تطور الفقه عند الشيعة |
الشيخ جعفر السبحاني
( نشأته العلمية ، أساتذته وتلاميذه ، تآليفه القيمة ، حديث عن كتاب
المهذب ).
قد سبق منا البحث في العدد السابق من هذه النشرة عن تطور الفقه
عند الشيعة الامامية في القرنين : الرابع والخامس ، وقمنا بترجمة الاقطاب الثلاثة
منهم الذين ساهموا في تطوير الفقه وتكامله والآن نلفت نظر القارئ إلى رابعهم
ونقول :
الرابع : الشيخ سعد الدين أبوالقاسم عبدالعزيز بن نحرير بن عبدالعزيز بن
براج الطرابلسي ، تلميذ السيد المرتضى ، وزميل الشيخ الطوسي أو تلميذه المعروف
بالقاضي تارة ، وبابن البراج اخرى ، فقيه عصره ، وقاضي زمانه وخليفة الشيخ
في الشامات.
وهو أحد الفقهاء الابطال في القرن الخامس بعد شيخيه : المرتضى والطوسي ،
صاحب كتاب « المهذب » في الفقه وغيره من الآثار الفقهية فهو ـ قدس سره ـ اقتفى
خطوات شيخ الطائفة من حيث التبويب والتفريع ، ويعد الكتاب من الموسوعات
الفقهية البديعة في عصره.
وهذا الكتاب هو الذي يزفه الطبع إلى القراء الكرام في العالم الاسلامي ،
وسوف تقف على مكانة الكتاب وكيفية التصحيح والتحقيق في آخر هذه المقدمة.
ولأجل ذلك يجب علينا البحث عن المؤلف والكتاب حسبما وقفنا عليه في
وقبل كل شيء نذكر أقوال أئمة الرجال والتراجم في حقه ، فنقول :
1 ـ يقول الشيخ منتجب الدين في الفهرس عنه : القاضي سعد الدين
أبوالقاسم عبدالعزيز بن نحرير بن عبدالعزيز بن براج ، وجه الاصحاب ، وفقيهم ، وكان
قاضيا بطرابلس ، وله مصنفات ، منها : « المهذب » و « المعتمد » و « الروضة » و
« المقرب » و« عماد المحتاج في مناسك الحاج » أخبرنا بها الوالد ، عن والده ، عنه ( 1 ) .
2 ـ ويقول ابن شهر آشوب في « معالم العلماء » ( 2 ) : أبوالقاسم عبدالعزيز بن
نحرير بن عبدالعزيز ، المعروف بابن البراج ، من غلمان ( 3 ) المرتضى رضي الله عنه ، له
كتب في الاصول والفروع ، فمن الفروع : الجواهر ، المعالم ، المنهاج ، الكامل ، روضة
النفس في أحكام العبادات الخمس ، المقرب ، المهذب ، التعريف ، شرح جمل العلم
والعمل للمرتضى رحمه الله ( 4 ) .
3 ـ وقال الشهيد في بعض مجاميعه ـ في بيان تلامذة السيد المرتضى : ومنهم
أبوالقاسم عبدالعزيز بن نحرير بن براج ، وكان قاضي طرابلس ، ولاه القاضي جلال
الملك رحمه الله.
وكان استاذ أبي الفتح الصيداوي ، وابن رزح [ كذا ] ، من أصحابنا.
وقال الشيخ علي الكركي في إجازته للشيخ برهان الدين أبي إسحاق
إبراهيم بن علي ـ في حق ابن البراج: : الشيخ السعيد ، خليفة الشيخ الامام أبي جعفر
محمد بن الحسن الطوسي بالبلاد الشامية ، عز الدين عبدالعزيز بن نحرير بن البراج
قدس سره ( 5 ) .
4 ـ وقال بعض تلامذة الشيخ علي الكركي ، في رسالته المعمولة في ذكر
أسامي مشائخ الاصحاب : ومنهم الشيخ عبدالعزيز بن البراج الطرابلسي ، صنف
5 ـ وقال الافندي في الرياض : وقد وجدت منقولا عن خط الشيخ البهائي ،
عن خط الشهيد أنه تولى ابن البراج قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين سنة ،
وكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته على السيد المرتضى كل شهر إثناء دينارا
ولابن البراج كل شهر ثمانية دنانير ، وكان السيد المرتضى يجري على تلامذته جميعا.
6 ـ ونقل عن بعض الفضلاء أن ابن البراج قرأ على السيد المرتضى في شهور
سنة تسع وعشرين وأربعمائة إلى أن مات المرتضى ، وأكمل قراءته على الشيخ الطوسي ،
وعاد إلى طرابلس في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة ، وأقام بها إلى أن مات ليلة
الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وقد نيف
على الثمانين ( 6 )
7 ـ ونقل صاحب الروضات عن « أربعين الشهيد » ، نقلا عن خط صفي
الدين المعد الموسوي : إن سيدنا المرتضى ـ رضي الله عنه ـ كان يجري على تلامذته
رزقاً ، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله أيام قراءته عليه كل شهر إثنا عشر
دينارا وللقاضي كل شهر ثمانية دنانير ، وكان وقف قرية على كاغذ الفقهاء ( 7 ) .
8 ـ وقال عنه التفريشي في رجاله : فقيه الشيعة الملقب بالقاضي ، وكان
قاضيا بطرابلس ( 8 ) .
9 ـ وقام المولى نظام الدين القريشي في نظام الاقوال : عبدالعزيز ابن البراج ،
أبوالقاسم ، شيخ من أصحابنا ، قرأ على المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين وأربعمائة وكمل قراءته على الشيخ الطوسي ، وعبر عنه بعض ـ كالشهيد في الدروس وغيره ـ بالقاضي ، لانه ولي قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين ، مات ليلة الجمعة
لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ( 9 ) .
10 ـ وقال الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل:... وجه الأصحاب
11 ـ وقال المجلسي في أول البحار : وكتاب المهذب وكتاب الكامل وكتاب
جواهر الفقه للشيخ الحسن المنهاج ، عبدالعزيز بن البراج ، وكتب الشيخ الجليل ابن
البراج كمؤلفها في غاية الاعتبار ( 11 ) .
