وقدم لبنان ، ورحل إلى الحجاز ومصر ودمشق وإيران ، وعاد إلى لبنان ، فكان مرجع الطائفة الشيعية ، وأسس الكلية الجعفرية بصور ، وتوفي ببيروت في 8 جمادى الآخرة سنة 1377 ، ونقل جثمانه إلى العراق فدفن بالنجف .
من آثاره : المراجعات ، وهي أسئلة وجهها سليم البشري إلى المترجم فأجاب عنها . أبو هريرة . الشيعة والمنار . إلى المجمع العلمي العربي بدمشق . والفصول المهمة في تأليف الأمة ) (8) .
وثالثا : قد اعترف هذا القائل في كلامه بأن أحدا من أهل السنة لم يرد على المراجعات ، فلماذا لم يردوا ؟ ! أما كانوا يرون وجوب ( تحذير المسلمين من عدوهم ) على كل ( داعية ) ؟ ! أو لم يكونوا دعاة كما كان هذا القائل ؟ !
ورابعا : قد اعترف هذا القائل في كلامه بأن هذا الكتاب قد أثر في المسلمين ، لكن قال : في بسطاء المسلمين وعامتهم !
وقال آخر : ( وفي عصرنا أيضا نجد كتابا يسعى جادا للدخول إلى كل بيت (9) . رأيت طبعته العشرين في عام 1402 ، ويوزع على سبيل الهدية في الغالب الأعم ، واسم الكتاب المراجعات . ذكر مؤلفه شرف الدين هذا الحديث بالمتن الذي بينا ضعف أسانيده (10) وقال : بأنه حديث متواتر . ثم نسب للشيخ سليم البشري رحمه الله ، شيخ الأزهر والمالكية أنه تلقى هذا القول بالقبول وأنه طلب المزيد . . . ) (11) .
____________
(8) معجم المؤلفين 5 / 87 .
(9) بل إن أبناء ( البيوت ) يقبلون عليه ويسعون وراء الحصول عليه وجلبه إلى البيوت . ولا يخفى ما تدل عليه كلمة أبناء ( البيوت ) من معنى ، منطوقا ومفهوما !
(10) يعني : حديث الثقلين . . وقد بينا في رده صحة قول السيد وغيره بتواتره ، فراجع كتابنا : ( حديث الثقلين : تواتره . . فقه ) كما سنبين ذلك هنا باختصار حين يأتي التعرض له إن شاء الله ، وقد بلغني وقوف الدكتور على الكتاب المذكور ، ولكن لم يصلني حتى الآن أي اعتراض عليه ، لا منه ولا من غيره .
(11) حديث الثقلين وفقه ـ للدكتور علي أحمد السالوس ـ : 28 .
(143)
وقال في كتيب أسماه : ( عقيدة الإمامة عند الشيعة الإمامية . . دراسة في ضوء الكتاب والسنة . هل كان شيخ الأزهر البشري شيعيا ؟ ! ) (12) .
قال في مقدمته : ( وقبل أن أختم البحث رأيت أن أشير إلى الفرية الكبرى التي جاء بها الكاتب الشيعي شرف الدين الموسوي في كتابه ( المراجعات ) وأن أنبه إلى براءة الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر مما نسبه إليه هذا المؤلف ) .
ثم قال في الصفحة 170 : ( مما رزئنا به في عصرنا كتاب يسعى جادا للدخول إلى كل بيت ، رأيت طبعته العشرين في عام 1402 . . . ) .
وقال في الخاتمة : ( ومن أكبر هذه المفتريات الكتاب المسمى ( المراجعات ) الذي لم يكتف مؤلفه بجعل الأحاديث الموضوعة المكذوبة أحاديث ثابتة متواترة ، بل نسب لشيخ الأزهر الشيخ سليم البشري رحمه الله أنه سلم بهذا وأيده . بل سلم بعقيدة الشيعة الجعفرية ، ورأى أن أتباع المذهب الشيعي الجعفري أولى بالاتباع من أي مذهب من المذاهب الأربعة ) .
