قبلصلة
  تشييد المراجعات
  وتفنيد المكابرات
       (2)
السيد علي الحسيني الميلاني


    قد فرغنا من البحث حول كلام السيد شرف الدين ـ طاب ثراه ـ في مقدمة ( المراجعات ) .
    وكتاب المراجعات يحتوي على مبحثين :
    الأول : في إمامة المذهب .
    والثاني : في الإمامة ، وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
    ويشتمل كل منهما على مراجعات . . .
    ولا بد قبل الورود فيها من مقدمات :
    إن ( التشيع ) مذهب كسائر المذاهب ، له أصوله وقواعده في الأصول والفروع ، والشيعة الإمامية الاثنا عشرية غير محتاجة ـ في إثبات حقية ما تذهب إليه ـ إلى روايات الآخرين وأخبارهم ، ولا إلى ما قاله علماء الفرق الأخرى في كتبهم وأسفارهم . . . فلا يتوهمن أحد أنهم ـ لاستدلالهم بشيء خارج عن نطاق أدلتهم وحججهم ـ يفقدون في ذلك المورد المستدل عليه الدليل المتقن على رأيهم ، فيلجأون إلى قول من غيرهم ، أو إلى خبر من غير طرقهم . . .
    إلا أنهم لما كانوا واقعيين في بحوثهم ، منصفين في مناظراتهم مع أتباع


(109)

كل فرقة من الفرق ، يستندون إلى ما جاء في كتب تلك الفرقة وعلى لسان علمائها المعتمدين فيها ، وهذا ما تفرضه طبيعة المناظرة ، وتقتضيه آدابها وقواعدها المقررة .
    فاستشهاد الشيعة بخبر من كتاب . . . أو استدلالهم بكلام عالم . . . لفرقة من الفرق . . . لا يعني القبول بكل ما جاء في ذلك الكتاب ، أو على لسان ذاك العالم . . . وإنما هو احتجاج على الطرف الآخر بما لا مناص له من الالتزام به ، بعد الاقرار بذلك الكتاب ، وبكون ذلك العالم من علماء مذهبه . . .
    ويكفي للاحتجاج أن يكون ذلك الخبر المستدل به مقبولا لدى رواته ، وفي نظر المحدث الذي أورده في كتابه ، ولا يشترط أن يكون معتبرا عند جميع علماء تلك الطائفة ، وذلك :
    لأن الغرض إثبات أن الذي تذهب إليه الشيعة مروي من طرق الخصم وموجود في كتبه ، وأن الراوي له موثوق به عنده ولو على بعض الآراء ، فيكون الخبر متفقا عليه ، والمتفق عليه بين الطرفين ـ في مقام المناظرة ـ لا ريب فيه .
    ولان الخبر أو الراوي المقبول المعتبر لدى كل علماء تلك الطائفة نادر جدا .
    نعم ، إذا كان ضعيفا عند أكثرهم لم يتم الاستدلال والاحتجاج به عليهم .
    وعلى الجملة ، فإنه يكفي لصحة الاستدلال بكتاب أو بخبر أو بكلام عالم . . . ألا يكون معرضا عنه لدى أكثر أئمة الفرقة المقابلة ، وأما أن يرد الاحتجاج ـ بما رواه الراوي الموثق من قبل بعضهم ـ بجرح البعض . . . فهذا مما لا يسمع ، وإلا يلزم سقوط أخبار حتى مثل ( البخاري ) و ( مسلم ) في كتابيهما المعروفين ب‍ ( الصحيحين ) لوجود الطعن فيهما وفي كتابيهما ، من غير


(110)