12 ـ وقال التستري في مقابس الانوار : الفاضل الكامل ، المحقق المدقق ،
الحائز للمفاخر والمكارم ومحاسن المراسم ، الشيخ سعد الدين وعز المؤمنين ، أبوالقاسم
عبدالعزيز بن نحرير بن عبدالعزيز بن البراج الطرابلسي الشامي نور الله مرقده السامي ،
وهو من غلمان المرتضى ، وكان خصيصا بالشيخ وتلمذ عليه وصار خليفته في البلاد
الشامية ، وروى عنه وعن الحلبي ، وربما استظهر تلمذته على الكراجكي وروايته عنه
أيضا ( 12 ) .
وصنف الشيخ له ـ بعد سؤاله ـ جملة من كتبه معبرا عنه في أوائلها بالشيخ
الفاضل ، وهو المقصود به والمعهود ، كما صرح به الراوندي في « حل المعقود » ، وكتب
الشيخ أجوبة مسائل له أيضا ، وكان من مشائخ ابن أبي كامل ، والشيخ حسكا ،
والشيخ عبدالجبار ، والشيخ محمد بن علي بن محسن الحلبي ، وروى عنه ابناه الاستاذان
أبو القاسم وأبو جعفر اللذان يروي عنهما القطب الراوندي وابن شهر آشوب والسروي
وغيرهم ، وله كتب منها : المهذب ، والجواهر ، وشرح جمل المرتضى ، والكامل ، وروضة النفس ، والمعالم والمقرب ، والمعتمد ، والمنهاج وعماد المحتاج في مناسك
الحاج ، والموجز ، وغيرها ، ولم أقف إلا على الثلاثة الاول ، ويعبر عنه كثيرا بابن
البراج ( 13 ) .
13 ـ وقال المتتبع النوري:... الفقيه العالم الجليل ، القاضي في طرابلس
الشام في مدة عشرين سنة ، تلميذ علم الهدى وشيخ الطائفة ، وكان يجري السيد عليه
14 ـ وقال السيد الامين العاملي : وجه الاصحاب ، وكان قاضيا بطرابلس ،
وله مصنفات،... كتاب في الكلام ، وكان في زمن بني عمار ( 15 ) .
15 ـ وقال الحجة السيد الصدر عنه : القاضي ابن البراج ، هو الشيخ
أبوالقاسم عبدالعزيز بن نحرير بن عبدالعزيز بن البراج ، وجه الاصحاب وفقيهم ،
إمام في الفقه ، واسع العلم ، كثير التصنيف ، كان من خواص تلامذة السيد المرتضى ،
حضر عالي مجلس السيد في شهور سنة 429 إلى أن توفي السيد.
ثم لازم شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي حتى صار خليفة الشيخ وواحد أهل
الفقه ، فولاه جلال الملك قضاء طرابلس سنة 438 ، وأقام بها إلى أن مات ليلة
الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، وقد نيف على الثمانين ،
وكان مولده بمصر وبها منشأه ( 16 ) .
إلى غير ذلك من الكلمات المشابهة والمتردافة الواردة في كتب التراجم
والرجال التي تعرف مكانة الرجل ومرتبته في الفقه وكونه أحد أعيان الطائفة في
عصره ، وقاضيا من قضاتهم في طرابلس.
غير أن من المؤسف أن أرباب التراجم الذين تناولوا ترجمة الرجل عمدوا إلى
نقل الكلمات حوله آخذين بعضهم من بعضهم من دون تحليل لشخصيته ، ومن دون
أن يشيروا إلى ناحية من نواحي حياته العلمية والاجتماعية.
ولاجل ذلك نحاول في هذه المقدمة القصيرة تسليط شيء من الضوء على
حياته ، وتحليلها حسبما يسمح لنا الوقت.
*
*
ميلاده : لم نقف على مصدريعين تاريخ ميلاد المترجم له على وجه دقيق ، غير
أن كلمة الرجاليين والمترجمين له اتفقت على أنه توفي عام 481 هـ وقد نيف
على الثمانين ، فعلى هذا فإن أغلب الظن أنه ـ رحمه الله ـ ولد عام 400 هـ أو قبل
هذا التاريخ بقليل.
وأما موطنه فقد نقل صاحب « رياض العلماء » عن بعض الفضلاء أنه
كان مولده بمصر ، وبها منشأه ( 17 ) .
وأخذ منه صاحب « المقابيس » كما عرفت ، ولكنه بعيد جدا.
والظاهر أنه شامي لا مصري ، ولو كان من الديار المصرية لزم أن ينتحل
المذهب الاسماعيلي ، وينسلك في سلك الاسماعيليين ، لان المذهب الرائج في مصر ـ
يومذاك ـ كان هو المذهب الاسماعيلي ، وكان الحكام هناك من الفاطميين يروجون
لذلك المذهب ، فلو كان المترجم له مصري المولد والمنشأ فهو بطبع الحال إذا لم يكن
سنيا ، يكون إسماعيليا ، وبما أنه يعد من أبطال فقهاء الشيعة الامامية لزم أن يشتهر
انتقاله من مذهب إلى مذهب ، ولذاع وبان ، مع أنه لم يذكر في حقه شيء من
هذا القبيل.
هذا هو القاضي أبوحنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي ، الفقيه الفاطمي
الاسماعيلي ، مؤلف كتاب « دعائم الاسلام » المتوفى في القاهرة في جمادى الثانية عام
363 هـ قد عاش بين الفاطميين وألف على مذهبهم ، ومات عليه ، وصلى عليه المعز
لدين الله.
فالظاهر أن ابن براج شامي ، وقد انتقل بعد تكميل دراسته إلى مولده ـ البلاد
الشامية ـ للقيام بواجباته ، وحفظ الشيعة من الرجوع إلى محاكم الآخرين.
*
*
قد وقفت في غضون كلمات الرجاليين والمترجمين أن السيد المرتضى كان
يجري الرزق على الشيخ الطوسي اثني عشر دينارا وعلى المؤلف ثمانية دنانير ، وهذا
يفيد أن المؤلف كان التلميذ الثاني من حيث المرتبة والبراعة بعد الشيخ الطوسي في
مجلس درس السيد المرتضى ، كيف وقد اشتغل الشيخ بالدراسة والتعلم قبله بخمسة
عشر عاما ، لانه تولد عام 400 هـ أو قبله بقليل وولد الشيخ الطوسي عام 485 هـ.