وقال ثالث : ( وأما كتاب المراجعات فقد استحوذ على اهتمام دعاة التشيع ، وجعلوه أكبر وسائلهم التي يخدعون بها الناس . أو بعبارة أدق : يخدعون به أتباعهم وشيعتهم ، لأن أهل السنة لا يعلمون عن هذا الكتاب
____________
(12) اسم ضخم ! ولكنه في 180 صفحة من القطع الصغير ! وقد جعل عليه عنوان ( هل كان شيخ الأزهر البشري شيعيا ؟ ) ليوهم أنه سيحقق عن هذا الموضوع ، ولكن عندما تراجعه لا تجد إلا الاستبعاد ! إلا أن تشيع شيخ الأزهر دليل على تحقيقه وإنصافه ، وهكذا يكون حال كل مسلم إن حقق وأنصف ! كما دعا إلى ذلك السيد شرف الدين في كل ما حقق وصنف ! بخلاف حضرة الدكتور وأمثاله ، المدافعين عن بني أمية اقتداء بابن تيمية ! ولسان حالهم ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) والذي يؤكد ما ذكرنا في خصوص السالوس أنه يحاول إيجاد ضجة على الشيعة وأهل السنة المحققين المنصفين ـ من علماء الأزهر وغيرهم ـ الدعاء إلى التقريب بين المسلمين ، وذلك بإصدار كراريس ، أحدها في آية التطهير ، والآخر في حديث الثقلين ، وثالث في عقيدة الإمامة عند الشيعة . . . والحال أن كلا منها فصل من فصول كتابته الكبير الذي أسماه ب : ( أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله ) فلاحظ وتأمل !
(144)
ولا غيره من عشرات الكتب التي تخرجها مطابع الروافض ، اللهم إلا من له عناية واهتمام خاص بمذهب الشيعة . وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مائة مرة ، كما زعم ذلك بعض الروافض . والكتاب في زعم مؤلفه واقعة من وقائع التقارب بين أهل السنة والشيعة ، وهو عبارة عن مراسلات بين شيخ الأزهر سليم البشري ، وبين عبد الحسين هذا ، انتهت بإقرار شيخ الأزهر بصحة مذهب الروافض وبطلان مذهب أهل السنة .
والكتاب ـ لا شك ـ موضوع مكذوب على شيخ الأزهر ، وبراهين الكذب والوضع له كثيرة تعرض لبعض منها ، وقبل ذلك نشير إلى أن الروافض من دأبهم وضع بعض المؤلفين ونسبتها لبعض مشاهير أهل السنة ، كما وضعوا كتاب ( سر العالمين ) ونسبوه إلى حجة الإسلام محمد الغزالي .
أما مظاهر وأمارات الكتاب والوضع في هذا الكتاب فمنها :
أولا : الكتاب عبارة عن مراسلات خطية بين شيخ الأزهر سليم البشري وبين هذا الرافضي ، ومع ذلك جاء نشر الكتاب من جهة الرافضي وحده ، ولم يصدر عن البشري أي شيء يثبت ذلك .
وثانيا : أن هذا الكتاب لم ينشره واضعه إلا بعد عشرين سنة من وفاة البشري ، فالبشري توفي سنة 1335 ، وأول طبعة لكتاب ( المراجعات ) هي سنة 1355 في صيدا .
وثالثا : أن أسلوب هذه الرسائل واحد هو أسلوب الرافضي ، ولا تحمل رسالة واحدة أسلوب البشري .
ورابعا : أما نصوص الكتاب فتحمل في طياتها الكثير والكثير من أمارات الوضع والكذب .
والحقيقة المفجعة : أن هذا الافتراء يطبع عشرات المرات بأسم
(145)
التقريب ، ولا أحد من أهل السنة ينتبه بهذا الأمر الخطير ) (13) .
