الكعبة . وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : اختلف في مولد علي عليه السلام أين كان ؟ فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة ، والمحدثون لا يعترفون بذلك ، ويزعمون أن المولود في الكعبة : حكيم بن حزام بن خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي » .
أقول :
هنا نقاط :
أولا : كلام الحاكم بترجمة حكيم بن حزام هو : « تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة » هذا كلامه . وليس بعده « وولد حكيم بن حزام في الكعبة » كما لا يخفى على من راجع المستدرك
(11) ولعله من هنا لم يذكر المؤلف المصدر الذي نقل عنه هذا الكلام !
نعم ، نقل الحاكم بترجمة حكيم بسند له عن « علي بن غنام العامري » أنه ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة ، لكن الذي يعتقده الحاكم هو الذي نص على تواتر الأخبار به ، أما القائل بولادة حكيم فيها وهو « علي بن غنام العامري » فلم أجد له في الكتب الرجالية ذكرا ، فقيل : أن « غنام » مصحف « عثام » فهو أبو الحسن الكلابي المتوفى سنة 228
(12) فإن كان الأمر كما ذكر ، خرج الرجل عن الجهالة ، إلا أنه لا قيمة لخبره ، لأن المفروض كونه من رجال القرن الثالث ولا يدرى عمن يروي ذلك ؟ !
وثانيا : نقله عن ابن أبي الحديد وكتابه « شرح نهج البلاغة » يفيد كون
____________
(11) المستدرك على الصحيحين 3 / 482 .
(12) انظر : مجلة « تراثنا » العدد 26 ، الولادة في الكعبة المعظمة فضيلة لعلي عليه السلام خصه بها رب البيت ، بقلم الفاضل المتتبع شاكر شبع .
(30)
المؤلف والمؤلف موثوقا به ومقبولا عنده ، لكونه قد زعم الالتزام بالكتب الموثوق بها والمقبولة فقط .
وثالثا : الغرض من ذكره كلام ابن أبي الحديد بعد كلام الحاكم وسكوته عليه هو التشكيك في صحة ما نص عليه الحاكم ، ولكن كان من المناسب أن يعارض كلام الحاكم بكلام إمام من أئمة الحديث ، لا بكلام أديب مؤرخ خلط في كتابه بين الغث والسمين .
ورابعا : كلام ابن أبي الحديد مردود ، فإن القول بولادة أمير المؤمنين عليه السلام في الكعبة هو قول عامة الشيعة لا كثير منهم .
وقوله : « والمحدثون لا يعترفون بذلك » يرده كلام الحاكم ، وأيضا ، فقد نص على ولادته عليه السلام في الكعبة ، وتواتر الأخبار بذلك ، كثير من علماء أهل السنة من محدثين ومؤرخين ، منهم شاه ولي الله الدهلوي صاحب كتاب « إزالة الخفا » الذي هو من مصادر المؤلف .
[ 4 ] إسلام علي عليه السلام
قال في صفحة 29 :
« ذكر ابن إسحاق : أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ جاء وهما ـ أي النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وخديجة رضي الله عنها ـ يصليان ، فقال علي : يا محمد ، ما هذا ؟ قال : دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله ، فأدعوك إلى الله وحدة لا شريك له ، وإلى عبادته ، وأن تكفر باللات والعزى .
فقال علي : هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم ، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب ، فكره رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره ، فقال له : يا علي ، إذ لم تسلم فاكتم .
فمكث علي تلك الليلة ، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام . . . » .
(31)
أقول :
هذا الخبر ينقله عن ابن إسحاق ، لكن مصدره : البداية والنهاية لابن كثير ، ج 3 ص 24 ، والذي في سيرة ابن هشام ـ التي هي تهذيب سيرة ابن إسحاق كما هو معلوم ـ :
« ذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول ذكر أسلم . قال ابن إسحاق : ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين .
وكان مما أنعم الله ( به ) على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قبل الإسلام .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج ، قال : كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب ، وكان مما صنع الله له وأراد به من الخير : أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم للعباس عمه ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ : يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال . . . فأخذ رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ، فلم يزل على مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا ، فاتبعه علي رضي الله عنه وآمن به وصدقه ، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه .
قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، خرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا . . . » .
(32)
فالذي أورده عن « البداية والنهاية » غير موجود في سيرة ابن هشام ! والخبر الذي رواه ابن إسحاق بإسناده عن مجاهد ، أورده المؤلف عن تاريخ الطبري بسنده عن مجاهد ! ثم قال في الهامش : « والحكاية عند محمد بن إسحاق أيضا » والذي جاء في السيرة لابن هشام أنه « قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم . . . » أورده المؤلف عن ابن إسحاق تحت عنوان « بين علي وأبي طالب » ! !
فالملاحظ : أنه يذكر شيئا عن ابن إسحاق بواسطة ابن كثير الدمشقي وهو غير موجود في السيرة الهشامية ، والذي فيه لا يورده . . . ! !
وشيء موجود عند ابن إسحاق يذكره عن الطبري ولا يورده عن ابن إسحاق ، وشيء يورده عنه ولكن تحت عنوان مخترع من عنده ! !
والمهم أن نقارن بين الذي في السيرة لابن هشام عن ابن إسحاق ، والذي ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق ، ثم نسأل المؤلف عما دعاه إلى اعتماد نقل ابن كثير دون ما جاء في نفس سيرة ابن إسحاق ؟ !
هذا ، وقد سبق ابن الأثير في « أسد الغابة » ابن كثير في هذا الذي أورده معزوا إلى ابن إسحاق ، ولا أستبعد أن يكون ابن كثير قد أخذ المطلب من « أسد الغابة » بلا مراجعة لسيرة ابن إسحاق .
ثم إن المؤلف بعد ما رأى نفسه مضطرا إلى الاعتراف بأن عليا أول من أسلم ، قال في صفحة 30 :
« وهو ما تدل عليه القرائن وطبيعة الأشياء ، فإنه رضي الله عنه نشأ في أحضان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وفي البيئة النبوية التي احتضنت الدعوة إلى الإسلام ، وتبليغ رسالات الله إلى كافة الأنام ، والخضوع لتأثيرها ـ إذا لم يكن مانع قاسر أو طبيعة منحرفة قاسية وحاشا عليا عن ذلك ـ شيء طبيعي » .
إذن ، كان إسلام علي عليه السلام على أثر وجوده في هذه البيئة ،
(33)
والخضوع لتأثيرها شيء طبيعي ، فالفضل للبيئة التي أثرت فيه وحملته على الخضوع . . . ! ! هذا معنى كلامه ، ويشهد بذلك عبارته بعد هذا حيث قال :
« وقد جمع بعض المحققين والباحثين بين الروايات بأنه كان أول النساء وأهل البيت إسلاما خديجة أم المؤمنين ، وأول الرجال الواعين الناضجين إسلاما أو بكر الصديق ، وأول الصغار والأحداث إسلاما علي بن أبي طالب . والأول أقرب إلى القياس ، والله أعلم » .
فإسلام علي عليه السلام كان إسلام تأثر بالبيئة ، لا إسلام نضوج ! ! وهنا يأتي هذا السؤال :
إذا كان إسلام علي عن تأثير البيئة ، ولم يكن عن وعي ونضج ، فما تصنع بـ « حديث الانذار » الصريح في خلافة علي بعد النبي فضلا عن صحة إسلامه ؟ !
فيضطر المؤلف إلى التعرض للحديث ، لكن باختصار ! ! وفي الهامش ! ! ثم التشكيك في صحته ! ! فيقول :
« وقد جاءت قصة ضيافة بني عبد المطلب وصنع الطعام لهم ، وقيام علي ابن أبي طالب بذلك على أثر نزول آية (
وأنذر عشيرتك الأقربين ) ودعوة رسول الله بني عبد المطلب إلى الإسلام ، ورد أبي لهب على ذلك ردا قبيحا ، واستجابة علي ومؤازرته لرسول الله ، وما تكلم به الرسول ، في بعض كتب السيرة ، وسردها ابن كثير بطولها في كتابه البداية والنهاية 3 / 39 ـ 40 ، وتكلم في بعض رواتها ، وفيها ما يشكك في صحتها وضبطها » .
فأقول للمؤلف :
إن قصة يوم الانذار وحديث بدء الدعوة المحمدية من أهم الأحداث الخالدة في تاريخ الإسلام ، ومن أسمى أيام ومواقف أمير المؤمنين في كل حياته الكريمة وسيرته المشرفة . . فكيف تغفل ذكرها كما هي واردة في « الكتب
(34)
القديمة الموثوق بها » كما وصفت تلك الكتب والتزمت بالنقل عنها ؟ !
