قبلصلة
      تدوين السنة
أم تزييف الشريعة ؟ ! (1)
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي


بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى الأئمة الصادقين من آله الطيبين ، وعلى الأخيار من الصحابة ، والتابعين .
    تجتاح البلاد الإسلامية موجة من الصحوة والوعي والتحرك ، تكونها الجماهير المسلمة ، المؤمنة بدينها ، المحبة لأوطانها ، والتي تيقظت من سباتها الطويل ، بعد غياب وذهول عن ما يملكه الإسلام من مقومات حضارية ، وبعد أن ثبت لها بالعيان وبالتجربة الحية ، والمعاناة الطويلة القاسية ، فشل كل النظم والقوانين وأساليب الحياة غير الإسلامية ـ سواء الشرقية منها أم الغربية ـ وإخفاق كل دعاة العلمنة والهلوسة الغربية ، والتحضر الأوربي ، من تقديم أية خدمة تنجد الأمة أو تقلل من مآسيها .
____________
(1) قراءة نقدية لكتاب ( تدوين السنة ) تأليف ( إبراهيم فوزي ) نشر : رياض الريس للكتب والنشر ـ الطبعة الأولى ـ كانون الثاني / يناير 1994 ـ لندن .
(8)

وكانت عودة الجماهير إلى الحضارة الإسلامية ، عودة حميدة مجيدة ، تحتوي على قوة العزيمة والتصميم والجد والوعي والمعرفة التامة .
    ولقد ذهل الاستعمار بهذه العودة ، بعد أن دأب قرنا من الزمان في العمل على إبعاد الأمة الإسلامية عن دينها ، وبث روح اللهو واللعب والتفاخر والتكاسل بين جيل الشباب إلى حد الارتماء في أحضان الرذيلة والفساد والعبثية .
    وقد أثارت هذه العودة إلى الإسلام سخط الاستعمار ـ شرقيه وغربيه ـ فجند أجهزته الظاهرية والسرية ، ولجأ إلى القمع والاتهام ، والضغط السياسي والاقتصادي ، ومن خلال عملائه الحاكمين على بلدان المنطقة ، وبأجهزة الأمن والاستخبارات والمباحث في داخل البلاد وخارجها ، لإيقاف المد الإسلامي الظافر ، وإخماد نور الصحوة الإسلامية المجيدة .
    ومن الأساليب التي ينفذها هو ( بعث ) شراذمة من أولاد البلاد الإسلامية والمنتمين إلى لغاتها ، من الجيل المتعلم في مدارس الغربيين ، أو على مناهجهم الدراسية ، والمتربين على الثقافة الغربية المادية ، والذين غسل المستشرقون أدمغتهم ، وفرغوها عن كل ما هو إسلامي ، ولقنوهم حب الغرب والانبهار بكل ما فيه ، فدفعوهم في هذه الفترة بالذات ليكونوا أدوات تحريف لأفكار الشباب المعاصر في البلاد الإسلامية ، لصدهم عن اللحوق بهذه الصحوة ، وحذرا من أن ينتبهوا إلى ما يملكه الإسلام من قدرات خارقة عظيمة في الفكر والتشريع والأخلاق ، والحضارة .
    فراح أولئك العملاء الجدد يشوهون سمعة هذا الدين ويزيفون ما يمت إليه من خلال كتابات تهريجية ومزورة ، ملؤها الكذب على الإسلام وأهله والقذف للجيل المتحرك لإعلاء كلمته ، ولا تخلو صفحة من كتاباتهم من الاتهام والهراء ضد مقدسات الأمة ، والتعدي على أصوله وفروعه ، وتراثه وتاريخه ، بعقلية تزييفية ، وبصورة بشعة ، إلا أن أعمالهم تحمل عناوين غارة


(9)

من قبيل ( التحقيق ) و ( البحث ) و ( الدراسة ) و ( النقد ) وما إلى ذلك من عناوين جذابة ومغرية للشباب المشتاق للمعرفة والمحب للاطلاع .
    وقد صدرت في هذه الفترة بالذات كتابات تستهدف السنة الشريفة لكونها من مصادر المعرفة في الإسلام ، بأقلام تستهدف تزييف السنة وتعطيل أثرها الهام في التعريف بالإسلام وتحديد قضاياه وأحكامه .
    ومما صدر أخيرا كتاب ( تدوين السنة ) لإبراهيم فوزي .
    ولما في عنوانه من الإثارة ، وما يحتويه من تحريف وتزييف ، وما قام به مؤلفه من تخط وتعد على أعراف العلم وموازين الكتابة ، فقد عرضنا ما لاحظناه عليه خلال الفصول التالية :
    1 ـ مع موازين الكتابة .
    2 ـ مع مؤدى العنوان .
    3 ـ مع مؤشرات الهدف .