واحد من كبار الأئمة الحفاظ (1).
    فقد ذكر كبار الحفاظ امتناع الإمامين الجليلين : أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين عن الرواية عن ( محمد بن إسماعيل البخاري ) لأجل انحرافه في العقيدة في نظرهما ، وقال الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم : كان أبو زرعة ترك الرواية عن البخاري من أجل ما كان منه في المحنة .
    ولأجل هذا ، فقد أورد ابن أبي حاتم الرازي البخاري في كتابه في ( الجرح والتعديل ) (2).
    ولأجل تكلم أبي زرعة وأبي حاتم ، وما صنعه ابن أبي حاتم . . . فقد أورد الحافظ الذهبي البخاري في كتابه ( المغني في الضعفاء ) فقال : ( حجة إمام ، ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له من أجل اللفظ ) (3).
    وأضاف الحافظ الذهبي بترجمة البخاري تكلم الإمام الكبير محمد بن يحيى الذهلي فيه ، وأنه كان يقول : ( من ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه ) (4).
    بل ذكر الذهبي أن الإمام الذهلي أخرج البخاري ومسلما من مدينة نيسابور (5).
    وقال بترجمة الذهلي : ( كان الذهلي شديد التمسك بالسنة ، قام على محمد بن إسماعيل ، لكونه أشار في مسألة خلق أفعال العباد إلى أن تلفظ
____________
(1) هذا حال البخاري إمامهم في الحديث ، وسنشير إلى حال إمامهم في العقائد وهو : أبو الحسن الأشعري . ولعلنا نتعرض لحال أئمتهم في الفقه وهم : الأئمة الأربعة ! وإمامهم في التفسير وهو : الفخر الرازي . . . في المواضع المناسبة . إن شاء الله تعالى .
(2) وذكر ذلك الذهبي في : سير أعلام النبلاء 12 / 462 .
(3) المغني في الضعفاء 2 / 557 .
(4) سير أعلام النبلاء 12 / 453 .( 5 ) سير أعلام النبلاء 12 / 455 .

(111)

القاري بالقرآن مخلوق . . . وسافر ابن إسماعيل مختفيا من نيسابور وتألم من فعل محمد بن يحيى (6).
    وقد تألم غير واحد من أعلام القوم من موقف الذهبي من البخاري حين أورده في كتاب ( الضعفاء ) .
    قال السبكي : ( ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح : حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح في العقيدة فجرحه بذلك .
    وإليه أشار الرافعي بقوله : وينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب ، خوفا من أن يحملهم على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثير من الأئمة ، جرحوا بناء على معتقدهم ، وهم المخطئون والمجروح مصيب .
    وقد أشار شيخ الإسلام ، سيد المتأخرين : تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه ( الاقتراح ) إلى هذا وقال : أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان من الناس : المحدثون والحكام .
    قلت : ومن أمثلته : قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم ، من أجل مسألة اللفظ .
    فيا لله والمسلمين ! أيجوز لأحد أن يقول : البخاري متروك ؟ ! وهو حامل لواء الصناعة ، ومقدم أهل السنة والجماعة ) (7).
    فهذه عبارة السبكي ، ولم يصرح باسم القائل بذلك وهو الذهبي ، لكن المناوي صرح باسمه ، واتهمه بالغض والغرض من أهل السنة ، وكأنه ليس الذهبي من أهل السنة ! ! فقال بترجمة البخاري :
    ( زين الأمة ، افتخار الأئمة ، صاحب أصح الكتب بعد القرآن ، ساحب
____________
(6) سير أعلام النبلاء 12 / 283 .
(7) طبقات الشافعية 1 / 190 .

(112)

ذيل الفضل على مر الزمان ، الذي قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة : ما تحت أديم السماء أعلم منه . وقال بعضهم : إنه آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض .
    قال الذهبي : كان من أفراد العالم ، مع الدين والورع والمتانة . هذا كلامه في الكاشف .
    ومع ذلك غلب عليه الغض من أهل السنة فقال في ( كتاب الضعفاء والمتروكين ) : ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ ، تركه لأجلها الرازيان .
    هذه عبارته ، وأستغفر الله تعالى . نسأل الله السلامة ، ونعوذ به من الخذلان ) (8).
    ونستفيد من هذه القضية أمورا :
    1 ـ ما ذكرناه سابقا من أنه لو اشترط ـ في صحة استدلالاتنا بأخبار القوم وأقوالهم ـ كون الخبر معتبرا عند جميعهم ، أو كون رواية موثقا عند كلهم . . . لانسد باب البحث ، لعدم وجود هكذا خبر أو راو فيما بينهم .
    2 ـ إن البخاري ومسلما مجروحان عند جماعة من الأئمة ، فتكون رواياتهما في كتابيهما ـ كسائر الكتب والروايات ـ خاضعة لموازين الجرح والتعديل . . . إن لم نقل بأن مقتضى الطعن المذكور فيهما سقوط رواياتهما عن الاعتبار رأسا . . . وهناك أحاديث كثيرة في الكتابين قد نص العلماء المحققون الكبار على بطلانها ، يطول بنا المقام لو أردنا ذكرها ، فراجع بعض مؤلفاتنا (9).
    3 ـ إن الذهبي ـ وهو من أكابر أئمة القوم في الجرح والتعديل ـ له مجازفات في تعديلاته وتجريحاته . . . فليس كل ما يقوله الذهبي في حق الرجال حقا ، وإلا كان ما قاله وفعله في حق ( البخاري ) صحيحا مقبولا ، وقد قال
____________
(8) فيض القدير 1 / 24 .
(9) التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف : 293 ـ 336 .

