الكعبة . وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : اختلف في مولد علي عليه السلام أين كان ؟ فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة ، والمحدثون لا يعترفون بذلك ، ويزعمون أن المولود في الكعبة : حكيم بن حزام بن خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي » .
    أقول :
    هنا نقاط :
    أولا : كلام الحاكم بترجمة حكيم بن حزام هو : « تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة » هذا كلامه . وليس بعده « وولد حكيم بن حزام في الكعبة » كما لا يخفى على من راجع المستدرك (11) ولعله من هنا لم يذكر المؤلف المصدر الذي نقل عنه هذا الكلام !
    نعم ، نقل الحاكم بترجمة حكيم بسند له عن « علي بن غنام العامري » أنه ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة ، لكن الذي يعتقده الحاكم هو الذي نص على تواتر الأخبار به ، أما القائل بولادة حكيم فيها وهو « علي بن غنام العامري » فلم أجد له في الكتب الرجالية ذكرا ، فقيل : أن « غنام » مصحف « عثام » فهو أبو الحسن الكلابي المتوفى سنة 228 (12) فإن كان الأمر كما ذكر ، خرج الرجل عن الجهالة ، إلا أنه لا قيمة لخبره ، لأن المفروض كونه من رجال القرن الثالث ولا يدرى عمن يروي ذلك ؟ !
    وثانيا : نقله عن ابن أبي الحديد وكتابه « شرح نهج البلاغة » يفيد كون
____________
(11) المستدرك على الصحيحين 3 / 482 .
(12) انظر : مجلة « تراثنا » العدد 26 ، الولادة في الكعبة المعظمة فضيلة لعلي عليه السلام خصه بها رب البيت ، بقلم الفاضل المتتبع شاكر شبع .

(30)

المؤلف والمؤلف موثوقا به ومقبولا عنده ، لكونه قد زعم الالتزام بالكتب الموثوق بها والمقبولة فقط .
    وثالثا : الغرض من ذكره كلام ابن أبي الحديد بعد كلام الحاكم وسكوته عليه هو التشكيك في صحة ما نص عليه الحاكم ، ولكن كان من المناسب أن يعارض كلام الحاكم بكلام إمام من أئمة الحديث ، لا بكلام أديب مؤرخ خلط في كتابه بين الغث والسمين .
    ورابعا : كلام ابن أبي الحديد مردود ، فإن القول بولادة أمير المؤمنين عليه السلام في الكعبة هو قول عامة الشيعة لا كثير منهم .
    وقوله : « والمحدثون لا يعترفون بذلك » يرده كلام الحاكم ، وأيضا ، فقد نص على ولادته عليه السلام في الكعبة ، وتواتر الأخبار بذلك ، كثير من علماء أهل السنة من محدثين ومؤرخين ، منهم شاه ولي الله الدهلوي صاحب كتاب « إزالة الخفا » الذي هو من مصادر المؤلف .
    [ 4 ] إسلام علي عليه السلام
    قال في صفحة 29 :
    « ذكر ابن إسحاق : أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ جاء وهما ـ أي النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وخديجة رضي الله عنها ـ يصليان ، فقال علي : يا محمد ، ما هذا ؟ قال : دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله ، فأدعوك إلى الله وحدة لا شريك له ، وإلى عبادته ، وأن تكفر باللات والعزى .
    فقال علي : هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم ، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب ، فكره رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره ، فقال له : يا علي ، إذ لم تسلم فاكتم .
    فمكث علي تلك الليلة ، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام . . . » .
   
(31)

    أقول :
    هذا الخبر ينقله عن ابن إسحاق ، لكن مصدره : البداية والنهاية لابن كثير ، ج 3 ص 24 ، والذي في سيرة ابن هشام ـ التي هي تهذيب سيرة ابن إسحاق كما هو معلوم ـ :
    « ذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول ذكر أسلم . قال ابن إسحاق : ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين .
    وكان مما أنعم الله ( به ) على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قبل الإسلام .
    قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج ، قال : كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب ، وكان مما صنع الله له وأراد به من الخير : أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم للعباس عمه ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ : يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال . . . فأخذ رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ، فلم يزل على مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا ، فاتبعه علي رضي الله عنه وآمن به وصدقه ، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه .
    قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، خرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا . . . » .
   