وحتى لو فرض أنهما كانا متساويين في العمر ومدة الدراسة ولكن براعة
الشيخ وتضلعه ونبوغه مما لا يكاد ينكر ، وعلى كل تقدير فالظاهر أن هذا السلوك
من السيد بالنسبة لتلميذيه كان بحسب الدرجة العلمية.
لقد حضر المؤلف درس السيد المرتضى ـ رحمه الله ـ عام 429 هـ ، وهو ابن
ثلاثين سنة أو ما يقاربه ، فقد استفاد من بحر علمه وحوزة درسه قرابة ثمان سنين ،
حيث أن المرتضى لبى دعوة ربه لخمس بقين من شهر ربيع الاول سنة 436 ( 18 ) .
فعندما لبى الاستاذ دعوة ربه ، حضر درس الشيخ إلى أن نصب قاضيا في
طرابلس عام 438 ، وعلى ذلك فقد استفاد من شيخه الثانى قرابة ثلاث سنوات ،
ومع ذلك كله فالحق أن القاضي ابن براج زميل الشيخ في الحقيقة ، وشريكه في التلمذ
على السيد المرتضى ، وأنه بعد ما لبى السيد المرتضى دعوة ربه وانتهت رئاسة الشيعة
ـ في بغداد ـ إلى الشيخ الطوسي ، حضر درس الشيخ الطوسي توحيدا للكلمة ، وتشرفا
وافتخارا ، كما قبل من جانبه الخلافة والنيابة في البلاد الشامية.
ويدل على أن ابن البراج كان زميلا للشيخ لا تلميذا له امور :
1 ـ عندما توفي استاذه السيد المرتضى رحمه الله ، كان القاضي ابن براج قد
بلغ مبلغا كبيرا من العمر ، يبلغ الطالب ـ في مثله ـ مرتبة الاجتهاد ، وهو قرابة
الاربعين ، فيبعد أن يكون حضوره في درس الشيخ الطوسي من باب التلمذ ، بل هو
2 ـ إن السيد المرتضى عمل كتابا باسم « جمل العلم والعمل » في الكلام
والفقه على وجه موجز ، ملقيا فيها الاصول والقواعد في فن الكلام والفقه.
وقد تولى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي شرح القسم الكلامي منه ،
وهو ما عبر عنه بـ « تمهيد الاصول » وقد طبع الكتاب بهذا الاسم وانتشر.
بينما تولى القاضي ابن براج ـ المترجم له ـ شرح القسم الفقهي.
ومن هذا يظهر زمالة هذين العلمين ، بعضهما لبعض في المجالات العلمية ،
فكل واحد يشرح قسما خاصا من كتاب استاذهما.
3 ـ إن شيخنا المؤلف ينقل في كتابه « شرح جمل العلم والعمل »
عند البحث عن جواز إخراج القيمة من الاجناس الزكوية ما هذا عبارته : « وقد ذكر
في ذلك ما أشار إليه صاحب الكتاب رضي الله عنه ، من الرواية الواردة ، من الدرهم
أو الثلثين ، والاحوط إخراجها بقيمة الوقت ، وهذا الذي استقر تحريرنا له مع شيخنا
أبي جعفر الطوسي ، ورأيت من علمائنا من يميل إلى ذلك » ( 19 ) .
وهذه العبارة تفيد زمالتهما في البحث والتحرير.
4 ـ نرى أن المؤلف عندما يطرح في كتابه « المهذب » آراء الشيخ يعقبه بنقد
بناء ومناقشة جريئة ، وهذا يعطي كونه زميلا للشيخ لا تلميذا آخذا ، ونأتي لذلك
بنموذجين :
أولا ـ فهو يكتب في كتاب الايمان من « المهذب » إذا ما حلف الرجل على
عدم أكل الحنطة فهل يحلف إذا أكلها دقيقا أولا ، ما هذا عبارته :
كان الشيخ أبوجعفر الطوسي ـ رحمه الله ـ قد قال لي يوما في الدرس : إن
أكلها على جهتها حنث ، وإن أكلها دقيقا أو سويقا لم يحنث.
فقلت له : ولم ذلك ؟ ! وعين الدقيق هي عين الحنطة ، وإنما تغيرت
بالتقطيع الذي هو الطحن.
فقال : قد تغيرت عما كانت عليه ، وإن كانت العين واحدة ، وهو حلف ان
لا يأكل ما هو مسمى بحنطة لا ما يسمى دقيقا.
فقلت له : هذا لم يجز في اليمين ، فلو حلف : لا أكلت هذه الحنطة ما دامت
تسمى حنطة ، كان الامر على ما ذكرت ، فإنما حلف أن لا يأكل هذه الحنطة أو من
هذه الحنطة.
فقال : على كل حال قد حلف أن لا يأكلها وهي على صفة ، وقد تغيرت
عن تلك الصفة ، فلم يحنث.
فقلت : الجواب هاهنا مثل ما ذكرته أولا ، وذلك : إن كنت تريد أنه حلف
أن لا يأكلها وهي على صفة ، أنه أراد على تلك الصفة ، فقد تقدم ما فيه ، فإن كنت
لم ترد ذلك فلا حجة فيه.
ثم يلزم على ما ذكرته أنه لو حلف أن لا يأكل هذا الخيار وهذا التفاح ، ثم
قشره وقطعه وأكله لم يحنث ، ولا شبهة في أنه يحنث.
فقال : من قال في الحنطة ما تقدم ، يقول في الخيار والتفاح مثله.
فقلت له : إذا قال في هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله بما ذكرته من
أن العين واحدة ، اللهم إلا إن شرط في يمينه أن لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح وهو
على ما هو عليه ، فإن الامر يكون على ما ذكرت ، وقد قلنا إن اليمين لم يتناول ذلك.
ثم قلت : إن الإحتياط يتناول ما ذكرته ، فأمسك ( 20 ) .