*         *         *


(10)

1 ـ مع موازين الكتابة

* موازين الكتابة :
    إن من الأمور المتفق عليها ضمنيا في فن الكتابة العلمية هي تلك الموازين المقررة ، والملتزم بها عمليا ، والمنادى بها ولو بالشفاه المطبقة ، والتي تعد ( عرفا ) للكتاب ، وقد أملتها الحاجة إلى نظام في ما يقرأ ، قبل أن يكتب ، وإن كان الكاتب ـ في عصر الطغيان على الموازين ـ لا يرى نفسه ملزما بكل ما هو ( إجماعي ) أو ( عرف ) حتى لو كان معلنا ، فكيف إذا لم يحاول أصحاب ( المصلحة ) أن يعلنوه ، أو يسجلوه ؟ !
    ولكن ضرورات من قبيل ( تصنيف الكتاب ) في المكتبة ، ليأخذ موضعه المناسب ، حتى يتناول بيسر وسرعة ، أمر لا يمكن تجاوزه ، لأي غرض كان لأنه ـ فعلا ـ من الثوابت التي لا خلاف فيها ، إذا أريد للكتاب أن يكون متداولا علميا ، وبالخصوص إذا تناول ظاهرة بالدرس والتحليل ، خارجا عن أطر الإعلام والخطابة ! وإذا أراد الكاتب أن يكون باحثا منهجيا ، بعيدا عن وهدة ( الارهاب الفكري ) و ( العبث بالفكر ) التي ابتليت بها التيارات العلمانية في العالم العربي خاصة ، إذ تسيطر هي على قطاع كبير من قرائه المثقفين ، بهدف تزييف ما يمت إلى شعوب المتكلمين بالعربية ، أو الذين يفكرون على أساس مصادرها الثقافية والفكرية ، والذين يشكل المسلمون غالبيتهم العظمى !
    مع أن من أوضح ما يميز الكتاب الذي يتناول موضوعا فكريا أو تراثيا ، ويراد له أن يكون خارجا عن إطار ( الارهاب ) أن يتخذ أسلوب ( التوثيق المرجعي ) والالتزام بالموضوعية ، على طول الخط ، من أول جرة قلم ، وحتى نهاية المطاف .
   
*         *         *


(11)

* بين الأهداف المعلنة ، والنيات المبطنة :
    ثم إن تحديد المؤلف لغرضه الذي تعنى من أجله للكتابة ، لا أنه يدخل في تلك الموازين ، فحسب ، بل هو ضرورة للإسراع في تفاعل القارئ مع الكتاب ، ودرك الكلمة المكتوبة ، في سياق موضعها من جملة المؤلف ، وفي سطور الصفحة ، وصفحات دفتي الكتاب ، تفاعلا لا بد أن يرغب المؤلفون فيه ، فيقدمونه أمام كتبهم .
    وليست صفحات الكتاب الذي يعالج مشكلة مستفحلة علمية أو تراثية ، مجالا للبهلوانيات ، حتى تكون السرعة ـ وكذا الاقتحام ـ فيها مطلوبة ، إلا في صورتها الشائعة في الكتابات المعاصرة .
    والكاتب الذي يقدم مادته ( بكل حياد وتجرد ) لا يتخوف من قرائه ، تماما كالطبيب الحاذق الذي لا يخاف من عدوي المرضى الذين يباشر علاجهم ، وهم يراجعونه ، ليجدوا الشفاء على يديه ، مهما كان نوع المرض ، ومهما كان خطرا .
    وإذا كان الطبيب يتوجس خيفة في نفسه ، من مرضاه ، فخير له أن يغلق ( المطب ) ولا يكلف نفسه عناء الإعلانات الفضفاضة حول مهارته في العلاج ، خصوصا إذا لم تكن عنده الخبرة الكافية ، ولا التخصص ، بل ولا عارفا ب‍ ( جس النبض ) ، بل جاهلا بأصول العلم ، وبمصطلحات الأطباء ، وأسماء الأدوية ! !
    أما إذا كانت اللافتة التي ينصبها على باب ( العيادة الطبية ) تحمل عنوانا ضخما ، مغريا للمرضى ، بينما هو يعنى بتخصص آخر ، ويبطن من إعلانه المزور هدفا غير طبي ، فإنما يعد في عرف المهن ( دجالا ) وليس عمله إلا ( ابتزاز ) و ( خيانة ) !
   
