السابع

    حتى لا يعترض سائر الخلق ، ويسلموا ، وترضى خواطرهم ، إذا رأوا مقاماتهم العالية في الدنيا والآخرة .
    ( قال الله تعالى : ) ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ( الآية ( 79 ) من سورة الإسراء (17) ) .

الثامن

    حتى يستحقوا المثوبات العظيمة ، والأجور الثمينة ، فإن الأجر على قدر المشقة .
    فلولا سجن يوسف عليه السلام ، وبكاؤه ، وغربته ومخالفة هواه ، ومجانبته الحرام ، لم يكن يستحق تلك السلطنة العظمى مع النبوة وعظيم الزلفة ، ( قال الله تعالى : ) ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ، ولأجر الآخرة خير ) ( الآيتان ( 56 و 57 ) من سورة يوسف (12) ) .
    وهذا لا ينافي أن يكون لله تعالى أن يعطي جميع تلك المقامات لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، أو للحسين عليه السلام ، وإن لم تعرض عليهما تلك البليات من القتل والأذى أصلا .
    فإن ذلك يكون ـ حينئذ ـ ( تفضلا ) لكون المحل لائقا لكل جميل ، والمبدأ لا نقص في جوده وفيضه .
    فكان له أن يعطيهم ( بلاء ابتلاء ، عين ) ما يعطيهم مع الابتلاء ، وإنما
   
(230)

الفرق بين الحالتين هو ( التفضل ) و ( الاستحقاق ) .
    ومعلوم أن في ( الاستحقاق ) مسرة وكمالا لا يوجد في غيره ، من دون استلزام نقص في المبدأ الفياض ، لأن التسبب إلى تكميل العبد ، وتحصيل المسرة والقرب بالعبودية فيض ، هو أفضل من التحفظ على صرف ( التفضل ) .
    مع ما في ذلك من المصالح السالفة ، والآتية ، وغيرها مما لا يحصى .
    وبما حققنا يجاب عن الإشكال في :
    فائدة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم !
    وأن فائدتها له عليه السلام ، أو للمصلي ؟
    وأنه كيف يزيد على مقامات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة أمته عليه ؟
    فنقول : أثر للصلاة ، وطلب الرحمة من الله تعالى هو ( الاستحقاق ) وإن كان ما يعطيه الله تعالى بعد الصلاة ، كان يعطيه ولو لم يضل أحد عليه ، ولكن كان العطاء من حيث ( التفضل ) .
    أو : أثر الصلاة هو شدة الاستحقاق ، وإن كان أصله ثابتا .
    ومعلوم أن الاستحقاق ، وتأكد وجوده ، كمال آخر ، لا يكون مع ( التفضل ) .

التاسع

    أن التوجه إلى الله تعالى مع البلاء أكمل ، وأتم من التوجه مع الرخاء .
    ألا ترى أن الأنين والحنين مع حرقة القلب له أثر عظيم ، ربما يؤثر في
   
(231)

الصخرة الصماء والنسمة البهماء .
    و ( ما خرج من القلب يدخل في القلب ، وما يخرج من اللسان لم يتجاوز الآذان ) .
    وفي الخبر : ( اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة ) .
    وقال الله تعالى : ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) ( الآية ( 62 ) من سورة النمل (27) ) .
    وفي الشريعة المطهرة ترتفع الحرمة والوجوب لدى الاضطرار .
    فالمضطر مورد للترحم ، والمظلوم مورد للإعانة ، لقربه من الله .
    فكلما اشتد العبد بلاء ازداد إلى الله قربا .

العاشر

    أن الفرج بعد الشدة ، والفرج بعد الكربة ، فيه لذة عظيمة لا توجد فيما سواه .
    فكلما كانت مرارة الدنيا أقوى ، كانت حلاوة العقبى أحلى .
    وكذلك الشكر على ذلك يكون بتوجه أكمل ورغبة إلى الله أعظم .
    ألا ترى كلام أهل الجنة : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وصدقنا وعده ) ( الآية (34) من سورة فاطر (35) ) .