(32)

    فالذي أورده عن « البداية والنهاية » غير موجود في سيرة ابن هشام ! والخبر الذي رواه ابن إسحاق بإسناده عن مجاهد ، أورده المؤلف عن تاريخ الطبري بسنده عن مجاهد ! ثم قال في الهامش : « والحكاية عند محمد بن إسحاق أيضا » والذي جاء في السيرة لابن هشام أنه « قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم . . . » أورده المؤلف عن ابن إسحاق تحت عنوان « بين علي وأبي طالب » ! !
    فالملاحظ : أنه يذكر شيئا عن ابن إسحاق بواسطة ابن كثير الدمشقي وهو غير موجود في السيرة الهشامية ، والذي فيه لا يورده . . . ! !
    وشيء موجود عند ابن إسحاق يذكره عن الطبري ولا يورده عن ابن إسحاق ، وشيء يورده عنه ولكن تحت عنوان مخترع من عنده ! !
    والمهم أن نقارن بين الذي في السيرة لابن هشام عن ابن إسحاق ، والذي ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق ، ثم نسأل المؤلف عما دعاه إلى اعتماد نقل ابن كثير دون ما جاء في نفس سيرة ابن إسحاق ؟ !
    هذا ، وقد سبق ابن الأثير في « أسد الغابة » ابن كثير في هذا الذي أورده معزوا إلى ابن إسحاق ، ولا أستبعد أن يكون ابن كثير قد أخذ المطلب من « أسد الغابة » بلا مراجعة لسيرة ابن إسحاق .
    ثم إن المؤلف بعد ما رأى نفسه مضطرا إلى الاعتراف بأن عليا أول من أسلم ، قال في صفحة 30 :
    « وهو ما تدل عليه القرائن وطبيعة الأشياء ، فإنه رضي الله عنه نشأ في أحضان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وفي البيئة النبوية التي احتضنت الدعوة إلى الإسلام ، وتبليغ رسالات الله إلى كافة الأنام ، والخضوع لتأثيرها ـ إذا لم يكن مانع قاسر أو طبيعة منحرفة قاسية وحاشا عليا عن ذلك ـ شيء طبيعي » .
    إذن ، كان إسلام علي عليه السلام على أثر وجوده في هذه البيئة ،
   
(33)

والخضوع لتأثيرها شيء طبيعي ، فالفضل للبيئة التي أثرت فيه وحملته على الخضوع . . . ! ! هذا معنى كلامه ، ويشهد بذلك عبارته بعد هذا حيث قال :
    « وقد جمع بعض المحققين والباحثين بين الروايات بأنه كان أول النساء وأهل البيت إسلاما خديجة أم المؤمنين ، وأول الرجال الواعين الناضجين إسلاما أو بكر الصديق ، وأول الصغار والأحداث إسلاما علي بن أبي طالب . والأول أقرب إلى القياس ، والله أعلم » .
    فإسلام علي عليه السلام كان إسلام تأثر بالبيئة ، لا إسلام نضوج ! ! وهنا يأتي هذا السؤال :
    إذا كان إسلام علي عن تأثير البيئة ، ولم يكن عن وعي ونضج ، فما تصنع بـ « حديث الانذار » الصريح في خلافة علي بعد النبي فضلا عن صحة إسلامه ؟ !
    فيضطر المؤلف إلى التعرض للحديث ، لكن باختصار ! ! وفي الهامش ! ! ثم التشكيك في صحته ! ! فيقول :
    « وقد جاءت قصة ضيافة بني عبد المطلب وصنع الطعام لهم ، وقيام علي ابن أبي طالب بذلك على أثر نزول آية ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ودعوة رسول الله بني عبد المطلب إلى الإسلام ، ورد أبي لهب على ذلك ردا قبيحا ، واستجابة علي ومؤازرته لرسول الله ، وما تكلم به الرسول ، في بعض كتب السيرة ، وسردها ابن كثير بطولها في كتابه البداية والنهاية 3 / 39 ـ 40 ، وتكلم في بعض رواتها ، وفيها ما يشكك في صحتها وضبطها » .
    فأقول للمؤلف :
    إن قصة يوم الانذار وحديث بدء الدعوة المحمدية من أهم الأحداث الخالدة في تاريخ الإسلام ، ومن أسمى أيام ومواقف أمير المؤمنين في كل حياته الكريمة وسيرته المشرفة . . فكيف تغفل ذكرها كما هي واردة في « الكتب
   