أقول :
أولا : إن كتاب ( سر العالمين وكشف ما في الدارين ) لأبي حامد محمد الغزالي ، صاحب إحياء العلوم . وقد نسبه ـ فيمن نسبه ـ إليه كبير الحفاظ والمؤرخين المعتمدين من أهل السنة ، ألا وهو شمس الدين الذهبي ـ المتوفى سنة 748 ه ـ في كتابه المعروف ( ميزان الاعتدال ) واعتمد عليه ونقل منه ، فلاحظ الكتاب المذكور (14) .
وعلى هذا الأساس نسبته الشيعة إليه ، فلماذا الافتراء ؟ ! ولماذا الانكار من هؤلاء الطلبة الأصاغر المتأخرين لما يقر به أكابر أئمتهم المعتمدين ؟ !
وثانيا : إن هذا الذي يعترف به ـ متفجعا ـ من أقوى أدلة صحة المراجعات ، واعتبار ما تحتويه من استدلالات ، وإلا فعلماء قومه مقصرون أمام الله والرسول ومشايخ الصحابة المقتدى بهم في مذهبهم ! رغم طبعها عشرات المرات كما ذكره ، ورغم أنها تدعو إلى المناظرة بصدر رحب . . . كما ذكر السيد رحمه الله .
____________
(13) مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة 2 / 213 ـ 217 للدكتور ناصر بن عبد الله الغفاري ، وهو رسالة لنيل درجة الماجستير ، أجيزت بتقدير ممتاز ! نشر : ( دار طيبة في الرياض سنة 1413 ه في جزءين كبيرين .
(14) ميزان الاعتدال ، ترجمة الحسن بن الصباح 1 / 500 .
وممن نسب الكتاب إلى الغزالي : الحافظ الواعظ سبط ابن الجوزي الحنفي ـ المتوفى سنة 581 ه ـ صاحب التاريخ الشهير ( مرآة الزمان ) وغيره من المصنفات ، وله : ( تذكرة خواص الأمة ) الذي أورد فيه بعض ما يتعلق بأئمة أهل البيت عليهم السلام ، بأسانيده إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام ، ولأجله رموه بالترفض مع الثناء عليه ووصفه بالحفظ والفقه كما لا يخفى على من لاحظ ترجمته في ( الجواهر المضية في طبقات الحنفية ) و ( الفوائد البهية في طبقات الحنفية ) وغيرهما .
(146)
وثالثا : ما ذكره بعنوان ( وبعبارة أدق . . . ) بكذبه قول زميله القائل : ( قد أثر في بسطاء المسلمين وعامتهم ) وقول الآخر : ( يسعى جادا للدخول إلى كل بيت . . . ) على حد تعبيرهما .
ورابعا : المراجعات ليس موضوعة ، كما مر وسيأتي .
وخامسا : إن الأمارات التي ذكرها ، تعود الثلاثة الأولى منها إلى مطلب واحد سنجيب عنه في الجواب عن السؤال عن الكوارث التي منعت طبع الكتاب وضيعت نسخته . والرابعة يظهر بطلانها من خلال ما سنوضحه حول نصوص الكتاب .
السبب في تأخير طبع الكتاب :
ثم إنه قد اعترض على كلام السيد في المقدمة بأنه :
( ماذا يعني الموسوي بالحوادث والكوارث التي أخرت طبع هذه المراجعات أكثر من ربع قرن من الزمن ؟ إنه سؤال لا جواب عليه ، لأن الموسوي لم يقدم لنا حادثة أو كارثة واحدة من هذه الحوادث والكوارث ، وإذا عدنا إلى كتب التاريخ التي أرخت لهذه الحقبة من الزمن التي تمت فيها هذه المراجعات المزعومة نقلب صفحاتها فلا نجد فيها ما يمنع من نشرها ) .