الحادي عشر

    أن الضغطات العارضة على النفس ، والاصطكاك الوارد على الروح ،
   
(232)

والصدمات الواقعة على الجسم ، نظير الزناد القادح ، فكما أنه لا تخرج النار من الحجر إلا بشدة ضرب الزناد ، كذلك التنورات القلبية والأشعة الروحية لا تعقل فعليتها إلا تبلك الآلام والمصائب .
    أما سمعت قول سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم لسيد الشهداء عليه السلام : ( إن لك درجة لن تنالها إلا بالشهادة ) .
    فتلك الدرجة هي القوة النورية المكنونة في ذاته المقدسة ، وفعليتها كانت متوقفة على الشهادة .

الثاني عشر

    أن تميز الخبيث من الطيب ، وبلوغ كل ممكن إلى غايته ، التي هي ذاتي الممكنات المستنيرة من ساحة نور الأنوار ، متوقف على هذه البليات .
    فلولا صبر النبي وعترته الطاهرة صلوات الله عليه وعليهم ، لما كان يصدر من الأعداء والمنافقين تلك القبائح والمظالم .
    فإن قلت : وما الفائدة في فعلية قبح أولئك الظالمين ، ذاتا ، وأفعالا ، وظهور أحوالهم الخبيثة ؟
    قلت :
    منها : تحرز العباد من تلك الأخلاق والأفعال ، فإنه لما يلعنهم اللاعنون ويتبرأ منهم العاقلون ، يكون ذلك تحذيرا وتخويفا لمن سواهم ، وموعظة بليغة لمن عداهم .
    ومنها : كمال معرفة مقام الأولياء ، فإنه ( تعرف الأشياء بأضدادها ) .
    ومنها : تعذيبهم بأشد العذاب ، ويكون الإخبار بذلك مانعا للمؤمنين عن المعاصي في الدنيا ، وسرورا لهم في الآخرة .


(233)

    ومنها : ظهور الحجة وبلوغها وإثبات العذر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام في قتل الكفار والمنافقين .
    فإنه لولا تحمل الحسين عليه السلام وأصحابه في عرصة كربلاء وأسر عياله وسيرهم إلى الشام ، لم يكن لأحد العلم بأحوال رجال ذلك العصر .
    فلربما يستشكل أحد ، ويعترض ، في تلك الحروب والقتال الواقع من النبي صلى الله عليهما وآلهما !
    فإنهما عليهما السلام كانا مدافعين في جميع الوقائع لا مهاجمين ، حتى خروجه صلى الله عليه وآله وسلم إلى عير أبي سفيان ، فإنه كان للدفاع عن المؤمنين المبتلين في مكة ، فوقعت حرب أحد بمجئ كفار قريش ، وهجومهم على المسلمين .
    ولهذا كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يبتدئ بالقتال في ( حربي ) الجمل وصفين ، وكان ابتداء القتال من الأعداء .
    ولهذا قال عليه السلام لعمرو بن عبد ود :
    أولا : أسألك أن تشهد الشهادتين .
    فأبى ذلك .
    وثانيا : ارجع بقريش إلى مكة ، وتنح عن القتال .
    فأبى .
    وثالثا : إن لم تقبل إلا القتال ، فانزل عن فرسك وقاتل .
    وبالجملة : إنما قتل النبي والوصي عليهما السلام مثل أولئك المنافقين الذين كانوا في كربلاء ، وكلهم كانوا يستحقون القتل لنهاية خبثهم وظلمهم وفسادهم في الأرض ، وسوء أخلاقهم ، وقبح سرائرهم ، وعظم جرائمهم ، فكانوا لا يرجى منهم الخير أصلا .


(234)

ولم يعلم ذلك ، ولم ينكشف ، إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في يوم كربلاء ، حيث كانت العترة الطاهرة يتحملون ، ويصبرون كي ينكشف ذلك تمام الانكشاف .
    وإنما لم يفعلوا ذلك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم لعدم مقتضيه ، ولتأييد من الله والملائكة ، ومع ذلك ، فإن مظالمهم ـ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبني هاشم وسائر المسلمين في مكة ـ قد بلغت الغاية !
    ألم يحبسوهم ثلاث سنين في شعب أبي طالب ، وقطعوا عنهم الميرة ، فبلغ الجوع والضيق بهم ما بلغ ؟ !
    ولولا مهاجرة المسلمين إلى الحبشة والمدينة ، لقتلوهم أشد قتلة ، سيما بعد قتل النبي صلى الله عليه وآله ، إلا إذا كانوا يرتدون إلى الكفر !