*         *         *


(12)

* عناوين الكتب مفاتيح لتصنيفها :
    إن عناوين الكتب ـ سواء الكبيرة ، أم الثانوية التي توضح أبعادا أوسع ـ إنما هي الأبواب التي يدخل القراء من خلالها إلى أعماق المدينة المؤلفة من الكلمات والسطور والصفحات ، فيحدد موقفه منها خلال نظره ، فمن ( الابتزاز ) أن يحاول المؤلف الايحاء بالعنوان إلى غير ما يحتويه الكتاب ، وإغراء القارئ بشرائه أو قراءاته ، فهذه طريقة مقبوحة ومستهجنة ، تحتوي على استهلاك الكلمة التي تشكل العنوان ، وعلى حساب الفكر ، وتوتر القراء ، وهو نوع من ( الدجل الفكري والثقافي ) .
    فلو قيس عنوان ( تدوين السنة ) الذي وضعه المؤلف إبراهيم فوزي على كتابه ، إلى الغرض الذي تابعه من ( المقدمة ) وحتى آخر صفحة بعنوان ( الخاتمة ) والتي صرح فيها بالغرض واضحا ، يجد أنه ( لا يشي عنوانه بأهميته ) عند البعض ، إن اعتبر ذلك ( إحدى حسناته ) إلا أنه تجاوز لما ذكرنا من موازين الكتابة العلمية ، مهما أحسنا الظن به !
    فإن العلوم الإسلامية ، والمعارف التي تتمحور حولها ، قد تضخمت ، وتوسعت على مدى المدة الفاضلة بيننا وبين المصادر الأساسية ، و ( السنة ) لكونها عند المسلمين واحدا من تلك المصادر ، بل أوسعها ، لم تخرج من دائرة هذه الحقيقة ، بل تكثفت الجهود حولها ، وشكلت لمعالجة قضاياها وجمع خصوصياتها علوم عديدة هي : ( علم الحديث ) و ( علم المصطلح ) و ( علم الرجال ) مضافا إلى ما يتفرع عن كل من مباحث ، وتخصصات ، استغرقت جهودا مبثوثة ، وأخرى منتشرة بشكل استطرادي في علوم أخرى .
    ومن أهم البحوث المصيرية المطروحة حول ( السنة ) هو البحث عن حجيتها ، ومدى تأثيرها في إثبات المعارف الدينية ، وقد قام منذ القديم حول ذلك جدل كبير ، لما يترتب على نتيجته من آثار عملية مباشرة في حياة


(13)