أهكذا يكتب عن سيرة « هذه الشخصية المظلومة أو المهضومة حقها ، شخصية سيدنا علي بن أبي طالب ، التي تراكمت عليها حجب كثيفة على مدى القرون والأجيال ، لأسباب مذهبية طائفية ونفسية ، ولم ينصف لها حق الإنصاف » كما عرفتها ؟ !
وكيف تقول : « وقد جاءت قصة . . . في بعض كتب السيرة » والحال أن الشيخ علي المتقي الهندي وحده أوردها في كتابه « كنز العمال » ـ وهذا الكتاب من المصادر التي نقلت عنها في كتابك ـ عن : أحمد بن حنبل ، والطحاوي ، وابن إسحاق ، ومحمد بن جرير الطبري ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والضياء المقدسي ؟ !
(13) .
ثم إن المتقي ينص على أن ابن جرير الطبري صحح هذا الحديث ، كما أن الضياء المقدسي يراه صحيحا لأنه أخرجه في كتابه « المختارة » الذي التزم فيه بالصحة ، فما بالك تركت كل هؤلاء وقلت : « وسردها ابن كثير بطولها في كتابه البداية والنهاية 3 / 39 ـ 40 ، وتكلم في بعض رواتها ، وفيها ما يشكك في صحتها وضبطها » ؟ ! !
هذا ، ولنورد نص الرواية عن ابن إسحاق وابن جرير وجماعة : « عن علي ، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم (
وأنذر عشيرتك الأقربين ) دعاني رسول الله فقال : يا علي ، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني مهما أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمت عليها ، حتى جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك .
فاصنع لي صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عسا من
____________
(13) كنز العمال 13 / 129 و 131 و 149 و 174 .
(35)
لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به .
ففعلت ما أمرني به ، ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلا ، يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه : أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، فلما وضعته تناول النبي جشب حزبة من اللحم ، فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : كلوا بسم الله .
فأكل القوم حتى نهلوا عنه ، ما نرى إلا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم .
ثم قال : اسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس ، فشربوا منه حتى رووا جميعا ، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله .
فلما أراد النبي أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم . فتفرق القوم ، ولم يكلمهم النبي .
فلما كان الغد فقال : يا علي ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا مثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ، ثم اجمعهم لي .
ففعلت ثم جمعتهم . ثم دعاني بالطعام فقربته ففعل به كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي فقال :
يا بني عبد المطلب ، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على أمري هذا ؟
فقلت ـ وأنا أحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا ـ : أنا يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه
فأخذ برقبتي فقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .
فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع
(36)
لعلي .
ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل »
(14) .
في هذه الرواية دلالة على :
1 ـ إن عليا عليه السلام ـ على صغر سنة ـ كان في أعلى درجات الوعي والنضج ، ولا يقاس به أحد من الذين أسلموا من بعده . . .
2 ـ إن عليا عليه السلام هو الذي صنع الطعام ـ بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الذي دعا القوم وأطعمهم وسقاهم . . .
3 ـ إن عليا عليه السلام أخو النبي ووصيه وخليفته في المسلمين . . وإنه يجب إطاعته والتسليم له عليهم جميعا . . منذ ذلك الحين . . .
ولهذه الأمور ـ لا غير ـ يشكك بعض القوم في صحة الخبر . . كابن كثير ! . . وينكر ابن تيمية وجوده في الصحاح والمسانيد بالرغم من وجوده في مسند أحمد ! . . ويحذفه محمد حسين هيكل من كتابه في الطبعة الثانية بعد أن أثبته في الأولى ! . . ويستهين به مؤلفنا في كتابه الذي ألفه أداء لحق
المرتضى ! ! . .
[ 5 ] بين علي وأبي طالب
وهذا عنوان يقصد به الغض من أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد جاء في صفحة 30 تحت هذا العنوان ما نصه :
« قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب . . . » .
____________
(14) كنز العمال 13 / 131 ـ 133 .
(37)
أقول :
أولا : كيف ينقل هذا عن ابن إسحاق ، ويعتمد عليه ، ولا ينقل عنه ـ ولا عن غيره ـ قصة يوم الانذار ؟ !
وثانيا : كيف يعتمد على مثل هذا الخبر المنقول عن « بعض أهل العلم » ولم يعلم من هو ؟ ! بل يعتمد على تكلم ابن كثير في بعض رواة حديث يوم الانذار مع وروده في مسند أحمد ، وتصحيح الطبري وغيره له ؟ !
(38)
الفصل الثاني
علي في المدينة