(113)

المناوي بعد نقله : ( نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان ) .
    4 ـ إنه ينبغي أن يتفقد حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، وأن يكون المزكون والجارحون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب . وهذا ما أكده الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضا ، حين قال :
    ( وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح : من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب ، وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع ، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم ، بلسان ذلقة وعبارة طلقة ، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية . فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلا ضعفه قبل التوثيق . . . ) (10).
    وقد تبع الجوزجاني بعض من كان على مسلكه من المتأخرين ، فأخذوا يطعنون في الرواي بمجرد روايته ما يدل على فضيلة لعلي وأهل البيت عليهم السلام ، أو ما يدل على قدح في واحد من مناوئيهم ، ويقولون عنه ( شيعي ) ( رافضي ) ونحو ذلك ، والحال أن التشيع ـ كما يقول الحافظ ابن حجر ـ : ( محبة علي وتقديمه على الصحابة ) (11).
    والذين يقدمون عليا عليه السلام على غيره من الصحابة كثيرون حتى في الصحابة . . . قال الحافظ ابن عبد البر : ( وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : إن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أول من أسلم . وفضله هؤلاء على غيره ) (12).
    فالتشيع لا يضر بالوثاقة عندهم ولا يمنع من الاعتماد . قال ابن حجر
____________
(10) لسان الميزان 1 / 16 .
(11) هدي الساري : 460 .
(12) الاستيعاب 3 / 1090 .

(114)

بترجمته ( خالد بن مخلد القطواني الكوفي ) وهو من رجال البخاري :
    ( من كبار شيوخ البخاري ، روى عنه وروى عن واحد عنه . قال العجلي : ثقة وفيه تشيع . وقال ابن سعد : كان متشيعا مفرطا . وقال صالح جزرة : ثقة إلا أنه يتشيع . وقال أبو حاتم ، يكتب حديثه ولا يحتج .
    قلت : أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره ، سيما ولم يكن داعية إلى رأيه ) (13).
    وقال ابن حجر بترجمة ( عباد بن يعقوب الرواجني ) من رجال البخاري :
    ( رافضي مشهور ، إلا أنه كان صدوقا ، وثقه أبو حاتم ، وقال الحاكم : كان ابن خزيمة إذا حدث عنه يقول : حدثنا الثقة في روايته المتهم في رأيه : عباد ابن يعقوب . وقال ابن حبان : كان رافضيا داعية . وقال صالح بن محمد : كان يشتم عثمان رضي الله عنه .
    قلت : روى عنه البخاري في كتاب التوحيد حديثا واحدا مقرونا ، وهو حديث ابن مسعود : أي العمل أفضل ؟ وله عند البخاري طريق أخرى من رواية غيره ) (14).
    وقال الذهبي بترجمة ( أبان بن تغلب ) :
    ( شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته ، وقد وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم . وأورده ابن عدي وقال : كان غاليا في التشيع . وقال السعدي : زائغ مجاهر .
    فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحد الثقة العدالة والإتقان ؟ ! فيكف يكون عدلا من هو صاحب بدعة ؟ !
    وجوابه : إن البدعة على ضربين ، فبدعة صغرى ، كغلو التشيع ، أو
____________
(13) هدي الساري : 398 .
(14) هدي الساري : 410 .