أقول :
وهذا جهل أو تجاهل . لقد أشرنا من قبل إلى أن السيد ـ رحمه الله ـ كان في طليعة الشخصيات الإسلامية التي قاومت الاحتلال الفرنسي للبنان ، فقد قاد شعبه في مواجهة الاحتلال ، واستخدام كافة الأساليب لها ، ووقف بصرامة يطالب خروج الفرنسيين من بلاده ، ويدعو إلى الوحدة السورية المستقلة ، فأوعز المحتلون إلى عملائهم بالتخلص من هذا القائد ، واستغلوا عميلا عربيا يدعى : ( ابن الحلاج جبران ) من أهالي مدينة صور ، واقتحموا دار السيد ،
(147)
وشهر العميل مسدسه في وجه السيد ، فركله برجله فوقع على ظهره وسقط المسدس من يده ، وتعالت الأصوات وصيحات النساء ، ففر الفرنسيون من الدار ، وتوافدت الجموع إليها من كل جانب تشتاط غضبا فأمرهم السيد القائد بالهدوء .
قال رحمه الله في كلام له :
( وكان من ذلك أن عزم الفرنسيون ، وعزمت ذيولهم ، أن يتخلصوا مني عن طريق الاغتيال ، لتنهار هذه الجبهة إذا خلوت من الميدان ، وفي ضحى يوم الثلاثاء 12 ربيع الثاني سنة 1337 ه ، الموافق 14 كانون الثاني سنة 1919 م ، والدار خالية من الرجال ، أقبل فتى من رجال الأمن العام الذين أملى لهم الفرنسيون أن يشتطوا على المسلمين والأحرار من أهل الدين ، وأقبل معه رجلان من الجند الفرنسي ، وكانوا جميعا مسلحين ، فاقتحموا الباب ، ثم أحكموا أرتاجها ، ودنا الفتى العربي ابن الحلاج شاهرا مسدسه ، وهو يطلب أن أعطيه التفويض الذي كنا أخذناه من وجوه البلاد وثائق تخول الملك فيصل أن يتكلم باسمنا في عصبة الأمم .
وحين أصبح على خطوة مني ركلته برجلي ألقته على ظهره فسقط المسدس من يده ، وأتبعت الركلة بضربات عنيفة بالحذاء على رأسه ووجهه ، وعلت صيحة نسائنا في الدار ، فملئت الطريق خلف الطريق خلف الباب ، فإذا الرهبة تتولى هزيمة الجنديين وصاحبهما مخفقين ، وقد كادت الأيدي والأرجل أن تقضي عليهم . . . ) (15) .
ثم إن السيد دعا إلى مؤتمر للتحاور مع رجالات السياسة والفكر ، لاتخاذ القرارات المناسبة للاستمرار بالمواجهة والسيطرة على الموقف حتى الوصول إلى الهدف ، فعقد المؤتمر في منطقة ( الحجير ) ومثل المؤتمرين في وفد إلى
____________
(15) بغية الراغبين 2 / 150 .
(148)
سوريا للاجتماع مع الملك فيصل ، حتى إذا رجع وثب الفرنسيون بجيش جرار إلى جبل عامل توجه نحو قرية ( شحور ) لإلقاء القبض على السيد وقتله ، . . .
قال رحمه الله :
( ومهما يكن فقد كان نصيبنا من هذه الجيوش حملة جرارة قدرت بألف فارس مجهزين بالمدافع الثقيلة والدبابات والمدرعات ، زحفت بقيادة الكولونيل ( دنجير ) إلى ( شحور ) وما كاد الفجر يتضوأ بأضوائه الندية حتى كانت المدافع الثقيلة منصوبة على جبلي ( الطور ) و ( سلطان ) المشرفين على القرية ، وهبط الجيش يتدفق بين كروم التين ، ويلتف حول القرية ، في رهبة أوحشت سكينة الفجر المستيقظ لذكر الله تعالى في مستهل شهر رمضان المبارك سنة 1338 ، وكنت أهوم بعد صلاة الفجر بنعاس بعد تعب السفر وتعب السهر ، وكانت وصيفتنا ( السعيدة ) تتهيأ لصلاتها ، فأشرفت على مدخل القرية ـ وهي تتبين الصبح ـ فراعها أن ترى أن آذان الخيل تنتشر بين أشجار التين في مثل هذا البكور ، فأجفلت مذعورة ، ورجعت توقظني من نومي .