ثانياً ـ ما جاء في كتاب الطهارة ، عندما إذا اختلط المضاف بالماء المطلق
وكانا متساويين في المقدار ، فذهب القاضي إلى أنه لا يجوز استعماله في رفع الحدث ،
ولا إزالة النجاسة ، ويجوز في غير ذلك ، ثم قال :
وقد كان الشيخ أبوجعفر الطوسي ـ رحمه الله ـ قال لي يوما في الدرس : هذا
الماء يجوز استعماله في الطهارة وإزالة النجاسة.
فقلت له : ولم أجزت ذلك مع تساويهما ·
فقال : إنما أجزت ذلك لان الاصل الاباحة.
فقلت له : الاصل وإن كان هو الاباحة ، فأنت تعلم أن المكلف مأخوذ بأن
لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه إلا بالماء المطلق ، فتقول أنت : بأن هذا الماء مطلق ؟ !
فقال : أفتقول أنت بأنه غير مطلق ؟
فقلت له : أنت تعلم أن الواجب أن تجيبني عما سألتك عنه قبل أن تسألني بـ
« لا » او « نعم » ثم تسألني عما أردت ، ثم إنني أقول بأنه غير مطلق.
فقال : ألست تقول فيها إذا اختلطا وكان الاغلب والاكثر المطلق فهما
مع التساوي كذلك ·
فقلت له : إنما أقول بأنه مطلق إذا كان المطلق هو الاكثر والاغلب ، لان
ما ليس بمطلق لم يؤثر في إطلاق اسم الماء عليه ، ومع التساوي قد اثر في إطلاق
هذا الاسم عليه ، فلا أقول فيه بأنه مطلق ، ولهذا لم تقل أنت بأنه مطلق ، وقلت فيه
بذلك إذا كان المطلق هو الاكثر والاغلب ، ثم إن دليل الاحتياط تناول ما ذكرته ،
فعاد إلى الدرس ولم يذكر فيه شيئا ( 21 ) .
وهذا المنط من البحث والنقاش والاخذ والرد في أثناء الدرس يرشد إلى
مكانة القاضي في درس الشيخ الطوسي وأن منزلته لم تكن منزلة التلميذ بل كان
رجلا مجتهدا ذا رأي ربما قدر على إقناع استاذه وإلزامه برأيه.
5 ـ إن الناظر في ثنايا كتاب « المهذب » يرى بأن المؤلف ـ المترجم له ـ يعبر
عن استاذه السيد المرتضى بلفظة « شيخنا » بينما يعبر عن الشيخ الطوسي بلفظة
« الشيخ أبوجعفر الطوسي » لا بـ « شيخنا » والفارق بين التعبيرين واضح وبين.
وهذا وإن لم يكن قاعدة مطردة في هذا الكتاب إلا انها
قاعدة غالبية. نعم عبر في « شرح جمل العلم والعمل » عنه بـ « شيخنا » كما نقلناه.
6 ـ ينقل هو رأي الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ بلفظ « ذكر » أي قيل ، وقد
وجدنا موارده في مبسوط الشيخ ـ رحمه الله ـ ونهايته.
ولا شك أن هذا التعبير يناسب تعبير الزميل عن الزميل لا حكاية التلميذ عن
استاذه.
وعلى كل تقدير فرحم الله الشيخ والقاضي بما أسديا إلى الامة من الخدمات
العلمية ، ووفقنا للقيام بواجبنا تجاه هذين العلمين ، والطودين الشامخين ، سواء أكانا
زميلين أو أستاذا وتلميذا.
لقد نقل صاحب المعالم عن والده ـ الشهيد الثاني ـ رحمه الله بأن أكثر
الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه
وحسن ظنهم به ، فلما جاء المتأخّرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ
ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء ، وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ وأن الشهرة إنما
حصلت بمتابعته.
قال الوالد ـ قدس الله نفسه: : وممن اطلع على هذا الذي تبينته وتحققته من
غير تقليد : الشيخ الفاضل المحقق سديد الدين محمود الحمصي ، والسيد رضي الدين بن طاووس ، وجماعة.
وقال السيد ـ رحمه الله ـ في كتابه المسمى بـ « البهجة لثمرة المهجة » : أخبرني
جدي الصالح ـ قدس الله روحه ـ ورام بن أبي فراس ـ قدس الله روحه ـ أن الحمصي
حدثه أنه لم يبق مفت للامامية على التحقيق بل كلهم حاك ، وقال السيد عقيب
ذلك : والان فقد ظهر لي أن الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام
المتقدمين ( 22 ) .
ولكن هذا الكلام على إطلاقه غير تام ، لما نرى من أن ابن البراج قد عاش
بعد الشيخ أزيد من عشرين سنة ، وألف بعض كتبه كالمهذب بعد وفاة الشيخ
وناقش آراءه بوضوح ، فعند ذلك لا يستقيم هذا القول على إطلاقه : « لم يبق مفت
للامامية على التحقيق بل كلهم حاك ».
وخلاصة القول أن في الكلام المذكور نوع مبالغة ، لوجود مثل هذا البطل
العظيم ، وهذا الفقيه البارع.
قد عرفت مكانة الشيخ ومنزلته العلمية ، فقد كان الشيخ الطوسي ينظر إليه بنظر
الاكبار والاجلال ، ولاجل ذلك نرى أن الشيخ ألف بعض كتبه لاجل التماسه
فها هو الشيخ الطوسي يصرح في كتابه « المفصح في إمامة أمير المؤمنين » ، بأنه
ألف هذا الكتاب لاجل سؤال الشيخ ابن البراج منه ، فيقول :
سألت أيها الشيخ الفاضل ـ أطال الله بقاءك وأدام تأييدك ـ إملاء كلام
في صحة إمامة أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب ، صلوات الله عليه ( 23 ) .
كما أنه ألف كتابه « الجمل والعقود » بسؤاله أيضا حيث قال :
أما بعد فأنا مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل ـ أدام الله بقاءه ، من إملاء
مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات ( 24 ) .
ونرى أنه ألف كتابه الثالث « الايجاز في الفرائض والمواريث » بسؤال
الشيخ أيضا فيقول :
سألت أيدك الله إملاء مختصر في الفرائض والمواريث ( 25 ) .
