
|
| من ذخائر التراث |
عروض البلاء
على الأولياء
تأليف
الفقيه المحقق
آية الله العظمى
السيد محمد هادي الحسيني الخراساني الحائري
( 1297 ـ 1368 ه )
ملاحظة السيد محمد صادق بحر العلوم |
تقديم السيد محمد رضا الحسيني الجلالي |
(214)
(215)
المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة المؤلف
اسمه ولقبه ونسبه :
سماه أبوه ( علي نقي ) وعرف ب : ( هادي ) ويذكر ب : ( الميرزا هادي ) و ( محمد هادي ) .
الحسيني ، الخراساني ، البجستاني ، الحائري . ابن العالم العامل التقي ، العلامة الورع الجليل السيد الأمير علي الحسيني ، البجستاني ، ابن السيد محمد ، بن الأمير أبي طالب ، بن الأمير كلان ، وهذا الجد الأعلى هو من الشخصيات المرموقة في مدينة ( بجستان ) من توابع محافظة خراسان .
ولادته ومنشؤه :
ولد السيد المؤلف في كربلاء المقدسة ، في غرة ذي الحجة الحرام سنة 1297 ه .
نشأ في مسقط رأسه ، ودخل الكتاب ، فأتقن القراءة والكتابة ، وهو ابن سبع سنين ، وانتهى في سنة 1309 من دراسة أوليات الأدب من النحو والصرف ، حيث هاجر به والده إلى خراسان .
(216)
دراسته :
ومكث في مشهد الإمام الرضا عليه السلام من سنة 1309 ـ 1314 ه ، مكبا على تحصيل المقدمات لدى أساتذتها ، وإكمال الكتب الأدبية كالألفية والكافية والشافية وشروحها ، والمغني والمطول ، وعلوم المنطق والأصول ، والرياضيات ، والأخلاق والآداب ، في كتبها المتداولة ، ومن بين أساتذته : السيد والده ، والأديب النيشابوري الكبير .
ورجع سنة 1314 ه إلى كربلاء ، وانقطع إلى دراسة الفقه والأصول ، وفي شوال سنة 1315 ه هاجر إلى النجف الأشرف ، حاضرة العلم ، فاشتغل بتكميل
كتب السطوح العالية ، مضافا إلى حضور دروس المعقول عند أساتذته ، منهم : الشيخ ميرزا محمد باقر الاصطهباناتي ، الشهيد سنة 1326 في شيراز .
ثم بدأ بحضور دروس الخارج في الفقه والأصول على أعلام النجف من الفقهاء والأصوليين ، منهم : شيخ الشريعة فتح الله الغروي الأصفهاني الشيرازي ( ت 1339 ه ) ، والمحقق الآخوند الخراساني المولى محمد كاظم ، صاحب ( الكفاية ) ت ( 1329 ه ) ، والفقيه المرجع السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ( ت 1338 ه ) .
وجد في التحصيل في النجف طيلة خمس سنوات من دون انقطاع ، حتى هاجر في سنة 1320 ه إلى سامراء ، فبقي هناك بطلب من كبير علمائها الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي زعيم ثورة العشرين ، والسيد ميرزا علي آقا نجل السيد المجدد ، فأقام في سامراء مشتغلا بالحضور لدى الشيخ الشيرازي ، وكان يعد من أفاضل تلامذته المرموقين ، وقام بتدريس الخارج فقها وأصولا ، كما درس المعقول الكلام .
(217)
جهاده :
وقد اشترك مع شيخه التقي المجاهد في عدة قضايا اجتماعية أدت به إحداها سنة 1330 ه إلى السجن في بغداد ، بصفته الناطق عن الشيخ .
ولما استعر أوار الحرب العالمية الأولى سنة 1333 ه انتدبه أستاذه الشيخ التقي ليمثله في بعض المهمات الخاصة ، وأوفده إلى إيران .
وفي شهر شوال من سنة 1335 ه خرج بصحبة الشيخ الأستاذ مهاجرين من سامراء ، وأقاموا مدة في الكاظمية ، والسيد يلازمه ملازمة الظل ، حتى وردوا كربلاء في 18 صفر 1336 ه .
ولما دخل الشيخ التقي معمعة الجهاد المقدس ، دفاع عن حوزة الإسلام وكرامة المسلمين ، ضد الإنكليز الكفرة المحتلين ، كان السيد إلى جانبه ، طول المدة التي وقف فيها علماء الإسلام ، حتى توفي زعيم الثورة الشيخ التقي في الثالث من ذي الحجة سنة 1338 ه .