(34)

القديمة الموثوق بها » كما وصفت تلك الكتب والتزمت بالنقل عنها ؟ !
    أهكذا يكتب عن سيرة « هذه الشخصية المظلومة أو المهضومة حقها ، شخصية سيدنا علي بن أبي طالب ، التي تراكمت عليها حجب كثيفة على مدى القرون والأجيال ، لأسباب مذهبية طائفية ونفسية ، ولم ينصف لها حق الإنصاف » كما عرفتها ؟ !
    وكيف تقول : « وقد جاءت قصة . . . في بعض كتب السيرة » والحال أن الشيخ علي المتقي الهندي وحده أوردها في كتابه « كنز العمال » ـ وهذا الكتاب من المصادر التي نقلت عنها في كتابك ـ عن : أحمد بن حنبل ، والطحاوي ، وابن إسحاق ، ومحمد بن جرير الطبري ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والضياء المقدسي ؟ ! (13) .
    ثم إن المتقي ينص على أن ابن جرير الطبري صحح هذا الحديث ، كما أن الضياء المقدسي يراه صحيحا لأنه أخرجه في كتابه « المختارة » الذي التزم فيه بالصحة ، فما بالك تركت كل هؤلاء وقلت : « وسردها ابن كثير بطولها في كتابه البداية والنهاية 3 / 39 ـ 40 ، وتكلم في بعض رواتها ، وفيها ما يشكك في صحتها وضبطها » ؟ ! !
    هذا ، ولنورد نص الرواية عن ابن إسحاق وابن جرير وجماعة : « عن علي ، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) دعاني رسول الله فقال : يا علي ، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني مهما أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمت عليها ، حتى جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك .
    فاصنع لي صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عسا من
____________
(13) كنز العمال 13 / 129 و 131 و 149 و 174 .
(35)

لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به .
    ففعلت ما أمرني به ، ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلا ، يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه : أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، فلما وضعته تناول النبي جشب حزبة من اللحم ، فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : كلوا بسم الله .
    فأكل القوم حتى نهلوا عنه ، ما نرى إلا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم .
    ثم قال : اسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس ، فشربوا منه حتى رووا جميعا ، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله .
    فلما أراد النبي أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم . فتفرق القوم ، ولم يكلمهم النبي .
    فلما كان الغد فقال : يا علي ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا مثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ، ثم اجمعهم لي .
    ففعلت ثم جمعتهم . ثم دعاني بالطعام فقربته ففعل به كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي فقال :
    يا بني عبد المطلب ، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على أمري هذا ؟
    فقلت ـ وأنا أحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا ـ : أنا يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه
    فأخذ برقبتي فقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .
    فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع
   
(36)