المسلمين وتحديد المعارف عقيدة وتشريعا وتاريخا .
    وإذا كانت ( حجة ) فإن بحوثا أخرى تستتبع في الثقافة الإسلامية ، واستتبعت ـ ولا تزال ـ جهودا كبيرة من قبيل : ما هي السنة ؟ وتحديد مداها ؟ وتاريخها ، لتحديد نصها ؟ ويدخل في هذه الناحية تاريخ ( تدوين السنة ) .
    فمن هنا يمكن أن نرى عنوان ( تدوين السنة ) بارزا عندما تكون ( حجية السنة ) أمرا مفروغا عنه ، وإلا فيكون البحث عن التدوين ، ترفا فكريا ، إذ لا يترتب عليه أثر علمي ولا عملي ، ولا يدعو إلى الاهتمام به في المأزق الثقافي الراهن .
    ولقد كان علماء المسلمين على قدر كاف من الدقة إذ عنونوا لحجية الحديث والسنة في مجال ( الحجج الشرعية ) ووسائل إثبات الحكم الشرعي من بحوث علم أصول الفقه ، وعنونوا لبحث ( تدوين السنة ) في مجال تاريخ الحديث ، وفي بحوث علم مصطلح الحديث ، إلا أن سعة مباحثه ، وأهميته ، لكونه الأرضية الموطدة لما يبنى عليها من عناوين وبحوث ، استدعت المؤلفين إلى الاستقلال بالبحث عنه منذ القدم ، فأقدم ما في المتناول من المؤلفات حول تدوين السنة ، كتاب الخطيب البغدادي ( ت 463 ) بأسم ( تقييد العلم ) المطبوع محققا مع مقدمة واسعة وافية من عمل الدكتور يوسف العش ، السوري ، وأحدث عمل تكاملت فيه النظريات المطروحة على طاولة البحث وهو كتاب ( تدوين السنة الشريفة ) الصادر في قم سنة 1413 من تأليف كاتب هذه السطور .
    أما كتاب ( تدوين السنة ) لإبراهيم فوزي ، الذي نقدم قراءة عنه ، فهو آخر ما صدر يحمل هذا العنوان ، على الرغم من أنه لا يعنيه مباشرة ، إلا بصورة جزئية ، مما يثير إرباكا لدى القارئ ، فإذا صدق قول أبي الفتح البستي ( وأول مقروء من الكتب عنوان ) فأن عنوان كتاب فوزي يوحي أن يكون خاصا بالبحث عن الموضوع ، بينهما المهمة الأساسية التي يتصدى لها الكتاب هي غير ذلك ،


(14)

بل هي : نفي الاعتماد على السنة مصدرا للتشريع ، وأن اعتمادها سبب ـ حسب اعتقاد المؤلف ـ إرباكا في الفقه الإسلامي ، أدى إلى وجوه المذاهب المتعددة ، والطوائف المتفرقة .
    ومع قناعتنا بحرية الكاتب في اتخاذ هدف معين لعمله ، من دون أن يكون لأحد حق في تحديده ، إلا أن تقنعه بقناع ( تدوين السنة ) للوصول إلى هدف يبتعد عن هذا العنوان ، أمر لا يبتعد عن الريب والإثارة ، شاء الكاتب أم أبى !
    فمن ناحية حضارية ، فإن الإصدارات التي تستعمل هذا الأسلوب ، تؤدي إلى فقدان الشخصية الثقافية ، بين المجتمع العلمي ، حيث إنه إسقاط لقيم العناوين ، وتلاعب باستخدامها ، في الوقت الذي تستدعي موضوعية البحث الذي يراد له أن يكون هادفا وعلميا ، كونه مجردا عن ( الدجل * وبعيدا عن ( العبثية ) .
    فالمطلوب : الدقة الكاملة في انتخاب العناوين ، واستخدامها ، بدلالات واضحة على المحتويات ، وإيصالها إلى الأهداف ، بصدق وأمانة ، وإلا كانت نماذج من ( التضليل الثقافي ) المنبوذ .
    أما من الناحية الأدبية ، فإن تفويت الفرص على القراء والمراجعين ، وجرهم إلى قراءة ما يرغب فيه الكاتب ، وبطريقة الاغراء من خلال عنوان الكتاب ، أمر يعتبر استهتارا مفضوحا .
    إن ما يرتبط بعنوان ( تدوين السنة ) إنما هو القسم الأول من الكتاب ، ذي الأقسام الثلاثة ، بينما القسم الثاني يبحث عن ( علوم الحديث ) والثالث يتركز فيه البحث عن الأحكام الشرعية المتعددة على السنة ، بعنوان ( السنة بعد التدوين ) .
    ومجموع ما يحتوي على القسم الأول هي الصفحات من 27 ـ 141 ، وفصوله ستة ، وما يرتبط منها بالتدوين ، الثاني ، ص 37 ـ 48 ، بعنوان ( النهي


(15)