ولم يكتف الشيخ بذلك ، فألف رجاله بالتماس هذا الشيخ أيضا إذ يقول :
أما بعد فإني قد أجبت إلى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه ، من جمع
كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي ـ صلى الله عليه وآله، ، وعن
الائمة من بعده إلى زمن القائم ـ عليهم السلام، ، ثم أذكر من تأخر زمانه عن الائمة من
رواة الحديث ( 26 ) .
ويقول المحقق الطهراني في مقدمته على « التبيان » ، عند البحث عن « الجمل
والعقود »:
قد رأيت منه عدة نسخ في النجف الاشرف ، وفي طهران ، ألفه بطلب من
خليفته في البلاد الشامية ، وهو القاضي ابن البراج ، وقد صرح في هامش بعض الكتب
القديمة بأن القاضي المذكور هو المراد بالشيخ ، كما ذكرناه في الذريعة ج 5
ص 145 ( 27 ) .
ويقول المحقق الشيخ محمد واعظ زاده في تقديمه على كتاب « الرسائل
العشر » :
وفي هامش النسخة من كتاب « الجمل والعقود » التي كانت بأيدينا ، قد قيد
أن الشيخ هو ابن البراج.
وعلى ذلك يحتمل أن يكون المراد من الشيخ الفاضل في هذه الكتب الثلاثة
هو الشيخ القاضي ابن البراج ، كما يحتمل أن يكون هو المراد في ما ذكره في أول كتاب
الفهرس حيث قال :
ولما تكرر من الشيخ الفاضل ـ أدام الله تأييده ـ الرغبة في ما يجري هذا
المجرى ، وتوالى منه الحث على ذلك ، ورأيته حريصا عليه ، عمدت إلى كتاب يشتمل
على ذكر المصنفات والاصول ولم افرد أحدهما عن الاخر... ، وألتمس بذلك القربة إلى
الله تعالى ، وجزيل ثوابه ، ووجوب حق الشيخ الفاضل ـ ادام الله تأييده ، وأرجو
أن يقع ذلك موافقا لما طلبه إن شاء الله تعالى ( 28 ) .
ونرى نظير ذلك في كتابه الخامس أعني « الغيبة » حيث يقول :
فإني مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل ـ أطال الله بقاه ، من إملاء كلام في
غيبة صاحب الزمان ( 29 ) .
وربما يحتمل أن يكون المراد من الشيخ في الكتاب الخامس ، هو الشيخ المفيد ،
ولكنه غير تام لوجهين.
أولا : أنه ـ قدس سره ـ قد عين تاريخ تأليف الكتاب عند البحث عن طول
عمره حيث قال :
فإن قيل ادعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات ، مع بقائه ـ على
قولكم ـ كامل العقل تام القوة والشباب ، لانه على قولكم في هذا الوقت الذي هو سنة
سبع وأربعين وأربعمائة...
ومن المعلوم أن الشيخ المفيد قد توفي قبل هذه السنة بـ 34 عاما.
أضف إلى ذلك أنه يصرح في أول كتاب الغيبة بأنه « رسمه مع
أضف إلى ذلك أن شيخ الطائفة ألف كتابا خاصا باسم « مسائل ابن
البراج » ، نقله شيخنا الطهراني في مقدمة « التبيان » عن فهرس الشيخ ( 31 ) .
لا شك أن ابن البراج ـ رحمه الله، ، أخذ أكثر علومه عن استاذه السيد
المرتضى ـ رحمه الله ـ وتخرج على يديه ، وحضر بحث شيخ الطائفة على النحو الذي
سمعت ، غير أننا لم نقف على أنه عمن أخذ أوليات دراساته في الادب وغيره.
وربما يقال أنه تتلمذ على المفيد ، كما في « رياض العلماء » ( 32 ) وهو بعيد
جدا ، لان المفيد توفي عام 413 هـ ، والقاضي بعد لم يبلغ الحلم لانه من مواليد 400 أو
بعام قبله ، ومثله لا يقدر على الاستفادة من بحث عالم نحرير كالمفيد ـ رحمه الله..
وقد ذكر التستري صاحب المقابيس أنه تلمذ على الشيخ أبي الفتح محمد بن
علي بن عثمان الكراجكي ، أحد تلاميذ المفيد ثم السيد ، ومؤلف كتاب « كنز الفوائد »
وغيره من المؤلفات البالغة ثلاثين تأليفاً ( 33 ) .
وقال في الرياض ناقلا عن المجلسي في فهرس بحاره : إن عبدالعزيز البراج
الطرابلسي من تلاميذ أبي الفتح الكراجكي ، ثم استدرك على المجلسي بأن تلميذه
هو القاضي عبدالعزيز بن ابي كامل الطرابلسي ، لا عبدالعزيز بن نحرير ( 34 ) .
غير أن التستري لم يذكر على ما قاله مصدرا ، نعم بحسب طبع الحال فقد أخذ
عن مثله.
وربما يقال بتلمذه على أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري ، صهر
الشيخ المفيد وخليفته ، والجالس محله الذي وصفه النجاشي في رجاله بقوله : بأنه
متكلم فقيه قيم بالامرين جميعا ( 35 ) .
ولم نقف على مصدر لهذا القول ، سوى ما ذكره الفاضل المعاصر الشيخ
كاظم مدير شانه جي في مقدمة كتابه لشرح « جمل العلم والعمل » للقاضي ابن براج.
وربما عد من مشايخه أبوالصلاح تقي الدين بن نجم الدين المولود عام 347
والمتوفى عام 447 ، عن عمر يناهز المائة ، وهو خليفة الشيخ في الديار الحلبية ، كما كان
القاضي خليفته في ناحية طرابلس.
كما يحتمل تلمذه على حمزة عبد العزيز الملقب بسلار المتوفى عام 463 ،
المدفون بقرية خسروشاه من ضواحي تبريز ، صاحب المراسم ولم نجد لذلك مصدراً وإنما هو وما قبله ظنون واحتمالات ، وتقريبات من الشيخ الفاضل المعاصر « مدير
شانه جي » ، وعلى ذلك فقد تلمذ المترجم له على الشيخ أبي عبدالله جعفر بن
محمد الدويريستي ، ثقة عين ، عدل ، قرأ على شيخنا المفيد ، والمرتضى
علم الهدى ( 36 ) .