نهضت مسرعا إلى أرديتي ، وانسللت أتخطى الأزقة والمضايق ، ثم خرجت من بين العسكر وهم لي منكرون ، وتركتهم يتظننون ، وانسحبت أهبط الوادي إلى غار على شاطئ الليطاني ، كان لجأ إليه جدنا السيد صالح في محنة الجزار .
أما الجند فطفق يسأل عني ، واستوقف الصغار من أفراخي مع عمهم السيد محمد وخالهم السيد حسن ، حتى يستنطقهم والسيف مصلت فوق رؤوسهم ، ولكنهم أجمعوا على أني في دمشق ، ولما استيأسوا من العثور على تفرقوا في القرية يأكلون ويشربون ويحطمون ، ولم يغادروا ( شحورا ) قبل أن يحرقوا الدار . . . فحكم علي بالنفي المؤبد مع مصادرة ما أملك . وقد احتلوا دارنا في صور بعد أن صيح نهبا في حجراتها ، فعظمت المصيبة وجلت الرزية بنهب المكتبة الحافلة بكتبها القيمة ، وفيها من نفائس الكتب المخطوطة
(149)
ما لا يكاد يوجد في غيرها . وكان لي فيها كتب استفرغت في تأليفها زهرة حياتي وأشرف أوقاتي ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ) (16) .
ثم إنه شرد به ـ طاب ثراه ـ مع أهل وذويه إلى دمشق ، فبقي بها مدة وانتقل منها إلى فلسطين ، ومنها إلى مصر ، وهو في جميع هذه الأحوال متنكر وراء كوفية وعقال على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم ، حتى إذا قصد الهجرة إلى العراق أرسل إليه بأمان وطلب منه العدة إلى وطنه ، وكان العودة يوم الجمة 18 شوال سنة 1339 ه .
والخلاصة : إنه لما يئست قوات الاحتلال من القبض عليه ، عادت فسلطت النار على داره في ( شحور ) فتركتها هشيما تذروه الرياح ، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في ( صور ) بعد أن أباحتها للأيدي الأثيمة تعيث فيها سلبا ونهبا ، حتى لم تترك فيها غاليا ولا رخيصا ، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبته العامر بكل ما فيها من نفائس الكتب وأعلاقها ، ومنها مؤلفاته الكثيرة القيمة التي كانت خطية في ذلك الوقت ، والمكاتيب والمراجعات .
فهذا موجز تلك الحوادث والكوارث ، كما في مقدمته ( المراجعات ) وغيرها من المؤلفات ، وفي كتاب ( الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين مصلحا ومفكرا وأديبا ) وغيره مما كتب بترجمة السيد ، وإن شيءت التفصيل فراجع ( البغية ) بقلمه الشريف ، فقد ذكر فيها جميع تلك الكوارث والحوادث بما فيها من خصوصيات وجزئيات . . . وإليها أشار ـ رحمه الله ـ في مقدمة ( المراجعات ) ثم صرح بأن الصحف التي ينشرها الآن كلها بلفظه وخطه . . .
لكن البعض لا يصدقون السيد ـ الصادق المصدق ـ فيما يقول أو لا يرون ما لاقاه وقاساه ـ مع شعبه ـ كوارث ! أو يريدون إنكار تلك الجهود ، أو استنكار ذلك الجهاد ضد الاستعمار ! فيذكرون للتأخير سببا من عندهم ، بوحي من
____________
(16) بغية الراغبين 2 / 163 .