الثالث عشر

    أن العبد إذا علم من نفسه أن البلاء ليس من جهة البعد من الله ، بل إنه من جهة قربه إليه تعالى ، وحبه له ، بظهور كمال صبره ولياقته للمثوبات وعلو الدرجات ، وعلم بما ذكرنا من الجهات ، يستبشر بتلك البليات ، ويشكر الله عليها ، ويستأنس بها .
    ألم تسمع عن شهداء الطف ، كيف كانوا يأنسون لوقع السيوف ، وإصابة السهام ؟ !
    فكان عابس بن شبيب قد نزع ثيابه ، وحمل عاريا .
    وكان سيدهم الحسين عليه السلام كلما اشتد عليه البلاء تهلل وجهه ، وزاد نوره ، وقوي قلبه .


(235)

والعباس عليه السلام دخل الشريعة (7) وملأ القربة ، ولم يذق الماء طلبا للقربة ، فليس ذلك نقصا في كماله ، بل لو شرب لكان منافيا لجلاله .
    ولهذا كانت تحف الله تعالى لعباده المقربين هي البلاء المبين .
    وكان البلاء للولاء .
    وإن من يحب الله تعالى ينتظر بلاءه .
    وكلما كان العبد أقرب إلى الله وأحب كان بلاؤه عظيم .
    ولذا قال سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ) .
    وأذية عترته عين أذيته ، فقد علم بها ، وكان يراها رأي العين ، ويتحملها قبل وجودها ، ولذا كان يبكي حين تذكرها .

الرابع عشر

    إن مصائب الأئمة عليهم السلام ـ وبالخصوص الحسين عليه السلام ـ لها منافع عظيمة لجميع المخلوقين .
    أعظمها غفران الله تعالى ورضوانه لمن بكى عليهم ، فقد صارت الجنة واجبة لمن دمعت عينه قطرة في رزاياهم .
    مضافا إلى ما نرى من إقامة المآتم ، ومجامع التعازي ، فينتفع بها العالمون منافع دنيوية وأخروية ، ويؤيد بها الدين ، وتنشر العلوم والأحكام والمواعظ ، وتقوى العقائد ويجدد الإسلام سنة بعد سنة ، ففي طوال السنة تندرس أعلام الشرع ، فإذا هل هلال محرم تجددت حياة الديانة ، وهاجت
____________
(7) الشريعة : مورد الشاربة من النهر ونحوه .
(236)

روح الملة ، وبزغت شمس التدين ، وغرقت سفن أعداء الدين ، وانهدم بنيانهم ، واستؤصلت شأفتهم .
    ولهذا نشاهد ـ والمشتكى إلى الله ـ كمال جدية الأجانب وتشديداتهم ، في المنع من مجالس التعزية ، ودفع المظاهر الدينية ، وتشبثهم بكل وسيلة لسد هذا الباب ، ودرس آثاره ، ويساعدهم على ذلك جهال المسلمين ! ولا يتأملون ما فيه من اضمحلال آثار الإسلام ، وانطماس أعلامه .
    فهلموا يا إخواننا إلى هذه المأدبة الإلهية ، المائدة الربانية (8) واغتنموا الفرصة ، ولا تدعو الأجانب يسلبوا ما به قوتكم وسمو شوكتكم ، وإعزاز نصركم ، ورسوخ إيمانكم .

الخامس عشر

    أن بمظلومية الحسين عليه السلام بقيت الشريعة ، وحفظ الإسلام ، وحمي الدين ، وسلم عن تغيير الفاسقين ، وتحريف المنافقين .
    وإلا ، لكان يزيد وبنو أمية أعادوا الكفر الجاهلية ، وأبادوا الدين أصولا وفروعا بالكلية ، إذا كان يصفو لهم الملك ، ويستقر عرش السلطنة .
____________
(8) يعني المجالس الحسينية والمظاهر العزائية .
    وقد تحدثنا عن آثارها الحميدة في كتابنا ( حول نهضة الحسين عليه السلام ) وهو أول مؤلف لنا ، طبع سنة 1384 ه‍ .
    ولكن المؤسف أن يسعى الأعداء ـ بالتزييف والتسخيف والمنع وبشتى الأساليب الدنيئة الأخرى ـ ليمحوا هذه النعمة الإلهية ، ويضيعوا الفرص الثمينة على الأمة ، ويسلبوا أغلى ما به رقيها وما يؤدي إلى انتشار المعرفة والعلم بينها .