وقد ذكر الفاضل المعاصر من مشايخه عبدالرحمان الرازي ، والشيخ المقرئ
ابن خشاب ، ونقله عن فهرس منتجب الدين ، غير أنا لم نقف على ذلك في فهرس
منتجب الدين وإنما الوارد فيه غير ذلك.
وليعلم أن الشيخ أبا يعلى غير محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي ، وهو الذي يقول فيه الشيخ
منتجب الدين : فقيه ، عالم ، واعظ له تصانيف منها : الوسيلة ، الواسطة ، الرائع في الشرائع ، المعجزات ، مسائل
في الفقه ، ( البحار ج 102 ص 271 ).
فقد قال الشيخ منتحب الدين : الشيخ المفيد أبو محمد عبدالرحمان بن
أحمد الحسين النيسابوري الخزاعي ، شيخ الاصحاب بالري ، حافظ ، ثقة واعظ ، سافر
في البلاد شرقا وغربا ، وسمع الاحاديث عن المؤالف والمخالف ، وقد قرأ على السيدين
علم الهدى المرتضى ، وأخيه الرضي ، والشيخ أبي جعفر الطوسي ، والمشايخ سالار ،
وابن البراج ، والكراجكي ـ رحمهم الله جميعا ـ
وقال أيضا : الشيخ المفيد عبدالجبار بن عبدالله بن علي المقرئ الرازي فقيه
الاصحاب بالري ، قرأ عليه في زمانه قاطبة المتعلمين من السادة والعلماء ، وقد قرأ
على الشيخ أبي جعفر الطوسي جميع تصانيفه وقرأ على الشيخين سالار وابن
البراج ( 37 ) .
قد ذكر القاضي في كتاب الاجارة تاريخ اشتغاله بكتابه باب الاجارة وهو
عام 467 ( 38 ) .
فالكتاب حصيلة ممارسة فقهية ، ومزاولة طويلة شغلت عمر المؤلف مدة
لا يستهان بها ، وعلى ذلك فهو ألف الكتاب بعد تخليه عن القضاء لانه اشتغل
بالقضاء عام 438 ، ومارسها بين عشرين وثلاثين عاما ، فعلى الاول كتبها بعد التخلي
عنه ، وعلى الثاني اشتغل بالكتابة في اخريات ممارسته للقضاء.
وعلى ذلك فالكتاب يتمتع بأهمية كبرى ، لانه ـ رحمه الله ـ وقف في أيام
توليه للقضاء على موضوعات ومسائل مطروحة على صعيد القضاء فتناولها بالبحث
في الكتاب ، وأوضح أحكامها ، فكم فرق بين كتاب فقهي يؤلف في زوايا المدرسة
من غير ممارسة عملية للقضاء ، وكتاب الف بعد الممارسة لها أو خلالها.
ولاجل ذلك يعتبر الكتاب الحاضر « المهذب » من محاسن عصره.
كان شيخنا المترجم له يجاهد على صعيد القضاء بينما هو يؤلف في موضوعات
فقهية وكلامية ، وفي نفس الوقت كان مفيدا ومدرسا ، فقد تخرج على يديه عدة من
الاعلام نشير إلى بعضهم :
1 ـ الحسن بن عبدالعزيز بن المحسن الجبهاني ( الجهياني ) المعدل بالقاهرة ،
فقيه ، ثقة ، قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي ، والشيخ ابن البراج ـ رحمهم الله جميعا ـ ( 39 ) .
2 ـ الداعي بن زيد بن علي بن الحسين بن الحسن الافطسي الحسيني الاوي ،
الذي عمر عمرا طويلا كما ذكره صاحب المعالم في إجازته الكبيرة ، وهو يروي
عن المرتضى ، والطوسي ، وسلار ، وابن البراج ، والتقي الحلبي جميع كتبهم وتصانيفهم
وجميع ما رووه واجيزلهم روايته ( 40 ) .
3 ـ الشيخ الامام شمس الاسلام الحسن بن حسين بن بابويه القمي ،
نزيل الري ، المدعو حسكا ، جد الشيخ منتجب الدين الذي يقول نجله في حقه : فقيه ،
ثقة ، قرأ على شيخنا الموفق أبي جعفر ـ قدس الله روحه ـ جميع تصانيفه بالغري ـ على
ساكنه السلام، ، وقرأ على الشيخين : سلار بن عبدالعزيز ، وابن البراج جميع
تصانيفهما ( 41 ) .
4 ـ الشيخ المفيد أبو محمد عبدالرحمان بن أحمد بن الحسين النيسابوري
الخزاعي.
5 ـ الشيخ المفيد عبدالجبار بن عبدالله بن علي المقري الرازي.
وقد توفي بطرابلس ، ودفن في حجرة القاضي ، كما حكي عن خط جد
صاحب المدارك ، عن خط الشهيد وكان حيا إلى عام 503 ( 42 ) .
وقد عرفت نص الشيخ منتجب الدين في حق الرجلين.
6 ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي ، فقيه ، صالح ، أدرك
وقال في « الرياض » : إنه يظهر من إجازة الشيخ علي الكركي للشيخ
على الميسي وغيرها من المواضع ، أنه يروي عن القاضي عبدالعزيز بن البراج ـ قدس
الله روحه ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن محسن الحلي ( 44 ) وينقل عنه.
وقال في تلك الاجازة في مدح ابن البراج هكذا : الشيخ السعيد الفقيه ،
الحبر ، العلامة ، عز الدين ، عبد العزين البراج ـ قدس الله سره ـ ( 45 ) .
7 ـ عبدالعزيز بن أبي كامل القاضي عز الدين الطرابلسي ، سمي شيخنا
المترجم له ، يروي عن المترجم له ، والشيخ الطوسي ، وسلار ، ويروي عنه عبدالله بن
عمر الطرابلسي كما في « حجة الذاهب » ( 46 ) .
8 ـ الشيخ كميح والد أبي جعفر ، يروي عن ابن البراج ( 47 ) .
9 و10 ـ الشيخان الفاضلان الاستاذان ابنا المؤلف : أبوالقاسم ( 48 ) .
وأبوجعفر اللذان يروي عنهما الراوندي والسروي وغيرهم ( 49 ) .
11 و12 ـ أبوالفتح الصيداوي وابن رزح ، من أصحابنا ( 50 ) .