(150)
ظنونهم السيئة الفاسدة ، وأغراضهم الباطلة الكاسدة ، فيقول قائل منهم :
( والذي دفع الموسوي إلى تأخير نشر وطباعة ( المراجعات ) إنما هو حاجة في نفسه ، إذ أن الفترة التي كانت فيها المراجعات ، والتي اعتبرها فترة غير ملائمة لمثل هذا الأمر ، إنما تعني أواخر الخلافة العثمانية التي مهما قيل فيها فإنها تظل خلافة تدين بالإسلام وتدفع عنه أعداءه وخصومه ، وتناهض كل الفرق الضالة التي اتخذت من الإسلام ستارا لضرب الإسلام والكيد للمسلمين كالرافضة وغيرهم ، والموسوي خشي على نفسه من نشر هذه المراجعات في ظل هذه الخلافة ، لما فيها من مخالفة للكتاب والسنة وعقيدة الأمة ، الأمر الذي قد لا تسمح الخلافة العثمانية بنشره ، لذا فإنه كان ينتظر فرصة مناسبة ومؤاتية لنشره هذه الأباطيل . . .
والأمر الثاني الذي دفعه إلى تأخير نشر مراجعاته : أنها مراجعات لا أصل لها ، فلا بد له من تأخيرها ، إذ لو نشرها في الوقت الذي تمت فيه هذه المراجعات لتصدى إلى تكذيبه العديد من العلماء ، لا سيما شيخ الأزهر الذي كذب عليه وقوله ما لم يقل ، فلما مات شيخ الأزهر ومات بعض أقرانه ، ونسي الأحياء منهم أمر هذه المراجعات ، وما كان فيها من وقائع وتفصيلات ، ولما اطمأن الموسوي لهذا كله سارع عندئذ لنشر أباطيله ) .
أقول :
لقد ذكر أمرين هما السبب ـ بزعمه ـ في تأخير نشر ( المراجعات ) :
أما الأول : فلا يتفوه به عاقل ، إذ الخلافة العثمانية كانت في تلك الأيام على وشك الانهيار والاضمحلال ، ولم تعد قادرة على حفظ كيانها ، على أنه كان بالإمكان طبع الكتاب ـ لولا الحوادث والكوارث ـ في غير بلاد الخلافة العثمانية . . .
وعلى الجملة ، فهذا الأمر مما لا يصغى إليه ، وتضحك الثكلى به ،
(151)
ولعله لذا لم نجده عند غير هذا المتقول .
وأما الأمر الثاني : فقد أشار إليه غيره أيضا ، وهو مردود بما ذكرناه في بيان واقع الحال .
على أنا نسأل هؤلاء عن السبب للحقيقة المفجعة ، وهي عدم رد أحد من علماء السنة على هذه المراجعات ، لا سيما ممن نشأ في ظل الخلافة العثمانية التي كانت تناهض كل الفرق الضالة على حد زعمه ؟ !
وعن السبب لنشر مثل هذه التشكيكات والتكذيبات ، في مثل هذه الظروف وبعد نحو الخمسين عاما على طبع المراجعات ؟ !
وعن السبب في تأخير طبع رد أحدهم على كتاب ( أبو هريرة ) مدة 18 سنة ، أي بعد وفاة السيد بسنين (17) ؟ ! ثم تبعه غيره ، يأخذ اللاحق من السابق ، فيكررون المكرر (18) .
السبيل لتوحيد المسلمين :
وهنا يقول القائل : ( إن ما يسعى إليه الموسوي إنما هو ضرب من المستحيل ، إذ أنه ، لو افترضنا الصدق فيها ، فهي محاولة للتوفيق بين الحق والباطل وبين الإسلام والكفر !
إن السبيل الوحيد لتوحيد المسلمين ولم شتاتهم ، وإزالة الفرقة بينهم إنما يكون بالعودة إلى الكتاب والسنة ، وفهم السلف الصالح لهما ، كما أوضح ذلك الحق سبحانه وتعالى حيث قال : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) وكنا أوضح النبي
____________
(17) كتاب : أبو هريرة راوية الإسلام ، لمحمد عجاج الخطيب ، ألفه ردا على كتاب : ( أبو هريرة ) للسيد شرف الدين ، فرد عليه الشيخ عبد الله السبيتي بكتاب : ( أبو هريرة في التيار ) .