وفي ما خلفه السيد من أوراق ومؤلفات نتف من المذكرات الهامة حول ذلك الجهاد المقدس .
مرجعيته :
وعندما استقرت الأوضاع ، انقطع السيد إلى التدريس والتأليف ، والإفتاء ، وقضاء أمور المؤمنين ، فكانت له الزعامة العلمية في كربلاء ، وقلده جماعة من أهلها ، كما قلده جمع من أهالي بغداد وخراسان وطهران ، وكان يعد من كبار فقهاء الطائفة وأصولييها ، مع التبحر في العلوم العقلية ، والكلامية ، وعلوم القرآن والحديث .
وله مواقف نضالية في مواجهة الحكومة العراقية ، في قضايا خاصة ، مذكورة في تاريخ حياته .
(218)
وكذلك في الدفاع عن حريم أهل البيت عليهم السلام عندما أقدم الوهابيون الجهلة على هدم قبورهم في المدينة المنورة ، فكان للسيد المؤلف سعي بليغ في إثارة الأمة لاستنكار هذه الجريمة النكراء ، كما جد في فضح القائمين بها بالكتب التي ألفها ردا عليها ، ومنها كتاب ( دعوة الحق إلى أئمة الخلق ) .
ووقف من تصرفات شاه إيران الأسبق ، المشبوهة ، والهادفة لمحو آثار الديانة ، ومسخ الشعب الإيراني المسلم ، وعلمنة البلد ، وقفة حازمة ، فكانت له مساجلات ومناقشات حادة مع الشاه نفسه ، ومع جلاوزته وأعوانه ، كما كان يثير الأمة وعلمائها للتحرك ضد تلك الإجراءات الفاسقة .
كلمات الأعلام في حقه :
قد مر ذكر أغلب ما قيل في حقه من هذه الكلمات ص 87 ـ 89 من مقالنا المنشور في أول هذا العدد ، وفيما يلي نثبت منها ما لم نذكره هناك :
قال السيد الأصفهاني : الإمام (1).
وقال الإمام الشيخ الشيرازي : الورع البارع الهادي المهدي (2).
وفاته :
وبعد عمر مبارك قضاه السيد بين التحصيل ، والتأليف ، والجهاد ، والفتوى ، والعمل لله ، قضى نحبه في 12 ربيع الأول 1368 ه عن عمر يناهز السبعين عاما .
ورثاه الشعراء والخطباء ، وأبنه العلماء ، وممن أرخ وفاته العالم المرحوم
____________
(1) أنوار الكاظمين : 125 .
(2) إجازة الإمام الشيخ الشيرازي للسيد ، طبع نصها في سيرة آية الله الخراساني : 106 ـ 107
(219)
الشيخ عبد الحسين الحويزي في قوله :
|
عن هذه الدنيا مضى سيد
نواحسا أيامها أصبحت
إذ كان نورا ومنارا به
والعلم أضحى جيده عاطلا
أروع في تاريخه : ( ماجد
| |
ساد الورى بالجد والجد
مذ غاب نجم اليمن والسعد
للخلق يزهو منهج الرشد
وأنبت سمط جوهر العقد
هاد البرايا قر في الخلد )
|
مشايخه في العلم والرواية :
1 ـ السيد والده ، العلامة التقي السيد علي البجستاني ، أخذ منه بعض مقدمات العلوم .
2 ـ الأديب النيشابوري الكبير ، در عنده الكتب الأدبية في مشهد .
3 ـ الشيخ محمد كاظم الخراساني الآخوند ، صاحب كفاية الأصول ، وقد شرحها السيد بشروح ثلاثة ، حضر عليه في النجف الأشرف .
4 ـ السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ، صاحب العروة الوثقى ، حضر عليه برهة في النجف الأشرف ، وشرح كتابه العروة .
5 ـ الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري ، زعيم ثورة العشرين العراقية ، وقد أجازه بالاجتهاد ، والرواية المدبجة .
6 ـ الشيخ فتح الله الغروي ، شيخ الشريعة الأصفهاني ، الشيرازي ، وقد أجازه برواية الحديث .
7 ـ الشيخ محمد حسن ، الشهير بكبة ، البغدادي ، وهو من مشايخ إجازته في الحديث .
8 ـ السيد حسن الصدر العاملي الكاظمي ، وهو من مشايخ إجازته في الحديث .