هؤلاء من مشاهير تلاميذ القاضي وقفنا عليهم في غضون المعاجم ، وليست
تنحصر فيمن عددناهم.
1 ـ إنه كثيرا ما يشتبه الاستاذ بالتلميذ لاجل المشاركة في الاسم واللقب ،
قال في « رياض العلماء » : وعندي أن بعض أحوال القاضي سعد الدين
عبدالعزيز ابن البراج هذا ، قد اشتبه بأحوال القاضي عز الدين عبدالعزيز بن أبي
كامل الطرابلسي ( 51 ) .
ويظهر من الشهيد الاول في كتابه « الاربعين » ، في سند الحديث الثاني
والثلاثين ، وسند الحديث الثالث والثلاثين مغايرة الرجلين.
قال الشهيد الاول في سند الحديث الثاني والثلاثين:... القطب الراوندي ،
عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلي ( 52 ) ، قال : حدثنا الشيخ الفقيه
الامام سعد الدين أبوالقاسم عبدالعزيز بن نحرير بن البراج الطرابلسي ، قال : حدثنا
السيد الشريف المرتضى علم الهدى أبوالقاسم علي بن الحسين الموسوي ، إلى آخره ،
وفي سند الحديث الثالث والثلاثين... الشيخ أبو محمد عبدالله بن عمر الطرابلسي ،
عن القاضي عبدالعزيز بن أبي كامل الطرابلسي ، عن الشيخ الفقيه المحقق أبي الصلاح
تقي بن نجم الدين الحلبي ، عن السيد الامام المرتضى علم الهدى... إلى آخره ( 53 ) .
ولاحظ الذريعة ج 23 ص 294 فلا شك ـ كما ذكرنا ـ فإن القاضي ابن أبي
كامل تلميذ القاضي بن نحرير.
2 ـ يظهر من غضون المعاجم أن بعض ما ألفه القاضي في مجالات الفقه
كان مركزا للدراسة ، ومحورا للتدريس ، حيث أن الشيخ سعيد بن هبة الله بن الحسن
الراوندي ـ الشهير بالقطب الراوندي ـ كتب بخطه إجازة لولده على كتاب « الجواهر
في الفقه » لابن البراج عبدالعزيز وهذه صورتها :
قرأه على ولدي نصير الدين أبو عبدالله الحسين ـ أبقاه الله ومتعني به ، قراءة
اتقان ، وأجزت له أن يرويه عن الشيخ أبي جعفر محمد بن المحسن الحلبي عن المصنف ( 54 ) .
ولم تكن الدراسة لتقتصر على كتاب « الجواهر » ، بل كان كتابه الاخر وهو
ولذلك نرى أن الشيخ أبا محمد عبد الواحد الحبشي ، من تلاميذ القاضي
عبدالعزيز بن أبي كامل الطرابلسي ، قرأ الكامل عليه.
والكامل من مؤلفات شيخنا المترجم له ( 55 ) .
3 ـ نقل صاحب الرياض أنه تولى القضاء في طرابلس ، لدفع الضرر عن
نفسه بل عن غيره أيضا ، والتمكن من التصنيف ، وقد عمل أكثر الخلق ببركته بطريق
الشيعة ، وقد نصبه على القضاء جلال الملك عام 438 هـ ( 56 ) .
4 ـ وقد عبر العلامة الطباطبائي في منظومته عن القاضي بالحافي ، ولم نجد له
مصدرا قبله.
قال في منظومته :
5 ـ إن طرابلس بلد على ساحل البحر الابيض المتوسط وهي جزء من لبنان
الفعلي ، يقع في شماله ، وهي غير طرابلس عاصمة ليبيا ، وهي أيضا تقع على البحر
الابيض.
خلف المترجم له ثروة علمية غنية في الفقه والكلام ، تنبئ عن سعة باعه في
هذا المجال ، وتضلعه في هذا الفن.
وإليك ما وقفنا عليه من أسمائها في المعاجم :
1 ـ الجواهر : قال في رياض العلماء : رأيت نسخة منه في بلده ساري ، من
بلاد مازندران ، وهو كتاب لطيف ، وقد رأيت نسخة اخرى منه بإصفهان
عند الفاضل الهندي ، وقد أورد ـ قدس سره ـ فيه المسائل المستحسنة المستغربة
2 ـ شرح جمل العلم والعمل.
3 ـ المهذب.
4ـ روضة النفس.
5 ـ المقرب في الفقه ( الذريعة ج 22 ص 108 ).
6 ـ المعالم في الفروع ( الذريعة ج 21 ص 197 ).
7 ـ المنهاج في الفروع ( الذريعة ج 23 ص 155 ).
8 ـ الكامل في الفقه ، وينقل عنه المجلسي في بحاره ( الذريعة ج 17
ص 257 ).
9 ـ المعتمد في الفقه ( الذريعة ج 21 ص 214 ).
10 ـ الموجز في الفقه ، وربما ينسب إلى تلميذه ابن أبي كامل الطرابلسي
( لا حظ الذريعة ج 23 ص 251 ).
11 ـ عماد المحتاج في مناسك الحاج ( لا حظ الذريعة ج 15 ص 331 ).
ويظهر من الشيخ ابن شهر آشوب في « معالم العلماء » أن كتبه تدور
بين الاصول والفروع كما أن له كتابا في علم الكلام.
ولكنه مع الاسف قد ضاعت تلك الثروة العلمية ، وذهبت أدراج الرياح ولم
يبق إلا الكتب الثلاثة : الجواهر ، المهذب ، شرح جمل العلم والعمل.
ويظهر من ابن شهر آشوب أنه كان معروفا في القرن السادس بابن البراج ،
وهذا يفيد بأن البراج كان شخصية من الشخصيات ، حتى أنه نسب القاضي إلى
هذا البيت.
هذه هي كتبه وقد طبع منها « الجواهر » ضمن « الجوامع الفقهية » على وجه
غير نقي عن الغلط ، فينبغي لرواد العلم إخراجه وتحقيق متنه على نحو يلائم العصر.
كما أنه طبع من مؤلفاته « شرح جمل العلم والعمل » بتحقيق الاستاذ كاظم
مدير شانه جي.