(18) لاحظ : دفاع عن أبي هريرة ، لعبد المنعم صالح العلي ، ثم : أبو هريرة وأقلام الحاقدين ، لعبد الرحمن عبد الله الزرعي ، وهكذا . . .
(152)
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حيث قال : تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وسنتي . ( أخرجه الإمام مالك والترمذي وأحمد ) . فهل يستجيب الرافضة لله وللرسول ؟ هيهات هيهات ) .
ويقول آخر : ( مفهوم التقريب عند هذا الموسوي هو أخذ المسلمين بعقيدة الروافض ، وهو في سبيل ذلك يضع وقائع وهمية وحوادث لا حقيقة لها ، ويزعم أنها وقائع تقارب بين السنة والشيعة لتصفية الخلاف ، ولكن لم يكن لهذه المؤامرات من أثر إلا عند طائفته ) (19) .
أقول :
إن مفهوم التقريب لدى السيد وطائفته هو التعريف بالشيعة ، وبيان عقيدتها في مسألة الإمامة ـ التي هي أعظم خلاف بين الأمة ـ وذكر شواهدها وأدلتها في كتب السنة ، والبحث والتحقيق حولها عن طريق الجدل الحق ، ثم الأخذ بما اتفق الكل على روايته ونقله في الكتب المشهورة بين المسلمين ، وعلى هذا الأساس استند السيد في ( المراجعات ) وغيرها من كتبه إلى ما جاء في كتب السنة من الأحاديث من طرقهم ، ومن هذا المنطلق يمكن التوقيف بين الطائفتين ، . . . ولا استحالة . . . وبذلك يكون قد تحقق ما أمر سبحانه وتعالى بقوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول . . . ) وإلا فإن كل طائفة ترى الحق فيما ترويه وتعتقده ، وتحكم ببطلان ما تذهب إليه الطائفة الأخرى .
فالمراد من ( الرد إلى الرسول ) في الآية الكريمة ، ومن ( السنة ) في الأحاديث الآمرة بالرجوع إليها هو : الأخذ بما ثبت صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ما اتفق الكل على روايته بأسانيدهم .
وأما خصوص : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله
____________
(19) مسألة التقريب 2 / 217 .
(153)
وسنتي ) فليس بحديث صادر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسبة روايته إلى أحمد والترمذي كذب ، إذ هو ليس من أحاديث مسند أحمد وجامع الترمذي قطعا .
نعم ، رواه مالك في ( الموطأ ) لكن بسند منقطع ! كما نص على ذلك شراحه ، كالجلال السيوطي في ( تنوير الحوالك ) وقد أوصله ابن عبد البر القرطبي ، لكن بسند ضعيف ! وقد حققنا حال هذا الحديث المزعوم في رسالة مفردة مطبوعة (20) .
والخلاصة : إن السيد يدعو إلى الوئام بين المسلمين عن طريق البحث الصحيح والجدل الحق ، في الحديث والسيرة والتاريخ وغير ذلك ، لا عن طريق تناسي الماضي ، لأن هذا لو أفاد في برهة من الزمن فلا يكاد يجدي على المدى البعيد ، ولا يعطي النتيجة المطلوبة ، بل إن معنى ذلك بقاء الانطباعات عن القضايا في النفوس والأذهان ، وهذا ما يؤدي ـ بطبيعة الحال ـ إلى مضاعفات لا تكاد تقبل العلاج من أي طرف كان .
وقد عرفت السيد إلى من أهدى كتابه ! وأي شيء ترجى منه !
هذا تمام الكلام حول المكابرات ، المتعلقة بمقدمة المراجعات .
للبحث صلة . . . .
____________
(20) مجلة ( تراثنا ) العدد 29 ، شوال 1412 ه ، ص 171 ـ 187 .