(237)

ألم تر أنه ـ لعنه الله ـ بمجرد نيله ( الخلافة ) في أول أمره : قتل الحسين عليه السلام ، وأباح المدينة ، وأحرق الكعبة ، مع تزلزل سلطانه ؟ !
    فكان الحسين عليه السلام ، بقبوله القتل ، قد أظهر ظلمهم وكفرهم ، وصرف وجوه الناس وقلوبهم ـ عنهم ـ إلى دين جده .
    فكان إحياء الدين من جده صلى الله عليه وآله وسلم بغلبته ، ومن الحسين عليه السلام بمغلوبيته ومظلوميته .
    فلو كان عليه السلام يبقى في المدينة أو مكة ، لكانوا يقتلونه غيلة ، وإن كان يبايعهم ! إلا إذا كان يتابع رأيهم في تغيير الدين ، والردة إلى الكفر .
    وحاشاه ثم حاشاه .
    وكذلك صبر علي عليه السلام خمسا وعشرين سنة على أمر من العلقم ، أبان للعالمين أن حروبه ومجاهداته وقتله الكافرين ، لم يكن إلا بأمر من الله تعالى ، دون الهوى وطلب الدنيا والميل إلى سفك الدماء .
    وإلا ، فلا يعقل ممن حاله ذلك ، أن يضع اليد على اليد ، ويحمل المسحاة على الكتف ، فيصير حبيس بيته ، وراهب داره !
    لكنه عليه السلام رأى توقف حفظ الإسلام ، ورسوخه بين الأنام ، على جعل نفسه من أضعف الرعايا ، وأقل البرايا .
    وإلا ، فهو لو سل ذا الفقار ، لقالوا : كان قتاله في بدء الإسلام لمثل هذا اليوم !
    ولا ريب أن صبره هو الجهاد الأكبر ، لأنه جهاد النفس وقد ( فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) ( الآية ( 95 ) من سورة النساء (4) ) .
   
(238)

السادس عشر

    أن في شهادة الحسين عليه السلام ومصائب العترة ، وانصراف الخلافة عنهم ، وغصبها منهم ، تصديقا لرسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتحقيقا لنبوته .
    لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث أعز أهله وأبا نسله ، عليا عليه السلام ، إلى قتال أبطال القبائل ، وذؤبان العرب ، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم ألبتة ـ ولو من غير طريق الوحي ، بل يشاهد الحال من أحوال الرجال وسيرة هؤلاء العرب ـ أن عليا عليه السلام لا يقتل من عشيرة أحدا إلا وطلب كل واحد من آحاد تلك العشيرة دم المقتول من القاتل ، أو من عشيرته ! فهم لا ينامون حتى يأخذوا ثارهم .
    فكان كل أحد يعلم أن العرب لا يستقيمون لعلي عليه السلام بعد تلك المقاتلات والثارات .
    ولأجل ذلك كان الخلفاء الثلاث يحترزون عن المقاتلة في الحروب ، فلم يسمع عن أحد منهم أنه حارب ، أو قتل أحدا ، ولو من أراذل العرب وأذلائهم !
    وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأن حاصل تلك المقاتلات والمجاهدات هو القتل والأسر والظلم والجور على عترته من بعده .
    ومع ذلك ، فقد أقدم صلى الله عليه وآله وسلم على تأسيس الدين ، وقتال الكافرين بمباشرة أمير المؤمنين عليه السلام .
    فلو كان نظره صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدنيا ، لم يتحمل هذه المشاق ، ولم يكن يدع أمير المؤمنين عليه السلام يقتل أحدا ، فضلا عن
   
(239)

أن يبعثه على القتال مع جميع الأبطال .
    فيقطع الناقد البصير بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له هم سوى الآخرة ، فبذل نفسه ونفيسه ، وتحمل أعظم الرزايا ، وأشد الأذى ، في نشر الإسلام ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( نحن أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ) .
   
السابع عشر

    أن في وقوعها (9) ظهور المعجزات القاهرة المصدقة للنبوة ، حيث أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن جميع ذلك ، فوقع كل ما أخبر .
    وفيه الاعجاز من جهتين :
    الأولى : علمه صلى الله عليه وآله وسلم بها .
    الثانية : صدقه في جميع ما أخبر ، ووقوعه ، حتى أنه لم يكن فيه بداء ، فكان صدره الشريف كاللوح المحفوظ .