(220)
9 ـ السيد إبراهيم الرواي الشافعي البغدادي ، وهو من علماء العامة ، وقد أجازه برواية الحديث من طرقهم .
10 ـ الشيخ فضل الله المازندراني ، من أفاضل علماء كربلاء ، وقد أجازه بالاجتهاد والرواية .
تلامذته والراوون عنه :
1 ـ الشيخ آقا بزرك الطهراني ( ت 1389 ه ) وهو زميل السيد المؤلف في
الدراسة ، وإنما تبادلا الإجازة لرواية الحديث ، فهي بينهما مدبجة .
2 ـ السيد محمد مهدي الأصفهاني الكاظمي ، من علماء الكاظمية والمؤلفين المكثرين ، وقد حضر على السيد المؤلف برهة في كربلاء ، وحصل منه على إجازة الحديث .
3 ـ السيد محمد طاهر البحراني البوشهري ، من علماء كربلاء وأئمة الجماعة فيها .
4 ـ السيد مهدي بن السيد حبيب الشيرازي ، من علماء كربلاء وأئمتها في الجماعة ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة ، كما ذكره المجاز في إجازته لسماحة السيد الكاشاني دام ظله .
5 ـ الشيخ محمد علي سيبويه اليزدي ، من أئمة كربلاء في الجماعة .
6 ـ الشيخ محمد علي الأوردبادي الغروي ، من علماء النجف وأدبائها والمحققين البارعين ، توفي سنة 1380 ه .
7 ـ السيد علي نقي اللكنوي الهندي ، استجاز السيد المؤلف في رواية الحديث .
8 ـ السيد محمد صادق بحر العلوم النجفي ، من العلماء المحققين ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة .
9 ـ السيد محسن الحسيني الجلالي الكشميري ( ت 1396 ه ) ، من
(221)
مدرسي الفقه في كربلاء ، وكان إمام الحرمين الحسيني والعباسي ، وهو صهر السيد المؤلف .
10 ـ السيد شهاب الدين المرعشي النجفي ( ت 1411 ه ) ، من علماء مدينة قم ومراجعها ، يروي عن السيد المؤلف بالإجازة .
هذا الكتاب وعملي فيه :
أحتفظ في مكتبتي بمجلد مخطوط يحتوي على عدة كتب كلها بخطي ، وأكثرها من مؤلفات جدي ـ أبي والدتي ـ سماحة آية الله العظمى السيد الخراساني رحمه الله ، وهي :
1 ـ مرقاة الثقات في تمييز المشتركات .
وهو أوسع مؤلف يعالج مشكلة التمييز بين الأسماء الرجالية المشتركة بين أكثر من واحد ، بتعيين الراوي والمروي عنه .
وقد انتهيت من استنساخه في شهر رمضان سنة 1386 ه .
2 ـ علم الإنسان بخلق القرآن .
رسالة تعالج موضوع خلق القرآن في نظر الشيعة الإمامية ، وهو من نوادر الرسائل في هذا الموضوع ، وهو قيد الإعداد من قبل كاتب هذه السطور .
3 ـ إفراط الغم والهمة في إفراد العم وجمع العمة .
يبحث عن حكمة إفراد كلمة ( عم ) وجمع كلمة ( عمة ) في آية : ( وبنات عمك وبنات عماتك . . . ) .
وقد ألف السبكي من العامة رسالة في ذلك باسم : ( بذل الهمة في إفراد العم وجمع العمة ) .
4 ـ الأسئلة اللطيفة من الذروة الشريفة .
إجابة لخمسة أسئلة عن مواضيع متفرقة بطرز ظريف ، ألفها المصنف في ذي القعدة الحرام سنة 1349 ه .
(222)
5 ـ رسالة في البحث عن ( عرض الجنة ) والجمع بين آياتها الواردة في القرآن الكريم .
6 ـ عروض البلاء على الأولياء .
وهي الرسالة التي نقدمها ، ونقدم لها بهذه الأسطر .
ملاحظة السيد بحر العلوم :
إن فضيلة العلامة المحقق الحجة السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله ، اطلع على هذه المجموعة فاستعارها مني ، واستنسخ هذه الرسائل الصغار من خطي ليضيفها في آخر مجموعة من مجاميعه التي كان يرغب ويتمنى أن تبلغ أربع عشر ، بعدد المعصومين عليهم السلام ، وقد وفق إلى ذلك بحصوله على هذه الرسائل .