وها هو « المهذب » نقدمه إلى القراء الكرام ، بتحقيق وتصحيح وتعليق ثلة
وقد كان سيدنا الاستاذ آية الله العظمى البروجردي ـ قدس الله سره ـ يحث
الطلاب على المراجعة إلى المتون الفقهية المؤلفة بيد الفقهاء القدامى وكان يعتبر الشهرة
الفتوائية على وجه لا يقل عن الاجماع المحصل.
وكان من نواياه ـ قدس سره ـ طبع بعض الكتب الفهية الاصيلة منها :
1 ـ الكافي ، للفقيه أبي الصلاح الحلبي.
2 ـ الجامع للشرائع ، ليحيى بن سعيد الحلي.
3 ـ كشف الرموز ، للفقيه عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الابي ،
تلميذ المحقق وشارح كتاب « النافع » شرحا حسنا متوسطا وقد أسماه ، ـ كما عرفت ـ بـ
« كشف الرموز ».
4 ـ المهذب ، للقاضي ابن البراج.
وقد طبع الاول ـ بفضل الله ـ بتحقيق الشيخ الفاضل رضا استادي.
وطبع « الجامع » للحلي بتحقيق ثلة من الافاضل مع تقديمنا له.
وأما الثالث فسوف نقوم بتحقيقه وتصحيحه وطبعه بعد جمع مخطوطاته
الاصلية من المكتبات إن شاء الله.
وها هو « المهذب » وقد حققت نصوصه بعد تحمل المشاق في جمع مخطوطاته
الاصلية.
وقد قام بهذا الجهد العلمي ـ الذي لا يعرف مداه سوى من له إلمام بتحقيق
الكتب ـ لفيف من الفضلاء بين مستنسخ ومقابل ومحقق نصوصه ومستخرج أحاديثه
إلى غير ذلك من الامور التي يقف عليها القارئ عند المراجعة وقد ذكرنا أسماءهم
في المقدمة التي طبعت مع الكتاب في الجزء الاول والثاني.
وإليك وصف النسخ التي وقف عليها المحققون وعملوا على ضوئها وهي
ثمان نسخ :
1 ـ نسخة فتوغرافية اخذت عن النسخة المخطوطة في مكتبة المرجع الديني
الاعلى السيد آقا حسين الطباطبائي البروجردي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ وهي نسخة
جديدة مصححة كاملة ، جيدة الخط ، وكانت سنة استنساخها 1348 الهجرية
القمرية.
2 ـ نسخة جيدة غير مصححة ، وهي تشتمل على كتاب الاقرار إلى كتاب
المواريث ، وهي في خزانة كتب السيد العلامة الحجة الاية السيد آقا حسين الخادمي
الاصفهاني ـ قدس الله سره ـ وليس فيها ذكر من سنة الاستنساخ ، 112 ق ، 19 س ،
سم.
3 ـ نسخة غير كاملة ولا مصححة ، جيدة الخط ، من خزانة كتب الحجة الاية
الحاج السيد مصطفى الصفائي الخونساري دام ظله ، وهي تشتمل على كتاب الطهارة
إلى كتاب الزكاة ، وليس فيها ذكر من سنة الاستنساخ... ق ، 19 س ، 15*21
سم.
4 ـ نسخة غير كاملة ولا مصححة ، من خزانة كتب السيد المرجع الديني
النجفي المرعشي دام ظله ، وهي تشتمل على كتاب الطهارة إلى كتاب الزكاة ليس
فيها ذكر من سنة الاستنساخ ، ق، 17 س ، 15*22 سم.
5 ـ نسخة عتيقه غير مصححة ولا كاملة ، من خزانة كتب « جامعة طهران »
ليس فيها ذكر من سنة الاستنساخ ، وهي تشتمل على كتاب الطهارة إلى آخر أبواب
الصلاة ، ق، 57 س ، 10*16 سم.
6 ـ نسخة كاملة جديدة جيدة الخط ، غير مصححة ، من مكتبة الخطيب
المصقع الشيخ علي أصغر مرواريد الخراساني ، وكانت سنة استنساخها 1241
الهجرية القمرية ، 348 ق ، 20 س ، 15*20 سم.
7 ـ نسخة مكتبة « دار القرآن الكريم » في قم المشرفة ، لمؤسسها آية الله
العظمى الكلبايكاني ، نسخت عام 1256 ، وهي من أول كتاب الاجارة إلى
آخر الكتاب.
8 ـ نسخة مكتبة الروضة المقدسة الرضوية ، وهي نسخة ثمينة عتيقة جدّاً ،
من كتاب الاجارة إلى آخر الكتاب ، وقد نسخت عام 651 الهجرية ، المحفوظة
في الخزانة برقم 2598|388 ، وعليها علامة وقف حبيب الله الواعظ ، 217 ق ، 21
س ، 7 * 26 سم.
*
*
مدرسة آل محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ غنية بالاعلام الذين هم قمم سامقة في
مختلف العلوم ، وبدور مشرقة في مكارم الاخلاق ، ومصابيح مضيئة تنير الدرب لكل
الناس.
ما تخرجوا من هذه المدرسة المباركة التي أذن الله أن ترفع إلا وقد تسلحوا بأمضى
أسلحة العلم ، وقطفوا أينع ثمرات الفكر ـ كل الفكر الانساني بمختلف فنونه ـ مصقولا
مصفى ، موزونا بميزان الوحي الالهي ، معروضا على كلام العترة الطاهرة.
من هؤلاء الاعلام السيد حامد حسين صاحب كتاب « عبقات الانوار »
الكتاب الضخم الفخم الذي حوى أقوى الحجج وأسطع البراهين في الدلالة
على الصراط المستقيم ، صراط محمد وآله ـ صلوات الله عليه وعليهم..
وتصادف هذه السنة الذكرى المئوية لوفاته فقد انتقل ـ قدس الله روحه ـ إلى
جوار ربه الكريم في الثامن عشر من صفر الخير سنة 1306 هـ.
ونشرة « تراثنا » إذ تحيي ذكرى هذا المقدس الجليل تبتهل إلى العلي القدير أن
يتغمد روحه الطاهرة في الطاهرين ، وأن يوفقنا لاداء بعض حقه في مواصلة اداء رسالته.