الثامن عشر

    رضاهم ، وتسليمهم ، وتحملهم لها ، دليل قاطع على إيمانهم ، وكمال عقائدهم ، وقوة يقينهم بالله تعالى ، وبوعده ووعيده .
    ولولاها ، فلعل أحدا يحتمل ، أو أمكن أن يقول : إنهم ظنوا ، ولم يقطعوا ، أو احتملوا فاحتاطوا (10) !
____________
(9) الضمير يعود على البلايا والمصائب الواردة على أهل البيت عليهم السلام .
(10) استدلال إني ظريف من المصنف بنوعية المصائب الواردة على أهل البيت عليهم السلام

(240)

لكن رزاياهم موجبة لليقين بأن الحاصل لهم هو أعلى مراتب حق اليقين ، فيكون علمهم حجة على العالمين .
    وإن لم يتيقن فإنما لضعف في بصيرته ، فيجب عليه متابعة هؤلاء المتيقنين ، المتقين .

التاسع عشر

    ابتلاؤهم في الدنيا دليل على المعاد ويوم الجزاء .
    وإلا فليزم أعظم وهن في صنع العالم ، لمخالفة الحكمة الواجبة ، ونقض ما يشاهد ويحكم به الحدس الصائب من إتقان الصنع ، على أحسن نظام وأكمل وضع ، وأجمل ترصيف .
    فيجب ـ بحكم نظام العالم ـ أن لا يضيع أجر المحسنين ، ولا يفوت جزاء الظالمين .
    وبما أن ذلك ليس في الدنيا ، وجب ـ بالضرورة ـ أن يكون في الآخرة .

متم العشرين

    إن تحملهم للرزايا ، وشهاداتهم ، وقصر أعمارهم ، لطف لهم ،
____________
بظروفها ومقارناتها وتحملهم لها ، على لزوم علمهم بها وتيقنهم بنتائجها ، إذ أن الإقدام على تحمل مثلها لا يكون على أساس من الظن والاحتمال ، والرجاء والاحتياط ، بل خطورتها وفداحتها تقتضي اليقين والقطع .
    وهذه فائدة عظيمة ، ودلالة قطعية حكيمة .

(241)

وتقريب إلى الفوز بنعيم المعاد ، وتحصيل المراد .
    من جهة دلالة ذلك على عدم قابلية هذه الحياة ، ودناءة مرتبة الدنيا ، وعدم لياقتها ، وأنها قنطرة إلى الآخرة .
    ولذا قالوا : ( الدنيا ساعة ، فأجعلها طاعة ) .
    فكأنهم عليهم السلام برضاهم وتسليمهم بمنزلة من خيرة الله تعالى بين البقاء في الدنيا والرحيل ، فاختار الرحيل ، وأسرع عمدا ، وعانق الموت رغبة عن الدنيا ، وشوقا إلى الآخرة (11).
    وبهذا (12) يجاب عن إشكال :
    إنهم عليهم السلام إذا كانوا يعلمون بأوقات وفياتهم ، وأسبابها ، فلم لم يحترزوا عنها ؟ !
    وكيف باشروها ، وحضروها مع قوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ( الآية ( 159 ) من سورة البقرة (2) ) ؟ !
    . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (13)
____________
(11) وقد ذكر هذا في الروايات بعنوان : ( اختيار لقاء الله ) . .
كما في حديث عبد الملك بن أعين ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال :
أنزل الله تعالى النصر على الحسين عليه السلام ، حتى كان بين السماء والأرض .
ثم خير النصر ، أو لقاء الله .
فاختار لقاء الله تعالى .
    الكافي ـ الأصول ـ 1 / 260 باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون ، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم ، الحديث 8 .
(12) هذا إشارة إلى الوجه الأخير ، بل إلى الكتاب كله ، لأن الوجوه السابقة تصلح ـ أيضا ـ للإجابة عن هذا الإشكال ، وقد تقدم منا مقال مفصل تضمن إجابة أوسع عن الإشكال ، فراجع .
(13) في مخطوطة المصنف هنا بياض بمقدار نصف صفحة .