ولما أعاد إلي المجموعة وجدتها موشحة بملاحظات تصحيحية بقلمه الشريف وبخطه الجميل ، وفي هذه الرسالة بالخصوص كثير من ذلك .
وقد التزمت بتلك الملاحظات في طبع هذا الكتاب ، اعتزازا بها ، وتثمينا لجهده ، وسجلنا ذلك هنا تخليدا لذكره ، رحمه الله وتغمده بالمغفرة والرضوان .
وكنت قد اتصلت به في سنة 1394 ه بغرض الاستفادة من نسخة كانت عنده من ( المكاسب ) للشيخ الأنصاري ، وكانت مصححة على خط الشيخ نفسه رحمه الله ، وذلك أثنا تدريسي للكتاب .
فلما عرفني ، وعرفت أنه من المجازين من سماحة جدي السيد الخراساني رحمه الله ، استجزته ، فأجازني ب ( الإجازة الجلالية ) المبسوطة ، وهي محفوظة بخطه عندي .
وتوطدت علاقتي بالسيد ، بعد أن ضعفت قواه وفقد بصره ، وانقطعت زيارة الآخرين إياه ، فكنت لوحدي ، أستفيد من مكتبته العامرة ، ويبث إلي أحزانه وشجونه ، وقد أجازني في آخر عمره بإجازة فريدة تحتوي على تطبيق
(223)
( الطرق الثمانية ) بأسرها .
وقد توفي السيد الصادق في الحادي والعشرين من شهر رجب المرجب سنة 1399 ه ، خلال الأزمة العاصفة بالعراق ، فلم يؤد له ما يستحق من التبجيل والتكريم ، وفي العزم أن نسجل له ( ذكرى ) تخلده .
رحمه الله وجزاه خيرا بما قدم من خدمات للعلم والتراث .
عملي في الكتاب :
1 ـ قمت بتقطيع الكتاب ، وتنقيطه بالعلامات ، وضبطه بالحركات ، تسهيلا لقراءته .
2 ـ بما أن المصنف لا يلتزم بوضع النقط في الكتابة ، ويستعمل الاختزال في كثير من الكلمات ، فيما لم يعهد فيه مثل ذلك ، فقد حاولت تعديل كل ذلك وفك الاختزال ، وإثبات الصورة المتداولة للكلمات .
كما عدلت ما وقع في الكتاب من التأنيث والتذكير والإشارة طبقا للقواعد العربية ، وابتعادا عن العجمة التي قد تحدث على أثر السرعة أو المسامحة أو الغفلة .
ومما عملته في الكتاب هو إظهار بعض الضمائر ، التي كان وجودها مؤديا إلى تعقيد العبارة ، وكذلك بعض التقديم والتأخير ، فرارا عن الإرباك .
كل ذلك من دون إخلال بالمعاني ، ولا تحريف أو تصحيف في الألفاظ ، ولا نقص في شيء منها .
أما ما أضفناه للضرورة فقد وضعناه بين المعقوفين ، تمييزا له ، ومحافظة على الأمانة العلمية .
3 ـ وكانت لي تعليقات معدودة ، غرضي منها توضيح المقصود ، ومساعدة القارئ على المطالعة الواضحة ، والتنبيه على المعاني العميقة التي تختفي وراء عبارة الكتاب .
(224)
وبعد :
فهذا ما ساعدني التوفيق على تقديمه لهذه الرسالة الشريفة ، الفريدة في بابها .
ولم أتحدث هنا عن موضوع الكتاب اكتفاءا بما كتبته في في دراسة موسعة عنه بعنوان : ( علم الأئمة بالغيب والاعتراض عليه بالإلقاء إلى التهلكة والإجابات عنه عبر التاريخ ) المنشور في هذا العدد ، ص 7 ـ 107 .
وأنا أرجو بما أكتبه الزلفى عند الله يوم نلقاه .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .
حرر في العشرين من شهر جمادى الآخرة سنة خمسة عشر وأربعمائة وألف .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
في قم المقدسة
(225)
عروض البلاء على الأولياء
بسم الله الرحمن الرحيم
إنما أذن الله تعالى ، ورضي أولياؤه بعروض البلايا ، ووقع المظالم عليهم ، وصبروا ، وسلموا أنفسهم ، حتى تسلط الأشرار والكفار عليهم ، ولم يسببوا الموانع والمدافع ، حتى أنهم لم يسألوا الله تبارك وتعالى في كشف الكروب وهلاك الأعداء .
بل قال الخليل عليه السلام ـ بعد سؤال جبرئيل ـ : ( علمه بحالي يكفي عن سؤالي ) .
