حتى لدى صبيان الشيعة ، وكأنهم في دورانهم هذا قد أعرضوا عن أي تفكير منطقي يظهر لهم حالة النكوص الفكري الذي يعيشون فيه ، وإن رفضهم المفكرون الاسلاميون ونبذوهم .
    وفي أيامنا هذه ـ وكنتيجة منطقية للمعادلة السابقة التي أشرنا إليها آنفا ـ بدأنا نعاين بوضوح جلي فورة جديدة لذوي النيات المنحرفة ، من الذين تحركهم أصابع فاسدة مفسدة ـ تارة من خلف ستار الدعوة إلى التصحيح ، وأخرى باسم الدفاع عن الإنسانية ، وثالثة بذريعة الذود عن حرية الفكر الإنساني ، وغيرها من الأحابيل التي ما عادت تنطلي على أحد ـ من خلال ترديد عين النيرات الممجوجة ، وبشكل لا جدة فيه ، عدا سعته وكثرته .
    ولا يخفى على مطلع الشكل الوسخ ، والغرض القذر التي ابتغاه أسياد سلمان رشدي ـ سيئ الذكر ـ من خلال إصداره لكتاب الآيات الشيطانية ، والمفتقر لأي مغزى ومفهوم وإشارة تستحق القراءة والمطالعة ، بل لا تجده إلا


(10)

سلة قمامة تغص بالمهاترات والكفريات والسباب الذي لا يصدر إلا عن نفوس وضيعة فاسدة أعمالها الحقد ، وأضلها الجشع فانطلقت من قمقمها لا تلوي على شئ ، فهي تدمر نفسها قبل أن تصل إلى غيرها ، لأن الأرض تخلو من عاقل لا يزدري سلمان رشدي ومن لف لفه عند مطالعته لأول سطر من كتابه المذكور .
    ولا تختلف عنه بشئ (تسليمه نسرين) بانحرافها الفكري ، وسقوطها الإنساني من خلال انقيادها الأعمى خلف الثروة وبريقها اللامع الذي لوحت لها به عين المراكز المشخصة ـ التي لا يجديها تبرقعها بألف ستار وستار ، فما عادت تلك الحيل لتنطلي على أحد ، أو يمكن تمريرها على أحد ـ فانفلت شرها من عقاله ، وعدت نحوها كالمسلوب الأحاسيس والتائه العقل ، فلحقت بقرينها سلمان ، فكانا بحق مسيلمة وسجاح العصر .
    نعم ، ولكن لما وجد أولئك أن سحرهم قد انقلب عليهم ، ودارت عليهم الدوائر ، وعجزوا من أن يحدثوا صدعا في البنيان الشامخ للعقيدة الإسلامية المباركة دفعهم حقدهم الأسود ، وتخبطهم الأهوج إلى سلاح العاجزين والمفلسين فكرا ، فلجأوا إلى القتل والتدمير كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، وبشكل عشوائي لا ينم إلا عن سقوط بين ، وفشل مقطوع به ، إذ يظهر ذلك بوضوح في ما يسمى بحملات سباه الصحابة (جند الصحابة) في الباكستان ، والتي لا يصدق عليها غير عنوان الحشية الهمجية التي لا يمكن أن تصدر إلا عن محترفي القتل والسطو والتخريب ، فألبت الدنيا عليهم ، ودفعتهم إلى مزبلة التاريخ ، فما أشد إفلاس أولئك المراهنين على جدوى هذه الأعمال الواضحة السقوط وحماقتهم !
    بيد أن عقد الفشل المركبة لا يسعها إلا أن تنساق بروادها إلى آخر مطاف الانحراف والفساد ، من خلال تصورات سقيمة تحاول جاهدة أن تقنع بها الحمقى والمجانين لتجد لها مبررا يدفعها للتبجح بما تقوم به ، فقد تجلى ذلك


(11)

بوضوح من خلال فاجعة الحرم الرضوي في العاشر من شهر محرم الحرام عام 1415 ه‍ ، إذ تمثلت في هذه الواقعة حقيقة الوجه الكالح البشع لتلك الأفكار ودعاتها ، وبشكل لم يسبق له مثيل في عصرنا الحاضر ، فقد أكدوا بالدليل القاطع على حقدهم الدفين ، ونياتهم المنحرفة التي لا تخضع لأي ضابط ديني أو إنساني .
    فقتل العشرات من النساء والأطفال والرجال الأبرياء حول ضريح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في لحظات الحزن المأساوي لفاجعة الطف الدموية ، من خلال دس المتفجرات إلى داخل هذا المكان المقدس لمما يندى له جبين الإنسانية ، وتقشعر له حتى جلود الوحش .
    فماذا يمكن أن يشكل هذا الفعل الإجرامي ـ الدال على إسفاف تلك المراكز المنحرفة في عتوها وتجنيها على الشيعة ومعتقداتهم ـ من نتائج قد تكون حسبت عند التخطيط له ؟ ! بل وماذا جنى أولئك القتلة من فعلهم الشنيع هذا ! ؟
    نحن واثقون ومجمعون على أن أوضح ما يمكن أن يستخلص من هذا العمل ـ المترافق مع غيره من الأعمال المنحرفة الأخرى ـ هو العجز المطبق التي بدأت تلك المراكز تدركه قبالة توسع ونفوذ الفكر الشيعي في هذا العصر الذي تحاول فيه دوائر الكفر والالحاد ترتيب معادلات جديدة في العالم لا تخدم إلا مصالحها ، ومصالح أتباعها .
    وحقا إن الخوض في غمار هذا الحديث لمما يكلم القلب ، ويحزن النفس ، إلا أن فيه تذكرة لمن يبحث عن الحقيقة بأن لا ينخدع بالبريق الزائف الذي تختفي خلفه تلك الوجوه المتغضنة المليئة بالحقد والشر ، بل أن يطلبها من مظانها ومنابعها الحقيقية ، والتي هي بمتناول الجميع ، ولا يعسر على أحد الوصول إليها .
    فالعقائد الشيعية ـ التي يحاول أولئك المرتزقة والمنحرفون تشويهها ، وإثارة النقع قبالها ـ هي أجلى من الشمس في رابعة النهار ، ومن البدر ليالي


(12)

الصيف في كبد السماء ، فلا عذر لمن ينساق من الأكاذيب والتقولات السقيمة التي تقلب الحقائق ، وتطمس معالمهما ، ويدعي بعد ذلك الجهل وعدم المعرفة .
    بل وإن قلوب علماء الشيعة ومفكريهم لهي مشرعة للباحثين عن الحقيقة قبل مكتباتهم ، ولا غرو في ذلك ، فتلك هي السلوكيات التي تعلموها من مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، أمناء الوحي الذين طهرهم الله تعالى من الرجس ، وعصمهم من الزلل ، وأمر سبحانه الأمة بالاقتداء بهم ، واقتفاء آثارهم .
    والحمد لله تعالى أولا وآخرا .

هيئة التحرير