لعلي .
    ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل » (14) .
    في هذه الرواية دلالة على :
    1 ـ إن عليا عليه السلام ـ على صغر سنة ـ كان في أعلى درجات الوعي والنضج ، ولا يقاس به أحد من الذين أسلموا من بعده . . .
    2 ـ إن عليا عليه السلام هو الذي صنع الطعام ـ بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الذي دعا القوم وأطعمهم وسقاهم . . .
    3 ـ إن عليا عليه السلام أخو النبي ووصيه وخليفته في المسلمين . . وإنه يجب إطاعته والتسليم له عليهم جميعا . . منذ ذلك الحين . . .
    ولهذه الأمور ـ لا غير ـ يشكك بعض القوم في صحة الخبر . . كابن كثير ! . . وينكر ابن تيمية وجوده في الصحاح والمسانيد بالرغم من وجوده في مسند أحمد ! . . ويحذفه محمد حسين هيكل من كتابه في الطبعة الثانية بعد أن أثبته في الأولى ! . . ويستهين به مؤلفنا في كتابه الذي ألفه أداء لحق المرتضى ! ! . .
    [ 5 ] بين علي وأبي طالب
    وهذا عنوان يقصد به الغض من أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد جاء في صفحة 30 تحت هذا العنوان ما نصه :
    « قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب . . . » .
____________
(14) كنز العمال 13 / 131 ـ 133 .
(37)

أقول :
    أولا : كيف ينقل هذا عن ابن إسحاق ، ويعتمد عليه ، ولا ينقل عنه ـ ولا عن غيره ـ قصة يوم الانذار ؟ !
    وثانيا : كيف يعتمد على مثل هذا الخبر المنقول عن « بعض أهل العلم » ولم يعلم من هو ؟ ! بل يعتمد على تكلم ابن كثير في بعض رواة حديث يوم الانذار مع وروده في مسند أحمد ، وتصحيح الطبري وغيره له ؟ !
   
(38)

الفصل الثاني
علي في المدينة

    [ 6 ] المؤاخاة
    جاء في الكتاب ، صفحة 39 ، تحت هذا العنوان ما نصه :
    « جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد : آخى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بين علي بن أبي طالب وسهل بن حنيف .
    وقال ابن كثير : آخى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بينه وبين سهل ابن حنيف . وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم آخى بينه وبين نفسه ، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شيء منها لضعف أسانيدها وركة بعض متونها (1) » .
    أقول :
    أولا : إن من يقرأ هذا النص المنقول عن ابن كثير ، ابتداء بكلمة « آخى النبي » وانتهاء بكلمة « متونها » ثم ينظر إلى وضع رقم الهامش على كلمة « متونها » والإرجاع في الهامش إلى البداية والنهاية 3 / 226 ـ 227 ، لا يفهم إلا كون هذا الكلام لابن كثير . . .
    إلا أنا لما راجعنا الجزء والصفحة المذكورتين وجدنا عنوان ابن كثير هكذا : « فصل في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار » ولم نجد فيه هذا النص المذكور في كتاب المؤلف ! ! . . . ومن شاء فليراجع . . .
    وثانيا : إذا كان قد « ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن
   
(39)

رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم آخى بينه وبين نفسه » فلماذا لم تذكر عبارة ابن إسحاق ولم تعتمد على نقله ، وأنت معتمد عليه في الموارد الأخرى حتى مع الجهل برواة الخبر عنده ؟ !
   \ وثالثا : إن أخوة أمير المؤمنين عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة قبل يوم المؤاخاة ، ففي أخبار حديث يوم الانذار : أن النبي جعله أخا له . . .
    ومن ذلك ما أخرجه أحمد في « المسند » بسند صحيح ، فقد رواه عن عفان ، ثنا أبو عوانة ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبي صادق ، عن ربيعة بن ناجذ ، عن علي رضي الله عنه ، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ـ أو : دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ـ بني عبد المطلب ، فيهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق .
    قال : فصنع لهم مدا من طعام ، فأكلوا حتى شبعوا . قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس ، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا ، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب . فقال : يا بني عبد المطلب ، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس بعامة ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم : فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ قال : فلم يقم إليه أحد ، قال : فقمت إليه وكنت أصغر القوم . قال : فقال : اجلس . قال ثلاث مرات ، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي : اجلس ، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي » (15) .
    هذا ، ولو أردنا إيراد نصوص المؤاخاة لطال بنا المقام ، فراجع الترمذي في فضائل الإمام عليه السلام ، حيث أخرجه عن ابن عمر وحسنه ، وكذا الحاكم عن ابن عمر ، وجاء في الاستيعاب بترجمته عليه السلام : « وروينا من وجوه عن علي أنه كان يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله ، لا يقولها أحد غيري إلا كذاب » .
____________
(15) مسند أحمد 1 / 159 .
(40)