(115)

كالتشيع بلا غلو وتحرق ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم ، مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة ) (15).
    أقول :
    وعلى هذا الأساس أيضا تسقط مناقشات بعض الكتاب في أسانيد الأحاديث التي يستدل بها الشيعة الاثنا عشرية من كتب أهل السنة . . . لكن بعض المتعصبين يقدح في الرجل إذا كان شيعيا ـ أي يفضل عليا عليه السلام على غيره من الصحابة ـ ويكره الرواية عنه ، حتى وإن كان من الصحابة ، مع أن المشهور فيما بين أهل السنة عدالة الصحابة أجمعين ! قال الحافظ ابن حجر بترجمة ( عامر بن واثلة أبو الطفيل الليثي المكي ) :
    ( قال ابن عدي : كان الخوارج يرمونه باتصاله بعلي وقوله بفضله وفضل أهل بيته ، وليس بحديثه بأس . وقال ابن المديني : قلت لجرير : أكان المغيرة يكره الرواية عن أبي الطفيل ؟ قال : نعم . وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : مكي ثقة . وكذا قال ابن سعد وزاد : كان متشيعا .
    قلت : أساء أبو محمد بن حزم فضعف أحاديث أبي الطفيل وقال : كان صاحب راية المختار الكذاب . وأبو الطفيل صحابي لا شك فيه ، ولا يؤثر فيه قول أحد ، ولا سيما بالعصبية والهوى ) (16).
    قلت :
    فالحمد لله الذي أجرى على لسان مثل ابن حجر العسقلاني أن ابن حزم
____________
(15) ميزان الاعتدال 1 / 5 .
( 16 ) هدي الساري : 410

(116)

يتكلم ( بالعصبية والهوى ) وقد حط على هذا الرجل أبو بكر ابن العربي .
    وقال أبو العباس ابن العريف الصالح الزاهد : ( لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان ) .
    وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حبان : ( ومما يزيد في بغض الناس له تعصبه لبني أمية ، ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده بصحة إمامتهم ، حتى نسب إلى النصب ) .
    وقال ابن خلكان : ( كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين ، لا يكاد يسلم أحد من لسانه . قال ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين . قاله لكثرة وقوعه في الأئمة ، فنفرت منه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالؤا على بغضه ، وردوا قوله ، واجتمعوا على تضليله . . . ) .
    ووصفه الآلوسي عند ذكره ب‍ ( الضال المضل ) .
    انظر : لسان الميزان 4 / 189 ، وفيات الأعيان 3 / 325 ، تفسير الآلوسي 21 / 76 .
    قلت :
    ومما يشهد بنصبه قوله في المحلى 10 / 482 :( ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا رضي الله عنه إلا متأولا مجتهدا مقدرا على أنه صواب ، وفي ذلك يقول عمران بن حطان شاعر الصفرية . . . ) .
    وقد كان على شاكلة ابن حزم في القول بالعصبية والهوى :
    أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي ، فقد أفرط هذا الرجل في كتبه لا سيما في كتابيه ( العلل المتناهية ) و ( الموضوعات ) حتى رد عليه كبار المحققين ، فنصوا على بطلان كثير من أقواله وآرائه .
    قال الحافظ النووي : ( وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو مجلدين ،


(117)

أعني أبا الفرج ابن الجوزي ، فذكر كثيرا مما لا دليل على وضعه . . . ) .
    وقال الحافظ السيوطي : ( فذكر في كتابه كثيرا مما لا دليل على وضعه ، بل هو ضعيف ، بل وفيه الحسن والصحيح ، وأغرب من ذلك : أن فيها حديثا من صحيح مسلم كما سأبينه .
    قال الذهبي : ربما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حسانا قوية .
    قال : ونقلت من خط السيد أحمد بن أبي المجد قال : صنف ابن الجوزي كتاب ( الموضوعات ) فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل ما لم يصب فيه إطلاقه بالوضع على أحاديث ، بكلام بعض الناس في أحد رواتها ، كقوله : فلان ضعيف أو : ليس بالقوي أو : لين ، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع ، ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في رواية . وهذا عدوان ومجازفة ) (17).
    وقال ابن عراق : ( وللإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي فيها كتاب جامع ، إلا أن عليه مؤاخذات ومناقشات . . . ) (18).
    وقد أورد ابن الجوزي في كتابه ( العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ) حديث : ( إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) فاعترضه بشدة كبار المحدثين المتأخرين عنه .
    قال السخاوي : ( وتعجبت من إيراد ابن الجوزي له في ( العلل المتناهية ) بل أعجب من ذلك قوله : إنه حديث لا يصح . مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في صحيح مسلم ) (19).
____________
(17) تدريب الراوي 1 / 235 .
(18) تنزيه الشريعة 1 / 3 .
(19) استجلاب ارتقاء الغرف ـ مخطوط .