عن تدوين السنة ) ، والثالث * ص 48 ـ 56 ، بعنوان ( إمساك الصحابة عن تدوين السنة ) والرابع ، ص 57 ـ 64 بعنوان ( إباحة تدوين السنة ) ومجموع صفحات هذه الفصول 27 صفحة فقط ! !
    أما الفصل الأول فهو بعنوان ( تعريف السنة ) والخامس بعنوان ( الكذب على النبي (ص) وأسبابه ) والسادس بعنوان ( الاجتهاد في الفقه الإسلامي ) وارتباط هذه الفصول ، بتدوين السنة ، فهو برابط القسم الأول بالأقسام الأخرى من الكتاب ، وهو وحدة الغرض الجامع بين الأقسام وفصوله ، والذين أشرنا إليه ، وسنتحدث عنه بتفصيل .
    فالبحث عن ( تدوين السنة ) الذي يشغل فقط 27 صفحة من أصل 384 صفحة هي عدد صفحات الكتاب ، لا يمثل لوحده محتوى الكتاب ، إذ تبقى 357 صفحة من الكتاب بعيدة عن العنوان !
    فهل يخلو مثل هذا العمل من محاسبة ؟ ! أو يتطابق مع عرف الكتابة العلمية ؟ ! أو يخدم القراء بصدق ؟ ! وهل روح ( المنهج النقدي ) الذي التزمه الكاتب تسمح بهذا التصرف ؟ !
* بين مؤدى العنوان ، ومؤشرات الهدف :
    وتعقيبنا هذا على كتاب ( تدوين السنة ) يدور على طرفي : العنوان ، والهدف ، في فصلين :
    1 ـ فقد فصلنا بين الملاحظات التي تجمعت حول الكتاب فيما يخص ( تدوين السنة ) من بحوثه ، بما في ذلك منهج المؤلف في التوثيق ، واستخدام المصادر ، وما أثاره في هذا المجال ، فذكرناها تحت عنوان : ( مع مؤدى العنوان ) .
    2 ـ وجمعنا الملاحظات حول ما أثاره في مجال غرضه من تأليف الكتاب والإشكاليات التي تابعها في مصدرية السنة لأحكام الشريعة ، وتزييف ما أخذ اعتمادا عليها ، فذكرناها تحت عنوان ( مع مؤشرات الهدف ) .


(16)

2 ـ مع مؤدى العنوان

* حياد أو انحياز ؟
    إن الكاتب ، وعلى الرغم من دعواه عرض البحث بكل حياد ، وتجرد ، لم يكن حياديا في عرضه ما يرتبط بمسألة ( تدوين الحديث ) بالذات .
    فمثلا ، نجد انحيازه واضحا عندما يعرض أدلة الطرفين حول ( تدوين السنة ) إثباتا ونفيا ، فيذكر في ص 42 بعض أدلة إباحة التدوين ، ويحاول في الهامشين 14 و 15 إيراد تضعيفها أو إسقاط رواتها ، ولكنه لما يذكر أدلة المنع ـ وقد بادر بذكرها في الأسبق ـ في بداية الفضل الثاني الذي عقده للبحث عن ( التدوين ) فهو لا يشير إلى أية نقطة ضعف في أدلة المنع ، ولا خدشة في رواتها !
    ونفس عمله في عنوان الفصل الثاني ، المعقود لجمع أدلة الطرفين ، لكنه عنونه ب‍ ( النهي عن تدوين السنة ) يتم عن روح الانحياز والتطرف إلى جهة المنع ، وكذلك عنوان الفصل الثالث الذي يليه وهو ( إمساك الصحابة عن تدوين السنة ) وأما الفصل الرابع المعنون ( إباحة تدوين السنة ) فهو يعنى بفترة ما بعد القرن الأول ، مع أنه قد بدأه بقوله :
   
( مضى القرن الأول للهجرة ولم يدون من السنة شيء ، كما جمع
القرآن ، ولم يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين أنه دون صحيفة
أو كتب كتابا يحوي أحاديث النبي (ص) وسننه ، سوى ما روي عن
بعضهم أنهم كتبوا لأنفسهم أحاديث عن الرسول لكي يحفظوها ، ثم
أتلفوها . . . ) .

    إن هذه البداية تكشف بمنتهى الوضوح عن انحياز الكاتب إلى ما يهواه من إثبات عدم التدوين .
   