[ 7 ] زواج علي بفاطمة
    قال في صفحة 39 :
    « وفي السنة الثانية من الهجرة زوج رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بنته فاطمة عليا كرم الله وجهه ، وقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لفاطمة : قد أنكحتك أحب أهل بيتي إلي ، ودعا لها ، ونضح عليها من الماء » .
    أقول :
    نقل هذا عن « إزالة الخفاء » : 254 ، وهذا الكتاب من تأليف الشيخ ولي الله الدهلوي ـ المتوفى سنة 1176 هـ ـ ولست أدري لماذا لم ينقل عن الكتب القديمة الموثوق بها كما قال ؟ !
    فقد ورد في المصادر القديمة المعتبرة عندهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لها حين زوجها منه :
    « زوجتك خير أمتي ، أعلمهم علما ، وأفضلهم حلما ، وأولهم سلما » (16) .
    [ 8 ] جنايات المؤلف على أحاديث الفضائل
    هذا . . ولا يخفى على من يطالع كتاب المؤلف جناياته على أحاديث فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام المروية في المصادر القديمة المعتبرة عند القوم ، فهو بالإضافة إلى عدم ذكره كثيرا من مواقف الإمام عليه السلام ، وإلى جنايته على حديث يوم الانذار ، وحديث المؤاخاة . . . أغفل ذكر ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقه يوم الخندق ، ولم يذكر حديث الراية
____________
(16) مسند أحمد 5 / 26 ، مجمع الزوائد 9 / 101 و 114 ، الاستيعاب 3 / 1099 ، الرياض النضرة 2 / 194 .
(41)

يوم خيبر بصورة كاملة ، وكذا حديث المنزلة الذي قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدى خروجه إلى تبوك ، ولم يأت من خبر « حجة الوداع وخطبة غدير خم » بشيء حيث عنون ذلك ، إلا أنه قال : « فلما وصل إلى غدير خم خطب وذكر فيها فضل علي رضي الله عنه وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » ! !
    ثم إنه أضاف بالنسبة إلى حديث « من كنت مولاه » :
    « وكان سبب ذلك أن بعض الناس كانوا قد اشتكوا عليا وعتبوا عليه ، وتكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن ، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا ، والصواب كان مع علي في ذلك » .
    أقول :
    وهذا نفس ما يتقول به النواصب في هذا المقام ! !
    غير إن المؤلف تفضل ! ! فقال : « والصواب كان مع علي في ذلك » ليوهم أنه ليس منهم ! !
    وعلى كل حال ، فقد اضطرب المخالفون لأمير المؤمنين والمنكرون فضائله ومناقبه الصريحة في أفضليته والدالة على خلافته بعد النبي بلا فصل . . . تجاه ما ورد من ذلك في كتب السنة . . . وفي خصوص حديث الغدير . . . تجد بعضهم يقدح في سنده ، وآخر يسلم السند ويقدح في الدلالة ، وثالث يرى أن لا جدوى في شيء من ذلك فينكر وجود علي مع النبي في حجة الوداع ، ورابع لما وجد الحديث متواترا ودلالته ثابتة وأن وجود علي في الغدير لا ينكر . . . عمد إلى دعوى أن الحديث وارد في قضية خاصة ومناسبة معينة ، فاضطربوا هذه المرة في تحديد تلك القضية والمناسبة :
    فبعضهم قال : إن قوما نقموا على علي بعض أموره . . .