وأعظم من ذلك قول الحسين عليه السلام : ( هون ما نزل بي أنه بعين الله ) .
كل ذلك لوجوه :
(226)
الأول
وهو أفضلها
للفناء المحض ، وكمال العبودية لله تعالى ، وعدم الاعتناء بما سواه ، وأنه (1) لا يرى نفسه شيئا ، وذهل عن نفسه مع كمال قربه ، فكيف يتوجه إلى عدوه مع كمال بعده ؟ !
فيعد الشكوى ، والانضجار ، والدعاء عليه ، توجها إلى ما سوى الواحد الأحد المحبوب الصمد ، وذلك انحطاطا لمرتبته الشامخة ، بل منقاضة لفنائه المحض .
الثاني
لأن الرضا والتسليم لمشيئة الله تعالى من أعلى مراتب العبادة . وذلك مناف للمعالجة في الدفع .
الثالث
للعلم بعموم قدرته ، وكمال حكمته ، وأنه تعالى لا يعزب عن عمله مثقال ذرة ، ولا يتصرف أحد من سلطانه أقل من رأس إبرة ، وأن الملك له ، لا شريك له ، وأنه لولا المصلحة التامة لا يوجد شيء في العالم ، لأنه
____________
(1) الضمير يعود إلى الشخص المبتلى .
(227)
بشراشره (2) في حيطة تصرفه ، ومداره على وفق حكمته .
فكل ما يقع من الكائنات لا بد وأن يكون بعلم سابق من الله ، وتقدير أزلي ، وقضاء حتمي ، وخيره أكثر من شره .
وإلا ، لكانت الحكمة الإلهية ، والقوة الربانية مانعة عن وجوده .
وهذا ، من غير أن يلزم جبر في أفعال العباد ، أو بطلان الثواب والعقاب (3).
الرابع
إظهار عظمة الله تعالى ، وصفاته الجمالية والجلالية ، وأنه مستحق لكل ما يمكن من العبد من الفناء والتسليم (4).
____________
(2) الشراشر : الأثقال ، والمراد هنا : جميع شؤون العالم .
(3) يعني أن الإرادة الربانية ، والحكمة الإلهية مهيمنة على كل ما يقع ، ولله أن يفعل ما يشاء ، إلا أنه بحكمته جعل الاختيار لعباده ، ولمصلحة خلقه قرر لهم شريعة ومنهاجا ، ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، من دون أن ينقص من هيمنته شيء ، فهو القاهر فوق عباده ، وبإمكانه سلب ما أعطاهم من الاختيار ، إلا أنه لا يظلم أحدا ، ولا يعاقب عبدا إلا على ما اختار من السوء .
(4) فإن التوغل في مشاغل الحياة ، والانهماك في مشاكلها ، أو الانغماس في ملذاتها ، قد تلهي الإنسان عن عظمة الله ، وقد تصرف المؤمن عن التفكير في هذه العظمة وعن واجبه في التسليم المطلق ، وعن مقام الرب في استحقاق ذلك !
(228)
الخامس
ظهور علو مقام ذلك العبد ، وسمو مرتبة تلك العبادة (5).
حتى يتأسى به المتأسون ( كما قال الله تعالى : ) ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ( الآية (21) من سورة الأحزاب (33)) .
السادس
حتى يهون الخطب والكرب على سائر الخلق في عالم الكون والفساد ، فهذا لطف من الله تعالى ومن أوليائه ، بل أعظم نعمة على العباد .
ولذلك قد اجتمع للحسين عليه السلام ، من كل ما يتصور ـ من أنواع البليات والمصيبات ـ أعظم الأفراد ، حتى يتسلى بملاحظته أرباب المصائب (6)، ويتوجه كل مكروب إلى الله تعالى ، ويبكي بتذكر ما يوافق كربه وشدته من مصائب الحسين عليه السلام ، فيسأل الله كشف كربه ، فيقضي حاجته ألبتة ، وقد جربنا ذلك .
وهذه غنيمة أهديت إليك ، فاحتفظ بها ، بعون الله .
____________
(5) المراد بالعبادة ، ذلك البلاء الذي يتحمله العبد قربة إلى الله ، وفي سبيل الله ودينه .
(6) وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الحسين الأعسم ( ت 1247 ه ) :
|
أنست رزيتكم رزايانا التي
| |
سلفت وهونت الرزايا الآتيه
|
انظر : شعراء الغري 5 / 82 .