(17)

* حديث النهي لا يحتج به :
    إن عمدة ما استدل به القائلون بأن السنة لم تدون في العصر الأول هو حديث أبي سعيد الخدري ، الذي ذكره مسلم في صحيحه ـ دون البخاري ـ وافتتح به المؤلف الفصل الثاني ـ ص 37 ـ وظلت صورته عالقة بقلمه إلى آخر البحث ،مستنداً موثوقاً ، بينما هو حديث (معلل) حسب اصطلاح علماء الحديث، لا يصح الاحتجاج به لإثبات شيء ، وهو ما يدور النص فيه بين أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسمى ( المرفوع ) وهو حينئذ حجة ، وبين أن يكون من كلام أبي سعيد نفسه ، فيسمى ( الموقوف ) فلا يكون حجة ! لأنه حينئذ يدخل كطرف في النزاع بين الصحابة المجوزين والمانعين ، في أمر التدوين ، فلا يشكل حجة على الطرف المعارض للمنع .
    وتعليل الحديث ـ المسقط له عن الاحتجاج ـ بدورانه بين الوقف والرفع مذكور في مصطلح الحديث وفي الكتب الخاصة ب‍ ( علل الحديث ) .
    والمؤلف إبراهيم فوزي نفسه ، واقف على الفرق بين مصطلحي ( المرفوع ) و ( الموقوف ) وقد أيد معارضة القول بأن ( الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع ) وأن ذلك ليس كلاما يوجب الاغترار به ، كما في ص 176 هامش 6 .
    إذن ، فلماذا يغتر هو بهذا الحديث ، ويغرر قراءه ، فيكرر الاستناد إليه ، ولا يشير إلى هذه العلة القادحة في حجيته ، لا من قريب ولا من بعيد ؟ !
    ثم إن موقفه من رأي أهل البيت عليهم السلام وموقفهم من مسألة تدوين الحديث لا يخلو من تقصير ، إذ لا نجد في كتابه إيعازا إلى ذلك ، سوى ما رواه من خطبة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، أنه خطب مرة فقال : ( أعزم على كل من كان عنده كتابة عن رسول الله ، إلا رجع محاها ، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم ) ومصدره : سنن الدارمي


(18)

ج 1 .
    ذكر ذلك في تدوين السنة ، ص 53 ـ 54 ، والهامش 16 . وقيل أن نناقش في سند الحديث ودلالته ، فإن ما نقله عن سنن الدارمي لم نعثر عليه ، وإنما الموجود هو في مصنف ابن أبي شيبة 9 / 52 ، ورواه القرطبي في جامع بيان العلم 1 / 63 وجاء بالنص الآتي : ( أعزم على كل من كان عنده كتاب ، إلا رجع فمحاه ، . . . ) إلى آخر الحديث ، فليس فيه ( كتابة عن رسول الله ) .
    فهل تعدى الانحياز عند الكاتب إلى الخيانة ؟ !
    ولم ينحصر المنقول عن الإمام علي عليه السلام بهذا الحديث ، بل إن مجموعة كبيرة من الروايات الدالة على تأكيده على الكتابة وحثه عليها مشهورة ومنقولة في جميع المصادر ، وكلها تدل على أنه عليه السلام كان رائد المبيحين لتدوين الحديث ، ولم ينقل عنه خلاف ذلك سوى هذا الحديث ، فإهمال الكاتب لكل تلك المجموعة ، وذكره هذا الحديث فقط ، يدل على ماذا ؟ !
    أما هذا الحديث فقد ثبت بطلانه وفساده ، سندا ودلالة من أوجه كثيرة أثبتناها في دراستنا على الموضوع (1) .
* الإيحاءات المحرفة :
    ويتبلور انحياز المؤلف إلى طرف المنع عن التدوين ، في تأكيده بشتى العبارات على الايحاء بأن النهي عن التدوين هي الحقيقة الثابتة ، وأن إباحة التدوين جاءت متأخرة ، فمثلا يفتتح الفصل الثالث المعنون ( إمساك الصحابة عن تدوين السنة ) فيقول في ص 49 :
   
تمسك الصحابة بعد وفاة النبي (ص) بحديثه الذي نهى فيه عن

____________
(1) تدوين السنة الشريفة : 190 ـ 195.