(118)

وقال السمهودي : ( ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في ( العلل المتناهية ) فإياك أن تغتر به . وكأنه لم يستحضره حينئذ ) (20).
    وقال المناوي : ( ووهم من زعم ضعفه كابن الجوزي ) (21) .
    بل هناك كلمات كثيرة في الحط على ابن الجوزي ) نفسه :
    قال ابن الأثير : ( وفي هذه السنة ـ في شهر رمضان ـ توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي ، الواعظ ببغداد ، وتصانيفه مشهورة ، وكان كثير الوقيعة في الناس ، لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه ) (22).
    وقال أبو الفداء : ( كان كثير الوقيعة في العلماء ) (23).
    وقال الذهبي : ( له وهم كثير في تواليفه ، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحول إلى مصنف آخر ، ومن أن جل علمه من كتب وصحف ما مارس فيه أرباب العلم كما ينبغي ) (24).
    وقال ابن حجر : ( . . . دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينتقد ما يحدث به ) (25).
    وقال السيوطي : ( قال الذهبي في التاريخ الكبير : لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة ، بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه ) (26).
    وقال اليافعي : ( وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقاه الناس ،
____________
(20) جواهر العقدين ـ مخطوط .
(21) فيض القدير 3 / 14 .
(22) الكامل في التاريخ ـ حوادث سنة 597 ه‍ .
(23) المختصر من أخبار البشر ـ حوادث سنة 597 ه‍ .
(24) تذكرة الحفاظ 4 / 1342 .
(25) لسان الميزان 2 / 84 ، ترجمة ثمامة بن أشرس .
(26) طبقات الحفاظ : 478 .

(119)

وبقي في المطمورة خمس سنين ، كذا ذكره الذهبي . . . ) (27).
    وأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ، فقد طعن في كثير من الرجال وفي كثير من الأحاديث والأخبار ، وفي كثير من مصنفات أهل السنة لروايتها ما يتمسك به الإمامية . . . ولقد تمادى هذا الرجل في غيه حتى انبرى كبار علماء أهل السنة من أهل المذاهب الأربعة للفتوى ضده ، ثم أمر بأن ينادى بالحط عليه والمنع من اتباعه ، ثم حبس ، حتى مات في الحبس .
    وشمس الدين الذهبي ، صاحب المؤلفات الكثيرة ، وتلميذ ابن تيمية الحراني والملازم له (28) فقد حكم على كثير من الأحاديث الصحيحة بالوضع ، وطعن في كثير من الرجال وأسقط رواياتهم عن درجة الاعتبار . . . وقد فعل ذلك بالنسبة إلى كثير من أئمة أهل السنة ومحدثيهم المشاهير في كتابيه ( ميزان الاعتدال ) و ( المغني في الضعفاء ) حتى أدرج في الثاني ( محمد بن إسماعيل البخاري ) كما تقدم .
    وقال السبكي بترجمته : ( كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة ، كثير الازدراء بأهل السنة ، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة ، فلذلك لا ينصفهم في التراجم ، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم . صنف ( التاريخ الكبير ) وما أحسنه لولا تعصب فيه ، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه ) (29).
    وقال : ( وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له ، فإنه ـ على حسنه وجمعه ـ مشحون بالتعصب المفرط ، لا واخذه الله . فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين ، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على أئمة الشافعيين
____________
(27) مرآة الجنان ـ حوادث سنة 595 ه‍ .
(28) وكم لقي الذهبي من الأذى والعنت لهذه العلاقة بابن تيمية . قاله محقق كتاب ( العبر ) في المقدمة .
(29) طبقات الشافعية 2 / 22 .